HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٥٠٢

أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «هَذَا جِبْرِيلُ ﵇ جَاءَكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ، فَصَلَّى الصُّبْحَ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ رَأَى الظِّلَّ مِثْلَهُ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَحَلَّ فِطْرُ الصَّائِمِ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ ذَهَبَ شَفَقُ اللَّيْلِ، ثُمَّ جَاءَهُ الْغَدَ، فَصَلَّى بِهِ الصُّبْحَ حِينَ أَسْفَرَ قَلِيلًا، ثُمَّ صَلَّى بِهِ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ الظِّلُّ مِثْلَهُ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ الظِّلُّ مِثْلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ بِوَقْتٍ وَاحِدٍ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَحَلَّ فِطْرُ الصَّائِمِ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ قَالَ: الصَّلَاةُ مَا بَيْنَ صَلَاتِكَ أَمْسِ، وَصَلَاتِكَ الْيَوْمَ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:حسن
  • الألباني:حسنصحيح سنن النسائي ج1 ص169
  • زبير علي زئي:إسناده حسن
ج ١ ص ٢٤٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين جامع الترمذي, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٦ ص٥٥٣
٦ - بَاب آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على آخر الوقت لصلاة الظهر. ٥٠٢ - أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «هَذَا جِبْرِيلُ -﵇- جَاءَكُمْ، يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ، فَصَلَّى الصُّبْحَ، حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلَّى الظُّهْرَ، حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ، حِينَ رَأَى الظِّلَّ مِثْلَهُ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ، حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَحَلَّ فِطْرُ الصَّائِمِ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ ذَهَبَ شَفَقُ اللَّيْلِ، ثُمَّ جَاءَهُ الْغَدَ، فَصَلَّى بِهِ الصُّبْحَ حِينَ أَسْفَرَ قَلِيلًا، ثُمَّ صَلَّى بِهِ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ الظِّلُّ مِثْلَهُ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كَانَ الظِّلُّ مِثْلَيْهِ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ بِوَقْتٍ وَاحِدٍ حِينَ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَحَلَّ فِطْرُ الصَّائِمِ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ ذَهَبَ سَاعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ قَالَ: الصَّلَاةُ مَا بَيْنَ صَلَاتِكَ أَمْسِ، وَصَلَاتِكَ الْيَوْمَ«. رجال الإسناد: خمسة ١ - (الحسين بن حريث) الخُزَاعي مولاهم أبو عَمَّار المروزي، ثقة توفي سنه ٢٤٤، من [١٠]، تقدم في ٤٤/ ٥٢. ٢ - (الفضل بن موسى) السِّينَانِيُّ أبو عبد الله المروزي ثقة ثبت، ربما أغرب، توفي سنة ١٩٢ في ربيع الأول، من كبار [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٣/ ١٠٠. ٣ - (محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقاص الليثي المدني، صدوق له أوهام، توفي سنة ١٤٤، من [٦]، تقدم في ١٦/ ١٧. ٤ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني أحد الفقهاء، ثقه مكثر، من [٣]، تقدم في ١/ ١. ٥ - (أبو هريرة) الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف. ومنهما: أن رجاله كلهم ثقات أجلاء أخرج الجماعة لهم، إلا شيخه، فلم يُخْرِج له ابن ماجه. ومنها: أنهم مدنيون، إلا شيخه، والفضل، فمروزيان. ومنها: أن فيه أبا سلمة أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال. ومنها: أن صحابيه أكثر الصحابة رواية، رَوَى ٥٣٧٤ حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي هريرة) ﵁، أنه (قال: قال رسول الله - ﷺ -: «هذا جبريل - ﵇- جاء يعلمكم دينكم) الظاهر أنه أراد صلاتكم، سماها دينًا لكونها من أعظم أركانه، ويحتمل أن يريد أمور الدين مطلقًا. والله أعلم. وقال السندي رحمه الله تعالى: الظاهر أن هذه الواقعة بمكة قبل إسلام أبي هريرة ﵁، والنبي - ﷺ - قال هذا الكلام لمن حضره يومئذ، وأبو هريرة أخذ الحديث من بعض أولئك، فالحديث مرسل صحابي، لِكِنَّ مرسل الصحابى كالمتصل، ويحتمل -على بُعْد- مجيء جبريل مرة ثانية بعد إسلام أبي هريرة، ويكون الحديث متصلًا. والله أعلم. اهـ. جـ ١ ص٢٤٩، ٢٥٠. قال الجامع: أخرج البيهقي بسنده عن محمد بن عمار بن سعد، عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - حدثهم أن جبريل ﵇ أتاه، فصلى … الحديث. «السنن الكبرى» جـ ١ ص ٣٦٩، فظهر بهذا أن أبا هريرة سمعه من النبي - ﷺ -. والله وأعلم. (فصلى الصبح حين طلع الفجر)، قال السندي: أي جبريل، أو النبي - ﷺ -. اهـ قال الجامع: الظاهر الأول، كما تشهد له الروايات الأخرى. ثم إن هذا الرواية مخالفة للروايات الأخرى، حيث إن فيها أنه بدأ بالظهر، وأشار الحافظ في التلخيص إلى أن الصحيح ما في الروايات الأخرى، وهو أنه بدأ بالظهر . (وصلى الظهر حين زاغت الشمس) أي مالت عن كَبِدِ السماء إلى جهة الخرب يسيرًا (ثم صلى العصر حين رَأى الظل مثله) أي ظل نفسه، كما تدل عليه رواية أبي داود: «حين كان ظله مثله»، والمراد ظل صورته التي ظهر بها في تلك الحال، أو المراد ظل الشيء، كما تدل عليه الرواية الآتية (٥٠٤): «حين كان فيء كل شيء مثله». قال السندي ﵀: أي قدر قامته، ولم يكن في تلك الأيام فيء كما جاء، أو كان، والمراد سوى فيء الزوال، ضرورةَ أنَّ المقصود تحديد الوقت وتعيينه، وفيء الزوال لا يتعين زمانًا، ولا مكانًا، فعند اعتباره في المثل لا يحصل التحديد أصلًا. اهـ. والظِّلُّ: بكسر الظاء، وتشديد اللام: جمعه ظِلَال، وأظِلَّةٌ، وظُلَلٌ، وِزَانَ رُطَبٍ. كما في «المصباح». قال أبو محمد بن قُتَيبة ﵀ في «أدب الكاتب»: يَذهَبُ الناسُ إلى أن الظل والْفَيْء شيء واحد، وليس كذلك، لأن الظل يكون غُدْوَة وعَشيَّة، ومن أول النهار إلى آخره، ومعنى الظل: السِّتْرُ، ومنه قولهم: «أَنا في ظلك» أي في ذاراك وسِتْرِكَ، ومنه ظل الجَنة، وظل شجرها: إنما هو سترُها ونَوَاحِيهَا، وظل الَليَل: سَوَادُهُ، لأنه يستر كل شيء، قال ذو الرمة (من البسيَط): قَدْ أعْسِفُ النَّازِحَ الَمجْهُولَ مَعْسِفُهُ … فِي ظِلِّ أخْضَرَ يَدْعُو هَامَهُ الْبُومُ أي في