خَوَى: غَابَ. وقال ذُو الرمة في الطائر (من الطويل):
وَرَدْتُ اعْتِسَافًا والثُّرَيَّا كَأنَّهَا … عَلَى قِمَّةِ الرَّأْسِ ابْنُ مَاءٍ مُحَلِّقُ
أفاده في «اللسان».
والمراد به أن الشمس مرتفعة، وفيه دليل على أنه - ﷺ - كان يصلي العصر في أول وقتها.
تنبيه:
حديث أنس ﵁ هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف، لم يخرجه إلا في هذا الباب. والمسائل المتعلقة به تقدمت في الأحاديث السابقة، فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادتها. فارجع إليها تستفد. وبالله ﷾ التوفيق، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٠٩ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ بْنَ سَهْلٍ، يَقُولُ: صَلَّيْنَا مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الظُّهْرَ، ثُمَّ خَرَجْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَوَجَدْنَاهُ يُصَلِّي الْعَصْرَ، قُلْتُ: يَا عَمِّ مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّيْتَ؟ قَالَ: الْعَصْرَ، وَهَذِهِ صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - الَّتِي كُنَّا
نُصَلِّي.
رجال الإسناد: خمسة
١ - (سُوَيد بن نَصْر) المروزي أبو الفضل، رَاوِيَةُ ابنِ المبارك، ثقة، من [١٠]، تقدم في ٤٥/ ٥٥.
٢ - (عبد الله) بن المبارك الحَنْظَلِيُّ المروزي، الإمام الحجة الثبت، من [٨]، تقدم في ٣٢/ ٣٦.
٣ - (أبو بكر بن عثمان بن سهل بن حُنيف) الأنصاري الأوسي المدني، مقبول، من [٦]، أخرج له البخاري ومسلم والنسائي، رَوىَ عن عمه أبي أمامة بن سهل بن حنيف. وعنه الثوري، ومالك، وابن المبارك، وأبو ضمرة، ذكره ابن حبان في الثقات.
٤ - (أبو أمامة في سهل) بن حنيف، اسمه أسعد، وقيل: سعد، وقيل: قتيبة، ولد في حياة النبي - ﷺ -، وسمي باسم جده لأمه أسعد بن زُرَارَة، وكُنِيَ بكنيته.
رَوىَ عن النبي - ﷺ - مرسلًا، وعن عمر، وعثمان، وعمه عثمان، وأبيه سهل، وابن عباس، وأبي هريرة، وغيرهم. وعنه ابناه سهل، ومحمد، وابنا عمه عثمان، وحكيم، وغيرهم.
قال أبو مشعر المدني: رأيته شيخًا كبيرًا يخضب بالصفرة، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث، وقال سعيد بن السكن: وُلِدَ على عهد
النبي - ﷺ -، ولم يسمع منه شيئًا، وكذا قال البغوي، وابن حبان، وقال يونس عن ابن شهاب: أخبرني أبو أمامة بن سهل، وكان من أكابر الأنصار، وعلمائهم، وقال غيره: وُلِدَ قبل وفاة النبي - ﷺ - بعامين، وقال الطبراني: له رؤية.
وقال أبو زرعة: لم يسمع من عمر. وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي، قيل له: هو ثقة؟ فقال: لا يسأل عن مثله، هو أجل من ذاك. وقال أبو منصور الباوَرْدي : مختلف في صحبته، إلا أنه ولد في عهده، وهو ممن يُعَدُّ في الصحابة الذين رَوَى عنهم الزهري. وقال السلمي: سئل الدارقطني: هل أدرك النبي - ﷺ -؟ قال: نعم، وأخرج حديثه في المسند.
وقال البخاري: أدرك النبي - ﷺ -، ولم يسمع منه. وقال أحمد بن صالح: حدثنا عنبسة، ثنا يونس، عن الزهري: حدثني أبو أمامة، وكان قد أدرك النبي - ﷺ -، وسماه، وَحنَّكَه، هذا إسناد صحيح. ونقل ابن منده عن أبي داود أنه قال: صحب النبي - ﷺ - وبايعه. قال ابن منده: وقول البخاري أصح. وقال خليفة، وغيره: مات سنة ١٠٠، واسم أمه حبيبة بنت أسعد. أخرج له الجماعة.
٥ - (أنس بن مالك) الصحابي ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم موثقون، اتفقوا عليهم؛ إلا شيخه فانفرد به هو والترمذي، وأبا بكر، فمن أفراده والشيخين وأنهم مدنيون إلا شيخه وابن المبارك فمروزيان.
ومنها: أن فيه الإخبار، والإنباء، والسماع، والعنعنة من صيغ الأداء.
