٢١ - بَابُ فَضْلِ صَلاةِ الْجَمَاعَةِ
هكذا النسخ المصرية والهندية، فضل صلاة الجماعة، وهي غير واضحة، اللهم أن يريد فضل صلاة الجماعة في الفجر والعصر، وإلا ففضل صلاة الجماعة سيأتي في كتاب الإمامة برقم (٤٢/ ٨٣٧) وأشار في الهندية إلى أن في بعض النسخ «باب فضل صلاة الفجر»، وهو الذي في الكبرى برقم (٥٧/ ٤٥٩) «فضل صلاة الفجر»، وهو أوضح، وأنسب لما تقدم من قوله «باب فضل صلاة العصر»، وقوله «باب فضل صلاة العشاء»، فتأمل.
٤٨٥ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ، وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ، كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ».
رجال الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي أبو رجاء البَغْلاني، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس أبو عبد الله الإمام الحافظ الحجة، من [٧]، تقدم في ٧/ ٧.
٣ - (أبو الزِّنَاد) عبد الله بن ذَكْوَان القرشي، أبو عبد الرحمن المدني، وأبو الزناد لقبه، ثقة فقيه، توفي سنة ١٣٠، وقيل بعدها، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧/ ٧.
٤ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هُرْمُز، أبو داود المدني، مولى ربيعة بن الحارث، ثقة ثبت عالم، توفي سنة ١١٧، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧/ ٧.
٥ - (أبو هريرة) الدوسي الصحابي الجليل عبد الرحمن بن صخر، أو عبد الله بن عمرو -على ما قاله البخاري وصححه الترمذي في جامعه﵁، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم.
لطائف الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات أجلاء، أخرج لهم الجماعة.
ومنها: أنهم مدنيون، إلا شيخه فبغلاني، وهي قرية من قرى بلخ.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي.
ومنها: أن فيه الإخبار، والعنعنة.
ومنها: أن أبا هريرة ﵁ أكثر الصحابة حديثا، رَوَى ٥٣٧٤ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله - ﷺ - قال «يتعاقبون») أي تأتي طائفة عقب طائفة، ثم تعود الأولى عقب الثانية. قال ابن عبد البر: وإنما يكون التعاقب بين طائفتين، أو رجلين بأن يأتي هذا مرة، ويعقبه هذا، ومنه تعقيب الجيوش؛ أن يجهز الأمير بعثًا إلى مدة، ثم يأذن لهم مي الرجوع بعد أن يجهز غيرهم إلى مدة، ثم يأذن لهم في الرجوع بعد أن يجهز الأولين.
قال القرطبي: الواو في قوله: «يتعاقبون» علامة الفاعل المذكر المجموع على لغة بلحارث، وهم القائلون: «أكلوني البراغيث»، ومنه قول الشاعر: (من الطويل)
بِحُوْرَانَ يَعْصِرْنَ السَّلِيطَ أقَارِبُهْ
وهي لغة فاشية، وعليها حمل الأخفش قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣] الآية، قال: وقد تعسف بعض النحاة في تأويلها وردها للبدل، وهو تكلف مستغنى عنه، فإن تلك اللغة مشهورة، ولها وجه من القياس واضح.
وقال غيره في تاويل الآية: قوله ﴿وَأَسَرُّوا﴾ عائد على الناس المذكورين أوّلًا ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ بدل من الضمير. وقيل: التقدير أنه لَمَّا قيل: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ قيل: من هم؟ قال: الذين ظلموا، حكاه الشيخ محيي الدين، والأول أقرب، إذ الأصل عدم التقدير.
وتوارد جماعة من الشراح على أن حديث الباب من هذا القبيل، ووافقهم ابن مالك، وناقشه أبو حيان زاعمًا أن هذه الطريق اختصرها الراوي، واحتجَّ بما رواه البزار من وجه آخر عن أبي هريرة بلفظ «إن لله ملائكةً يتعاقبون فيكم، ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار …» الحديث.
