٧ - بَابُ فَضْلِ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على فضل الصلوات الخمس.
٤٦٢ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ، هَلْ يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ؟ قَالُوا: لَا يَبْقَى مِنْ دَرَنِهِ شَيْءٌ، قَالَ: فَكَذَلِكَ مَثَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، يَمْحُو اللهُ بِهِنَّ الْخَطَايَا».
رجال الإسناد: ستة
١ - (قتيبة) بن سعيد البَغْلاني، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١.
٢ - (الليث) بن سعد أبو الحارث الفَهْمي الإمام، ثقة ثَبْت حُجَّة فقيه، من [٧]، تقدم في ٣١/ ٣٥.
٣ - (ابن الهاد) هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي، أبو عبد الله المدني، ثقة مكثر، من [٥]، تقدم في ٧٣/ ٩٠.
٤ - (محمد بن إِبراهيم) بن الحارث بن خالد التيمي،
أبو عبد الله المدني، ثقة له أفراد، توفي سنة ١٢٠ على الصحيح، من [٤]، تقدم في ٦٠/ ٧٥.
٥ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، ثقة، مكثر، توفي سنة ٩٤، من [٣]، تقدم في ١/ ١.
٦ - (أبو هريرة) الدوسي الصحابي الجليل ﵁ تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسياته، وأن رجاله ثقات أجلاء، اتفقوا على الإخراج لهم، وأنهم مدنيون إلا شيخه فبغلاني، وليثًا فمصري.
ومنها: أن فيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، ابن الهادي، ومحمد بن إبراهيم، وأبا سلمة.
ومنها: أن أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وأنه ممن اشتهر بكنيته.
ومنها: أن أبا هريرة رئيس المكثرين السبعة رَوَى ٥٣٧٤ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله - ﷺ - قال:
(أرأيتم) الهمزة للاستفهام على سبيل التقرير، والتاء للخطاب، ومعناه أخبروني، ويُرْوَى «أرأيتكم» بالكاف والميم، ولا محل لهما من الإعراب. قاله البدر العيني (لو أن نهرًا) قال الطيبي: لفظ «لو» يقتضي أن يدخل على الفعل، وأن يُجَاب، لكنه وضع الاستفهام موضعه تأكيدًا وتقريرًا، والتقدير: لو ثبت نهر صفته كذا لما بقي كذا.
والنهر -بفتح الهاء وسكونها- ما بين جَنْبَتَيِ الوادي، سمي بذلك لسعته، وكذلك سمي النهار لسعة ضوئه اهـ. «فتح» جـ ٢ ص ١٥، وعمدة جـ ٥ ص ١٥.
(بباب أحدكم) جار ومجرور في محل نصب صفة لنهر، أي نهرًا كائنًا بباب أحدكم (يغتسل منه) جملة في محل نصب على الحال من نهر، أو صفة له بعد صفة (كل يوم) منصوب على الظرفية متعلق بيغتسل (خمس مرات) مفعول مطلق ليغتسل على النيابة، أي
اغتسالًا خمس مرات (هل يَبْقَى) من البقاء مضارع بَقِيَ ثلاثيًا، وللبخاري «يبقي» من الإبقاء رباعيًا (من درنه) متعلق بيبقى.
والدرن -بفتح الدال والراء-: الوسخ، قال في الفتح: وقد يطلق الدَّرَنُ على الحَبِّ الصغار التي تحصل في بعض الأجساد.
قال الجامع. لم أجد هذا الإطلاق في «ق» ولا في «اللسان»، ولا في «المصباح»، ولا في «المختار»، لكن قال في «المعجم الوسيط»: الدَّرَن من أمراض الرئتين مُحْدَثَةٌ. اهـ. فعلى هذا كونه مرادًا في الحديث
بعيد، فتدبر. والله أعلم.
(شيء) بالرفع فاعل يبقى (قالوا: لا يَبْقَى من درنه) بعد هذه الاغتسالات المتكررة (شيء) من الوسخ (قال) - ﷺ - (فكذلك) وعند البخاري: «فذلك»، والفاء داخلة في جواب شرط مقدر، واسم الإشارة راجع إلى الاغتسال المفهوم، أي إذا أقررتم أن هذا الاغتسال لا يُبْقي من درنه شيئًا، وصح لَدَيْكُم هذا، فهو (مثْلُ الصلَوات الخمس) المثْلُ -بكسر فسكون، وبفتحتين، ويقال أيضًا: المَثِيل وزان كَرِيم: الشَّبيَهُ، وقيل: المثل بكسر فسكون: الشِّبْه، والمثل بفتَحتين: الوصف. أفَاده في «المصباح».
