٩ - بَابُ التَّشْدِيدِ فِي تَأخِيِر صَلاةِ العَصْرِ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على التشديد في الوعيد في تأخير صلاة العصر.
٥١١ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ بْنِ إِيَاسِ بْنِ مُقَاتِلِ بْنِ مُشَمْرِجِ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ، أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِي دَارِهِ بِالْبَصْرَةِ حِينَ انْصَرَفَ مِنَ الظُّهْرِ، وَدَارُهُ بِجَنْبِ الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا دَخَلْنَا عَلَيْهِ، قَالَ: أَصَلَّيْتُمُ الْعَصْرَ؟ قُلْنَا: لَا، إِنَّمَا انْصَرَفْنَا السَّاعَةَ مِنَ الظُّهْرِ، قَالَ: فَصَلُّوا الْعَصْرَ، قَالَ: فَقُمْنَا، فَصَلَّيْنَا، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِ، جَلَسَ يَرْقُبُ صَلَاةَ الْعَصْر، حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ، قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعًا، لَا يَذْكُرُ اللهَ ﷿ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلًا».
رجال الإسناد: أربعة
١ - (علي بن حُجْر بن إِياس بن مقاتل بن مُشَمْرِج بن خالد) وفي تهذيب الكمال: علي بن حُجْر بن إياس بن مقاتل بن مخادش بن
مخادش بن مشمرج بن خالد السَّعْدي، أبو الحسن المروزي، ولجده مشمرج صحبة. سكن بغداد قديمًا، ثم انتقل إلَى مرو، فنزلها، ونسب إليها، وانتشر حديثه بها، وكان متيقظًا حافظًا ثقة مأمونًا. اهـ ونحوه في «تت»، وفي «ت» المروزي نزيل بغداد، ثم مَرْوَ، ثقة حافظ، توفي سنة ٢٢٤، وقد قارب ١٠٠سنة أو جاوزها، من صغار [٩]. اهـ تقدم في ١٣/ ١٣.
٢ - (إِسماعيل) بن جعفر بن أبي كثير الأنصاري الزُّرَقيُّ، أبو إسحاق القارىء المدني، ثقة ثبت، توفي سنة ١٨٠، من [٨]، أَخرج له الجماعة، تقدم في ١٦/ ١٧.
٣ - (العلاء) بن عبد الرحمن بن يعقوب الحُرَقيُّ -بضم ففتح- أبو شبْل -بكسر فسكون- المدني، صدوق ربما وَهِمَ، توفي سنة بضع وثلاثين ومائة، من [٥]، أخرج له البخاري في جزء القراءة والأربعة، تقدم في ١٠٧/ ١٤٣.
٤ - (أنس بن مالك) ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه العشرون من رباعيات المصنف، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد، كما تقدم غير مرة.
ومنها: أن رجاله ثقات نبلاء اتفقوا عليهم، إلا شيخه، فلم يخرج
له أبو داود وابن ماجه، والعلاء، فأخرج له البخاري في جزء القراءة فقط.
ومنها: أنهم مدنيون، إلا شيخه، فبغدادي مروزي.
ومنها: أن فيه من صِيَغ الأداء الإخبار، والتحديث، والسماع.
ومنها: أن أنسًا أحد المكثرين السبعة روى ٢٢٨٦ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن العلاء بن عبد الرحمن ﵀ (أنه دخل) وفي رواية أبي داود دخلنا (على أنس بن مالك في داره بالبصرة) قال الفيومي ﵀: البَصْرة وزان تَمْرَة: الحجَارة الرّخْوَةُ، وقد تحذف الهاء مع فتح الباء، وكسرها، وبها سميت اَلبلدة المعروفة، وأنكر الزَّجَّاج فتح الباء، مع الحذف، ويقال في النسبة: بَصري بالوجهين، وهي مُحْدَثَةٌ إسْلَاميِّة، بُنيَت في خلافة عمر ﵁ سنة ١٧من الهجرة، بعد وقف السواد، ولهذا دخلت في حده، دون حكمه. انتهى «المصباح» جـ ١ ص ٥٠.
(حين انصرف) متعلق بدخل (من) صلاة (الظهر، وداره) أي دار أنس (بجنب المسجد) وفي رواية أبي داود «دخلنا على أنس بن مالك بعد الظهر، فقام يصلي العصر …» الحديث.