قال الحافظ ﵀: وقد سومح في العزو إلى مسند البزار مع أن الحديث بهذا اللفظ في الصحيحين، فالعزو إليهما أولى، وذلك أن هذا الحديث رواه عن أبي الزناد مالك في الموطأ، ولم يختلف عليه باللفظ المذكور، وهو: «يتعاقبون فيكم»، وتابعه على ذلك عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه. أخرجه سعيد بن منصور عنه.
وقد أخرجه البخاري في «بدء الخلق» من طريق شعيب بن أبي حمزة،
عن أبي الزناد بلفظ «الملائكة يتعاقبون، ملائكة بالليل، وملائكة بالنهار». وأخرجه النسائي أيضًا من طريق موسى بن عقبة، عن أبي الزناد بلفظ «إن الملائكة يتعاقبون فيكم»، فاختلف فيه على أبي الزناد. فالظاهر أنه كان تارة يذكره هكذا، وتارة هكذا، فيقوى بحث أبي حيان، ويؤيد ذلك أن غير الأعرج من أصحاب أبي هريرة قد رواه تامًا، فأخرجه مسلم من طريق هَمَّام بن مُنَبِّه، عن أبي هريرة مثل رواية موسى بن عُقْبَةَ، لكن بحذف «إنَّ» من أوله. وأخرجه ابن خزيمة والسَّرَّاج من طريق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ «إنَّ لله ملائكة يتعاقبون» وهذه هي الطريقة التي أخرجها البزار. وأخرجه أبو نعيم في الحلية بإسناد صحيح من طريق أبي موسى، عن أبي هريرة بلفظ «إن الملائكة فيكم يتعاقبون».
وإذا عرفت ذلك فالعزو إلى الطريق التي تتحد مع الطريق التي وقع القول فيها أولى من طريق مغايرة لها، فليعز ذلك إلى تخريج البخاري، والنسائي من طريق أبي الزناد؛ لما أوضحته. اهـ كلام الحافظ في «فتح» جـ ٢ ص ٤٢.
(فيكيم) أي المصلين، أو مطلق المؤمنين (ملائكة) جمع مَلَكٍ، واختلف في اشتقاقه، قيل: من الألُوكِ، وقيل: من المألُك، وقيل: غير ذلك.
قال في «المصباح»: ألكَ بين القوم، ألْكًا، من بَابِ ضَرَبَ، وألُوكًا،
أيضًا: تَرَسَّلَ، واسم الرِّسَالة مَألُكٌ بضم اللام، وَمَألَكُةٌ أيضًا بالهاء، ولامُها تضم وتفتح، والملائكةُ مشتقة من لفظ الألُوك، وقيل: من المَألَكِ، الواحد: ملك، وأصله مَلأك، ووزنه مَعْفَل، فنقلت حركة الهمزةَ إلى اللام، وسقطت، فوزنه مَعَلٌ، فإنَّ الفاء هي الهمزة، وقد سقطت، وقيل: مأخوذ من لأكَ: إذا أرسل، فَمَلأك مَفْعَل، فنقلت الحركة، وسقطت الهمزة، وهي عين، فوزنه مَفَلٌ، وقيل: غير ذلك. اهـ. جـ ١ ص ١٨، ١٩.
فملائكة بالرفع فاعلُ «يتعاقبون» على كون الواو علامة، أو بدلٌ من الضمير على جعل الواو ضميرًا، أو بيان، كأنه قيل: من هم؟ فقيل: ملائكة، أو مبتدأ خبره قبله.
ثم قيل: المراد بهم الحفظة، نقله عياض، وغيره عن الجمهور.
وتردد ابن بزيزة. وقال القرطبي: الأظهر عندي أنهم غيرهم. قال الحافظ: ويقويه أنه لم ينقل أن الحفظة يفارقون العبد، ولا أن حفظة الليل غيرُ حَفَظَة النهار، وبأنهم لو كانوا هم الحفظة لم يقع الاكتفاء في السؤال منهم عن حالة الترك دون غيرها في قوله «كيف تركتم عبادي». اهـ. «فتح» جـ ٢ ص ٤٣.
