HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٥٤٥

أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيُصَلِّي الصُّبْحَ، فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص185
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ١ ص ٢٧١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٧ ص٢١٥
٢٥ - التَّغْلِيسُ فِي الْحَضَرِ أي هذا باب في ذكر الأحاديث الدالة على استحباب التغليس بصلاة الصبح في الحضر. والتغليس: هو الدخول في الغَلَس، وهو بفتحتين: ظلام آخر الليل، يقال: غَلَّس القَومُ، تَغْليسًا: خَرَجُوا بغَلَس، وغَلَّسَ في الصلاة: صلاها بغلس. قاله في «المصباح». والله تعالى أعلم. والحَضَر بفتحتين: خِلافُ البَدْوِ، والنسبة إليه حَضَري، على لفظه، وحَضَر: أقام بالحضر، والحَضارة بفتح الحاء، وكسرها: سكون الحَضَر. قاله في «المصباح». والله تعالى أعلم. ٥٤٥ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَيُصَلِّي الصُّبْحَ، فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ». رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد أبو رجاء البَغْلانيُّ، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١. ٢ - (مالك) بن أنس الإمام المدني، ثقة حجة، من [٧]، تقدم في ٧/ ٧. ٣ - (يحيى بن سعيد) بن قيس بن عمرو الأنصاري المدني، أبو سعيد القاضي، ثقة ثبت، توفي سنة ١٤٤، من [٥]، تقدم في ٢٢/ ٢٣. ٤ - (عمرة) بنت عبد الرحمن بن سَعْد بن زُرَارَةَ الأنصارية المدنية، أكثرت عن عائشة، ثقة، توفيت قبل سنة ١٠٠، ويقال: بعدها، من [٣]، تقدمت في ١٣٤/ ٢٠٣. ٥ - (عائشة) أم المؤمنين ﵂، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف، ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، اتفقوا عليهم، ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، وقتيبة وإن كان بغلانيًا، إلا أنه دخل المدينة، ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعية، ومنها: أن عائشة من المكثرين السبعة روت ٢٢١٠ حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عائشة) ﵂، أنها (قالت: إن) مخففة من الثقيلة، وإذا خففت «إن» لا تعمل غالبًا، وتلزمها اللام الفارقة بينها، وبين «إن» الشرطية، ولا يليها من الأفعال غالبًا إلا النواسخ؛ ككان، وظن، وأخواتهما، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٣]، وإلى ذلك كله أشار ابن مالك بقوله: وَخُفِّفَتْ «إِنَّ» فَقَلَّ الْعَمَلُ … وَتَلْزَمُ اللامُ إِذَا مَا تُهْمَلُ وَرُبَّمَا اسْتُغْنِي عَنْهَا إِنْ بَدَا … مَا نَاطِقٌ أَرَادَهُ مُعْتَمِدَا وَالْفِعْلُ إِنْ لَمْ يَكُ نَاسِخًا فَلا … تَلْفِهِ غَالِبًا بِإِنْ ذِي مُوصَلا (كان رسول الله - ﷺ - ليصلي الصبح، فينصرف النساء متلفعات) بالنص على الحال من النساء، اسم فاعل من التَّلَفُّع -بالفاء والعين المهملة- أي ملتحفات، ورُويَ بالفاء المكررة، بدل العين، والأكثرون على خلافه. قال الأصمعي: التلفع بالثوب أن يشتمل به حتى يجلل به جسده، وهو اشتمال الصماء عند العرب، لأنه لم يرفع جانبًا منه، فيكون فيه فُرْجَة، وهو عند الفقهاء مثل الاضطباع، إلا أنه في ثوب واحد، وعن