HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٥٠٦

أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ ، عَنْ مَالِكٍ قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ، عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى قُبَاءٍ؛ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: فَيَأْتِيهِمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ،» وَقَالَ الْآخَرُ: وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ.
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص171
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ١ ص ٢٥٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, صحيح البخاري, صحيح مسلم وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٦ ص٦٠٨
والرابع يدل على استحباب التعجيل. قال العلامة المباركفوري: ولم أر حديثًا صحيحًا صريحًا يدل على أفضلية تأخير العصر. انتهى خلاصة ما كتبه المباركفوري جـ ١ ص ٤٩٥، ٤٩٦. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله المباركفوري رحمه الله تعالى كلام نفيس جِدًّا. والحاصل أن أحاديث استحباب التعجيل صحاح، وأصرح فيَ المقصود، ولا ينبغي لطالب الحق أن يعارضها بهذه الأدلة التي لا يصح أكثرها للاستدلال به، أو ليس صريحًا في الدلالة. فتبصر، والله الهادي إلى سواء السبيل، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٥٠٦ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ، عَنْ مَالِكٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَنَسٍ، «أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى قُبَاءٍ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: فَيَأْتِيهِمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَقَالَ الآخَرُ: وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ». رجال الإسناد: ستة ١ - (سويد بن نصر) المروزي راوية ابن المبارك، ثقة، من [١٠]، تقدم في ٤٥/ ٥٥. ٢ - (عبد الله) بن المبارك الحنظلي المروزي، ثقة ثبت حجة جليل، من [٨]، تقدم في ٣٢/ ٦٣. ٣ - (مالك) بن أنس أبو عبد الله المدني، الإمام الحجة الثبت الفقيه، من [٧]، تقدم في ٧/ ٧. ٤ - (الزهري) محمد بن مسلم أبو بكر المدني، الإمام الحافظ الحجة الثبت، من [٤]، تقدم في ١/ ١. ٥ - (إِسحاق بن عبد الله) بن أبي طلحة الأنصاري المدني أبو يحيى، ثقة حجة، توفي سنة ١٣٢، وقيل: بعدها، من [٤]، تقدم في ٥٤/ ٦٨. ٦ - (أنس) بن مالك الأنصاري الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف. ومنها: أن رواته كلهم ثقات نُبَلاء، اتفقوا عليهم إلا شيخه فانفرد له هو والترمذي. ومنها: أنهم مدنيون، إلا شيخه، وعبد الله، فمروزيان. ومنها: أنه يقدر قبل قوله. «عن أنس» لفظ «كلاهما» لأن مالكًا يروي هذا الحديث عن شيخين: الزهري، وإسحاق، وكلاهما يرويان عن أنس. ومنها: أن فيه رواية الراوي عن عمه؛ إسحاق عن أنس. ومنها: أن أنسًا أحد المكثرين السبعة، رَوَى ٢٢٨٦ حديثًا، وأنه آخر من مات من الصحابة بالبصرة مات سنة ٩٢ أو ٩٣، وقد جاوز ١٠٠ سنة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أنس) بن مالك ﵁ (أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي العصر، ثم يذهب الذاهب) وللبخاري «ثم يذهب الذاهب مِنَّا»، قال الحافظ ﵀: كأن أنسًا أراد بالذاهب نفسه، كما تشعر بذلك رواية الطحاوي من طريق أبي الأبيض عن أنس. قال «كان رسول الله - ﷺ - يصلي بنا العصر، والشمسُ بيضاء مُحَلِّقَةٌ، ثم أرجع إلى قومي في ناحية المدينة، فأقول لهم: قوموا، فصلوا، فإن رسول الله - ﷺ - قد صلى» اهـ. ويأتي للمصنف مختصرًا برقم (٥٠٨) (إِلى قباء) متعلق بيذهب، وهو بضم القاف، والباء الموحدة، والقصر، والمد، والصرف، وعدمه، والتذكير، والتأنيث، والأفصحُ فيه المدُّ، والصرفُ، والتذكيرُ. قاله في «طرح التثريب» جـ ٢ ص ١٦٤، والمراد أهل قباء، وهم على حدّ قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] قاله فى «الفتح» جـ ٢ ص ٣٧. قال الحافظ أبو عمر بن عبد البر ﵀: لم يختلف على مالك أنه قال في هذا الحديث «إلى قباء»، ولم يتابعه أحد من أصحاب الزهري بل كلهم يقولون: «إلى العوالي»، وهو الصواب عند أهل الحديث. قال: وقول مالك: «إلى قباء» وَهَمٌ، لا شك فيه. قال الحافظ: وتعقب بأنه رُوِي عن ابن أبي ذئب، عن الزهري «إلى قباء»، كما قال مالك، نقله الباجي عن الدارقطني، فنسبة الوهم فيه إلى مالك مُنْتَقَد، فإنه إن كان وَهَمًا احتمل أن يكون منه، وأن يكون من الزهري حين حدث مالكًا. وقد رواه خالد بن مَخْلد عن مالك، فقال فيه «إلى العوالي» كما قال الجماعة، فقد اختلف فيه على مالك، وتوبع عن الزهري بخلاف ما جزم به ابن عبد البر. وأما قوله: الصواب عند أهل الحديث «العوالي»، فصحيح من حيث اللفظ، ومع ذلك فالمعنى متقارب، لكن رواية مالك أخص، لأن قباء من العوالى، وليست العوالي كل قباء، ولعل مالكًا لما رأى أن في رواية الزهري إجمالًا حملها على الرواية المفَسَّرَة، وهي روايته عن إسحاق، حيث قال فيها: «ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف»، وقد تقدم أنهم أهل قباء، فبنى مالك على أن القصة واحدة لأنهما جميعًا حدثاه عن أنس، والمعنى متقارب، فهذا الجمع أولى من الجزم بأن مالكًا وَهِمَ فيه. وأما استدلال ابن بطال على أن الوهم فيه ممن دون مالك بروَاية خالد بن مخلد المتقدمة الموافقة لرواية الجماعة عن الزهري ففيه نظر، لأن مالكًا أثبته في الموطأ باللفظ الذي رواه عنه كافة أصحابه، فرواية خالد بن مخلد عنه شاذة، فكيف تكون دالة على أن رواية الجماعة وهم؟ بل إن سلمنا أنها وهم فهو من مالك، كما جزم به البزار، والدارقطني، ومن تبعهما، أو من الزهري حين حدثه به، والأوْلَى طريق الجمع التي أوضحناها. انتهى كلام الحافظ «فتح» جـ ٢ ص ٣٦. (فقال أحدهما) أي أحد شيخي مالك، الزهريِّ، وإسحاقَ (فيأتيهم). أي أهلَ قباء (وهم يصلون) جملة حالية من الضميرِ المفعولِ. وهذا القائل هو إسحاق، كما بينته رواية البخاري عن عبد الله بن مسلمة، ورواية مسلم عن يحيى بن يحيى- كلاهما عن مالك، عنه، ولفظه «كنا نصلي العصر، ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف، فيجدهم يصلون العصر». ولا تنافي بين قوله في رواية المصنف: «إلى قباء»، ورواية الشيخين «إلى بني عمرو بن عوف» لأن قباء منازل بني عمرو بن عوف. ثم إن رواية المصنف مرفوعة صريحًا، ورواية الشيخين ليست صريحة في الرفع، حيث