(ويجتمعون في صلاة الفجر، وصلاة العصر) قال الزين ابن المُنَيِّر: التعاقب مغاير للاجتماع، لكن ذلك مُنَزَّل على حالين. قال الحافظ. وهو ظاهر.
وقال ابن عبد البر: الأظهر أنهم يشهدون معهم الصلاة في الجماعة، واللفظ محتمل للجماعة وغيرها، كما يحتمل أن التعاقب يقع بين طائفتين دون غيرهم، وأن يقع التعاقب بينهم في النوع، لا في الشخص.
وقال القاضي عياض ﵀: والحكمة في اجتماعهم في هاتين الصلاتين من لطف الله تعالى بعباده، وإكرامه لهم بأنْ جَعَل اجتماعَ ملائكته في حال طاعة عباده، لتكون شهادتهم لهم بأحسن الشهادة.
قال الحافظ ﵀: وفيه شيء، لأنه رجَّحَ أنهم الحفظة، ولا شك أن الذين يصعدون كانوا مقيمين عندهم مشاهدين لأعمالهم في جميع الأوقات، فالأولى أن يقال: الحكمة في كونه تعالى لا يسألهم إلا عن الحالة التي تركوهم عليها ما ذكر، ويحتمل أن يقال: إن الله تعالى يستر عنهم ما يعملونه فيما بين الوقتين، لكنه بناء على أنهم غير الحفظة. وفيه إشارة إلى الحديث الآخر «إن الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما»، فمن ثَمَّ وقع السؤال من كل طائفة عن آخر شيء فارقوهم عليه.
(ثم يعرج) من باب قتل، أي يصعد الملائكة (الذين باتوا فيكم) يقال: بَاتَ يَبِيتُ بَيْتُوتَة، ومَبِيتًا، وَمَبَاتًا، فهو بَائِتٌ: إذا فَعَلَ فِعْلًا بالليل، كما اخَتص الفعل في «ظَلَّ» بالنهار، وقد تأتي بمعنى «صار»، يقال: بات بموضع كذا، أي صَارَ بِهِ، سواء كان في ليل، أو نهار، وبَاتَ يَبَاتُ من باب تَعِبَ لغة. اهـ. المصباح باختصار.
قال الجامع: المناسب هنا معنى «صار»، فيشمل الحديثُ الذين كانوا معهم ليلًا، والذين كانوا معهم نهارًا، ولا داعي إلى التكلفات الآتية.
وقال في الفتح: اختُلِفَ في سبب الاقتصار على سؤال الذين باتوا دون الذين ظَلُّوا، فقيل: هو من باب الاكتفاء بذكر أحد المثلين عن الآخر، كقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: ٩] أي وإن لم تنفع، وقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، أي
والبرد، وإلى هذا أشار ابن التين وغيره.
ثم قيل: الحكمة في الاقتصار على ذلك أن حكم طرفي النهار يعلم من حكم طرفي الليل، فلو ذكره لكان تكرارًا.
ثم قيل: الحكمة في الاقتصار على هذا الشِّقِّ دون الآخر أن الليل مظنة المعصية، فلما لم يقع منهم عصيان مع إمكان دواعي الفعل من إمكان الإخفاء ونحوه، واشتغلوا بالطاعة كان النهار أولى بذلك، فكان السؤال عن الليل أبلغ من السؤال عن النهار، لكون النهار محل
الاشتهار.
