٨ - تَعْجِيلُ الْعَصْرِ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على استحباب التعجيل بصلاة العصر.
٥٠٥ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - صَلَّى صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا، لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ مِنْ حُجْرَتِهَا.
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد البَغْلاني ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في في ١/ ١.
٢ - (الليث) بن سعد الإمام المصري، ثقة ثبت، من [٧]، تقدم في ٣١/ ٣٥.
٣ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري المدني، ثقة إمام حجة، من [٤]، تقدم في ١/ ١.
٤ - (عروة) بن الزبير بن العَوَّام المدني، ثقة فقيه إمام، من [٢]، تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٥ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات مدنيون إلا شيخه؛ فبغلاني، والليث؛ فمصري.
ومنها: أن فيه راوية تابعي عن تابعي.
ومنها: أن عروة أحد الفقهاء السبعة.
ومنها: أن عائشة من المكثرين السبعة روت ٢٢١٠ حديثًا.
ومنها: أن فيه من صيغ الأداء الإخبار، والتحديث، والعنعنة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة) ﵂ (أن رسول الله - ﷺ - صلى صلاة العصر) ووقع عند البخاري في أول المواقيت: قال عروة: «ولقد حدثتني عائشة أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي العصر، والشمس في حجرتها قبل أن تظهر». وهي صريحة في كون هذا الفعل عادة له - ﷺ - (والشمس في حجرتها) مبتدأ وخبر، والجملة في محل نصب على الحال من فاعل «صلى»، والرابط الواو، والضمير، كما قال ابن مالك:
وَجُمْلَةُ الْحَالِ سِوىَ مَا قُدِّمَا … بِوَاوٍ آوْ بمُضْمَرٍ أَو بِهِمَا
والمعنى أن ضوء الشمس باق في حجرتها، فهو على تقدير مضاف.
وللإسماعيلي في مستخرجه من طريق أبي أسامة بلفظ «والشمس واقعة في حجرتي» قال الحافظ: وعرف بذلك أن الضمير في قوله: «في حجرتها» لعائشة، وفيه نوع التفات. اهـ.
والحجرة- بضم الحاء المهملة، وإسكان الجيم: البيت، وكل موضع حجر عليه بالحجارة فهو حجرة، قاله في المشارق، وأصله كما ذكر في الصحاح: حظيرة للإبل. وفي رواية للبيهقي «والشمس في قعر حجرتها». قال العراقي: وفي هذه الرواية زيادة، فإنه لا يلزم من كون الشمس في الحجرة أن تكون في قعرها. اهـ «طرح» ص ٢ ص ١٦٧.
(لم يظهر الفيء من حجرتها) أي لم يظهر الظل في داخل حجرة عائشة ﵂، «فمن» بمعنى «في»، وفي رواية البخاري «والشمس في حجرتها قبل أن تَظهَرَ» أي قبل أن يرتفع ضوءها من داخل الحجرة، وينبسط فيه الظل، فالظهور هنا كما قال الخطابي بمعنى الصعود والعلو، يقال: ظهرت على الشيء: إذا علوته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣].
وقال في الفتح: وقوله في رواية الزهري «والشمس في حجرتها» أي باقية، وقوله: «لم يظهر الفيء» أي في الموضع الذي كانت الشمس فيه، وقد تقدم في أول المواقيت من طريق مالك، عن الزهري بلفظ «والشمس في حجرتها قبل أن تظهر» أي ترتفع، فهذا الظهور غير ذلك الظهور، ومحصله أن المراد بظهور الشمس خروجها من الحجرة،
وبظهور الفيء انبساطه في الحجرة، وليس بين الروايتين اختلاف، لأن انبساط الفيء لا يكون إلا بعد خروج الشمس. اهـ. جـ ٢ ص ٣١، ٣٢.
وقال ابن عبد البر ﵀: معنى قوله: «قبل أن تظهر: قبل أن يظهر الظل على الجدار، أي قبل أن يرتفع ظل حجرتها على جُدُرها، وكل شيء علا شيئًا فقد ظهر عليه، قال الله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ [الكهف: ٩٧] أي يعلوا عليه وقال النابغة الجَعْديّ (من الطويل):
بَلَغْنَا السَّماءَ مَجْدُناَ وجُدُودُنَا … وإِنَّا لنَرْجُو فَوْقَ ذَلِكَ مَظْهَرَا
أي مُرْتَقًى وعُلُوًّا.
وقيل: معناه: أن يخرج الظل من قاعة حجرتها، وكل شيء خرج أيضًا فقد ظهر. والحجرةُ: الدار، وكلُّ ما أحاط به حائط، فهو حجرة. اهـ. «الاستذكار» جـ ١ ص ٤٦، ٤٧.
