حديث علي ﵁ (٥٧٣) قال: «نهى رسول الله - ﷺ - عن الصلاة بعد العصر، إلا أن تكون الشمس بيضاءَ نَقِيَّة مرتفعة». وسيأتي تمام الكلام عليه. إن شاء الله تعالى.
والحاصل أن أقوى المذاهب هو مذهب من قال: إن ذوات الأسباب تجوز في هذه الأوقات دون ما سواها، للأدلة التي ذُكرَتْ وغيرها. وكذا الصلاةُ بعد العصر، والشمس مرتفعة. والله أعلمَ، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٥٦٠ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، يَقُولُ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ، يَقُولُ: «ثَلَاثُ سَاعَاتٍ، كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ، أَوْ نَقْبُرَ مَوْتَانَا: حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً، حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ، حَتَّى تَمِيلَ، وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ، حَتَّى تَغْرُبَ».
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (سويد بن نصر) أبو الفضل المروزي ثقة، من [١٠]، تقدم
في ٤٥/ ٥٥.
٢ - (عبد الله) بن المبارك المروزي الإمام الجليل، ثقة ثبت حجة، من [٨]، تقدم في ٣٢/ ٣٦.
٣ - (موسى بن عُلَيِّ بن رَبَاح) اللَّخْمِيُّ، أبو عبد الرحمن المصري، صَدُوق، رُبَّما أخطأ-، من [٧]. ولي إمْرَةَ مِصْرَ سنة ستين، ذكره ابن سعد في الطبقة الرابعة من أهل مصر، وقال: كان ثقة، إن شاء الله تعالى. وقال أحمد وابن معين، والعجلي، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: كان رجلًا صالحًا، يتقن حديثه، لا يزيد، ولا ينقص، صالح الحديث، وكان من ثقات المصريين، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال: كان مولده بالمغرب سنة ٨٩، وقال ابن يونس: ولد بإفريقية سنة ٩٠، ومات بالأسكندرية سنة ١٦٣، وفيها أرخه غير واحد. وقال ابن شاهين في الثقات: قال أحمد بن حنبل: كان ثقة. وقال الساجي: صدوق، قال: وقال ابن معين: لم يكن بالقوي، وقال ابن عبد البر:
ما انفرد به فليس بالقوي. أخرج له البخاري في «الأدب المفرد»، ومسلم، والأربعة.
٤ - (عُلَيَّ بن رَبَاح) بن قَصير -ضد الطويل- اللَّخْمِيّ، أبو عبد الله البصري، ثقة، والمشهور فيه: علي بالتصغير، وكان يغضب منها، من صغار [٣].
وفي «تت»: علي بن رباح بن قصير بن القَشِيب بن يَيْنَع بن أردة بن حجر بن جزيلة بن لَخْم، اللخمي، أبو عبد الله، ويقال: أبو موسى المصري، والمشهور فيه الضم.
وفَدَ على معاوية. ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية من أهل مصر. قال: كان ثقة. وقال العجلي: مصري تابعي ثقة. وعن أحمد: ما علمت إلا خيرًا. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات.
وقال الليث: قال علي بن رباح: لا أجعل في حل من سماني عُلَيّ، فإن اسمي عَلِيّ. وقال المُقْرِي: كان بنو أمية إذا سمعوا بمولود اسمه علي قتلوه، فبلغَ ذلك رَبَاحًا، فقال: هو علي، وكان يغضب من علي، ويجرح على من سماه به.
وقال ابن يونس: ولد سنة ١٠، وذهبت عينه يوم ذي الصواري في البحر مع ابن أبي سرح سنة ٣٤، قيل: مات سنة ١١٤، وقيل: ١١٧، وذكر ابن سعد، وابن معين أن أهل مصر يقولونه بفتح العين، وأن أهل العراق يقولونه بالضم. اهـ. روى له البخاري في «الأدب المفرد»، ومسلم، والأربعة.
٥ - (عقبة بن عامر الجُهَني) صحابي مشهور، اختلف في كنيته على سبعة أقوال، أشهرها أنه أبو حماد، ولي إمرة مصر لمعاوية ثلاث سنين، وكان فقيهًا، فاضلًا، مات في قرب الستين، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٠٨/ ١٤٤.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأنهم ثقات، وأنهم ما بين مروزيين وهما: سويد، وعبد الله، ومصريين وهم الباقون، وأن فيه رواية الابن عن أبيه، وأن عُلَيّ بن رَبَاح بالضم لا نظير له في هذا الاسم. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
قال علي بن رباح (سمعت عقبة بن عامر الجُهَني) بضم، ففتح، نسبة إلى جُهَينة، قبيلة من قُضَاعَةَ. كما في اللب جـ ١ ص ٢٢٥.