وقيل: الحكمة في ذلك أن ملائكة الليل إذا صَلَّوُا الفجرَ عَرَجُوا في الحال، وملائكة النهار إذا صلوا العصر لَبِثُوا إلى آخر النهار لضبط بقية عمل النهار، قال الحافظ: وهذا ضعيف، لأنه يقتضي أن ملائكة النهار
لا يسألون عن وقت العصر، وهو خلاف ظاهر الحديث، كما سيأتي، ثم هو مبني على أنهم الحفظة، وفيه نظر، لما سنبينه، وقيل: بناه أيضًا على أنهم الحفظة أنهم ملائكة النهار فقط، وهم لا يبرحون عن ملازمة بني آدم، وملائكة الليل هم الذين يعرجون، ويتعاقبون، ويؤيده ما رواه أبو نعيم في كتاب الصلاة له من طريق الأسود بن يزيد النخعي، قال: «يلتقي الحارسان -أي ملائكة الليل، وملائكة النهار- عند صلاة الصبح، فيسلم بعضهم على بعض، فتصعد ملائكة الليل، وتلبث ملائكة النهار».
وقيل: يحتمل أن يكون العروج إنما يقع عند صلاة الفجر خاصة، وأما النزول فيقع في الصلاتين معًا، وفيه التعاقب، وصورته أن تنزل طائفة عند العصر، وتبيت، ثم تنزل طائفة ثانية عند الفجر، فيجتمع الطائفتان في صلاة الفجر، ثم يعرج الذين باتوا فقط، ويستمر الذين نزلوا وقت الفجر إلى العصر، فتنزل الطائفة الأخرى، فيحصل اجتماعهم عند العصر أيضًا، ولا يصعد منهم أحد، بل تبيت الطائفتان أيضًا، ثم تعرج إحدى الطائفتين، ويستمر ذلك، فتصح صورة التعاقب مع اختصاص النزول بالعصر، والعروج بالفجر، فلهذا خُصَّ السؤال بالذين باتوا. والله أعلم.
وقيل: إن قوله في هذا الحديث «ويجتمعون في صلاة الفجر، وصلاة العصر» وَهَمٌ، لأنه ثَبَتَ في طرق كثيرة أن الاجتماع في صلاة
الفجر من غير ذكر صلاة العصر، كما في الصحيحين من طريق سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة في أثناء حديث قال فيه «وتجتمع ملائكة الليل، وملائكة النهار في صلاة الفجر»، وقال أبو هريرة: واقرؤوا إن شئتم ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨].
وفي الترمذي والنسائي من وجه آخر بإسناد صحيح عن أبي هريرة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ قال: تشهده ملائكة الليل والنهار. ورَوَى ابنُ مَرْدويه من حديث أبي الدرداء نحوه.
قال ابن عبد البر ﵀: ليس في هذا دَفْعٌ للرواية التي فيها ذكر العصر، إذ لا يلزم من عدم ذكر العصر في الآية، والحديثِ الآخرِ عدمُ اجتماعهم في العصر، لأن المسكوت عنه قد يكون في حكم المذكور بدليل آخر، قال: ويحتمل أن يكون الاقتصار وقع في الفجر لكونها جهرية.
قال الحافظ ﵀: وبحثه الأول مُتَّجِهٌ، لأنه لا سبيل إلى ادعاء توهيم الراوي الثقةِ مع إمكان التوفيق بين الروايات، ولا سيما أن الزيادة من العدل الضابط مقبولة، وَلِمَ لا يُقاَلُ: إن رواية مَن لم يذكر سؤال الذين أقاموا في النهار واقعٌ من تقصير بعض الرواة، أو يُحْمَلُ
قوله: «ثم يعرج الذين باتوا» على ما هو أعم من البيت بالليل، والإقامة بالنهار، فلا يختص ذلك بليل دون نهار، ولا عكسه، بل كل طائفة
منهم إذا صَعِدَت سُئِلَت، وغاية ما فيه أنه استعمل لفظ «بات» في «أقام» مجازًا، ويكوَن قوله. «فيسألهم» أي كُلًا من الطائفتين في الوقت الذي يصعد فيه، ويَدُلُّ على هذا الحملِ رواية موسى بنِ عقبة، عن أبي الزناد عند النسائي، ولفظه «ثم يعرج الذين كانوا فيكم» فعلى هذا لم يقع في المتن اختصار، ولا اقتصار، وهذا أقرب الأجوبة.