ستر ليل أسود، فكأن معنى ظل الشمس: ما سترته الشخوص من مَسْقِطِهَا، والفيء لا يكون إلا بعد الزوال، ولا يقال لما قبل الزوال: فيء، وإنما سمي بالعشي فيئًا، لأنه ظِلٌّ فَاءَ عن جانب إلى جانب، أي رجع عن جانب المغرب إلى جانب المشرق، والفيء هو الرجوع، ومنه قول الله تعالى: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، أي ترجع إلى أمر الله. اهـ. ص ٢٣ - ٢٤. وقال في «المصباح» بعد نقل كلام ابن قتيبة: وقال ابن السكيت: الظل من الطلوع إلى الزوال، والفيء: من الزوال إلى الغروب، وقال ثعلب: الظلُّ للشجرة وغيرِها بالغداة، والفيءُ بالعشي. وقال رؤبة بن العَجَّاجِ: كُلُّ ما كانت عليه الشمس، فزالت عنه، فهو ظل، وفَيْءٌ، وما لم يكن عليه الشمس، فهو ظل، ومن هنا قيل: الشمس تنسخ الظل، والفيء ينسخ الشمس. اهـ ما نقله في «المصباح». (ثم صلى المغرب حين غربت الشمس، وحل فطر الصائم) من باب عطف المسبب على السبب، إذ حل فطر الصائم يتسبب عن غروب الشمس (ثم صلى العشاء حين ذهب شَفَقُ الليل) قال في المصباح: الشفق: الحُمْرَة من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، فإذا ذهب، قيل: غاب الشفق، حكاه الخليل، وقال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: عليه ثوب كالشفق، وكان أحمر، وقال ابن قتيبة: الشفق: الأحمر من غروب الشمس إلى وقت العشاء الآخرة، ثم يغيب، ويبقى الشفق الأبيض إلى نصف الليل، وقال الزجاج: الشفق: الحمرة التي ترى في المغرب بعد سقوط الشمس، وهو المشهور في كتب اللغة، وقال المُطرِّزِيُّ: الشفق: الحمرة عن جماعة من الصحابة والتابعين، وهو قول أهل اللغة، وبه قال أبو يوسف، ومحمد. وعن أبي هريرة أنه البياض، وبه قال أبو حنيفة، وعن أبي حنيفة قول متأخر: إنه الحمرة. اهـ ما في «المصباح». وسيأتي تحقيق اختلاف العلماء في الشفق مستوفًى في بابه إن شاء الله تعالى. (ثم جاءه) أي جاء جبريلُ النبيَّ - ﷺ - (الغَدَ) بفتح الغين: اليوم الذي يأتي بعد يومك على إثره، ثم توسعوا فيه حتى أطلق على البعيد الْمُتَرَقَّب، وأصله: غَدْوٌ، مثل فلس، لكن حذفت اللام، وجعلت الدال حرف إعراب، قال الشاعر (من الرجز): لا تَقْلُوَاهَا وادْلُوَاهَا دَلْوًا … إِنَّ مَعَ الْيَوْمِ أخَاهُ غَدْوًا قاله في المصباح. وهو منصوب على الظرفية متعلق بـ «جاء». (فصلى به الصبح حين أسفر قليلًا) أي أضاء، يقال: أسفر الصبح، إسفارًا: أضَاءَ، وأسفر الوجه من ذلك: إذا علاه جَمَالٌ، وأسفر الرجل بالصلاة: صلاها في الإسفار. قاله في المصباح. (ثم صلى به الظهر حين كان الظل مثله) استدل به مَنْ قال: بأن وقت الظهر لا يخرج بكون الظل مثله، بل بمقدار أربع ركعات مشتركًا في ذلك مع العصر، وبه قال مالك وطائفة، وذهب الجمهور إلى أنه لا اشتراك بين الظهر والعصر في الوقت، بل إذا خرج وقت الظهر بصيرورة الظل مثله دخل وقت العصر. وقال السندي رحمه الله تعالى عند قوله: «ثم صلى به الظهر» ما نصه: أي فرغ منها، وأما في العصر الأول، فالمراد بقوله: «صلى»: شَرَعَ فيها، وهذا لأن تعريف وقت الصلاة بالمرتين يقتضي أن يعتبر الشروع في أولى المرتين، والفراغ في الثانية منهما، ليتعين بهما الوقت، ويعرف أن الوقت من شروع الصلاة في أولى المرتين إلى الفراغ منها في المرة الثانية، وهذا معنى قول جبريل: «الصلاة ما بين صلاتك أمس، وصلاتك اليوم»، أي وقت الصلاة من وقت الشروع في المرة الأولى إلى وقت الفراغ في المرة الثانية، وبهذا ظهر صحة هذا القول في صلاة المغرب، وإن صُلِّيَ في اليومين في وقت واحد، وسقط ما يُتَوَهَّمُ أن لفظ الحديث يُعْطِي وقوع الظهر في اليوم الثاني في وقت العصر في اليوم الأول، فيلزم إما التداخل في الأوقات، وهو مردود عند الجمهور، ومخالف لحديث «لا يدخل وقت صلاة حتى يخرج وقت صلاة أخرى»، أو النسخ، وهو يُفَوِّت التعريف المقصود بإمامة جبريل مرتين، فإن المقصود في أول المرتين تعريف أول الوقت، وبالثانية تحريف آخره، وعند النسخ لا يحصل ذلك، على أن قوله: «والصلاة ما بين صلاتك …» إلخ تصريح في رد القول بالنسخ. ثم قوله: «والصلاة ما بين صلاتك …» إلخ يقتضي بحسب الظاهر أن لا يجوز العصر بعد المثلين، لكنه محمول على بيان الوقت المختار، ففيما يدل الدليل على وجود وَقْتٍ سوى الوقت المختار نقول به، كالعصر، وفيما لم يقم دليل على ذلك، بل قام على خلافه، كالظهر، حيث اتصل العصر بمضي وقته المختار نقول فيه بأن وقته كله مختار، وليس له وقتٌ سِوىَ ذلك. والله تعالى أعلم. اهـ. كلام السندي. وسيأتي تحقيق الخلاف في خروج وقت الظهر بصيرورة الظل مثله وعدمه مُسْتَوفىً في المسائل الآتية، إن شاء الله تعالى. (ثم صلى العصر حين كان الظل مثليه) أي بعد فيء الزوال (ثم صلى المغرب بوقت واحد) الباء بمعنى «في» أي في وقت واحد، وهو ما صَلَّى فيه المغرب بالأمس، كما بينه بقوله (حين غربت الشمس، وحل فطر الصائم، ثم صلى العشاء حين ذهب ساعةٌ من الليل) أي وقت من الليل، وقد بُيِّنَ ذلك الوقتُ في الروايات الأخرى، كما في رواية جابر الآتية أنه ثلث الليل. (ثم قال) أي جبريل (الصلاة) أي وقتها، والمراد جنس الصلاة، أي وأوقاتُ الصلوات التي فرض الله أدَاءَهَا في وقت مُوَسَّع رحمةً بعباده، وهو مبتدأ خبره قوله (ما بين صلاتك أمس) «ما» موصولة، و«بين» منصوب على الظرفية، متعلق بمحذوف صلة لما، و«أمس» من الظروف المبنية على الكسر، عند جمهور العرب، وبنو تميم تعربه إعراب ما لا ينصرف، فتقول: ذهب أمسُ بما فيه، بالرفع، قال الشاعر (من الرجز): لَقَدْ رَأيْتُ عَجَبًا مُذْ أمْسَا … عَجَائِزًا مِثْلَ السَّعَالِي خَمْسًا وهو اسم عَلَم على اليوم الذي قبل يومك، وقد يُستَعْمَلُ فيما قبله مجازًا. أفاده في «المصباح». (وصلاتك اليوم) يعني أن الوقت المُحَدَّد لأداء الصلوات المفروضات هو الوقت الذي بين صلاتك في اليوم الماضي، وصلاتك في اليوم الحاضر. فإن قيل: هذا القول من جبريل ﵇ يقتضي أن لا يكون الوقت الذي صَلَّى فيه في اليومين وَقْتًا لها، لأنه بَيَّنَ أن وقتها ما بين ذلك، أجيب بأنه لما صَلَّى في أول الوقت وآخره وُجدَ البيانُ بالفعل، وبقي الاحتياج إلى ما بين الأول والآخر، فبَيَّنَ بالقول أن هذا بيان للوقت المستحب إذ الأداء في أول الوقت مما يتعسر على الناس، ويؤدي أيضًا إلى تقليل الجماعة، وفي التأخير إلى آخر الوقت خشية الفوات، فكان المستحب ما بينهما. أفاده في «المنهل» جـ ٣ ص ٢٨٩. قال الجامع عفا الله عنه: وفي دعواه كون الوسط هو المستحبَّ نظر لا يخفى، لمخالفته الأحاديث الصحيحة، إذ منها ما يستحب فيه التقديم في أول الوقت، وهي الصبح، والظهر في البرد، والعصر، والمغرب، ومنها