والحديث يدل على استحباب تعجيل صلاة العصر في أول وقتها، وهذا هو الذي فهمته عائشة، وكذا الراوي عنها عروة، واحتج به على عمر بن عبد العزيز في تأخيره صلاة العصر، وشذ الطحاوي، فقال: لا دلالة فيه على التعجيل، لاحتمال أن الحجرة كانت قصيرة الجدار، فلم تكن الشمس تحتجب عنها إلا بقرب غروبها، فيدل على التأخير، لا
على التعجيل. وتُعُقِّبَ بأن الذي ذكره من الاحتمال إنما يتصور مع اتساع الحجرة، وقد عرف بالاستفاضة والمشاهدة أن حُجَرَ أزواج النبي - ﷺ - لم تكن متسعة، ولا يكون ضوء الشمس باقيًا في قعر الحجرة الصغيرة إلا والشمس قائمة مرتفعة، وإلا متى مالت جِدًا ارتفع ضوءها عن قاع الحجرة، ولو كانت الجُدُرُ قصيرة.
قال النووي ﵀: كانت الحجرة ضيقة العَرْصَة قصيرة الجدار بحيث كان طول جدارها أقل من مسافة العرصة بشيء يسير، فإذا صار ظل الجدار مثله كانت الشمس بعد في أواخر العرصة. اهـ «فتح» جـ ٢ ص ٣٢. والله ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة ﵂ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٥٠٥)، وفي «الكبرى» في الصلاة (١٤٩٤) بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه في «الصلاة» بسند المصنف، وعن إبراهيم بن المنذر، عن أنس بن عياض،
عن هشام بن عروة، عن أبيه عنها، وعن أبي نعيم، عن ابن عيينة، عن الزهري، عن عروة، عنها.
وأخرجه مسلم في «الصلاة» عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، كلاهما، عن ابن عيينة به، وعن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن الزهري به.
وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي، عن مالك به.
وأخرجه الترمذي فيه بسند المصنف.
وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن ابن عيينة به. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة:
من فوائد الحديث: ما ترجم له المصنف، وهو استحباب التعجيل بصلاة العصر، وهو مذهب جمهور أهل العلم، كما يأتي قريبًا، قال الشافعي ﵀: وهذا من أبين ما روي في أول الوقت، لأن حُجَرَ أزواج النبي - ﷺ - في موضع منخفض من المدينة، وليست بالواسعة، وذلك أقرب لها من أن ترتفع الشمس منها في أول وقت العصر.
ومن فوائده أيضًا: ما ذكره ابن عبد البر، قال: فيه دليل على قصَرِ بُنْيَانِهِمْ وحيطانهم، لأن الحديث إنما قصد به تعجيل العصر، وذلكَ إنما يكوَن مع قِصَرِ الحيطان، ثم ذكر عن الحسن البصري، أنه قال: كنت
أدخل بيوت النبي - ﷺ -، وأنا محتلم، فأنال سقفها بيدي، وذلك في خلافة عثمان ﵁. أفاده في «طرح» جـ ٢ ص ١٦٨. والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة: في اختلاف العلماء في استحباب التعجيل بالعصر:
قال الحافظ ابن المنذر رحمه الله تعالى -في كتابه الأوسط- ما خلاصته: اختلف أهل العلم في تعجيل العصر وتأخيرها؛ فقالت طائفة: تعجيلها أفضل.
كتب عمر بن الخطاب ﵁ أن وقت العصر، والشمس بيضاء نقية، بقدر ما يسير الراكب فرسخين، أو ثلاثة. وقال جابر بن عبد الله: صَلَّى أبو بكر العصر، ثم جاءنا، ونحن في دور بني سَلمَةَ، وعندنا جَزُور، وقد تَشَرَّكْنَا عليها، فنحرناها، وجَزَّيْنَاهَا، وصنعنا له، فأكل قبل أن تغرب الشمس. وقال نافع: كان ابن عمر يصلي العصر، والشمس بيضاء لم تتغير، من أسرع السير سار قبل الليل خمسة أميال.
قال ابن المنذر: وهذا مذهب أهل المدينة، وبه قال الأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، والأخبار الثابتة دالة على صحة هذا القول.