قال: وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق أخرى واضحًا، وفيه التصريح بسؤال كل من الطائفتين.
وذلك فيما رواه ابن خزيمة في «صحيحه»، وأبو العباس السَّرَّاج جميعًا عن يوسف بن موسى، عن جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «تجتمع ملائكة الليل، وملائكة النهار في صلاة الفجر، وصلاة العصر، فيجتمعون في صلاة الفجر، فتصعد ملائكة الليل، وتبيت ملائكة النهار، ويجتمعون في صلاة العصر، فتصعد ملائكة النهار، وتبيت ملائكة الليل، فيسألهم ربهم: كيف تركتم عبادي؟» الحديث.
وهذه الرواية تزيل الإشكال، وتُغْنِي عن كثير من الاحتمالات المتقدمة، فهي المعتمدة، ويحمل ما نقص منها على تقصير بعض الرواة. اهـ. «فتح» جـ ٢ ص ٤٤.
قال الجامع عفا الله عنه: بل الأولى والأرجح عندي ما رجحه
الحافظ قبل هذا، وهو عدم دعوى الاختصار، والاقتصار في رواية الباب، لأن معنى «باتوا فيكم»: صاروا معكم، وقد تقدم ما نقلته من عبارة المصباح في ذلك، ويؤيد ذلك رواية النسائي المتقدمة؛ «ثم يعرج الذين كانوا فيكم». وهذه الرواية رواية ابن خزيمة والسَّرَّاج مُوَضِّحَة لهذا المعنى، فلا داعي لدعوى التقصير من بعض الرواة.
والحاصل أن معنى «ثم يعرج الذين باتوا فيكم» ثم يصعدون الذين كانوا معكم، سواء الذين كانوا معهم ليلًا، والذين كانوا معهم نهارًا، فيشمل السؤال الطائفتين بنص هذا الحديث، فلا إشكال. والله أعلم.
تنبيه:
استدل بعض الحنفية بهذا الحديث على استحباب تأخير صلاة العصر ليقع عروج الملائكة إذا فرغ آخر النهار، وتعقب بأن ذلك غير لازم، إذ ليس في الحديث ما يقتضي أنهم لا يصعدون إلا ساعة الفراغ من الصلاة، بل جائز أن تفرغ الصلاة، ويتأخروا بعد ذلك إلى آخر النهار، ولا مانع أيضًا من أن تصعد ملائكة النهار، وبعضُ النهار باقٍ، وتقيم ملائكة الليل. قاله في «الفتح» جـ ٢ ص ٤٣.
قال الجامع: هذا التوجيه الثاني هو الواضح، وأما الأول فلا يصح، لأن دعوى تأخرهم بعد الصلاة ينافيه قوله في الحديث: «تركناهم وهم يصلون»، وأيضا الاستدلال المذكور تعارضه النصوص
التي تدت عدى استحباب تعجيل صلاة العصر، وهي صريحة تقدم على المفهوم، وسيأتي تحقيق ذلك في باب تعجيل العصر من كتاب المواقيت، إن شاء الله تعالى.
وأما اعتراض العيني على الحافظ في هذا التوجيه فهو مجرد اعتراض لم يستند إلى دليل، فلا يلتفت إليه، فتبصر.
(فيسألهم) هكذا النسخ بدون ذكر الفاعل، وفي الصحيحين «فيسألهم ربهم»، ففي رواية المصنف يقدر ضمير يعود إلى المعلوم من المقام، يدك عليه قوله «عبادى»، أي هو، أي ربهم على رأي جمهور النحاة، أو هو من باب حذف الفاعل لدليل على رأي الكسائي، أي
ربهم.
قيل: الحكمة فيه استدعاء شهادتهم لبني آدم بالخير، واستنطاقهم بما يقتضي التعطف عليهم، وذلك لإظهار الحكمة في خلق نوع الإنسان في مقابلة مَنْ قَالَ من الملائكة ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠]، أي وقد وجد فيهم من يسبح، ويقدس مثلكم بنص شهادتكم.