قال «كنا نُصَلِّي العصر». قال الجامع عفا الله عنه: وعمل الشيخين رحمهما الله تعالى في هذا يشعر أن قول الصحابي: «كنا نفعل كذا» مُسْنَد، ولو لم يُصَرِّحْ بإضافته إلى زمن النبي - ﷺ -، وهو -كما قال الحافظ ﵀- اختيار الحاكم، وقال الدارقطني، والخطيب، وغيرهما هو موقوف. والحق أنه موقوف لفظًا مرفوع حكمًا، لأن الصحابي أورده في مقام الاحتجاج، فيحمل على أنه أراد كونه في زمن النبي - ﷺ -. قال النووي ﵀: قال العلماء: كانت منازل بني عمرو بن عوف على ميلين من المدينة، وكانوا يصلون العصر في وسط الوقت، لأنهم كانوا يشتغلون بأعمالهم وحروثهم، فدل هذا الحديث على تعجيل النبي - ﷺ - بصلاة العصر في أول وقتها. اهـ فتح جـ ٢ ص ٣٥. (وقال الآخر) أي الشيخ الآخر لمالك (والشمس مرتفعة) مقول قال، أي قال «فيأتيهم، والشمس مرتفعة»، والجملة في محل نصب على الحال من الضمير المنصوب المفعول. وهذا الآخر هو الزهري، كما بينته رواية البخاري عن عبد الله بن يوسف، وروايةُ مسلم عن يحيى بن يحيى- كلاهما عن مالك، عنه. والمعنى أن ذلك الذاهب يأتي أهل قباء، ويَصِلُ إليهم في حال ارتفاع الشمس، دون ذلك الارتفاع الذي صلَّى فيه رسولُ الله - ﷺ -، ولكنها لم تَصِلْ إلى الحد الذي توصف به بأنها منخفضة. وفيه دليل على تعجيله - ﷺ - لصلاة العصر، لوصف الشمس بالارتفاع بَعْدَ أن تمضي مسافة أربعة أميال. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: لم يخرجه إلا في هذا الباب بهذا السند. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري، ومسلم في «الصلاة»؛ فأخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن ابن شهاب، عنه. وعن أبي اليمان، عن شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عنه. وعن القعنبي، عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عنه. وأخرجه مسلم عن يحيى بن يحيى، عن مالك عن إسحاق، عنه. وعن يحيى، عن مالك، عن ابن شهاب عنه. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في هذا الحديث استحباب تقديم صلاة العصر في أول وقتها، وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد، والجمهور، خلافًا للحنفية، فإنهم قالوا باستحباب تأخيرها، وذهب إليه طائفة من السلف، كما تقدم التفصيل فيه في الحديث السابق. قال الحافظ ولي الدين العراقي ﵀: وحاول الطحاوي تأويل هذا الحديث، وأنه لا يدل على التعجيل، لجواز أن تكون الشمس مرتفعة، قد اصفرت، فَرَوَى عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أنس أنه قال: «ما أحد أشَدُّ تعجيلًا لصلاة العصر من رسول الله - ﷺ -، إن كان أبعد رجلين من الأنصار دارًا من مسجد رسول - ﷺ - لأبو لبابة بن عبد المنذر أخو بني عمرو بن عوف، وأبو عُبيَس بن جَبْر أحد بني حارثة، ودار أبي لبابة بقباء، ودار أبي عُبَيس في بني حارثة، ثم إن كانا ليصليان مع رسول الله - ﷺ - العصر، ثم يأتيان قومهما، وما صَلَّوْها، لتبكير رسول الله - ﷺ - بها». ثم روى عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس، قال: «كنا نُصَلِّي العصرَ، ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف، فيجدهم يصلون العصر»، ثم روى حديث الزهري عن أنس هذا، ثم روى عن أبي الأبيض، قال: حدثنا