وأخرجه ابن ماجه في «الصلاة»، عن هشام بن عمار، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه ﵁. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: الوعيد الشديد لمن تفوته صلاة العصر.
ومنها: بيان عِظَمِ صلاة العصر.
ومنها: ما قاله ابن عبد البر: إن فيه إشارة إلى تحقير الدنيا، وأن قليل العمل خير من كثير منها.
ومنها: ما قاله ابن بطال ﵀: لا يوجد حديث يقوم مقام هذا الحديث؛ لأن الله تعالى قال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، قال: ولا يوجد حديث فيه تكييف المحافظة غير هذا الحديث.
انظر الفتح جـ ٢ ص ٣٨. والله ولي التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
ولما وقع اختلاف بين جعفر بن ربيعة، وبين يزيد بن أبي حبيب على عراك بن مالك ذكر ذلك بقوله:
(خَالَفَهُ) أي خالف جعفرًا في روايته لهذا الحديث عن عراك بن مالك (يزيدُ بن أبي حبيب) بالرفع فاعل مؤخر لخالف.
ثم بين مخالفته فقال:
٤٧٩ - أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ حَمَّادٍ، زُغْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ
يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ نَوْفَلَ بْنَ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مِنَ الصَّلَاةِ صَلَاةٌ مَنْ فَاتَتْهُ، فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ، وَمَالَهُ». قَالَ ابْنُ عُمَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «هِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ».
رجال الإسناد: ستة
١ - (عيسى بن حَمَّاد، زُغْبَةُ) التُّجِيبِيُّ، أبو موسى الأنصاري، وزغبة، بدل من عيسى، وهو لقبه، وهو لقب أبيه أيضًا، ثقة، توفي سنة ٢٤٨ وقد جاوز ٩٠ سنة، من [١٠]، وهو آخر من حدث عن الليث من الثقات، أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه، تقدم في ١٣٥/ ٢١١.
٢ - (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن، أبو الحارث الفَهْمي المصري، ثقة ثبت، فقيه إمام مشهور، توفي في شعبان سنة ١٧٥، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣١/ ٣٥.
٣ - (يزيد بن أبي حبيب) سُوَيد، أبو رَجَاء المصري، ثقة فقيه، وكان يرسل، توفي سنة ١٢٨ وقد قارب ٨٠ سنة، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٣٤/ ٢٠٧.
وأما عِرَاكٌ، ونوفل، وابنُ عمر فقد تقدموا في السند السابق. والله أعلم.
شرح الحديث
(عن عراك بن مالك أنه بلغه) أي بلغ عراكًا (أن نوفل بن معاوية) ﵁.
وهذا هو أول المخالفة، ووجهه أن جعفرًا قال في روايته عن عراك: إن نوفل بن معاوية حدثه، فجعله متصلًا.
وقال يزيد في روايته عنه: أنه بلغه أن نوفل بن معاوية قال … فجعله منقطعًا.
فالضمير في قوله «أنه» ضمير الشأن، وفي قوله «بلغه» لعراك (قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من الصلاة صلاة من فاتته، فكأنما وتر أهله وماله») الجار والمجرور خبر مقدم، وقوله «صلاة» مبتدأ مؤخر، و«من» شرطية، وجوابها جملة «فكأنما وتر …» الخ، وجملة الشرط والجواب في محل رفع صفة لِـ«صَلاةٌ».
وهذا ثاني المخالفة، ووجهه أن في رواية جعفر التصريح بالصلاة الفائتة، خيث قال: «من فاتته صلاة العصر …» وخالفه يزيد في روايته، فأبهمها، حيث قال: «من الصلاة صلاة …».
والحاصل أن يزيد بن أبي حبيب خالف جعفر بن ربيعة في السند والمتن جميعًا.
قال الجامع: يمكن أن يجمع بينهما بأن عراكا كان بلغه عن نوفل، ثم لقيه فحدثه بالحديث، فحينما بلغه، بلغه بالإبهام، وحينما حدثه، حدثه بالتعيين، فكان تارة يحدث بهذا، وتارة يحدث بهذا، والله أعلم.
وما تقدم عن الحافظ ﵀ من أن المحفوظ هو الإبهام، وأن التفسير من قول أبي بكر بن عبد الرحمن، أو من حديث ابن عمر ﵄ فلم يذكر دليلا عليه، فالأولى ما ذكرته لأن جعفرًا ثقة بالاتفاق، فلا وجه لترجيح رواية يزيد علي روايته. والله أعلم.
قال عراك بالسند السابق (قال ابن عمر) ﵄ (سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: هي صلاة العصر) أي الصلاة التي من فاتته، فكأنما وتر أهله وماله، هي: العصر.
والحاصل أن عراكًا في هذه الرواية بلغه حديث نوفل بالإبهام، وسمع التفسير مرفوعًا من ابن عمر ﵄. كما سمع التفسير مرفوعًا من كل من نوفل، وابن عمر في الرواية السابقة، وقد عرفت طريقة الجمع آنفًا، فتنبه. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
ولما وقع اختلاف على يزيد بن أبي حبيب في روايته عن عِرَاك ذكره بقوله:
(خَالَفَهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ) أي خالف الليثَ بن سعد في روايته عن يزيد محمدُ بن إسحاق المطلبي، ثم بيَّنَ رواية محمد بن إسحاق