٥ - بَابُ البَيْعَةِ عَلَى الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية المبايعة على أداء الصلوات الخمس.
والبيعة: -بفتح فسكون- بذل الطاعة للإمام، قاله المناوي وقال الراغب: وَبَايَعَ السلطان: إذا تَضَمَّنَ بَذْلَ الطاعة له بما رضخ له، ويقال لذلك بَيْعَة، ومُبَايَعَة. اهـ .
٤٦٠ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُسْهِرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ، عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْحَبِيبُ الأَمِينُ: عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الأَشْجَعِيُّ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «أَلَا تُبَايِعُونَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -»، فَرَدَّدَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَدَّمْنَا أَيْدِيَنَا، فَبَايَعْنَاهُ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ بَايَعْنَاكَ، فَعَلَامَ؟ قَالَ: «عَلَى أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ، وَلَا
تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ»، وَأَسَرَّ كَلِمَةً خَفِيَّةً «أَنْ لَا تَسْأَلُوا النَّاسَ شَيْئًا».
رجال الإسناد: سبعة
١ - (عمرو بن منصور) النسائي، أبو سعيد الخافظ، ثقة ثبت، من [١١]، أخرج له النسائي، وتقدم في ١٠٨/ ١٤٧.
٢ - (أبو مسهر) عبد الأعلى بن مُسْهِر الغَسَّاني الدمشقي، ثقة فاضل من كبار [١٠].
وفي تهذيب الكمال: ذكره ابن سعد في الطبقة السابعة من أهل الشام، وقال أبو زرعة الدمشقي: قال لي أحمد بن حنبل: كان عندكم ثلاثة أصحاب حديث: مروانُ، والوليدُ، وأبو مسهر. وقال أبو داود: سمعت أحمد يقول: رَحِمَ اللهُ أبا مسهر، ما كان أثبته، وجَعَلَ يُطْرِيه.
وقال أبو الحسن الميموني: وذكر يوما -يعني أحمد بن حنبل- أبا مسهر الشامي، فقال: كَيّسٌ، عالم بالشاميين، قلت: وبالنسب؟ قال: نعم، زَعَمُوا. وقال أبو بكر بن أبي خيثمة عن يحيى بن معين، وأبو حاتم، وأحمد بن عبد الله العجلي: ثقة. وقال أحمد بن أبي الحواري عن يحيى بن معين: ما رأيت منذ خرجت من بلادي أحدًا أشبه بالمشْيَخَةِ الذين أدركتهم من أبي مسهر، والذي يحدث وفي البلد أولى
منه فهو أحمق.
وقال إبراهيم بن يعقوب الجُوزَجَانِّي: سمعت يحيى بن معين يقول: إنّ الذي يحدث بالبلد وبها من هوَ أولى منه بالحديث أحمق، إذا رأيتني أحدث ببلدة فيها مثل أبي مسهر، فينبغي لِلِحَيتي أن تُحْلَقَ، وأمَرّ يَدَهُ على لحيته.
وقال أبو زرعة الدمشقي عن أبي مسهر: وُلِدَ لي، والأوزاعيُّ حي، وجالستُ سعيدَ بنَ عبد العزيز ثنتي عشرة سنة، وما كان أحد من أصحابه أحفظ لحديثه مني، غير أني نسيت.
وقال في موضع آخر: سمعت أبا مسهر يقول: قال سعيد بن عبد العزيز: ما رأيت أحسن مسألة منك بعد سليمان بن موسى. وقال أيضا قال لي سعيد: ما شَبَّهْتُكَ في الحفظ إلا بجَدِّكَ أبى ذُرَامَةَ، ما كان يسمع شيئًا إلا حفظه.
وقال أبو زرعة الدمشقي: قال محمد بن عثمان التَّنُوخيُّ: ما بالشام مثل أبي مسهر، وذكر أبا مسهر، فقال: كان أحفظ الناس، فقلت له: قال يحيى بن معين: منذ خرجت من باب الأنبار إلى أن رجعت لم أرَ مِثلَ أبي مسهر. قال: صَدَقَ، وجعل يُثْنِي عليه. وقال فَيَّاض بن زُهَير عن يحيى بن معين: من ثَبَّتهُ أبو مسهر من الشاميين فهو ثَبْت.
