للجماعة، لمفهوم قوله - ﷺ -: «من أدرك ركعة من الصلاة مع الإمام، فقد أدرك الصلاة». والثاني: وهو الصحيح، وبه قال جمهور أصحابنا، يكون مدركًا لفضيلة الجماعة؛ لأنه أدرك جزءًا منه، ويجاب عن مفهوم الحديث بما سبق. اهـ. «شرح مسلم» جـ ٥ ص ١٠٥، ١٠٦.
قال الجامع عفا الله عنه: وفي ترجيحه القول الثاني نظر، بل الراجح هو القول الأول، لظهور دلالة الحديث عليه. والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥١٦ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: «إِذَا أَدْرَكَ أَحَدُكُمْ أَوَّلَ سَجْدَةٍ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ، وَإِذَا أَدْرَكَ أَوَّلَ سَجْدَةٍ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ».
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (عمرو بن منصور) النسائي، أبو سعيد، ثقة ثبت، من [١١]، أخرج له النسائي، تقدم في ١٠٨/ ١٤٧.
٢ - (الفضل بن دُكَين) الكوفي، واسم دكين. عمرو بن حماد بن زهير، التيمي مولاهم الأحول، المُلَائي أبو نعيم مشهور بكنيته، ثقة
ثبت، من [٩]، وهو من كبار شيوخ البخاري.
قال محمد بن سليمان الباغندي: سمعت أبا نعيم يقول: أنا الفضل بن عمرو بن حماد، ودُكَين لقب، وقيل: إن رجلًا قال لأبي نعيم: كان اسم أبيك دُكينًا؟ قال: كان اسم أبي عمرًا، ولكنه لقبه فَرْوةُ الجُعْفي دُكَينًا. وقال حنبل بن إسحاق: قال أبو نعيم: كتبت عن نيف ومائة شيخ ممن كتب عنه سفيان. وقال الفضل بن زياد الجعفي عن أبي نعيم: شاركت الثوري في ثلاثة عشر ومائة شيخ. وقال أبو عوف اليُزُوريُّ عن أبي نعيم: قال لي سفيان مرة، وسألته عن شيء: أنت لا تبصر النجوم بالنهار، فقلت: وأنت لا تبصرها كلها بالليل، فضحك.
وقال صالح بن أحمد: قلت لأبي: وكيعٌ، وعبدُ الرحمن بن مهدي، ويزيد بن هارون، أين يقع أبو نعيم من هؤلاء؟ قال: على النصف، إلا أنه كَيِّس، يتحرى الصدق، قلت: فأبو نعيم أثبت، أو وكيع؟ قال: أبو نعيم أقل خطأ. قلت: فأيما أحب إليك، أبو نعيم، أو ابن مهدي؟ قال: ما فيهما إلا ثبت، إلا أن عبد الرحمن كان له فهم. وقال حنبل عن أحمد: أبو نعيم أعلم بالشيوخ وأنسابِهِم، وبالرجال، ووكيع أفقه. وقال يعقوب بن شيبة: أبو نعيم ثقة ثبت صدوق، سمعت أحمد بن حنبل يقول: أبو نعيم يُزَاحَمُ به ابن عيينة، فقال رجل: وأي شيء عند أبي نعيم من الحديث؟ ووكيع أكثر رواية، فقال: هو على قلة روايته أثبت من وكيع. وعن أبي زرعة الدمشقي، عن أحمد مثله.
وقال الفضل بن زياد: قلت لأحمد: يجري عندك ابن فُضَيل
مجرى عبيد الله بن موسى؟ قال: لا، كان ابن فضيل أثبت، فقلت: وأبو نعيم يجرى مجراهما؟ قال: لا، أبو نعيم يَقْظاَنُ في الحديث، وقام في الأمر، يعني الامتحان. وقال المروذي عن أحمد: قال يحيى، وعبد الرحمن: أبو نعيم: الحجة الثبت، كان أبو نعيم ثبتًا. وقال أيضًا عن أحمد: إنما رفع الله عفان، وأبا نعيم بالصدق حتى نوه بذكرهما. وقال مهنا: سألت أحمد عن عفان، وأبي نعيم؟ فقال: هما العقدة، وفي رواية ذهبا مَحْمُودَيْنِ.
وقال أبو بكر بن أبي خيثمة: سئل يحيى بن معين، أي أصحاب الثوري أثبت؟ قال: خمسة، يحيى، وعبد الرحمن، ووكيع، وابن المبارك، وأبو نعيم. وقال أبو زرعة الدمشقي: سمعت ابن معين، يقول: ما رأيت أثبت من رجلين: أبي نعيم، وعفان. قال: وسمعت أحمد بن صالح، يقول: ما رأيت محدثًا أصدق من أبي نعيم. وقال أبو حاتم: سألت علي بن المديني: مَنْ أوثق أصحاب الثوري؟ قال: يحيى، وعبد الرحمن، ووكيع، وأبو نعيم، وأبو نعيم من الثقات.
وقال ابن عمار: أبو نعيم متقن حافظ، إذا روى عن الثقات فحديثه أرجح ما يكون. وقال الحسين بن إدريس: خرج علينا عثمان بن أبي شيبة، فقال: حدثنا الأسد، فقلنا: من هو؟ فقال: الفضل بن دُكَين.