(ثلاث ساعات) مبتدأ خبره الجملة بعده، أي ثلاث أوقات.
(كان رسول الله - ﷺ - ينهانا أن نصلي فيهن) هو بإطلاقه يشمل صلاة الجنازة، لأنها صلاة. قاله في المرعاة.
قال الجامع: لكن المراد تأخيرها إلى هذه الأوقات، وتحري أدائها فيها، بدليل حديث ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يَتَحَرَّى أحدكم، فيصليَ عند طلوع الشمس، ولا عند غروبها». متفق عليه ، وفي رواية للبخاري: «ولا تَحَيَّنُوا بصلاتكم طلوع الشمس، ولا غروبها، فإنها تطلع بين قرني الشيطان». فإنه يدل على أن المنهي عنه هو القصد للصلاة في هذه الأوقات، لا أداء ما حضر فيها، كالصلاة على الجنازة الحاضرة في تلك الأوقات. والله أعلم.
(أو نقبر فيهن موتانا) قال في المصباح: وقَبَرتُ المَيْتَ، قَبْرًا، من بابي قَتَلَ وضَرَبَ؛ دَفَنْتُهُ، وأقبرته بالألف: أمرت أنْ يُقْبَرَ، أو جعلت له قبرًا. اهـ والمَوْتَى، جمع مَيْت.
قال القرطبي ﵀: روي بأو، وبالواو، وهي أظهر، ويكون مراد النهي الصلاةَ على الجنازة والدفنَ، لأنه إنما يكون إثر الصلاة عليها، وأما رواية «أو» ففيها إشكال، إلا إذا قلنا: إن «أو» بمعنى الواو، كما قال الكوفي. اهـ «زهر الربى». جـ ١ ص ٢٧٥.
وفيه دليل على أن دفن الميت في هذه الأوقات الثلاثة منهي عنه، وإليه ذهب أحمد، وهو الحق لظاهر الحديث. قال السندي: ظاهر الحديث كراهة الدفن في هذه الأوقات، وهو قول أحمد، وغيره، ومن لا يقول به يؤَول الحديث بأن المراد صلاة الجنازة على الميت بطريق الكناية، للملازمة بين الدفن والصلاة، ولا يخفى أنه تأويل بعيد، لا ينساق الذهن إليه من لفظ الحديث؛ يقال: قبره: إذا دفنه، ولا يقال: قبره: إذا صلى عليه. قال: والأقرب أن الحديث يميل إلى قول أحمد، وغيره: أن الدفن مكروه في هذه الأوقات. انتهى.
وقال البيهقي: نهيه عن القبر في هذه الساعات لا يتناول الصلاة على الجنازة، وهو عند كثير من أهل العلم محمول على كراهية الدفن في تلك الساعات. انتهى.
قال في «المرعاة»: قلت: حمله أبو داود على الدفن الحقيقي حيث بوب عليه في الجنائز «باب الدفن عند طلوع الشمس، وعند غروبها»،
وإليه يظهر ميل النسائي، حيث عقد عليه في أثناء أبواب الدفن «باب الساعات التي نهي عن إقبار الموتى فيها»، وحمله ابن ماجه على الصلاة والدفن كليهما، فقد بوب عليه في الجنائز: «باب الأوقات التي لا يصلى فيها على الميت، ولا يدفن»، وحمله الترمذي على الصلاة، ولذلك بوب عليه «باب كراهية الصلاة على الجنازة عند طلوع الشمس، وعند غروبها»، وأيده بما نقل عن ابن المبارك، قال: معنى هذا الحديث: أو أن نقبر فيهن موتانا، يعني الصلاة على الجنازة. انتهى. وقد ضعف النووي هذا التأويل، وزيفه، كالسندي. هذا.
وقد علمت مما قدمنا أن صلاة الجنازة مكروهة في هذه الأوقات عند مالك، وأحمد، وأبي حنيفة، واستدل هؤلاء بحديث عقبة هذا وغيره من الأحاديث المطلقة الدالة على كراهة الصلاة في هذه الساعات خلافًا للشافعي. والقول الأول هو الظاهر. قال الخطابي: قول الجماعة أولى، لموافقة الحديث. اهـ «مرعاة» جـ ٣ ص ٤٥٤ - ٤٥٥.