وقال أبو زرعة الدمشقي أيضًا: رأيت أبا مسهر يحضر المسجد الجامع بأحسن هيئة في البياض والساج والخف، ويَعْتَمُّ على شامية
طويلة بعمامة سوداء عَدَنِيَّة.
وقال عبد الملك بن الأصبغ عن مروان بن محمد: أين أنا من أبي مسهر، كان سعيد بن عبد العزيز يسند أبا مسهر معه في صدر المجلس، وأنا بين يدي سعيد في طيلساني عشرون رُقْعَةً.
وقال أبو حاتم الرازي: ما رأيت ممن كَتَبْنَا عنه أفصح من أبي مسهر، وما رأيت أحدًا في كورة من الكُوَرِ أعظم قدرًا، ولا أجل عند أهلها من أبي مسهر بدمشق، وكنت أرَىَ أبا مسهر إذا خرج إلى المسجد اصطَّف الناس يسلمون عليه ويقبلون يده.
وقال أحمد بن علي بن الحسن البصري: سمعت أبا داود، وقيل له: إن أبا مسهر كان متكبرًا في نفسه، فقال: كان من ثقات الناس، رَحِمَ الله أبا مسهر لقد كان من الإسلام بمكان، حُمِلَ على الِمحْنَة فَأبَى، وحُمِلَ على السيف فمدَّ رأسه وجُرِّدَ السيفُ فأبى أن يجيب، فلما رأوا ذلك منه حُمِلَ إلى السجن، فمات.
وقال أبو حاتم بن حبان: كان إمام أهل الشام في الحفظ والإتقان، ممن عُنِي بأنساب أهل بلده وأنبائهم، وإليه يرجع أهل الشام في الجرح والعدالة لشيوخهم.
وقال محمد بن سعد: كان رَاوِيَةً لسعيد بن عبد العزيز وغيره من الشاميين، وكان أشْخِصَ من دمشق إلى عبد الله بن هارون -يعني المأمون- وهو بالرَّقَّةِ، فسَأله عن القرآن؟ فقال: هو كلام الله، وأبي أن
يقول: مخلوق، فدعا له بالسيف والنَّطع ليضرب عنقه، فلما رأى ذلك، قال: مخلوق، فتركه من القتل، وقال: أما إنك لو قلت ذاك قبل أن أدعو لك بالسيف لقبلت منك، ورددتك إلى بلادك وأهلك، ولكنك تخرج الآن فتقول: قلت ذلك فَرَقًا من القتل، أشخصوه إلى بغداد فاحبسوه بها حتى يموت، فأشخص من الرَّقَّة إلى بغداد في شهر ربيع الآخر من سنة (٢١٨) فحُبِس قبل إسحاق بن إبراهيم، فلم يلبث في الحبس إلا يسيرًا حتى مات فيه في غُرَّة رجب سنة (٢١٨) فأخرج ليُدْفَنَ، فشهده قوم كثير من أهل بغداد.
وُلِدَ أبو مسهر في صفر سنة (١٤٠) ومات سنة (٢١٨) وله ٧٨ سنة. أخرج له الجماعة.
٣ - (سعيد بن عبد العزيز) التَّنُوخيُّ الدمشقي، ثقة إمام، سَوَّاه أحمد بالأوزاعي، وقَدَّمَه أبو مسهر لكنهَ إختلط في آخر عمره، من [٧].
وفي «تت»: سعيد بن عبد العزيز بن أبي يحيى أبو محمد، ويقال: أبو عبد العزيز الدمشقي؛ قرأ القرآن على ابن عامر ويزيد بن أبي مالك، وسأل عطاءَ بنَ أبي رباح. قال أحمد: ليس بالشام رجل أصح حديثًا من سعيد بن عبد العزيز، هو والأوزاعي عندي سواء، ووثَّقه ابن معين وأبو حاتم، والعجلي.