وذهبت طائفة إلى أن تأخير العصر أفضل، ورُوِيَ ذلك عن أبي
هريرة، وابن مسعود، وطاوس، وأبي قلابَةَ، وابن سيرين، وحكي عن أبي قلابة أنه قال: إنما سميت العصَر لتُعَصَرَ، وكذلك قال ابن شُبْرُمَة، وعن إبراهيم، وهَمَّام، وعلقمة أنهم كانوا يؤخرون العصر، وقال أصحاب الرأي: يُصَلِّي العصر في آخر وقتها، والشمس بيضاء لم تتغير في الشتاء والصيف. اهـ كلام ابن المنذر في «الأوسط» باختصار. جـ ٢ ص ٣٦٢ - ٣٦٥.
وقال النووي ﵀: وأما العصر فتقديمها في أول الوقت أفضل، وبه قال جمهور العلماء، وقال الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه: تأخيرها أفضل ما لم تتغير الشمس، واحتجوا بقول الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ [هود: ١١٤]، وبحديث علي بن شيبان ﵁ قال: «قَدِمْتُ على رسول الله - ﷺ -، فكان يؤخر العصر مادامت الشمس نقية»، وعن عبد الواحد بن نافع، عن ابن رافع بن خَدِيج، عن أبيه ﵁، قال: «أمر رسول الله - ﷺ - بتأخير العصر»، ولأنها إذا أخرت اتسع وقت النافلة.
قال: واحتج أصحابنا بقول الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨] الآية، ومن المحافظة تقديمها في أول الوقت، لأنه إذا أخرها عَرَّضَها للفَوَات، وبقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣] والصلاةُ تُحَصِّلُ ذلك، وبقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: ٤٨]، وبحديث أنس ﵁
قال: «كان رسول الله - ﷺ - يصلي العصر، والشمسُ مرتفعة حَيَّة، فيذهب الذاهب إلى قُبَاء، فيأتيهم، والشمس مرتفعة» رواه البخاري ومسلم .
وفي رواية لهما «فيذهب الذاهب إلى العوالي».
قال العلماء: العوالي قُرًى عند المدينة أقربها منها أربعةُ أمْيَال، وقيل: ثلاثة، وأبْعَدُها على ثمانية.
وعن أبي أمامة بن سَهْل بن حُنَيف، قال: «صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر، ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك، فوجدناه يصلي العصر، فقلت: يا عم ما هذه الصلاة التي صَلَّيْتَ؟ قال: العصرُ، وهذه صلاة رسول الله - ﷺ - التي كنا نصلي معه». رواه البخاري ومسلم ، وعن رافع بن خَدِيج ﵁، قال: «كنا نصلي العصر مع رسول الله - ﷺ -، ثم نَنْحَرُ الجَزُور، فتُقْسَمُ عَشْرَ قسم، فنأكل لحمًا نضيجًا قبل مَغِيب الشمس». رواه الشيخان.
وعن أنس ﵁، قال: «صلى بنا رسول الله - ﷺ - العصر، فلما انصرف أتاه رجل من بني سَلمَةَ، فقال: يا رسول الله إنا نريد أن ننحر جزورًا لنا، ونحب أن تَحْضُرَها، فانطلَقَ، وانطلقنا معه، فوجدنا
الجَزُور لم تُنْحَر، فنُحِرَت، ثم قُطِّعَت، ثم طُبِخَ منها ثم أكلنا قبل أن تغيب الشمس». رواه مسلم.
وعن هشام بن عروة، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى أبي موسى الأشعري ﵁ «أن صل العصر، والشمس بيضاءُ نَقِيَّةٌ قَدْر ما يَسيرُ الراكبُ ثلاثَ فراسخ». رواه مالك في الموطأ عن هشام.
وأما الجواب عن احتجاجهم بالآية، فقال أصحابنا: قال أهل اللغة: الطَّرَفُ ما بعد النصف.
وعن حديث علي بن شيبان: أنه باطل، لا يعرف، وعن حديث رافع: أنه ضعيف، رواه الدارقطني، والبيهقي، وضعفاه، وبينا ضعفه، ونقل البيهقي عن البخاري أنه ضعفه، وضعفه أيضًا أبو زرعة الرازي، وأبو القاسم اللالكائي، وغيرهم. وعن قولهم. يتسع وقت النافلة أجيب بأن هذه فائدة لا تلتحق بفائدة فضيلة أول الوقت. اهـ «المجموع» جـ ٣ ص ٥٤، ٥٥. والله تعالى أعلم.
المسألة السادسة: قال العلامة المباركفوري ﵀ في «تحفته»: وقال محمدٌ يعني ابن الحسن - في الموطأ: تاخير العصر أفضل عندنا من تعجيلها إذا صليتها، والشمس بيضاء نقية، لم تدخلها صفرة، وبذلك جاء عامة الآثار، وهو قول أبي حنيفة. انتهى. وعلله
صاحب «الهداية» وغيره من فقهاء الحنفية بأن في تأخيرها تكثير النوافل، وقد رده صاحب «التعليق الممجد»، وهو من العلماء الحنفية بأنه تعليل في مقابلة النصوص الصحيحة الصريحة الدالة على أفضلية التعجيل، وهي كثيرة مروية في الصحاح الستة وغيرها. انتهى.