فمعنى الحديث أنَّ ما ذكره من الاغتسال شبيه بالصلوات الخمس، أو ما ذكر من إزالة الوسخ على وجه أبلغ صفة الصلوات الخمس. وجملة قوله (يمحو الله بهن الخطايا) في محل نصب على الحال من الصلوات، أي حال كونه ﷾ مُزِيلًا بهذه الصلوات الخمس خطايا المصلي.
قال السندي ﵀: إن قلت من أيِّ التشبيه هذا التشبيُه؟
قلت: هو من تشبيه الهيئة بالهيئة، ولا حاجة فيه إلى تكلف اعتبار تشبيه الأجزاء بالأجزاء، فلا يقال: أيُّ شيء يُعْتَبَرُ مثلًا للنهر في جانب الصلاة اهـ.
وقال في «الفتح»: وفائدة التمثيل التأكيد، وجعل المعقول كالمحسوس.
وقال الطيبي: في هذا الحديث مبالغة في نفي الذنوب، لأنهم لم يقتصروا في الجواب علي «لا» بل أعادوا اللفظ تأكيدًا.
وقال ابن العربي: وجه التمثيل أن المرء كما يتدنس بالأقذار المحسوسة في بدنه وثيابه، ويطهره الماءُ الكثيرُ، فكذلك الصلوات تطهر العبَد عن أقذار الذنوب حتى لا تُبْقِي له ذنبًا إلا أسقطته. انتهى.
وظاهره أن الخطايا في الحديث ما هو أعم من الصغيرة والكبيرة، لكن قال ابن بطال: يؤخذ من الحديث أن المراد الصغائر خاصة، لأنه شبه الخطايا بالدَّرَن، والدرنُ صغيرٌ بالنسبة إلى ما هو أكبر منَه من القُرُ وح والخُرَاجَات. انتهى.
قال الحافظ: وهو مبني على أن المراد بالدرن في الحديث الحب، والظاهر أن المراد به الوسخ، لأنه هو الذي يناسبه الاغتسال والتَّنَظُّفُ. اهـ. فتح.
قال الجامع: إطلاق الدرن على الحب المذكور ليس معروفًا كما سبق، فلا ينبغي حمل الحديث عليه، بل الأولى أن المراد به الوسخ، ولا سيما وقد جاء التصريح به في حديث أبي سعيد الخدري، فقد أخرج البزار والطبراني بإسناد لا بأس به، كما قال الحافظ من طريق عطاء بن يسار أنه سمع أبا سعيد الخدري ﵁ يحدث أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «أرَأيْتَ لو أنَّ رَجُلًا كان لهُ مُعْتَمَلٌ، وبين منزله ومعتمله خمسةُ أنهار، فإذا انطلق إلى مُعْتَمَلِهِ عَمِلَ ما شاء اللهُ، فأصابه وَسَخٌ،
أو عَرَقٌ، فكلما مَرَّ بنهر اغتسل منه …» الحديث.
ولهذا قال القرطبي: ظاهر الحديث أن الصلوات الخمس تَسْتَقِلُّ بتكفير جميع الذنوب، وهو مشكل، لكن رَوَى مسلم قبله حديث العلاء عن أبي هريرة مرفوعًا «الصلواتُ الخمسُ كفارة لما بينها ما اجْتُنِبَتِ الكبائرُ» فعلى هذا المُقَيَّدِ يُحْمَلُ ما أطْلِقَ في غيره.
وقال ابن بزيزة في شرح الأحكام: يتوجه على حديث العلاء إشكال يَصْعُبُ التخلصُ منه، وذلك أن الصغائر بنص القرآن مُكَفَّرة باجتناب الكبائر، وإذا كان كذلك فما الذي تكفره الصلوات الخمس؟ انتهى.
قال الحافظ: وقد أجاب شيخنا الإمام البُلْقِيِنيُّ بأن السؤال غير وارد، لأن مراد الله «إن تجتنبوا» أي في جميع العمر، ومعناه الموافاة على هذه الحالة من وقت الإيمان أو التكليف إلى الموت، والذي في الحديث أن الصلوات الخمس تُكَفَّرُ ما بينها، أي في يومها إذا اجتنبت الكبائر في ذلك اليوم، فعلى هذا لا تعارض بين الآية والحديث. انتهى.
وعلى تقدير ورود السؤال فالتخلص منه بحمد الله سهل، وذلك أنه لا يتم اجتناب الكبائر إلا بفعل الصلوات الخمس، فمن لم يفعلها لم يُعَدَّ مجتنبًا للكبائر، لأن تركها من الكبائر، فوقف التكفير على فعلها. والله أعلم.
وقد فصل البلقيني أحوال الإنسان بالنسبة إلى ما يَصْدُر منه من
صغيرة وكبيرة؛ فقال: تنحصر في خمسة:
أحدها: أن لا يصدر منه شيء البتة، فهذا يُعَاوَضُ برفع الدرجات.