وقال أبو زرعة الدمشقي: قلت لِدُحَيْم: مَنْ بَعْدَ عبد الرحمن
ابن يزيد بن جابر من أصحاب مكحول؟ قال: الأوزاعي، وسعيد، قال: قلت ليحيى بن معين، وذكرت له الحجةَ: محمدُ بنُ إسحاق منهم؟ قال: كان ثقة، إنما الحجة عبيد الله بن عمر، ومالك، والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، وقال عمرو بن علي: حديث الشاميين ضعيف إلا نَفَرًا: منهم الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، وقال أبو حاتم: كان أبو مسهر يقدم سعيد بن عبد العزيز على الأوزاعي، ولا أقدم بالشام بعد الأوزاعي على سعيد أحدًا، وقال مروان بن محمد: كان علم سعيد في صدره، وقال النسائي: ثقة ثبت، وقال أبو مسهر: كان قد اختلط قبل موته.
وقال الحاكم: هو لأهل الشام كمالك لأهل المدينة، في التقدم والفضل، والفقه، والإمامة، وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله، وقال أبو جعفر العامري: رأى أنسًا، وكان فاضلا دَيِّنًا وَرعًا، وكان مفتي أهل دمشق، وقال ابن حبان في الثقات: كان من عُبَّادِ أهل الشام وفقهائهم ومتقنيهم في الرواية.
وقال الآجري عن أبي داود: تَغَيَّرَ قبل موته، وكذا قال حمزة الكناني، وقال البخاري في تاريخه: قال علي عن الوليد بن مسلم: أحدثكم عن الثقات: صفوان بن عَمْرو، وابن جابر، وسعيد بن عبد العزيز، وقال الدُّوري عن ابن معين: اختلط قبل موته، وكان يعرض عليه، فيقول: لا أجيزها، لا أجيزها.
ولد سنة ٩٠، وتوفي سنة ١٦٧، وقيل: ١٦٨. أخرج له الجماعة.
٤ - (ربيعة بن يزيد) الدمشقي، أبو شُعَيبٍ الإيادي القَصِيرُ، ثقة عابد، توفي سنة ١٢١ أو ١٢٣، من [٤]، أخرج له الجماعة، وتقدم في ١٠٩/ ١٤٨.
٥ - (أبو إِدريس الخَوْلاني) عائذ الله بن عبد الله، ولد في حياة النبي - ﷺ - يوم حُنَين، وسمع من كبار الصحابة، كان عالم الشام بعد أبي الدرداء، وتقدم في ٧٢/ ٨٨.
٦ - (أبو مسلم الخَوْلاني) عبد الله بن ثُوَب -بضم المثلثة وفتح الواو بعدها موحدة- وقيل: بإشباع الواو، وقيل: ابن أثْوَب -وزان أحْمَر- ويقال: ابن عوف، أو ابن مِشْكَم، ويقال: اسمه يعقوب بن عوف الشامي الزاهد، ثقة عابد، من [٢].
وفي «تت»: اليماني الزاهد الشامي، رَحَلَ إلى النبي - ﷺ -، فمات النبي - ﷺ - وهو في الطريق، فلقي أبا بكر، وذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من تابعي أهل الشام، وقال: كان ثقة، توفي زمن يزيد بن معاوية، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: ثقة، وقال العجلي: شامي تابعي ثقة من كبار التابعين، له في الكتب حديثٌ واحد عن عوف بن مالك. وعند الترمذي آخر عن معاذ.
وقال ابن عبد البر: أدرك الجاهلية، وأسلم قبل وفاة النبي - ﷺ -، وهو معدود في كبار التابعين، وكان ناسكا عابدا، له كرامات.
ورَوَى ابن سعد في الطبقات عن شُرَحْبِيلَ بن مسلم، أن الأسود بن
قيس ذا الحمار تَنَبَّأ في اليمن، فبعث إلى أبي مسلم، فلما جاء قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: ما أسمع، قال: أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ قال: نعم، قال: فردد ذلك مرارًا، فأمر بنار عظيمة، فأجِّجَتْ، ثم ألقي فيها، فلم تضره، فأمره بالرحيل، فأتى المدينة، وقد مات النبي - ﷺ -، واستخلف أبو بكر فذكر قصة الحديث في قول عمر لأبي بكر: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد - ﷺ - من فُعِل به كما فُعِل بإبراهيم. اهـ. أخرج له مسلم، والأربعة.
٧ - (عوف بن مالك) الأشجعي، أبو حَمَّاد، ويقال غير ذلك، صحابي مشهور، من مُسْلمَة الفتح، وسكن دمشق، ومات سنة ٧٣، وأخرج له الجماعة، وتقدمَ فيَ ٥٠/ ٦٢. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعيات المصنف، ومنها: أن رواته كلهم ثقات.