ما يستحب فيه التاخير، وهي الظهر في شدة الحر، والعشاء. فتبصر. والله تعالى أعلم. تنبيه: وقع في رواية أبي داود، والترمذي في رواية ابن عباس ﵄ لحديث جبريل ﵇ «ثم التفت إليّ، فقال: يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت ما بين هذين الوقتين». فاستشكل قوله: «هذا وقت الأنبياء من قبلك»، إذ ظاهره يوهم أن هذه الصلاة في هذه الأوقات كانت مشروعة لمن كان قبله من الأنبياء، وليس كذلك، بل المراد أن هذا الوقت المُوَسَّعَ المحدود بالطرفين: الأولِ والآخرِ كان مثله وقتًا للأنبياء قبلك، فصلاتهم كانت واسعة الوقت، وذات طرفين، وإلا فلم تكن هذه الصلوات على هذا الميقات إلا بهذه الأمة خاصة، وإن كان غيرهم قد شاركهم في بعضها. قاله ابن العربي في عارضته جـ ١ ص ٢٥٧، ٢٥٨. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا إسناده حسن، وصححه ابن السكن، والحاكم، وحسنه الترمذي في العلل. انظر «التلخيص» جـ ١ ص ١٧٣. قال الجامع: لكن في متنه نكارة، حيث خالف الأحاديث المشهورة التي فيها البداءة بالظهر، إلا أن يحمل على تعدد الواقعة، ففي بعضها بدأ بالفجر، وفي بعضها بدأ بالظهر، ولكن هذا يحتاج إلى دليل. والله أعلم المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف: أخرجه هنا (٥٠٢)، وفي «الكبرى» في «الصلاة» (١٤٩٣)، بسند الباب. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، كما قال الحافظ المزي في تحفته. وأخرجه الطحاوي، والسَّرَّاج، والدارقطني، والحاكم، وعنه البيهقي. انظر «الإرواء» جـ ١ ص ٢٦٩. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف؛ وهو بيان آخر وقت الظهر، وذلك أنه صلى الظهر في اليوم الثاني حين صار ظله مثله، وَبيَّنَ في آخره أن وقت الصلاة بين الوقتين، فلا يجوز تأخيره عن المِثْل، ويأتي في المسألة التالية تحقيق الخلاف في ذلك. ومنها: الدلالة على عِظَمِ أمر الصلاة، ومزيد قدرها، حيث إن الله تعالى أرسل جبريل لبيان وقتها، وكيفيتها بالفعل، ولم يكتف بالقول كسائر الأحكام. ومنها: بيان أنه - ﷺ - ليس مُشَرِّعًا بنفسه، بل بأمر من الله تعالى. ومنها: أن العبادة مقصورة على الوارد عن الله تعالى بالتحديد والكيفية. ومنها: بيان فضل الله تعالى على عباده حيث وَسَّعَ عليهم أوقات الصلاة، ولم يضيقها، والله ذو الفضل العظيم. المسألة الخامسة: في مذاهب العلماء في آخر وقت صلاة الظهر: حَقَّقَ الإمام النووي رحمه الله تعالى في كتابه النفيس، المجموعِ شرحِ المُهَذَّب هذه المسألة، تحقيقًا ظريفًا وفصلها بأدلتها تفصيلًا منيفًا، أحببت إيراد خلاصته هنا لحسنه، قال رحمه الله تعالى: أجمعت الأمة على أن أول وقت الظهر زوال الشمس، نقل الإجماع فيه خلائق - ودليله الأحاديث الصحيحة، المذكورة عند النسائي، وغيره: منها: حديث أبي برزة ﵁ المتقدم، (٤٩)، وحديث أبي هريرة المذكور في الباب، وحديث جابر الآتي، (٥٠٣)، وحديثه، (٥١٢)، وحديث بريدة الآتي، (٥١٨)، وحديث أبي موسى الآتي، (٥٢٢)، وغير ذلك مما أورده النسائي في الأبواب الآتية، وحديث ابن عباس ﵄ عند أبي داود والترمذي: أن النبي - ﷺ - قال: «أمني جبريل عند البيت مرتين، فصلى الظهر في المرة الأولى حين كان الفيء مثل الشراك …» الحديث، وكلها أحاديث صحيحة. وأما آخر وقت الظهر