HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٥٥٩

أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ الصُّنَابِحِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الشَّمْسُ تَطْلُعُ، وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا، فَإِذَا اسْتَوَتْ قَارَنَهَا، فَإِذَا زَالَتْ فَارَقَهَا، فَإِذَا دَنَتْ لِلْغُرُوبِ قَارَنَهَا، فَإِذَا غَرَبَتْ فَارَقَهَا وَنَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص188
  • زبير علي زئي:صحيح
ج ١ ص ٢٧٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن ابن ماجه, مسند أحمد, موطأ مالك
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٧ ص٢٨٨
٣١ - باب السَّاعَاتِ الَّتِى نُهِىَ عَنِ الصَّلَاةِ فِيهَا أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على بيان الأوقات التي نهي عن الصلاة فيها. ٥٥٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ الصُّنَابِحِيِّ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «الشَّمْسُ تَطْلُعُ، وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا، فَإِذَا اسْتَوَتْ قَارَنَهَا، فَإِذَا زَالَتْ فَارَقَهَا، فَإِذَا دَنَتْ لِلْغُرُوبِ قَارَنَهَا، فَإِذَا غَرَبَتْ فَارَقَهَا». وَنَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ. رجال الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد الثَّقفي أبو رَجاء الْبَغْلاني، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١. ٢ - (مالك) بن أنس الإمام المدني، ثقة حجة فقيه، من [٧]، تقدم في ٧/ ٧. ٣ - (زيد بن أسلم) العدوي مولى عمر، أبو عبد الله المدني ثقة عالم، توفي سنة ١٠٦، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٦٤/ ٨٠. ٤ - (عطاء بن يسار) الهلالي، أبو محمد المدني، مولى ميمونة، ثقة فاضل، صاحب مواعظ وعبادة، توفي سنة ٩٤، وقيل بعد ذلك، من صغار [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٦٤/ ٨٠. ٥ - (عبد الله الصُّنَابِحِيِّ) مختلف في وجوده، فقيل: صحابي مدني، وقيل: هو أبو عبد الله الصنابحي: عبد الرحمن بن عُسَيلَة، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجه، تقدم في ٨٥/ ١٠٣. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، اتفقوا عليهم إلا الصنابحي، فأخرج له أبو داود، والترمذي، والمصنف، وأنه مختلف في صحبته، وأنهم مدنيون إلا قتيبة، فبغلاني. وفيه رواية تابعي، عن تابعي، أو ثلاثة إن كان الصنابحي تابعيًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عبد الله الصنابحي) بضم الصاد المهملة، وفتح النون، وكسر الموحدة: نسبة إلى صنابح بطن من مراد. اهـ لب جـ ٢ ص ٧٤. (أن رسول الله - ﷺ - قال: الشمس) مبتدأ، خبره جملة (تطلع) من باب قَعَد، يقال: طَلَعت الشمسُ طُلُوعًا، ومَطلَعًا -بفتح اللام، وكسرها، وكل ما بدا لك من علو، فقد طلع عليك. قاله في المصباح. (ومعها قرن الشيطان) «معها» منصوب على الظرفية متعلق بمحذوف، خبر مقدم لقرن، والجملة في محل نصب على الحال من ضمير الشمس. وقد اختلف في معنى هذه الجملة على نحو خمسة أقوال، تقدم تفاصيلها في شرح الحديث رقم: ٥١١، وأن الراجح من تلك الأقوال قول من قال: إن الشيطان يقارنها عند هذه الأوقات حقيقة، حيث إن الكفار يسجدون للشمس فيها، فينقلب سجود الكفار عبادة له. وإنما رجح هذا القول لحديث عبد الله الصنابحي هذا، فإنه ظاهر في هذا المعنى، وفي حديث عمرو بن عَبَسَةَ «فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار». (فإِذا ارتفعت) الشمس عن مطلعها (فارقها) أي