ومنها: أنهم شاميون إلا شيخه؛ فنسائي. ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض: ربيعة، وأبو إدريس، وأبو مسلم.
ومنها: أن شيخه من أفراده؛ لم يرو عنه غيره من أصحاب الأصول. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي مسلم) عبد الله بن ثُوَب، وقيل غيره (الخَوْلاني) -بفتح الخاء المعجمة وسكون الواو- نسبة إلى خَوْلان قبيلة نَزَلَت الشامَ، أنه (قال: أخبرني الحبيب الأمين) فعيل بمعنى مفعول، أي: المحبوب
المأمون، زاد في رواية مسلم «أما هو فحبيب إليّ، وأما هو عندي فأمين» (عوف بن مالك) بالرفع بدل من الحبيب، أو عطف بيان له (الأشجعي) نسبة إلى أشجع بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عَيْلان، قبيلة مشهورة. قاله في «اللباب» جـ ١ ص ٦٤.
(قال) بدل من أخبرني، أو في محل نصب على الحال من الحبيب (كنا عند رسول الله - ﷺ -) ولمسلم وأبي داود «كنا عند رسول الله - ﷺ - تسعة، أو ثمانية، أو سبعة»، (فقال) رسول الله - ﷺ - (ألا تبايعون) «ألا» هنا للعرض والتحضيض، ومعناهما طلب الشيء، لكن العرض طلب بلين، والتحضيض طلب بحَثٍّ، وتختص «ألا» هذه بالجملة الفعلية، نحو، ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا﴾ [التوبة: ١٣]. قاله ابن هشام في مغنيه جـ ١ ص ٦٦ ففيه الحث على مبايعته - ﷺ -.
(رسول الله - ﷺ -) مفعول «تبايعون»، وإنما قال: «رسول الله» ولم يقل «تبايعوني» تنبيهًا على أن العلة الباعثة على المبايعة هي الرسالة. وجملة «- ﷺ -» يحتمل أن تكون منه - ﷺ -، وأن تكون من غيره. أفاده السندي.
(قال الجامع): الظاهر الثاني، والله تعالى أعلم.
(فرددها) أي المقالة؛ أي كرر النبي - ﷺ - مقالته المذكورة (ثلاث مرات) تأكيدًا عليهم، قال عوف (فقدّمنا) من التقديم، أي مددنا (أيدينا) للمبايعة امتثالًا لأمره - ﷺ - (فبايعناه) أي أردنا مبايعته،
(فقلنا: يا رسول الله قد بايعناك) وإنما قالوا ذلك لظنهم نسيانه - ﷺ - كونهم مبايعين له، حيث إنهم كانوا قريبي عهد بالمبايعة؛ ففي رواية أبي داود «وكنا حديث عهد ببيعة»، فأرادوا تذكيره بذلك، أو أنهم أرادوا أن يستوضحوا ما هي البيعة المطلوبة منهم الآن؟ كما يدل عليه قولهم (فعلام) أي على أي شيء نبايعك، فـ «ما» استفهامية، وحذفت ألفها تخفيفًا، لكونها مجرورة، وتلحقها هاءُ السكت في الوقف، كما قال في «الخلاصة»:
ومَا في الاسْتِفْهَامِ إِنْ جُرَّتْ حُذِفْ … ألِفُها وأوْلِهَا الها إِنْ تَقِفْ
وفي بعض النسغ «فعلاما» بإثبات الألف، وفي رواية أبي داود: «فعلام نبايعك».
(قال) - ﷺ - (على أن تعبدوا الله) متعلق بمحذوف، أي تبايعوني على عبادة الله تعالى، أي طاعته (ولا تشركوا به شيئًا) يحتمل أن يكون «شيئًا» مفعولًا به، أي لا تشركوا به شيئًا من الأشياء من غير فرق بين حيّ وميت وجَمَاد وحيوان، ويحتمل أن يكون مفعولًا مطلقًا، أي لا تشركوا به شيئًا من الشرك الأكبر، والأصغر، والجليّ، والخَفيّ، (والصلوات الخمس) عطف على قوله «أن تعبدوا الله»، أي وعلىَ إقامة الصلوات الخمس، زاد في رواية أبي داود «وتسمعوا، وتطيعوا»، قال عوف ﵁ (وأسرَّ) من الإسرار أي أخفى النبي - ﷺ - (كلمة خَفيَّة) أي لم يجهر بها كما جهر بما تقدم، وقوله (أن لا تسألوا الناس شيئًا) في تأويل المصدر بدل من «كلمة»، أو خبر لمحذوف؛ أي هي عدم سؤال الناس شيئًا.