ومنها: أن أبا بكر، وأبا أمامة، هذا الباب أول محل ذكرهم. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي بكر بن عثمان بن سهل بن حنيف) بضم الحاء مصغرًا، وأبو بكر لا يعرف اسمه، أنه (قال: سمعت أبا أمامة بن سهل) هو عمه (يقول: صلينا مع عمر بن عبد العزيز) الخليفة الراشد الأموي، المتوفى سنة ١٠١، تقدمت ترجمته في ١٢٢/ ١٧١ رحمه الله تعالى (الظهر، ثم خرجنا) أي من المسجد (حتى دخلنا على أنس ابن مالك) ﵁ (فوجدناه يصلي العصر) قال أبو بكر (قلت: يا عم) قاله على سبيل التوقير، ولكونه أكبر منه
سنًا، مع أن نسبهما يجتمع في الأنصار، لكنه ليس عمه حقيقة. قاله في «الفتح». والله أعلم.
تنبيه:
إذا كان المنادى المضاف إلى ياء المتكلم صحيحًا، كيا عمي، ويا أخي، جاز فيه ستة أوجه:
الأول: حذف الياء، والاستغناء بالكسرة، نحو يا عمِّ، وهو الأكثر.
الثاني: إثبات الياء ساكنة، نحو يا عمي، وهو دون الأول في الكثرة.
الثالث: إثبات الياء مفتوحة، نحو يا عَمّيَ بفتح الياء، وهو يلي ما قبله.
الرابع: قلب الياء ألفًا، نحو يا عَمَّا، وهو يلي ما قبله.
الخامس: حذف الألف اكتفاء بالفتحة، نحو يا عم، بفتح الميم، وهو أضعف الأوجه، ولذا منعه الأكثرون، وأجازه الأخفش، والفارسي.
وإلى هذه الخمسة أشار ابن مالك ﵀ في «الخلاصة»، فقال:
وَاجْعَلْ مُنَادًى صَحَّ إِنْ يُضَفْ لِيَا … كعَبْدِ عَبْدِ عَبْدَ عَبْدَا عَبْدِيَا
السادس: ضم الاسم بعد حذف الألف، كالمفرد اكتفاء بنية الإضافة، وهذا فيما يكثر نداؤه مضافًا، كالرب، والأبوين، والعم،
والقوم، لا في نحو الغلام. انظر التفاصيل في شروح ألفية ابن مالك، وحواشيها فى باب المُنَادَى المضافِ إلى ياء المتكلمَ. والله تعالى أعلم.
(ما هذه الصلاة التي صليت؟ قال: العصر) يحتمل الرفع على أنه خبر لمحذوف، أي هي العصر، ويحتمل النصب على أنه مفعول لفعل محذوف، أي صليت العصر، ثم قال أنس ﵁ مبينًا دليله على تعجيله العصر في مثل هذا الوقت الذي يصلي فيه الناس الظهر (وهذه صلاة رسول الله - ﷺ - التي كنا نصلي) وعائد الموصول محذوف، كما قال ابن مالك:
.................. … وَالْحَذْفُ عِنْدَهُمْ كثِيرٌ مُنْجَلِي
فِي عَائِد مُتَّصِلٍ إِنِ انْتَصَبْ … بِفِعْل اوْ وَصْفٍ كَمَنْ نَرْجُو يَهَبْ
أي نصليها معه.
قال النووي ﵀: هذا الحديث صريح في التبكير بصلاة العصر في أول وقتها، وأنَّ وقتها يدخل بمصير ظل الشيء مثله، ولهذا كان الآخرون يؤخرون الظهر إلى ذلك الوقت، وإنما أخرها عمر بن عبد العزيز على عادة الأمراء قبله قبل أن تبلغه السنة في تقديمها، فلما بلغته صار إلى التقديم، ويحتمل أنه أخرها لشغل وعذر عرض له، وظاهر الحديث يقتضي التأويل الأول، وهذا كان حين ولي عمر بن عبد العزيز المدينةِ نيَابَةً، لا خِلافَةً، لأن أنسًا ﵁ توفي قبل
خلافة عمر بن عبد العزيز بنحو تسع سنين. اهـ «شرح مسلم» جـ ٥ ص ١٢٤.
وقال في «الفتح»: وفي القصة دليل على أن عمر بن عبد العزيز كان يصلي العصر في آخر وقتها تبعًا لسلفه، إلى أن أنكر عليه عروة، فرجع إليه، كما تقدم، وإنما أنكر عليه عروة في العصر دون الظهر، لأن وقت الظهر لا كراهة فيه بخلاف وقت العصر.
وفيه دليل على صلاة العصر في أول وقتها أيضًا، وهو عند انتهاء وقت الظهر، ولهذا تشكك أبو أمامة في صلاة أنس، أهي الظهر أو العصر؟ فيدل أيضًا على عدم الفاصلة بين الوقتين. اهـ «فتح» جـ ٢ ص ٣٥.
قال الجامع عفا الله عنه: وما اعترض به العيني كلامَ النووي بأن هذا الحديث ليس فيه تصريح في التبكير لصلاة العصر، ومثل عمر ابن عبد العزيز كان يتبع الأمراء، ويترك السنة. مما لا قيمة له، بل جرى على عادته في التعصب لمذهبه، مع كون أحاديث الباب صريحة في مخالفته. والله المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
الأولى: في درجته:
حديث أنس هذا متفق عليه.