١٦ - باب كَرَاهِيَةِ النَّوْمِ بَعْدَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على كراهية النوم بعد صلاة المغرب، قبل أداء صلاة العشاء، فالكراهية ليست للوقت، وإنما هي لأجل أنه يؤدي إلى فوات العشاء، وإلا فلا كراهة كما يأتي تحقيقه، ومحل الاستدلال من الحديث واضح.
٥٢٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَيَّارُ بْنُ سَلَامَةَ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي بَرْزَةَ، فَسَأَلَهُ أَبِي كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ، قَالَ: كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الأُولَى، حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، وَكَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ، حِينَ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ، وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ، وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْعِشَاءَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ، وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا، وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ، وَكَانَ يَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ.
رجال الإسناد: خمسة
١ - (محمد بن بَشَّار) بُنْدار البصري ثقة حافظ، من [١٠]، تقدم في ٢٤/ ٢٧.
٢ - (يحيى) بن سعيد القَطَّان البصري، ثقة ثبت حجة، من [٩]، تقدم في ٤/ ٤.
٣ - (عوف) بن أبي جَمِيلَة بَنْدَوَيْه الأعرابي البصري ثقة رمي بالقدر والتشيع، من [٦]، تقدم في ٤٦/ ٥٧.
٤ - (سيَّار بن سلامة) أبو الْمِنْهَال الرّيَاحِيُّ البصري، ثقة، من [٤]، تقدم في ٤٩٥.
٥ - (أبو بَرْزَةَ الأَسْلَمِيّ) نَضْلَةُ بن عُبَيد صحابي مشهور، أسلم قبل الفتح، وغزا سبع غزوات ثم نزل البصرة، وغزا خُرَاسَان، ومات بها سنة ٦٥ على الصحيح، تقدم في ٤٩٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، اتفقوا عليهم.
ومنها: أنه مسلسل بالبصريين.
ومنها: أنه مسلسل بسماع كل راو عمن روى عنه صريحًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(قال) سيار بن سلامة (دخلت على أبي برزة الأسلمي) نَضْلَة ابن عُبَيد ﵁ (فسأله أبي) لم توجد ترجمة والده سلامة هذا، كما تقدم في قول الحافظ (٤٩٥) (كيف كان رسول الله - ﷺ - يصلي المكتوبة) والمراد الأوقات التي كان يصلي فيها الصلوات المكتوبة (قال) أبو برزة (كان) - ﷺ - (يصلي الهجير) أي الظهر، وأصل الهَجِير، كما في المصباح: نصف النهار في القَيْظِ خاصة.
وقال ابن منظور ﵀: الهَجِير، والهَجِيَرةُ، والهَاجرَة: نصف النهار عند زوال الشمس إلى العَصر، وقيلَ في كل ذلك: إنه شدة الحر، وقال الجوهري: هو نصف النهار عند اشتداد الحر. اهـ لسان جـ ٦ ص ٤٦١٩.
(التي تدعونها) أي تسمونها (الأولى) أي الصلاة الأولى، سميت بذلك لكونها أول صلاة صُلِّيَت أولَ ما فُرِضَت الصلاة، كما تقدم في حديث جبريل ﵇ (حين تدحض الشمس) أي تزول عن وسط السماء إلى جهة الغرب، كأنها دَحَضَت، أي زَلَقَت. قاله في «الزهر».
(وكان يصلي العصر حين يرجع أحدنا) أي بعد فراغه من الصلاة (إِلى رحله) أي منزله، قال المجد: الرَّحْل: مَرْكَبٌ للبعير، جمعه أرْحُل، ورِحَال، ومَسْكَنُكَ، وما تَسْتَصْحبُهُ من الأثَاث. اهـ.«ق»، والمناسب هنا معنى المسكن (في أقصَى المدينة) جار
ومجرور متعلق بمحذوف حالٍ من «رحله»، أي حال كون ذلك الرحل كائنًا في أبعد محل من المدينة.
وقوله (والشمس حية) جملة حالية من محذوف، تقديره: فَيَصِلُ إليه، والحال أن الشمس بيضاء نقية، فحياة الشمس كناية عن بقاء حرها، لم تتغير.
وفيه دليل على استحباب التعجيل بصلاة العصر في أول وقتها، وقد مر البحث عنه مستوفىً في بابه، والحمد لله.
قال سيار (ونسيت ما قال) أبو برزة (في) وقت (المغرب) قال أبو برزة (وكان) - ﷺ - (يستحب أن يؤخر العشاء التي تدعونها العَتَمَةَ) بفتحات: ثلث الليل الأول بعد غيبوبة الشفق، وقيل: العَتَمَة: وقت صلاة العشاء الأخيرة، سميت بذلك لاستعتام نَعَمها، أي احتلابها، وقيل: لتأخر وقتها. وسيأتي النهي عن تسمية العشاء عتمة، والترخيص فيه في بابه إن شاء الله تعالى.
(وكان يَكْرَهُ النومَ قبلها) لما فيه من التعرض لتفويتها، وقد تقدم أن هذا لمن لا يجد من يوقظه، وإلا فلا بأس لحديث ابن عمر ﵄ الماضي في شرح حديث (٤٩٥).
(و) يَكْرَهُ (الحديث بعدها) أي محادثة الناس بعضهم لبعض، وهذا أيضًا فيما إذا لم يكن الحديث في أمر مهم، وإلا فقد تقدم أنه - ﷺ - كان يتحدث بعدها (وكان ينفتل) أي ينصرف (من صلاة الغداة) أي
صلاة الصبح (حين يعرف الرجل جليسه) فعيل بمعنى فاعل، أي
مجالسه، وفي الرواية السابقة: «فينصرف الرجل، فينظر إلى وجه جليسه الذي يعرفه، فيعرفه».
وفيه دليل على استحباب التعجيل بصلاة الصبح؛ لأن ابتداء معرفة الإنسان وجه جليسه يكون في أواخر الغَلَس، وقد صرح في الحديث بأن ذلك كان عند الفراغ من الصلاة، ومن المعلوم من عادته - ﷺ - ترتيل القراءة، وتعديل الأركان، فمقتضى ذلك أنه كان يدخل فيها مُغَلِّسا. وسيأتي تمام البحث في هذا في بابه إن شاء الله تعالى (وكان يقرأ) فيها (بالستين إِلى المائة) يعني من الآي، وقَدَّرَهَا في رواية الطبراني بـ «سورة الحاقة»، ونحوها.
تنبيه:
هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم بيان مواضع ذكره، ومَن أخرجه معه، وفوائد الحديث في الحديث رقم (٤٩٥) فارجع إليه تزدد علمًا. والله أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.