يعقوب: اللِّفَاعُ: الثوبُ، تَلْتَفِعُ به المرأة، أي تلتحف به، فيُغَيِّبُهَا، وعن كُرَاع: وهو المِلْفَع أيضًا. وعن ابن دُرَيدٍ: اللِّفَاع الْمِلْحَفَةُ، أو الكِسَاء. وقال أبو عمرو: وهو الكساء. وعن صاحب العين: تَلَفَّعَ بثوبه: إذا اضطبع به، وتلفع الرجل بالشيب: كأنه غطى سواد رأسه، ولحيته. وفي «شرح الموطأ»: التلفع أن يُلْقِيَ الثوب على رأسه، ثم يلتف به، لا يكون الالتفاع إلا بتغطية الرأس، وقد أخطأ من قال: الالتفاع مثل الاشتمال، وأما التلفف فيكون مع تغطية الرأس وكشفه. وفي المحكم: الملْفَعَة ما يُلْفَعُ به من رِدَاء، أو لحَاف، أو قِنَاعٍ، وفي المُغيث: وقيل: اللِّفَاع: النطع، وقيل. الكساءً الغليظ. وفي الصَحاح: لَفَّعَ رأسه تَلْفِيعًا: أي غطاه. اهـ عمدة القاري جـ ٤ ص ٨٩. (بمروطهن) جمع مِرْط بكسر الميم، قال القزاز: المِرْط: مِلْحَفَة يُتَّزَرُ بها، والجمع أمْرَاط، ومُرُوط. وقيل: يكون المِرْطُ كِسَاءً من خَزٍّ، أو صوف، أو كَتَّان. وفي المحكم: وقيل. هو الثوب الأخضر، وفي مجمع الغرائب: أكسية من شعر أسود، وعن الخليل: هي أكسية معلمة. وقال ابن الأعرابي: هو الإزار. وقال النضر بنت شميل: لا يكون المرط إلا درعًا، وهو من خز أخضر، ولا يسمى إلا أخضر، ولا يلبسه إلا النساء. وقال عبد الملك بن حبيب في «شرح الموطأ»: هو كساء صوف رقيق، خفيف، مربع، كن النساء في ذلك الزمان يتزرن به، ويتلفعن. أفاده العيني. (ما) نافية (يعرفن) وللبخاري «لا يعرفهن أحد»، قال في «الفتح»: قال الداودي: لا يعرفن أنساء هن أم رجال، فلا يظهرن للرائي، إلا أشخاصًا خاصة. وقيل: لا يعرف أعيانهن، فلا يفرق بين خديجة، وزينب. وضعف النووي، لأن المتلفعة في النهار، لا تعرف عينها، فلا تبقى في الكلام فائدة. قال الحافظ: يريد لا تبقى فائدة للتقييد بمتلفعات، وهذا بناء على أن عدم معرفتهن، لأجل التلفع، وليس كذلك، بل عدم المعرفة للغلس، وإلا لم يكن الحديث حجة على التغليس، وإنما ذكرت عائشة التلفع بيانًا للواقع. قال: وتعقب -يعني كلام النووي- بأن المعرفة إنما تعلق بالأعيان، ولو كان المراد الأول لعبر بنفي العلم، وما ذكره من أن المتلفعة بالنهار لا تعرف عينها فيه نظر، لأن لكل امرأة هيئة غير هيئة الأخرى في الغالب، ولو كان بدنها مُغَطّى. وقال الباجي: هذا يدل على أنهن كن سافرات، إذ لو كن متغطيات لمنع تغطية الوجه معرفتهن، لا التغليس، وفيه ما فيه، لأنه مبني على الاشتباه الذي أشار إليه النووي، وأما إذا كان لكل واحدة منهن هيئة غالبًا ففيه ما سلف. اهـ «فتح» جـ ٢ ص ٦٦ - ٦٧. قال الصنعاني: نعم قد يسلم للحافظ مدعاه فيمن تطول مصاحبته من الأهل ونحوهم، فيعرف الهيئة والمشي المعين، كما قال عمر لسودة: قد عرفناك يا سودة، مع أنها كانت متلفعة، ولكن الكلام في أعم من ذلك. قال الجامع: فيما قال الصنعاني في سودة: «مع أنها كانت متلفعة» نظر، لأن القصة كانت قبل الأمر بالحجاب فلا يعلم كونها متلفعة. فتأمل. والله أعلم. (من الغلس) أي من اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل. قال الأزهري: الغَلَس: بقايا ظلمة الليل يخالطها بياض الفجر. وفي «ق» والصحاح: الغَلَس محركة: ظلمة آخر الليل. قاله في العدة جـ ٢ ص ١٧ بتصرف. فمن