أنس بن مالك، قال: «كان رسول الله - ﷺ - يصلي العصر، والشمس بيضاء، ثم أرجع إلى قومي في ناحية المدينة، فأقول لهم: قوموا، فصلوا، فإن رسول الله - ﷺ - قد صلى»، ثم قال الطحاوي: فقد اختلف عن أنس في هذا الحديث، فكان ما رَوَى عاصم بن عمر بن قتادة، وإسحاق بن عبد الله، وأبو الأبيض عنه يدل على العجيل بها، لأن في حديثهم أنه ﵊ كان يصليها ثم يذهب الذاهب إلى المكان الذي ذكروا، فيجدهم لم يصلوا العصر، ونحن نعلم أن أولئك لم يكونوا يصلونها إلا قبل اصفرار الشمس، فهذا دليل التعجيل. وأما رواية الزهري عن أنس، فقد يجوز أن تكون الشمس مرتفعة، قد اصفرت، فقد اضطرب حديث أنس، لأن معنى ما رَوَى الزهري منه بخلاف ما روى إسحاق، وعاصم، وأبو الأبيض عنه. هذا كلام الطحاوي. وفيه نظر من أوجه: أحدها: أن هذا الاحتمال الذي ذكره من كونه يأتيهم، والشمس مرتفعة، قد اصفرت يَرُدُّهُ قوله في رواية أبي داود عن قتيبة، عن الليث، عن الزهري، عن أنس «والشمس مرتفعة حية» . كذا رواه البيهقي في سننه من طريق أبن داسة، عن أبي داود، وقال في المعرفة: وفي رواية الليث «فيأتيهم، والشمس مرتفعة حية». انتهى. وحياتها بقاء حرها ولونها، وهذا ينافي أن تكون قد اصفرت. ثانيها: لو لم ترد هذه اللفظة «وهي حية»، وكان ارتفاعها لا ينافي صفرتها على ما قرره الطحاوي، فذلك لا يحصل مقصوده، لأن المصلي مع النبي - ﷺ - بالمدينة إذا وصل إلى قباء التي هي على ثلاثة أميال، والشمس مرتفعة، فذلك دليل التعجيل، ولو كانت الشمس مصفرة، ولا سيما الرواية فيها العوالي وقتها أنها على أربعة أميال ، وفي رواية ستة أميال، ولو لم يعجل بالعصر أول وقتها لما وصل إلى هذه المسافة إلا بعد الغروب. ثالثها: كيف يجعل حديث أنس مضطربًا مع أن الروايات عنه لم يتحقق اختلافها، وغاية ما ذكره أن رواية الزهري عن أنس تحتمل مخالفة روايةَ الباقين، وقد صرح هو بذلك في قوله: فقد يجوز أن تكون الشمس مرتفعة قد اصفرت، ومع احتمال المخالفة والموافقة لا يكون اضطرابًا، بل الواجب حمل الرواية المحتملة على الروايات المصرّحة، وجَعْلُها على نَسَق واحد، لا اختلاف بينها، ولا تَضَادَّ، وكيف نجيء إلى الرواية التي هي صريحة في المقصود، لا تحتمل التأويل، فنردها بورود رواية أخرى تحتمل أن تخالفها احتمالًا مرجوحًا، بل لو كان احتمال المخالفة راجحًا لكان الواجب الحمل على المرجوح ليوافق بقية الروايات، فكيف واحتمال المخالفة هو المرجوح، أو الاحتمالان مستويان إن تنزلنا، والواقف على كلام الطحاوي في هذا الموضع يفهم منه التعصب ببادىء الرأي، لأنه ذكر أولًا أن رواية الزهري عن أنس محتملة لأن تكون الشمس قد اصفرت، ثم إنه نَزَّلَ هذا الاحتمال منزلة المجزوم به، وقال: فقد اضطرب حديث أنس، ثم جزم بأن معنى ما روي عن الزهري بخلاف ما رواه غيره، مع قوله أولًا: إنه يحتمل المخالفة فقط. ثم ذكر الطحاوي حديث أبي الأبيض عن أنس، قال: «كان رسول الله - ﷺ - يصلي صلاة العصر، والشمس بيضاء مُحَلِّقَةٌ»، وقال: ذلك دليل على أنه قد كان يؤخرها، ثم ذكر أنه رُوِي عن النبي - ﷺ - «أنه كان يصليها، والشمس مرتفعة بيضاء نقية، قدر ما يسير الراكب فرسخين، أو ثلاثة»، فذكر أنه دليل على التأخير أيضًا، وهذا من أعجب العجب. والله أعلم. انتهى كلام الحافظ العراقي في «طرحه» جـ ٢ ص ١٦٥ - ١٦٧. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله ولي الدين ﵀ كلام نفيس جدًّا في الرد على من يتعصب لمذهب الحنفية في قولهم باستحباب تأَخير العصر، مثل الطحاوي، ومن تبعه كالعيني، وصاحب العرف الشذي. والله تعالى أعلم. تنبيه: الواجب على المسلم العاقل أن يكون ناصرًا للحق، ومتبعًا للدليل، يدور حيثما دار، ولا يلتفت إلى من خالفه، أيًا قدره ومنزلته من العلم، ولا يمنعه من ذلك تقليده لإمام من الأئمة المجتهدين، فإنهم يصيبون ويخطئون، ولكنهم مأجورون على خطئهم أجرًا واحدًا، كما أنهم يؤجرون على صوابهم أجرين، فإنهم ما خالفوا النص، إلا لعدم وصوله إليهم، أو بلغهم إلا أنه عن طريق لا يرتضونها، أو تأولوه على حسب ما ظهر لهم، فأخطئوا في تأويله، إلى غير ذلك من الأعذار التي تُبْرىء ساحتهم أن ينزل فيها لَوْم وتوبيخ. وأما هؤلاء الذين يقلدونهم في أخطائهم فليس لهم عذر، إلا أنهم يقولون: إن إمامهم أعلم من غيره، فلا ينبغي مخالفته، يا للعجب! هل إمامهم أعلم من الصحابة والتابعين، المخالفين له في تلك المسألة، القائلين بما وافق النص الصريح الصحيح؟! إن هذا لشيء عُجَاب! عجيبة: مما اتفق لي أن مؤذنًا أذن للمغرب، فدخل رجل حنفي المسجد بعد الأذان، فجلس قبل أن يركع ركعتين، فقلت له: يا أخي لا تجلس، فإنك دخلت المسجد، فتوجه إليك شيئان: نهيه - ﷺ - لمن دخل المسجد أن يجلس حتى يركع ركعتين، وقوله - ﷺ -: «صلوا قبل المغرب …» الحديث، فرد علي بأن الصلاة قبل المغرب مكروهة في مذهبنا، فقلت له: إني كنت حنفيًّا مثلك، وقرأت من كتب الحنفية أصولًا وفروعًا كتبًا كثيرة، وفي ظني أنك ما قرأتها كلها، ولكني لما رأيت الأحاديث الصحاح مخالفة لبعض مسائلها -كمسألتنا هذه- تركت ما كنت أقلد؛ لوضوح الحق لي والحمد لله، فتناقشنا كثيرًا، فلما أكثرت عليه قال لي: هل أنت أعلم من الإمام أبي حنيفة؟ فقلت له: هَبْ أني لست أعلم، ولكن هل تعتقد أنت أن الإمام أبا حنيفة أعلم من رسول الله - ﷺ - حيث يقول: «صلوا قبل المغرب»، ويقول هو بكراهة الصلاة قبل المغرب، مع أني أحترم الإمام أبا حنيفة ﵀، وأعتذر عنه في مخالفته لهذا الحديث بأنه ما بلغه، أو بلغه، إلا أنه عن طريق لا يرضاها. فانقطعت حجة الرجل، ولكنه ما تراجع عما هو عليه، لمجرد تعصب، نسأل الله تعالى أن يُرِيَنَا الحق حَقًّا، ويرزقنا اتباعه، ويُرِيَنَا الباطل باطلًا، ويرزقنا اجتنابه، إنه بعباده رؤوف رحيم. ثم إني لا أقصد بهذا التَّنقُّصَ بمذاهب الأئمة، حاشا ثم حاشا، وكيف وهم الذين خدموا الكتاب والسنة، وقاموا في ذلك حق القيام، فأقوالهم شارحة للكتاب والسنة، فمما يجب على طالب العلم أن يستعين في فهم الكتاب والسنة بأقوال أهل العلم، من الفقهاء، والأصوليين، والنحويين، واللغويين، وغيرهم رحمهم الله تعالى. ولكني أنصح المسلم، وأحذّره أن يقلد آراءهم التي تخالف النصوص الصريحة الصحيحة، بدعوى أنهم أعلم منه، وأدرى بتلك النصوص، وكيف يَدَّعي ذلك، وقد خالفهم في تلك المسائل من هو أعلم منهم، أو مثلهم. وبالجملة فالواجب على المسلم أن يجعل النصوص الصحيحة
مصادر المؤلف (٢)

١. هي الرواية التالية للمصنف الآتية برقم (٥٠٧).

٢. هكذا النسخة، ولعل الصواب: وقَدَّروها أنها أربعة أميال.