وقال الآجري: قلت لأبي داود: كان أبو نعيم حافظًا؟ قال: جِدًا.
وقال العجلي: أبو نعيم الأحول كوفي ثقة ثبت في الحديث. وقال يعقوب بن سفيان: أجمع أصحابنا على أن أبا نعيم كان غاية في
الإتقان. وقال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عن أبي نعيم، وقبيصة؟ فقال: أبو نعيم أتقن الرجلين. وقال أبو حاتم: ثقة، كان يحفظ حديث الثوري ومسعر حفظًا، كان يحرز حديث الثوري ثلاثة آلاف وخمسمائة، وحديث مسعر نحو خمسمائة، كان يأتي بحديث الثوري على لفظ واحد، لا يغيره، وكان لا يلقن، وكان حافظًا متقنًا، وقال
أبو حاتم أيضًا: لَمْ أرَ من المحدثين من يحفظ يأتي بالحديث على لفظ واحد، لا يغيره، سوى قبيصة، وأبي نعيم في حديث الثوري، ويحيى الحِمَّاني في شريك، وعلي بن الجَعْد في حديثه.
وقال أحمد بن عبد الله الحداد: سمعت أبا نعيم يقول: نظر ابن المبارك في كتبي، فقال: ما رأيت أصح من كتابك. وقال حنبل بن إسحاق: سمعت أبا عبد الله يقول: شيخان كان الناس يتكلمون فيهما، ويذكرونهما، وكنا نلقى من الناس في أمرهما ما الله به عليم، قاما لله بأمر لم يقم به أحد، أو كبير أحد، مثل ما قاما به، عَفَّانُ، وأبو نعيم- يعني بالكلام فيهما لأنهما كانا يأخذان الأجرة على التحديث، وبقيامهما عدم الإجابة في المحنة.
قال أبو نعيم: يلومونني على الأجر، وفي بيتي ١٣، وما في بيتي رغيف.
قال أبو نعيم. ولدت سنة ١٣٠، في آخرها، وقال إبراهيم الحربي: كان بين وكيع، وأبي نعيم سنة، وَفَاتَ أبا نعيم في تلك السنة الخلقُ. مات أبو نعيم سنة ٢١٨، وقيل: ٢١٩، قيل: في سلخ شعبان، وقيل:
في رمضان. أخرج له الجماعة. اهـ تت باختصار جـ ٨ ص ٢٧١ - ٢٧٦.
٣ - (شيبان) بن عبد الرحمن التميمي مولاهم النحوي، أبو معاوية البصري، نزيل الكوفة، ثقة صاحب كتاب، توفي سنة ١٦٤، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٤٧.
٤ - (يحيى) بن أبي كثير الطائي مولاهم، أبو نَصْرِ اليمامي، ثقة ثبت، لكنه يدلس ويرسل، توفي سنة ١٣٢، وقيل: قَبل ذلك، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٣/ ٢٤.
٥ - (أبو سلمة) بن عبد الرحمن، تقدم في السند السابق.
٦ - (أبو هريرة) ﵁، تقدم في السابق أيضًا.
لطائف هذا الإِسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، غير شيخه، وأن فيه رواية تابعي، عن تابعي، وأن فيه أحد الفقهاء السبعة على بعض الأقوال، وأن فيه أبا هريرة ﵁ أكثر الصحابة رواية للحديث، روى -٥٣٧٤ - حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي هريرة) ﵁ (عن النبي - ﷺ -) أنه (قال: إِذا أدرك أحدكم أول سجدة) أي السجدة الأولى، فهو من إضافة الصفة
إلى الموصوف، والمراد بالسجدة الركعة، ورواية البخاري «إذا أدرك أحدكم سجدة …» ويؤيد تفسيره بالركعة رواية الإسماعيلي له من طريق حسين بن محمد، عن شيبان، بلفظ «من أدرك منكم ركعة»، فإنها تدل على أن الاختلاف في الألفاظ وقع من الرواة، وكذا رواية مالك التالية بلفظ «من أدرك ركعة»، فإنه -كما قال الحافظ- لم يختلف على راويها، في ذلك، فكان عليها الاعتماد.
وقال الخطابي ﵀: المراد بالسجدة الركعة بركوعها وسجودها، والركعة إنما يكون تمامها بسجودها، فسميت على هذا المعنى سجدة. انتهى.
(من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس، فليتم صلاته) هذا ظاهر في أن تلك الصلاة أداء، وفيه إبطال زعم من زعم أن المراد بالحديث مَنْ زالَ عذره في ذلك الوقت، وكان بحيث يدرك ركعة من العصر والصبح، كما تقدم تفنيده (وإِذا أدرك أول سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس، فليتم صلاته) وهذا نص صريح في رد ما ذهب إليه أبو حنيفة، ومن تبعه من أن من طلعت عليه الشمس، وهو في صلاة الصبح بطلت صلاته، وقد تقدم تحقيق القول في ذلك قريبًا والله أعلم.
تنبيه:
حديث أبي هريرة من رواية أبي سلمة عنه أخرجه المصنف هنا (٥١٦)، وفي الكبرى (١٥٠٤)، عن عمرو بن منصور، عن الفضل بن