يعني أنه صلى في أول وقتها، وصلى في بيته، ولم يصلها مع
الإمام، لأن الأمراء كانوا يؤخرون الصلاة عن أول وقتها، وقد أمر رسول الله - ﷺ - من يدركهم أن يصلي الصلاة أول وقتها، ويجعل صلاته معهم نافلة. كما تقدم في حديث أبي ذر ﵁ (فلما دخلنا عليه قال: أصليتم العصر؟ فقلنا: لا، إِنما انصرفنا الساعة) أي في الساعة الحاضرة، فأل للعهد الحضوري (من الظهر، قال) أنس ﵁ (فصلوا العصر، قال) العلاء (فقمنا، فصلينا) أي صلاة العصر (فلما انصرفنا) أي سلمنا من العصر (قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: تلك) أي الصلاة المتأخرة عن الوقت (صلاة المنافق) فتلك: إشارة إلى مذكور حكمًا، كما قدرناه، وقال الطيبي: إشارة إلى ما في الذهن من الصلاة المخصوصة، والخبر بيان لما في الذهن.
وفي رواية أبي داود «تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين». بالتكرار ثلاث مرات، مبالغةً في ذم من يؤخر الصلاة إلى هذا الوقت بدون عذر.
ثم إن المنافق إما محمول على حقيقته بأن يكون بيانًا لصلاته، أو يكون تغليظًا، يعني أن من أخر صلاة العصر إلى قبيل الغروب، فقد شبه نفسه بالمنافق، فإن المنافق لا يعتقد حقية الصلاة، بل إنما يصلي لدفع السيف عن نفسه، ولا يبالي بالتأخير، إذ لا يطلب فضيلة، ولا ثوابًا، والواجب على السلم أن يخالف المنافق. انتهى «مرعاة» جـ ٢ ص ٣٠٢.
(جلس) ولمسلم «يجلس» بصيغة المضارع، ولأبي داود «يجلس أحدهم» (يرقب صلاة العصر) أي ينتظر قرب آخر وقتها، وهو غروب الشمس، ولمسلم «يرقب الشمس»، أي ينتظر غروبها، والجملة مستأنفة استئنافًا بيانيًا، وهو ما يقع جوابًا لسؤال مقدر، كأنه قيل: ما هي صفة تلك الصلاة، التي وصفت بأنها صلاة المنافق، فقال: يجلس ينتظر قرب غروب الشمس … إلخ (حتى إِذا كانت) الضمير راجع إلى الشمس بقرينة السياق، كما بينته رواية مسلم (بين قرني الشيطان) ولأبي داود «حتى إذا اصفرت الشمس، فكانت بين قرني شيطان، أو على قرني شيطان».
ومعنى قرني الشيطان: جانبا رأسه، وهو كناية عن قرب الغروب، وذلك لأن الشيطان عند طلوع الشمس، واستوائها، وغروبها ينتصب دون الشمس، بحيث يكون الطلوع والغروب بين قرنيه، فهو محمول على حقيقته. قاله في المرعاة.
وفي «المنهل» جـ ٣ ص ٣٣٥: اختلفوا فيه، فقيل: هو على حقيقته، وظاهر لفظه، والمراد أن يحاذيها بقرنيه عند غروبها، وكذا عند طلوعها، لأن الكفار يسجدون لها حينئذ، فيقارنها، ليكون الساجد لها في صورة الساجد له، ويخيل لنفسه، ولأعوانه أنهم يسجدون له.
وقيل: هو على المجاز، والمراد بقرنيه علوه، وارتفاعه، وسلطانه، وتسلطه، وغلبة أعوانه، وسجود مطيعه من الكفار للشمس.
وقال الخطابي ﵀: اختلفوا في تأويله على وجوه؛ فقال قائل: معناه: مقارنة الشيطان للشمس عند دنوها للغروب، على معنى ما رُوِيَ أن الشيطان يقارنها إذا طلعت، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا دنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها، فحرمت الصلاة في هذه الأوقات الثلاثة لذلك.
وقيل: معنى «قرن الشيطان» قوته، من قولك: أنا مُقْرِن لهذا الأمر، أي مُطِيق له قوي عليه.
وذلك لأن الشيطان إنما يقوى أمره في هذه الأوقات، لأنه يُسَوِّل لعَبَدَة الشمس أن يسجدوا لها في هذه الأزمان الثلاثة، وقيل: قَرْنُهُ: حِزْبُهُ، وأصحابه الذين يعبدون الشمس، يقال: هؤلاء قرن، أي نشء جاءوا بعد قرن مضى.
وقيل: إن هذا تمثيل، وتشبيه، وذلك أن تأخير الصلاة إنما هو من تسويل الشيطان لهم وتزيينه ذلك في قلوبهم، وذوات القرون إنما تعالج الأشياء وتدفعها بقرونها، فكأْنهم لما دفعوا الصلاة، وأخروها عن أوقاتها بتسويل الشيطان لهم حتى اصفرت الشمس، صار ذلك منه بمنزلة ما تعالجه ذوات القرون بقرونها، وتدفعه بأرْوَاقِهَا.