والمراد بالسؤال: السؤال المتعلق بالأمور الدنيوية، فلا يتناول السؤال للعلم وأمور الدين، لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].
وقال في «المنهل»: والحكمة في إسرار النهي عن السؤال أن يختص به بعضهم دون بعض، لأنَّ منَ الناس مَنْ لابُدَّ له من السؤال لحاجته، ومنهم الغني عنه بماله، أو بالتَعفف، اهـ. جـ ٩ ص ٢٨٠.
زاد في رواية مسلم، وأبي داود في آخر الحديث: «قال» يعني عوفًا «فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم، فما يسأل أحدًا يناوله إياه».
والله أعلم ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عوف بن مالك ﵁ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا في «المجتبى» (٤٦٠) وفي «الكبرى» (٣٢٠) فقط.
المسألط افالثة: فيمن أخرجه معه من أصحاب الأصول:
أخرجه مسلم، وأبو داود، وابن ماجه. فأخرجه مسلم في «الزكاة» عن عبد الله بن عبد الرحمن، وسَلَمَة بن شَبيب، كلاهما عن مَرْوَان بن محمد الدمشقي.
وأخرجه أبو داود في «الزكاة» أيضا عن هشام بن عمَّار، عن الوليد بن مسلم.
وأخرجه ابن ماجه في «الجهاد» عن هشام بن عَمَّار، عن الوليد، كلاهما عن سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخَوْلانِيّ، عن أبي مسلم الخولاني، عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: بيانُ ما كان عليه النبي - ﷺ - من الحرص على نشر الدعوة وتبليغ الأحكام كُلَّمَا وَجَدَ إلى ذلك سبيلًا.
ومنها: مشروعية التعاهد على البر والتقوى.
ومنها: التنفير من سؤال الناس، ولو يسيرًا. وقد وردت أحاديث في التحذير عن المسألة:
منها: حديث ابن عمر ﵄: أنّ النبي - ﷺ - قال «لا تزال المسألة بأحدكم حتى يَلْقَى الله تعالى وليس في وجهه مُزْعَةُ لَحْمٍ». أي قطعة لحم. رواه الشيخان والمصنف.
ومنها: حديث سَمُرَة بن جُنْدُبَ ﵁: أن رسول الله - ﷺ - قال. «إنما المسائل كُدُوح يَكْدَحُ بها الرجلُ وَجْهَهُ، فمن شاء أبْقَى على وجهه، ومن شاء ترك، إلا أن يسأل ذا سلطان، أو في أمر لا يَجِدَ منه بُدًا». رواه أبو داود والمصنف والترمذي. وقال: حسن صحيح.
ومنها: حديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من سأل الناس تَكَثُّرًا فإنما يسأل جَمْرًا، فليستقلَّ أو ليستكثر». رواه مسلم وابن ماجه.
ومنها: حديث علي ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من سَألَ مسألة عن ظَهْرِ غنِىً استكَثَر بها من رَضْف جهنم»، قالوا: وما ظهر غنى؟ قال «عَشَاءُ ليلة». رواه الطبراني في الأوسط بإسناد جيد.
وقد أورد المنذري في الترغيب والترهيب أحاديث كثيرة فراجعه جـ ٢ ص ٢ - ١٤.
وقد اختلف العلماء في حَدِّ الغِنَى الذي يمنع عن المسألة لاختلاف الآثار في ذلك، وسنذكر الأقوال مع ترجيح الراجح منها في كتاب الزكاة إن شاء الله تعالى.
(ومن فوائد الحديث) ما ذكره النووي ﵀ في الزيادة التي في مسلم وأبي داود، وهي «فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم، فما يسأل أحَدًا يناوله إياه». قال: وفيه الأخذ بالعموم، لأنهم نُهُوا عن السؤال، فحملوه على العموم. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.