فهو إذا صار ظل الشيء مثله غيرَ ظل الزوال الذي يكون له عند الزوال، وإذا خرج هذا دخل وقت العصر متصلًا به، ولا اشتراك بينهما، قال: هذا مذهبنا يعني الشافعية، وبه قال الأوزاعي، والثوري، والليث، وأبو يوسف، ومحمد، وأحمد. وقال عطاء، وطاوس: إذا صار ظل الشيء مثله دخل وقت العصر، وما بعده وقت للظهر، والعصر على سبيل الاشتراك حتى تغرب الشمس. وقال إسحاق بن راهويه، وأبو ثور، والمُزَنِيُّ، وابن جرير: إذا صار ظله مثله فَقَدْرُ أربع ركعات بعده وقت للظهر والعصر، ثم يتمحض الوقت للعصر. وقال مالك: إذا صار ظله مثله فهو آخر وقت الظهر، وأول وقت العصر بالاشتراك، فإذا زاد على المثل زيادة بَيِّنَةً خرج وقت الظهر، وعن مالك رواية أن وقت الظهر يمتد إلى غروب الشمس، وقال أبو حنيفة: يبقى وقت الظهر حتى يصير الظل مثلين، فإذا زاد على ذلك يسيرًا كان أول وقت العصر. قال أبو الطيب: قال ابن المنذر: لم يقل هذا أحد غير أبي حنيفة. واحتج من قال بالاشتراك بحديث ابن عباس المذكور، قالوا: «فصلى الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر في اليوم الأول»، وعن ابن عباس ﵄ أيضًا، قال: «جمع رسول الله - ﷺ - بين الظهر والعصر بالمدينة من غير خوف ولا سفر» رواه البخاري ومسلم، وفي رواية لمسلم «من غير خوف، ولا مطر»، فدل على اشتراكهما، قالوا: ولأن الصلوات زيد فيها على بيان جبريل في اليوم الثاني، وللاختيار، فينبغي أن يزاد وقت الظهر. واحتج القائلون بعدم الاشتراك بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن نبي الله - ﷺ - قال: «إذا صليتم الفجر، فإنه وقت إلى أن يطلع قرن الشيطان الأول، ثم إذا صليتم الظهر، فإنه وقت إلى أن تحضر العصر، فإذا صليتم العصر، فإنه وقت إلى أن تصفرّ الشمس، فإذا صليتم المغرب، فإنه وقت إلى أن يسقط الشفق، فإذا صليتم العشاء، فإنه وقت إلى نصف الليل» رواه مسلم من طرق كثيرة، وفي بعضها«وقت الظهر إذا زالت الشمس ما لم تحضر العصر». واحتجوا أيضًا بحديث أبي موسى ﵁ الآتي (٥٢٢)، وهو عند مسلم أيضًا، قال فيه، في صلاة الظهر في اليوم الثاني: «ثم أخر الظهر حتى كان قريبًا من وقت العصر بالأمس» ثم قال في آخره «الوقت ما بين هذين»، وهذا نص في أن وقت الظهر لا يمتد وراء ذلك، فيلزم منه عدم الاشتراك. وبحديث أبي قتادة ﵁: أن النبي - ﷺ - قال: «ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يُصَلِّ الصلاةَ حتى يجيء وقت الأخرى» رواه مسلم في جملة حديث طويل. وأجابوا عن قوله - ﷺ -: «صلى بي العصر في اليوم الأول حين صار ظل الشيء مثله» وصلى بي الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله«بأن معناه بدأ بالعصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله، وفرغ من الظهر في اليوم الثاني حين صار الظل مثله، وبهذا التفسير يحصل بيان أول وقت العصر، وآخر وقت الظهر، ولو حُمِلَ على الاشتراك لم يحصل تحديد آخر وقت الظهر، ولَفَاتَ بيانه، وقد قال في آخر الحديث:»الوقت بين هذين«. قال الشيخ أبو حامد: ولأن حقيقة الكلام أن يكون فرغ من الصلاتين حين صار ظل الشيء مثله فمنعنا الإجماع من إرادة ذلك في العصر، فتأولناها على أنه ابتدأ حينئذ، وبقيت الظهر على حقيقته، ونظير ما تأولنا عليه لفظَ الحديث قولُ الله تعالى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣١]، وقال تعالى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] المراد بالبلوغ الأول مقاربته، وبالثاني حقيقة انقضاء الأجل، ويقال: بلغ المسافر البلد: إذا انتهى إليه، وإن لم يدخله، وبلغه: إذا دخله. وأجابوا عن حديث الجمع بالمدينة من وجهين: أحدهما: أنه محمول على أنه أخر الظهر إلى آخر وقتها، وقدم العصر في أول وقتها، فصار صورته صورة جمع، وليس بجمع، وعلى هذا التأويل حمله إمامان تابعيان من رواته: أبو الشعثاء جابر بن زيد، وعمرو بن دينار، كما في صحيح مسلم وغيره. الثاني: أنه جمع بعذر: إما بمطرٍ، وإما بمرض، عند من يقول به. قال الجامع عفا الله عنه: في هذين التأويلين نظر لا يخفى، وسنحققه في باب الجمع بين الصلاتين في الحضر (٧٤/ ٦٠٠) إن شاء الله تعالى. قال النووي ﵀: وأما قولهم زيد في الصلاة على بيان جبريل، فتلك الزيادات ثمتت بنصوص، ولا نص هنا في الزيادة، ولا مدخلَ للقياس. واحتُجَّ لأبي حنيفة بحديث ابن عمر ﵄ أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «إنما بقاؤكم فيما سلف من الأمم قبلكم، كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أوتي أهل التوراة التوراة، فعملوا حتى إذا انتصف النهار عجزوا، فَأعْطُوا قيراطًا قيراطًا، ثم أوتي أهل الإنجيلِ الإنجيلَ، فعملوا إلى صلاة العصر، فعجزوا، فأعطوا قيراطًا قيراطًا، ثم أوتينا القرآن، فعملنا إلى غروب الشمس، فأعطينا قيراطين قيراطين، فقال أهل الكتاب: أي ربنا أعْطَيتَ هؤلاء قيراطين قيراطين، وأعطيتنا قيراطًا قيراطًا، ونحن أكثر عملًا، قال الله تعالى: «هل ظلمتكم من أجركم من شيء؟ قالوا: لا، قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء» رواه البخاري، ومسلم. قالوا. فهذا دليل على أن وقت العصر أقصر من وقت الظهر، ومن حِينَ يَصير ظل الشيء مثله إلى غروب الشمس هو ربع النهار، وليسَ بأَقل من وقت الظهر، بل هو مثله. واحتجوا بأقيسة، ومناسبات لا أصل لها، ولا مدخل لها في الأوقات. قال النووي ﵀: واحتج أصحابنا -أي وهو مذهب الجمهور- عليهم بحديث ابن عباس ﵄- يعني حديث جبريل- فقال إمام الحرمين: عمدتنا حديث جبريل، ولا حجة للمخالف إلا حديث ساقه - ﷺ - مَسَاقَ ضَرْبِ الأمثال، والأمثالُ مظنة التوسعات والمجاز، ثم التأويلُ مُتطرِّق إلى حديثهم، ولا يتطرق إلى ما اعتمدناه تأويل، ولا مطمع في القياس من الجانبين. وأجابوا عن حديث ابن عمر بأربعة أجوبة: أحدها: هذا الذي ذكره إمام الحرمين. الثاني: أن المراد بقولهم: أكثر عملًا: أن مجموع عمل الفريقين أكثر. الثالث: أن ما بعد صلاة العصر مع التأهب لها بالأذان، والإقامة، والطهارة، وصلاة السنة، أقل مما بين العصر ونصف النهار. الرابع: قال الإصطخري: كثرة العمل لا يلزم منها كثرة الزمان؛ فقد يعمل الإنسان في زمن قصير أكثر مما يعمل غيره في زمن مثله، أو أطول منه. انتهى خلاصة ما كتبه النووي ﵀ في «المجموع»
مصادر المؤلف (٧)

١. انظر التلخيص جـ ١ ص ١٧٣، ١٧٤.

٢. الذَّرىَ بالفتح والقصر: الكِنُّ، وكل ما كَنَّكَ من الريح الباردة من حائط وشجر. أفاده في «اللسان».

٣. أي أسير على غير هداية.

٤. والنازح: الخرف البعيد.

٥. أي الذي لا يهتدي لطريق السير فيه.

٦. الأخضر: الأسود.

٧. الهام: أنثى البوم.