وقد استدل العيني في «البناية شرح الهداية» على أفضلية التأخير بأحاديث:
الأول: أخرجه أبو داود عن يزيد بن عبد الرحمن بن علي بن شيبان، عن أبيه، عن جده قال: «قَدمْنَا على رسول الله - ﷺ - المدينةَ، فكان يؤخر العصر ما دامت الشمس بيضَاءَ نَقيَّةً».
والثاني: حديث رافع بن خَدِيج «أن رسول الله - ﷺ - كان يأمر بتأخير هذه الصلاة» يعني العصر. أخرجه الدارقطني.
والثالث: حديث أم سلمة ﵂ «كان رسول الله - ﷺ - أشد تعجيلًا للظهر منكم، وأنتم أشد تعجيلًا للعصر منه»، أخرجه الترمذي.
الرابع: حديث أنس ﵁ «كان النبي - ﷺ - يصلي العصر، والشمس بيضاء».
وأجاب عن هذه الأحاديث صاحب «التعليق الممجد»، فقال: ولا يخفى على الماهر ما في الاستدلال بهذه الأحاديث.
أما الحديث الأول، فلا يدل إلا على أنه كان يؤخر العصر ما دام كون الشمس بيضاء، وهذا أمر غير مستنكر، فإنه لم يقل أحد بعدم جواز ذلك، والكلام إنما هو في أفضلية التأخير، وهو ليس بثابت منه.
لا يقال: هذا الحديث يدل على أن التأخير كان عادته يشهد به لفظ «كان» المستعمل في أكثر الأحاديث لبيان عادته المستمرة، لأنا نقول: لو دل على ذلك لعارضه كثير من الأحاديث القوية الدالة على أن عادته كانت التعجيل، فالأولى أن لا يُحْمَلَ هذا الحديث على الدوام دفعًا للمعارضة، واعتبارًا لِتَقْدِيِم الأحاديث القوية.
قال المباركفوري ﵀: حديث عبد الرحمن بن علي بن شيبان ضعيف، فإنه رواه عنه يزيد بن عبد الرحمن بن علي بن شيبان، وهو مجهول، كما صرح به في «التقريب» و«الخلاصة» و«الميزان»، فهذا الحديث الضعيف لا يصلح للاحتجاج به.
قال اللكنوي ﵀: وأما الحديث الثاني، فقد رواه الدارقطني في سننه عن عبد الواحد بن نافع، قال: دخلت مسجد الكوفة، فأذن مؤذن بالعصر، وشيخ جالس، فلامه، وقال: إن أبي أخبرني أن رسول الله - ﷺ - كان يأمر بتأخير هذه الصلاة، فسألت عنه؟ فقالوا: عبد الله بن رافع بن خديج، رواه البيهقي في سننه، وقال: قال الدارقطني فيما أخبرنا عنه أبو بكر بن الحارث: هذا حديث ضعيف
الإسناد، والصحيح عن رافع ضده، ولم يروه عن عبد الله بن رافع غير عبد الواحد بن نافع، وهو يروي عن أهل الحجاز المقلوبات، وعن أهل الشام الموضوعات، لا يحل ذكره في الكتب إلاعلى سبيل القدح فيه. انتهى.
ورواه البخاري في تاريخه الكبير في ترجمة عبد الله بن رافع: حدثنا أبو عاصم، عن عبد الواحد بن نافع، وقال: لا يتابع عليه، يعني عن عبد الله بن رافع. وقال ابن القطان: عبد الواحد بن نافع مجهول الحال، مختلف في حديثه. كذا ذكره الزيلعي في تخريج أحاديث الهداية.
وأما الثالث: فإنما يدل على كون التعجيل في الظهر أشد من التعجيل في العصر، لا على استحباب التأخير.
وأما الحديث الرابع: فلا يدل أيضًا على استحباب التأخير.
قال المباركفوري ﵀: بل يدل على استحباب التعجيل، فإن الطحاوي رواه هكذا عن أنس مختصرًا، ورواه أصحاب الكتب الستة عنه بلفظ «كان رسول الله - ﷺ - يصلي العصر، والشمس مرتفعة، وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال، أو نحوه، فالعجب من العيني أنه كيف استدل بهذه الأحاديث التي الأول والثاني منها لا يصلحان للاستدلال، والثالث، لا يدل على استحباب التأخير،