قال الجامع: بل ما قاله الشافعي عندي هو الأولى، لما عرفت من أن الراجح أن ذوات الأسباب لا تُمنَعُ في تلك الأوقات، إذ النهي محمول على التحري فيها، فما كان ذا سبب، ليس فيه تَحَرٍّ. فتفطن. والله أعلم. ثم بين تلك الساعات، فذكر الأولى بقوله:
(حين تطلع الشمس بازغة) و«تَطْلُعُ» من باب قَعَدَ، كما مر، و«بازغة» أي طالعة، ظاهرة لا يخفى طلوعها، وهي حال مؤكدة لعاملها، كما قال في «الخلاصة»
وَعَامِلُ الْحال بهَا قَدْ أكِّدَا … فِي نَحْوِ لا تَعْثَ في الأَرْضِ مُفْسِدَا
(حتى ترتفع) أي إلى أن ترتفع كرمح في رأي العين، كما بينته رواية عمرو بن عَبَسَة الآتية (٥٧٢) «فَدَعِ الصلاةَ حتى ترتفع قِيدَ رمح، ويَذْهَبَ شعاعها».
ثم بين الثانية بقوله:
(وحين يقوم قائم الظهيرة) هي شدة الحر، وقيل: حَدُّ انتِصَافِ النهار، أي يقف، ويستقر الظل الذي يقف عادة حسب ما يبدو، فإن الظل عند الظهيرة لا يظهر له حركة سريعة، حتى يظهر بِمَرْأى العين أنه واقف، وهو سائر حقيقة. قال في المجمع: إذا بلغت الشمس وسط السماء، أبطأت حركتها إلى أن تزول، فيحسب الناظر المتأمل أنها وقفت، وهي سائرة، ولا شك أن الظل تابع لها.
والحاصل: أن المراد: وعند الاستواء. وقيل: المراد بقائم الظهيرة الشخص القائم في الظهيرة، فإن الناس في السفر يَقِفُون في هذا الوقت، لشدة الحر، ليستريحوا.
وقال النووي ﵀: الظهيرة حال استواء الشمس، ومعناه حين لا يبقى للقائم في الظهيرة ظل في المشرق، ولا في المغرب. وقال ابن حجر الهيتمي ﵀: الظهيرة: هي نصف النهار، وقائمها، إمَّا الظلُّ، وقيامُهُ: وقوفه؛ من قامت به دابته: وقفت. والمراد بوقوفه بطء حركته الناشيءُ عن بطء حركة الشمس حينئذ باعتبار ما يظهر للناظر
ببادئ الرأي، وإلا فهي سائرة على حالها. وإمَّا القائمُ فيها، لأنه حينئذ لا يميل له ظل إلى جهة المشرق، ولا جهة المغرب، وذلك كله كناية عن وقت استواء الشمس في وسط السماء. أفاده في «المرعاة» جـ ٣ ص ٤٥٥ - ٤٥٦.
(حتى تميل) أي عن وسط السماء إلى جهة المغرب، وميلها هذا هو الزوال. قال ابن حجر ﵀: ووقتُ الاستواء المذكور، وإن كان وقتًا ضيقًا لا يسع صلاة، إلا أنه يسع التحريمة، فيحرم تعمد التحريم فيه. اهـ.
ثم بين الثالثة بقوله (وحين تضيف الشمس) -بتشديد الياء بعد الضاد المفتوحة، صيغة مضارع، أصله تتضيف بالتاءين، حذفت إحداهما، كـ ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، و﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]-أي تميل، وقيل: هو بسكون الياء بعد الضاد المكسورة، يقال: ضاف يضيف: إذا مال.
وقال المجد: وضاف: مال، كتَضَيَّفَ، وضَيَّفَ، وأضَفْتُهُ: أمَلْتُهُ. اهـ «ق»، وقال التوربشتي: أصل الضيف: الميل، يقال: ضفْتُ إلى كذا: ملت إليه، وسمي الضيف ضيفًا، لميله إلى الذي نزل عليه. اهـ.
والمعنى وحين تميل، وتجنح الشمس (للغروب) أي تبدأ في الغروب (حتى تغرب) أي يتكامل غروبها. والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عقبة بن عامر ﵁ هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف:
أخرجه هنا (٥٦٠)، وفي «الكبرى» (١٥٤٣) بهذا السند، وفي (٥٦٥)، و«الكبرى» (١٥٤٨) عن حميد بن مسعدة، عن سفيان بن حبيب، عن موسى به. وفي «الجنائز» (٢٠١٣) عن عمرو بن علي، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن موسى بن علي به. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم في «الصلاة» عن يحيى بن يحيى، عن ابن وهب، عن موسى به. وأخرجه أبو داود في «الجنائز» عن عثمان بن أبي شيبة، عن وكيع، عن موسى به. والترمذي فيه عن هناد، عن وكيع به. وابن ماجه فيه عن علي بن محمد، عن وكيع به. وعن عمرو بن رافع، عن ابن المبارك به. وأخرجه أحمد، والبيهقي.
وبقية المسائل تقدمت في الحديث الماضي، فراجعها تزدد علمًا. وبالله التوفيق.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.