ثانيها: أن يأتي بصغائر بلا إصرار، فهذا تكَفَّرُ عنه جزمًا.
ثالثها: مثله لكن مع الإصرار، فلا تكفر، إذا قلنا: إن الإصرار على الصغائر كبيرة.
رابعها: أن يأتي بكبيرة واحدة وصغائر.
خامسها: أن يأتي بكبائر وصغائر، وهذا فيه نظر، يحتمل إذا لم يجتنب الكبائر أن لا تكفر الكبائر، بل تكفر الصغائر، ويحتمل أن لا تكفر شيئًا أصلًا، والثاني أرجح، لأن مفهوم المخالفة إذا لم تتعين جهته لا يعمل به، فهنا لا تكفر شيئًا، إما لاختلاط الكبائر والصغائر، أو لتمحض الكبائر، أو تكفر الصغائر، فلم تتعين جهة مفهوم المخالفة، لِدَوَرَانه بين الفصلين، فلا يعمل به، ويؤيده أن مقتضى تجنب الكبائر، ومقتضى «ما اجتنبت الكبائر» أن لا كبائر، فيُصَانُ الحديثُ عنه. اهـ. «فتح» جـ ٢ ص ١٦.
وقال السندي ﵀ عند قوله «يمحو الله بهن الخطايا»: ما نصه: خصها العلماء بالصغائر، ولا يَخْفَى أنه بحسب الظاهر لا يناسب التشبيه بالنهر في إزالة الدرن، إذِ النَّهرُ المذكور لا يُبْقِي من الدرن شيئًا
أصلًا، وعلى تقدير أن يُبْقِي فإبقاء القليل والصغير أقرب من إبقاء الكثير الكبير، فاعتبار بقاء الكبائر وارتفاع الصغائر قلب لما هو المعقول نظرًا إلى التشبيه، فلعل ما ذكروا من التخصيص مبني على أن للصغائر تأثيرًا في درن الظاهر فقط، كما يدل عليه ما ورد من خروج الصغائر من الأعضاء عند الوضوء بالماء بخلاف الكبائر؛ فإن لها تأثيرًا في دَرَن الباطن، كما جاء أن العبد إذا ارتكب المعصية تحصل في قلبه نقطةٌ سوداءُ، ونحو ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤]، وقد عُلمَ أنَّ أثَرَ الكبائر تُذْهبُهَا التوبةُ التي هي الندامة بالقلب، فكما أن الغسلَ إنما يذهب بدرن الظَاهر دون الباطن فكذلك الصلاة. فتفكر. والله أعلم اهـ. كلام السندي جـ ١ ص ٢٣١. وبالله تعالى التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف ﵀:
أخرجه ﵀ هنا في «المجتبى» (٤٦٢)، وفي «الكبرى» (٣٢٣) أيضًا بسند «المجتبى»، وزاد بعده: قال أبو عبد الرحمن: ابنُ الهاد اسمه يزيد ابن عبد الله بن أسامة بن الهادي، وأبو سلمة اسمه عبد الله بن
عبد الرحمن ابن عوف، وأبو هريرة اسمه عبد عمرو، ويقال: عبد شمس، ويقال: سُكَين، وقال سفيان بن حسين عن الزهري، عن المُحَرَّرِ بن أبي هريرة قال: اسم أبي عبد عمرو بن عبد غَنْم.
أنبأنا محمد بن يحيى، عنُ بكَير بن بَكَّار، عن عمر بن علي بن مُقَدَّم، عن سفيان بن حُسَين، عن الزهري.
قال أبو عبد الرحمن: وَبكْرُ بن بَكَّار ليس بالقوي في الحديث، وسُفْيَانُ بنُ حسين ليس بالقوي في الزهري خاصة، وفي غيره لا بأس به. اهـ. والله تعالى أعلم.
المسأله الثالثة: فيمن أخرجه مع المصنف:
أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، فأخرجه البخاري في الصلاة عن إبراهيم بن حمزة، عن عبد العزيز بن أبي حازم، وعبد العزيز بن محمد الدَّرَاوَرْدي، وأخرجه مسلم في الصلاة أيضًا عن قتيبة، عن ليث، وبكر بن مضر- أربعتهم عن ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، ﵁.
وأخرجه الترمذي في الأمثال عن قتيبة، عن الليث، وبكر عن ابن الهاد به. وقال: حسن صحيح. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: بيان فضل الصلوات الخمس، وهو الذي ترجم له المصنف ﵀.
ومنها: ضرب المثل في التعليم زيادة في الإيضاح؛ إذ فيه تشبيه المعقول بالشيء المحسوس.
ومنها: حرص النبي - ﷺ - في تعليم أمته، وشدة رأفته بهم، كما قال الله تعالى ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.