ابتدائية، أو تعليلية، ولا معارضة بين هذا، وبين حديث أبي برزة الأسلمي السابق أنه كان ينصرف من الصلاة حين يعرف الرجل جليسه، لأن هذا إخبار عن رؤية المتلفعات على بعد، وذاك إخبار عن رؤية الجليس. قاله في «الفتح» جـ ٢ ص ٦٧. والله ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٥٤٥)، وفي «الكبرى» (١٥٢٨/ ٢) عن قتيبة، عن مالك، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرة، عنها. والله أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي. فأخرجه البخاري في «الصلاة» عن عبد الله بن يوسف، والقعنبي، وأخرجه مسلم فيه عن نصر بن علي، وإسحاق بن موسى، كلاهما عن مَعْنِ بنِ عيسى، وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي، وأخرجه الترمذي فيه عن قتيبة- كلهم عن مالك، عن يحيى به. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم عليه المصنف، وهو استحباب التغليس بصلاة الصبح، وفيه اختلاف العلماء سيأتي تحقيقه في المسألة التالية إن شاء الله تعالى. ومنها: جواز خروج النساء إلى المساجد لشهود الصلاة بالليل مع الرجال، وليس في الحديث ما يدل على كونهن عُجُزًا، أو شواب، وكره بعضهم الخروج للشواب، وهو رأي ابن عمر، وجماعة من السلف، قال الصنعاني: ويحسن حمله على خشية الفتنة عليهن، أو بهن، فإنها مفسدة تربو على مصلحة حضور الجماعة، ودفع المفاسد أهم من جلب المصالح. اهـ «العدة» جـ ٢ ص ٧٠. وقال الحافظ: ويؤخذ منه جوازه في النهار من باب أولى، لأن الليل مظنة الريبة أكثر من النهار، ومحل ذلك إذا لم يُخشَ عليهن، أو بهن فتنة. اهـ. قال الصنعاني: ويقال: الفتنة بالنهار أكثر لظهور محاسنهن، ولذا كان نساؤه - ﷺ - لا يخرجن لقضاء حاجتهن إلا ليلًا، كما أفاده حديث عائشة في قصة الإفك. اهـ عدة. وستأتي المسألة في بابها إن شاء الله تعالى. ومنها: ما استدل به بعضهم على جواز صلاة المرأة مختمرة الأنف والفم، فكأنه جعل التلفع صفة لشهود الصلاة. وتعقبه عياض بأنها إنما أخبرت عن هيئة الانصراف. اهـ «فتح». قال الصنعاني: رواية البخاري التي ذكرناها أولًا، ورواية مسلم- يعني قوله: «كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله - ﷺ - صلاة الفجر متلفعات بمروطهن»- يدل لما قاله ذلك البعض، لأنه جعل متلفعات حالًا من فاعل شهود الصلاة، والحال قيد في عاملها، أي شهدنها حال كونهن متلفعات فهو صريح في صلاتهن متلفعات، أي يحضرنها معه على تلك الحال، نعم إحدى الروايات نيست على اللفظ -يعني رواية النسائي- إلا أنه قد يقال: من أين يلزم منه تغطية الأنف والفم، إلا أن يكون عرف ذلك العصر كذلك. اهـ «العدة» جـ ٢ ص ٢٢. (قال الجامع عفا الله عنه): رواية المصنف الآتية بعد هذا صريحة في كون الصلاة مع التلفع، ولفظه: «كُنَّ النساءُ يصلين مع رسول الله - ﷺ - الصبح متلفعات بمروطهن»: فالظاهر جواز صلاتها مختمرة، لظاهر هذا النص، مع أنه ليس في المنع دليل مرفوع. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: في بيان مذاهب العلماء في التغليس بصلاة الصبح: ذهب أكثر أهل العلم إلى أن الأفضل فيها التغليس، وهو مذهب عمر، وعثمان، وابن الزبير، وأنس، وأبي موسى، وأبي هريرة ﵃ ، ونقله الحازمي عن بقية الخلفاء الأربعة، وابن مسعود، وأبي مسعود الأنصاري، وأهل الحجاز ، وبه قال الأوزاعي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وجمهور العلماء. وذهب بعض أهل العلم إلى أن الإسفار أفضل من التغليس، وهو مذهب النخعي، والثوري، وأبي حنيفة، وأصحابه، والحسن بن حَيِّ، وأكثر العراقيين، وهو مروي عن علي، وابن مسعود ﵄. قال النووي ﵀: احتج هؤلاء بحديث رافع بن خديج ﵁، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر»، رواه أبو داود، والترمذي ، وقال: حسن صحيح وهذا لفظ الترمذي، وفي رواية أبي داود: «أصبحوا بالصبح، فإنه أعظم للأجر». وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «ما رأيت رسول الله - ﷺ - صلى صلاة لغير ميقاتها، إلا صلاتين، جمع بين المغرب والعشاء بجمع -يعني بالمزدلفة- وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها»، رواه البخاري، ومسلم، قالوا: ومعلوم أنه لم يصلها قبل طلوع الفجر، وإنما صلاها بعد طلوعه مغلسًا هذا، فدل على أنه كان يصليها في جميع الأيام غير ذلك اليوم مسفرًا هذا، قالوا: ولأن الإسفار يفيد كثرة الجماعة، واتصال الصفوف، ولأن الإسفار يتسع به وقت التنفل قبلها، وما أفاد كثرة النافلة كان أفضل. واحتج الأولون القائلون بأفضلية التغليس بقول الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ومن المحافظة تقديمها في أول الوقت، لأنه إذا أخرها عَرَّضَهَا للفوات، وبقوله تعالى: فهو ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، والصلاة تحصل ذلك، وبقوله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [المائدة: ٤٨]. وبحديث عائشة ﵂ هذا، وهو متفق عليه، وبحديث أبي برزة ﵁، وتقدم (٥٢٥)، وفيه: «وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه، وكان يقرأ بالستين إلى المائة». متفق عليه. وبحديث جابر ﵁، قال: «كان رسول الله - ﷺ - يصلي الظهر إذا زالت الشمس، والعصر والشمس حية، والمغرب إذا غابت الشمس، والعشاء إذا رأى في الناس قلة أخر، وإذا رأى كثرة عجل، والصبح بغلس». متفق عليه. وبحديث أنس ﵁، قال: «تسحر نبي الله - ﷺ -، وزيد بن ثابت، فلما فرغا من سحورهما، قام نبي الله - ﷺ -، فصلى، قال قتادة: قلت لأنس: كم كان بين فراغهما من سحورهما، ودخولهما في الصلاة؟ قال: قدر ما يقرأ الرجل خمسين آية». رواه البخاري بلفظه، ومسلم بمعناه. وعن سهل بن سعد ﵁، قال: «كنت أتسحَّر في أهلي، ثم يكون سُرْعَةٌ بي أن أدرك صلاة الفجر مع رسول آلله - ﷺ -»، رواه البخاري. وعن أبي مسعود البدري ﵁ «أن رسول الله - ﷺ - صلى الصبح مرة بغلس، ثم صلى مرة أخرى فأسفر هذا، ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس، حتى مات لم يعد إلى أن يسفر»، رواه أبو داود بإسناد حسن، قال الخطابي: هو صحيح الإسناد. وعن مغيث بن سُمَيّ، قال: «صليت مع ابن الزبير صلاة الفجر، فصلى بغلس، وكان يُسْفِرُ هذا، فلما سلم قلت لابن عمر: ما هذه الصلاة؟ وهو إلى جانبي، فقال: هذه صلاة رسول الله - ﷺ -، وأبي بكر، وعمر ﵄، فلما قتل عمر أسفر بها عثمان ﵁»، قال الترمذي في كتاب العلل: قال البخاري: هذا حديث حسن . وأما الجواب عن حديث رافع بن خديج، فمن وجهين: أحدهما: أن المراد بالإسفار طلوع الفجر، وهو ظهوره، يقال: سفرت المرأة، أي كشفت وجهها، فإن قيل: لا يصح هذا التأويل، لقوله - ﷺ -: «فإنه أعظم للأجر»، لأن هذا يدل على صحة الصلاة قبل الإسفار، لكن الأجر فيها أقل، فالجواب أن المراد أنه إذا غلب على الظن دخول الوقت، ولم يتيقنه جازت الصلاة، ولكن التأخير إلى إسفار الفجر، وهو ظهوره الذي يتيقن به طلوعه أفضل، وقيل: يحتمل أن يكون الأمر بالإسفار في الليالي المقمرة، فإنه لا يتيقن فيها الفجر إلا باستظهار في الإسفار. والثاني: ذكره الخطابي أنه يحتمل أنهم لما أمروا بالتعجيل صلوا بين الفجر الأول، والثاني طلبًا للثواب، فقيل لهم: صلوا بعد الفجر الثاني، وأصبحوا بها، فإنه أعظم لأجركم. فإن قيل: لو صلَّوا قبل الفجر لم يكن فيها أجر، فالجواب أنهم يؤجرون على نيتهم، وإن لم تصح صلاتهم، لقوله - ﷺ -: «إذا اجتهد الحاكم، فأخطأ فله أجر». وأما الجواب عن حديث ابن مسعود ﵁، فمعناه أن النبي - ﷺ - صلى الفجر في هذا اليوم قبل عادته في باقي الأيام، وصلى في هذا اليوم أول طلوع الفجر، ليتسع الوقت لمناسك الحج، وفي غير هذا اليوم كان يؤخر عن طلوع الفجر قدر ما يتوضأ المحدث، ويغتسل الجنب، ونحوه، فقوله قبل ميقاتها معناه قبل ميقاتها المعتاد بشيء يسير، والجواب عن قولهم: الإسفار يفيد كثرة الجماعة، ويتسع به وقت النافلة إن هذه الفائدة لا تلحق بفائدة فضيلة أول الوقت، ولهذا كان رسول الله - ﷺ - يُغَلِّس بالفجر. اهـ «المجموع» بتصرف يسير جـ ٣ ص ٥١ - ٥٤. قال الجامع عفا الله عنه: في بعض هذه الأجوبة تعسف ظاهر، وأحسن الأجوبة عندي، وأولاها في الجمع بين الأحاديث جواب من أجاب بأن حديث الإسفار معناه مد القراءة إلى الإسفار، فيكون الدخول في القراءة في الغلس، والخروج في الإسفار. قال العلامة ابن القيم ﵀ بعد ذكر حدث رافع بن خديج ما لفظه: وهذا بعد ثبوته إنما المراد به الإسفار دوامًا، لا ابتداء، فيدخل فيها مُغَلِّسًا، ويخرج مُسْفِرًا، كما كان يفعله - ﷺ -، فقوله موافق لفعله، لا مناقض له، وكيف يُظَنُّ به المواظبة على فعل ما الأجر الأعظم في خلافه؟ اهـ. وهذا هو الذي اختاره الطحاوي في شرح معاني الآثار، وقد بسط الكلام فيه، وقال في آخره: فالذي ينبغي الدخول في الفجر في وقت التغليس، والخروج منها في وقت الإسفار، على موافقة ما روينا عن رسول الله - ﷺ -، وأصحابه، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن. اهـ . وأصرح حديث يدل على هذا الجمع: ما يأتي للمصنف من حديث أنس رضي الله تعالى عنه (٥٥٢)، وفيه «… ويصلي الصبح إلى أن ينفسح البصر»، ولفظ أحمد في مسنده «والصبح إذا طلع الفجر إلى أن ينفسح البصر»، ففيه دلالة على أنه كان يدخل في الغلس، ويمد القراءة إلى أن يُسْفِرَ. والله أعلم، وبه التَوفيق، وعليه التكلان.
مصادر المؤلف (٦)

١. انظر: المجموع جـ ٣ ص ٥١.

٢. انظر: نيل الأوطار جـ ٢ ص ٧٤.

٣. سيأتي للمصنف (٥٤٨) بلفظ: «أسفروا بالفجر».

٤. وصححه العلامة الألباني، انظر صحيح ابن ماجه جـ ١ ص ١١١.

٥. هكذا عزاه الطحاوي إليهم لكن المشهور عند الحنفية أنهم يقولون باستحباب الإسفار دخولًا، وخروجًا، والله أعلم. انظر: الدر المختار مع حاشيته رد المحتار جـ ١ ص ٣٨٢.

٦. انظر: المسند جـ ٣ ص ١٢٩، ١٦٩.