وقال عياض: هذا السؤال على سبيل التعبد للملائكة، كما أمروا أن يكتبوا أعمال بني آدم، وهو ﷾ أعلم من الجميع بالجميع.
(وهو أعلم بهم) أي بالمصلين من الملائكة، فحذف صلة أفعل التفضيل.
(كيف تركتم عبادي؟) قال ابن أبي جمرة: وقع السؤال عن آخر الأعمال، لأن الأعمال بخواتيمها، قال: والعباد المسئول عنهم هم المذكورون في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] (فيقولون) أي الملائكة المسئولون (تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون) لم يراعوا الترتيب الوجودي، لأنهم بدؤوا بالترك قبل الإتيان، والحكمة فيه أنهم طابقوا السؤال، لأنه قال: «كيف تركتم»، ولأن المخبر به صلاة العبادة، والأعمال بخواتيمها، فناسب ذلك إخبارهم عن آخر عملهم قبل أوله.
وقوله «تركناهم وهم يصلون» ظاهره أنهم فارقوهم عند شروعهم في العصر سواء تمت أم منع مانع من إتمامها، وسواء شرع الجميع فيها، أم لا، لأن المنتظر في حكم المصلي، ويحتمل أن يكون المراد بقولهم: «وهم يصلون» أي ينتظرون صلاة المغرب.
قال الجامع: الاحتمال الأول أولى لأنه الذي يقتضيه ظاهر الحديث. والله أعلم.
وقال ابن التين: الواو في قوله «وهم يصلون» واو الحال، أي تركناهم على هذه الحال، ولا يقال: يلزم منه أنهم فارقوهم قبل انقضاء
الصلاة، فلم يشهدوها معهم، والخبر ناطق بأنهم يشهدونها لأنا نقول: هو محمول على أنهم شهدوا الصلاة مع من صلاها في أول وقتها وشهدوا من دخل فيها بعد ذلك، ومن شرع في أسباب ذلك.
قال الجامع: الظاهر أنهم فارقوهم، وهم يصلون، ولا يلزم من ذلك معارضة النصوص التي تدل على شهودهم، لأن الشهود لا يستلزم انقضاء الصلاة، على أن هؤلاء الذين فارقوا قد اجتمعوا مع الذين بَقُوا معهم، فالصلاة لم تخل من شهود الملائكة من أولها إلى آخرها، والله أعلم.
وقال ابن أبي جمرة: أجابت الملائكة بأكثر مما سُئِلُوا عنه، لأنهم عَلِمُوا أنه سؤال يَسْتَدْعِي التَّعَطُّفَ على بني آدم، فزادوا في موجب ذلك.
ووقع في صحيح ابن خزيمة من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة في آخر هذا الحديث «فاغفر لهم يوم الدين». اهـ. فتح جـ ٢ ص ٤٥. وبالله التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف:
أخرجه هنا (٤٨٥)، وفي «النعوت» في «الكبرى»، عن قتيبة، عن مالك، وعن الحارث بن مسكين، عن القاسم، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عنه.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري ومسلم؛ فأخرجه البخاري في «الصلاة» عن عبد الله بن يوسف، وفي «التوحيد» عن إسماعيل وعن قتيبة، كلهم عن مالك به. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو فضل صلاة الجماعة في الفجر والعصر.
ومنها: أن الصلاة أعلى العبادات بعد الشهادتين؛ لأنه وقع عنها السؤال والجواب.
ومنها: أن فيه الإشارة إلى عظم هاتين الصلاتين، لكونهما تجتمع فيهما الطائفتان، وفي غيرهما طائفة واحدة.
ومنها: الإشارة إلى شرف الوقتين المذكورين، قال الحافظ: وقد ورد أن الرزق يقسم بعد صلاة الصبح، وأن الأعمال ترفع آخر النهار، فمن كان حينئذ في طاعة بورك في رزقه، وفي عمله، ويترتب عليه حكمة الأمر بالمحافظة عليهما، والاهتمام بهما.