ابتعد عنها، لانتهاء مهمته، وهي طلب سجود الكفار له. (فإِذا استوت) في بطن السماء (قارنها، فإِذا زالت) عن بطن السماء (فارقها، فإِذا دنت) أي اقتربت اللغروب قارنها، فإِذا غربت فارقها، ونَهَى رسولُ الله - ﷺ - عن الصلاة في تلك الساعات) أي الساعات الثلاث المذكورة. وقد علل النهي في الحديث حيث قال: «فإنها تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار»، فبين أن سبب النهي هو أنها تكون في هذه الساعات مقارنة للشيطان فكأن من يصلي حينئذ يصلي له، ولذا قال في حديث عمرو بن عَبَسَة: «وحينئذ يسجد لها الكفار». والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد الله الصنابحي هذا حديث صحيح، وقد اختلف في كونه موصولًا، أو مرسلًا، فمن أثبت الصحبة له جعله متصلًا صحيحًا، ومن نفاها عنه، جعله مرسلًا ولكنه صحيح لشواهده. ودونك عبارة الحافظ في «تت»: قال ﵀: عبد الله الصنابحي مختلف في صحبته. رَوَى عن النبي - ﷺ -، وعن عبادة بن الصامت. وعنه عطاء بن يسار، وقال الدوري عن ابن معين: عبد الله الصنابحي روى عنه المدنيون يشبه أن يكون له صحبة. وقال ابن السكن: عبد الله الصنابحي، يقال: له صحبة، معدود في المدنيين، رَوَى عنه عطاء بن يسار، قال: وأبو عبد الله الصنابحي -يعني عبد الرحمن بن عُسَيلَة- أيضًا مشهور، رَوَى عن أبي بكر، وعبادة ابن الصامت، ليست له صحبة. انتهى. وقال مالك عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله الصنابحي، عن النبي - ﷺ -: «إذا توضأ العبد المسلم …» الحديث، قال الترمذي: سألت محمد بن إسماعيل عنه؟ فقال: وَهِمَ فيه مالك، وهو أبو عبد الله، واسمه عبد الرحمن بن عُسَيلَة، ولم يسمع من النبي - ﷺ -. وقال سويد بن سعيد، عن حفص بن مَيْسَرَة، عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن عبد الله الصنابحي، سمعت رسول الله - ﷺ -، يقول: «إن الشمس تطلع مع قرني شيطان …» الحديث. وقال أبو غَسَّان محمد ابن مُطَرِّف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء، عن عبد الله الصنابحي، عن عبادة في الوتر، وهكذا رواه زهير بن محمد، عن زيد بن أسلم، فاتفق حفص بن ميسرة، وأبو غسان، وزهير على قولهم: عبد الله، فنسبة الوَهَم في ذلك إلى مالك وحده فيه نظر. قال الحافظ ﵀: وقد رُويَ عن مالك الحديث المسند، فقيل فيه: عن أبي عبد الله على الصواب، هكذا رواه مطرف، وإسحاق بن عيس بن الطباع عن مالك، ولكن المشهور عن مالك: عبد الله. وقال الدارقطني في غرائب مالك: حدثنا أحمد بن محمد بن يزيد الزعفراني، ثنا إسماعيل بن أبي الحارث، ثنا روح بن عبادة، ثنا زهير ابن محمد، ومالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار: سمعت عبد الله الصنابحي، سمعت النبي - ﷺ -، فذكر حديث النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، هكذا رواه إسماعيل، عن روح، وهو ثقة، وخالفه الحارث بن أبي أسامة، فرواه في مسنده، عن روح بإسناده هذا، وقال: عن أبي عبد الله. فالله أعلم. اهـ ما في «تت» جـ ٦ ص ٩٠ - ٩٢. وقال أبو حاتم: عبد الله الصنابحي لم تصح صحبته اهـ المراسيل ص ١٠٥. قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن عبد الله الصنابحي مختلف فيه، هل هو صحابي، أم تابعي، أم هو أبو عبد الله الصنابحي: عبد الرحمن بن عسيلة؟ على أقوال، لكن حديثه هذا صحيح، وإن قلنا بكونه تابعيًا، لشواهده، إلا أن قوله: «فإذا استوت قارنها» لم أرَ له شاهدًا من روايات غيره، ففي روايات الآخرين التعليل بأن جهنم تُسْجَرُ فيه، والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثانية: في فوائده: منها: أن الشيطان له تسلط في هذه الأوقات الثلاثة، فيقارن الشمس فيها ليكون سجود عباد الشمس له. ومنها: النهي عن الصلاة في هذه الأوقات الثلاثة، وسيأتي تفصيل أقوال العلماء فيه في المسألة التالية إن شاء الله تعالى. ومنها: أن سبب النهي عن الصلاة في هذه الأوقات هو التشبه بالكفار، حيث إنهم يعبدون الشمس بالسجود لها، ويطيعون الشيطان بذلك، جيث إنه يقارنها فيها، فلا ينبغي لمسلم أن يشابههم في عملهم. والله أعلم. المسألة الثالثة: في اختلاف أهل العلم في حكم الصلاة في هذه الأوقات: قال النووي رحمه الله تعالى: أجمعت الأمة على كراهة صلاة لا سبب لها في هذه الأوقات، واتفقوا على جواز الفرائض المؤداة فيها، واختلفوا في النوافل التي لها سبب، كصلاة تحية المسجد، وسجود التلاوة، والشكر، وصلاة العيد، والكسوف، وفي صلاة الجنازة، وقضاء الفوائت، ومذهب الشافعي وطائفة، جواز ذلك كله بلا كراهة، ومذهب أبي حنيفة وآخرين أنه داخل في النهي لعموم الأحاديث، واحتج الشافعي وموافقوه بأنه ثبت أن النبي - ﷺ - قضى سنة الظهر بعد العصر، وهذا صريح في قضاء السنة الفائتة، فالحاضرة أولى، والفريضة المقضية أولى، وكذا الجنازة. اهـ «شرح مسلم» جـ ٦ ص ١١٠. وما ادعاه من الإجماع والاتفاق متعقب، فقد حَكَى غيره عن طائفة من السلف الإباحة مطلقًا، وقالوا بالنسخ لأحاديث النهي، وهو مذهب داود، وعن طائفة المنع مطلقًا، وحكى آخرون الإجماع على جواز صلاة الجنازة في هذه الأوقات، ولكنه متعقب بما سيأتي في بابه. أفاده في «الفتح» جـ ٢ ص ٧١. وقال في «طرح التثريب»: صح النهي عن الصلاة في حالتين أخريين، وهما بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس، ففي الصحيحين عن ابن عباس ﵄، قال: «شَهِدَ عندي رجال مرضيون، وأرضاهم عندي عمر: أن رسول الله - ﷺ - نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تشرق الشمس»، وفي رواية «حتى تطلع، وبعد العصر حتى تغرب»، وهو في الصحيحين أيضًا من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد بلفظ: «حتى تطلع الشمس». قال الجامع: حديث ابن عباس يأتي للمصنف برقم ٥٦٢ بنحوه، وحديث أبي هريرة يأتي برقم ٥٦١. وبهذا قال مالك، والشافعي، وأحمد، والجمهور، وهو مذهب، الحنفية أيضًا، إلا أنهم رأوا النهي في هاتين الحالتين أخف منه في الصُّوَرِ المتقدمة -يعني الطلوع، والاستواء، والغروب- كما سنحكيه عنهم. ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن عمر، وابن مسعود، وخالد بن الوليد، وأبي العالية، وسالم بن عبد الله بن عمر، ومحمد بن سيرين، وغيرهم، وقال الترمذي: وهو قول أكثر الفقهاء، من الصحابة، فمن بعدهم، وحكاه ابن عبد البر عن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وسعد، ومعاذ بن عفراء، وابن عباس، قال: وحسبك بضرب عمر على ذلك بالدِّرَّة، لأنه لا يستجيز ذلك من أصحابه إلا لصحة ذلك عنده. وذهب آخرون، إلى أنه لا تكره الصلاة في هاتين الصورتين -يعني بعد صلاتي الصبح، والعصر- ومال إليه ابن المنذر بعد ذكره ثبوت النهي عن الصلاة بعد الصبح، وبعد العصر، فدل قوله ﵊: «لا تصلوا بعد العصر، إلا والشمسن مرتفعة»، وقوله: «لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس، ولا غروبها، فإنها تطلع بين قرني شيطان»، مع قول عقبة بن عامر: «ثلاث ساعات كان رسول الله - ﷺ - ينهي أن يُصَلَّى فيهن …» الحديث، مع سائر الإخبار المذكورة في غير هذا الكتاب على أن الوقت المنهي عن الصلاة فيه هذه الأوقات الثلاثة. قال: وفيمن روينا عنه الرخصة في التطوع بعد العصر علي بن أبي طالب، وروينا معنى ذلك عن الزبير، وابن الزبير، وتميم الداري، والنعمان بن بشير، وأبي أيوب الأنصاري، وعائشة أم المؤمنين، وفَعَلَ ذلك الأسودُ بنُ يزيد، وعمرو بن ميمون، ومسروق، وشريح، وعبد الله بن أبي الهُذَيل، وأبو بردة، وعبد الرحمن بن الأسود، وعبد الرحمن بن البيلماني، والأحنف بن قيس. وقال أحمد: لا نفعله، ولا نعيب فاعله، وبه قال أبو خيثمة، وأبو أيوب. وحكى ابن بطال إباحةَ الصلاة بعد الصبح، والعصر عن ابن مسعود، وأصحابه، وبلال، وأبي الدرداء، وابن عمر، وابن عباس. قال العراقي: الذي في مصنف ابن أبي شيبة عن أكثر هؤلاء المذكورين فعلُ الركعتين بعد العصر، ولا يلزم من إباحتهم الركعتين بورود النص فيهما إباحة التطوع بعد العصر مطلقًا، فيكون هذا مذهبًا ثالثًا مفصلًا بين الركعتين، وما زاد عليهما. وقال ابن عبد البر: قال قائلون: لا بأس بالتطوع بعد الصبح والعصر، لأن النهي إنما قصد بة ترك الصلاة عند طلوع الشمس وغروبها. واحتجوا بقوله - ﷺ -: «لا تصلوا بعد العصر، إلا أن تصلوا، والشمس مرتفعة»، وبقوله ﵊: «لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس، ولا غروبها». وبإجماع المسلمين على الصلاة على الجنازة بعد الصبح، والعصر، إذا لم يكن عند الطلوع، والغروب، قالوا: فالنهي عن الصلاة بعد الصبح، والعصر هذا معناه، وحقيقته، قالوا: ومخرجه على قطع الذريعة، لأنه لو أبيحت الصلاة بعد الصبح، والعصر، لم يُؤْمَنْ التمادي فيها إلى الأوقات المنهي عنها، وهي حين طلوع الشمس، وحين غروبها، هذا مذهب ابن عمر، قال: أما أنا فلا أنهى أحدًا يصلي من ليل، أو نهار، غير أن لا يتحرى طلوع الشمس ولا غروبها، فإن رسول الله - ﷺ - نهى عن ذلك، ذكره عبد الرزاق. قال العراقي: وهو في «صحيح البخاري». قال ابن عبد البر ﵀: وهو قول عطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار، وابن جريج، ورُوِيَ عن ابن مسعود مثله، وهو مذهب عائشة، قالت: أوهم عمر، إنما نهى رسول الله - ﷺ - عن الصلاة أن يتحرى بها طلوع الشمس، أو غروبها. وقال محمد بن سيرين: تكره الصلاة في ثلاث ساعات: بعد صلاة العصر، وبعد الصبح، ونصف النهار في شدة الحر، وتحرم في ساعتين حين يطلع قرن الشمس حتى يستوي طلوعها، وحين تصفر حتى يستوي غروبها، انتهى. وهو مذهب رابع، لأن المذكورين قبله لم يكرهوا الصلاة بعد الصبح، والعصر، وهذا كرهها. قال في الطرح: فإن قلت: هذا مذهب الحنفية، لأنهم اقتصروا في كتبهم على الكراهة في هاتين الصورتين، وعَبَّرُوا في الصور الأخرى بعدم الجواز. قلت: هو كذلك، ومع ذلك، فيخالفهم، لأنه ضم حالة الاستواء إلى هاتين الصورتين في الكراهة، وهم ضموها إلى طلوع الشمس وغروبها في عدم الجواز. وذهب محمد بن جرير الطبري إلى التحريم في حالتي الطلوع، والغروب، والكراهة فيما بعد العصر، والصبح. ثم قال ابن عبد البر: وقال آخرون: لا يجوز بعد الصبح، أي ويجوز بعد العصر، وممن ذهب إليه ابن عمر، ثم روى بإسناده عن قدامة بن إبراهيم بن محمد بن حاطب، قال: ماتت عمتي، وقد أوصت أن يصلي عليها عبد الله بن عمر، فجئته حين صلينا الصبح، فأعلمته، فقال: اجلس، فجلست حتى طلعت الشمس، وصفت، ثم قام، فصلى عليها. قالوا: فهذا ابن عمر، وهو يبيح الصلاة بعد العصر، قد كرهها بعد الصبح. فهذا مذهب خامس في المسألة، وبه قال ابن حزم الظاهري: مَنَعَ الصلاةَ بعد صلاة الصبح، وجوزها بعد صلاة العصر إلى الإصفرار، لحديث الركعتين، ولحديث علي: «أن النبي - ﷺ - نهى عن الصلاة بعد العصر، إلا والشمس مرتفعة»، وهو في سنن أبي داود، وإسناده صحيح. وزاد عليه داود الظاهري، فجوزها إلى غروب الشمس، ورأى النهيَ عن ذلك منسوخًا. اهـ «طرح التثريب» جـ ٢ ص ١٨٥ - ١٨٧. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: أرجح الأقوال عندي قول من قال: إن الصلاة في هذه الأوقات ممنوعة، مطلقًا، إلا ذوات الأسباب، وهذا مذهب الشافعي وطائفة من الصحابة والتابعين، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. انظر «مجموع الفتاوى» جـ ٢٣ ص ١٩. والمراد بذوات الأسباب: هي التي لها سبب متقدم عليها: مثل الفائتةِ، فريضةً كانت أو نافلةً، وصلاةِ الجنازة، وسجود التلاوة، والشكرِ، وصلاةِ الكسوف، وصلاةِ الاستسقاء، وصلاةِ الطواف، وركعتي الوضوء، وتحية المسجد، ونحوِ ذلك. وكذا يستثنى من النهي الصلاةُ بعد العصر، والشمسُ بيضاءُ نَقِيَّةٌ. أما استثناء ذوات الأسباب، فللأدلة الآتية: منها: حديث أنس ﵁: أن النبي - ﷺ - قال: «من نَسِيَ صلاة، أو نام عنها، فكفارتها أن يُصَليها إذا ذكرها». متفق عليه. واللفظ لمسلم. ففيه دلالةُ أن من تذكر، أو استيقظ في هذه الأوقات، فعليه أن يصلي الصلاة. وعن أم سلمة ﵂: أن النبي - ﷺ -: «صلى ركعتين بعد العصر، فلما انصرف، قال: يا بنت أبي أمَيَّةَ سألت عن الركعتين بعد العصر، إنه أتاني ناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم، فشغلوني عن اللتين بعد الظهر، فهما هاتان الركعتان، بعد العصر». رواه الشيخان. وعن عائشة ﵂، قالت: «صلاتان لم يكن النبي - ﷺ - يدعهما سرًا، ولا علانية، ركعتان قبل صلاة الصبح، وركعتان بعد صلاة العصر». رواه الشيخان. وعن يزيد بن الأسود ﵁: «شهدت مع رسول الله - ﷺ - حجته، وصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف، فلما قضى صلاته، وانحرف، إذا هو برجلين في آخر القوم، لم يصليا معه، قال:»عَلَيَّ بهما«، فجيء بهما، تَرْعَدُ فرائصهما، قال-:»ما منعكما أن تصليا معنا«؟ فقالا: يا رسول الله إنا قد كنا صلينا في رحالنا، قال:»فلا تفعلا، فإذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم، فإنهما لكما نافلة«. رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم، قال الترمذي: حديث حسن صحيح، انتهى»المجموع«جـ ٤ ص ١٧١ - ١٧٢. قال الجامع: ففي هذا الحديث إباحة النافلة بعد الصبح لما ذكرنا. قال الإمام ابن حبان في«صحيحه»: أخبرنا محمد بن إسحاق بن خزيمة، ووصيف بن عبد الله الحافظ بأنطاكية، قالا: حدثنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا أسد بن موسى، قال: حدثنا الليث بن سعد، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن أبيه، عن جده قيس بن قهد «أنه صلى مع رسول الله - ﷺ - الصبح، ولم يكن ركع ركعتي الفجر، فلما سلم رسول الله - ﷺ -، قام يركع ركعتي الفجر، ورسول الله - ﷺ -، ينظر إليه، فلم ينكر ذلك عليه». اهـ«صحيح ابن حبان»جـ ٢ ص ٤٩. قال الجامع: هذا إسناد صحيح. وكذا ما ورد في تحية المسجد يوم الجمعة، والإمام يخطب، مع أن الوقت وقت استماع، للخطبة، ففي رواية الشيخين من حديث جابر ﵁ مرفوعًا،«إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، وقد خرج الإمام، فليصل ركعتين». وفي رواية مسلم.«إذا جاء أحدكم يوم الجمعة، والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوز فيهما». فأمره - ﷺ - الداخل حال الخطبة بصلاة ركعتين، والتجوز فيهما يدل على أن تحية المسجد تجوز، وإن كان الوقت وقت استماع الخطبة. ومثله الأوقات المذكورة. والله تعالى أعلم. وأما استثناء الصلاة بعد العصر، والشمسُ مرتفعة، فلما يأتي من وقال الحاكم في المستدرك بعد إخراج هذا الحديث، وتصحيحه ما نصه: وقيس بن قهد له صحبة، ووافقه الذهبي جـ ١ ص ٢٧٤ - ٢٧٥.
مصادر المؤلف (١)

١. وقع في صحيح ابن حبان قيس بن فهر بالفاء والراء، وأظنه تصحيفًا؛ فجد يحيى بن سعيد قيس بن قهد بالقاف والدال، ومنهم من قال: قيس بن عمرو بن قهد، وقيل غير ذلك. انظر أسد الغابة جـ ٤ ص ٢٢٢.