وفيه وجه خامس قاله بعض أهل العلم، وهو أن الشيطان يقابل الشمس حين طلوعها، وينتصب دونها حتى يكون طلوعها بين قرنيه، وهما جانبا رأسه، فينقلب سجود الكفار للشمس عبادة له، وقرنا
الرأس: فَوْدَاهُ، وجانباه. وسُمِّيَ ذو القرنين بذلك لأنه ضُرِبَ على جانبي رأسه، فلقب به. انتهى كلام الخطابي في «المعالم» جـ ١ ص ٢٤١، ٢٤٢.
قال الجامع عفا الله عنه: أرجح هذه الأقوال عندي هذا الوجه الخامس، وقريب منه الوجه الأول، أو هو تفصيل له، وإنما كان هذا أرجح، لأن ظاهر النص لا يُعدَل عنه إلا إذا كان فيه ما يصرفه عن ظاهره، وهنا لا داعي لذلك، لأن الشيطان كونه ينتقل من مكان إلى مكان بحيث يصل إلى محل طلوع الشمس وغروبها غير مستبعد، فلا حاجة لصرف اللفظ عن ظاهره إلى غيره. والله أعلم.
وقوله (قام) جواب «إذا»، أي إلى الصلاة، «وحتى» غاية لمراقبته للشمس، يعني أنه جلس مراقبًا للشمس إلى أن صارت بين قرني الشيطان، فقام يسابق غروبها (فنقرها أربعًا) من نَقَرَ الطائرُ الحب نَقْرًا، من باب قتل: التقطه. أي نقر صلاة العصر نقرًا كنقر الطائر الحب.
قال الجزري ﵀: يريد تخفيف السجود، وأنه لا يمكث فيه إلا قدر وضع الغراب مِنْقَارَهُ فيما يريد أكله. انتهى.
وقال السندي ﵀: كأنه شبه كل سجدتين من سجداته من حيث إنه لا يمكث فيهما، ولا بينهما، بنقر طائر إذا وضع منقاره يلتقط شيئًا. انتهى. يعني إنما قال: أربعا، أي أربع سجدات مع أن في العصر
ثماني سجدات، لأنه لا يمكث بينهما، فكأنه سجد أربعًا.
وفيه تصريح بذم من صلى مسرعًا بحيث لا يكمل الخشوع، والطمأنينة، والأذكار.
وقيل: معنى «نقر أربعًا» أي لقط أربع ركعات سريعًا، فالنقر عبارة عن السرعة في أداء الصلاة.
وقيل: عن سرعة القراءة، وقلتها، وقلة الذكر فيها. قاله في المرعاة جـ ٢ ص ٣٠٢.
وفي المنهل: وتخصيص الأربع بالنقر، وفي العصر ثماني سجدات اعتبارًا بالركعة، أو أن الحديث جاء حين كانت صلاة العصر ركعتين، ثم زيدت بعده.
قال الجامع عفا الله عنه: الاحتمال الأول أقرب. والله أعلم.
وإنما خص العصر بالذكر لأنها الصلاة الوسطى، ولأنها تأتي في وقت تعب الناس من مقاساة أعمالهم، وإلا فتأخير غيرها من المكتوبة إلى آخر وقتها بدون عذر مذموم، وفيه الوعيد الشديد. انتهى.
(لا يذكر الله ﷿ فيها) لعدم اعتقاده، أو لخلوه عن الإخلاص (إِلا قليلًا) أي إلا ذكرًا قليلًا، وقيل: الظاهر أنه منفصل، أي لكنه في زمن قليل يذكر الله فيه بلسانه فقط. والله ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أنس ﵁ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف رحمه الله تعالى:
أخرجه هنا (٥١١)، وفي «الكبرى» (١٤٩٧) بهذا السند.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي؛ فأخرجه مسلم في «الصلاة» عن يحيى بن أيوب، ومحمد بن الصباح، وقتيبة، وعلي بن حجر- أربعتهم عن إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أنس ﵁.
وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي، عن مالك، عن العلاء، عنه.
وأخرجه الترمذي فيه عن علي بن حُجْر، عن إسماعيل به. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما بَوَّبَ عليه المصنف رحمه الله تعالى، وهو بيان الوعيد الشديد لمن أخر العصر عن وقتها المستحب إلى قرب غروبها.
ومنها: التصريح بذم من أخر صلاة العصر، والحكم على صلاته بأنها صلاة المنافق، ولا أقبح من هذا الوصف عند العاقل.
ومنها: التصريح بذم من صلى مسرعًا بحيث لا يكمل الطمأنينة،