HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٥٨٦

أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ، عَنْ عُقَيْلٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَكِبَ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص195
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ١ ص ٢٨٤

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن أبي داود, صحيح البخاري, صحيح مسلم, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٧ ص٤٣٥
٤٢ - الْوَقْتُ الذِّي يَجْمَعُ فِيهِ الْمسَافِرُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على بيان الوقت الذي يجمع فيه المسافر بين صلاة الظهر وصلاة العصر. وذِكْرُ أحاديث الجمع في كتاب الأوقات ظاهر، وقد ذكره غيره، كالبخاري في كتاب تقصير الصلاة، نظرًا لكون أكثر الجمع في السفر. والله أعلم. ٥٨٦ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُفَضَّلٌ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إِلَى وَقْتِ الْعَصْرِ، ثُمَّ نَزَلَ، فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ زَاغَتِ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ. رجال الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي البغلاني، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١. ٢ - (مُفَضَّل) بن فَضَالة بن عُبَيد بن ثُمامة بن مَزْيَدَ بن نوْف الرُّعَيني، ثم القِتباني -بكسر القاف، وسكون المثناة بعدها موحدة- المصري، أبو معاوية القاضي، ثقة فاضل، أخطأ ابن سعد في تضعيفه، من [٨]. قال إسحاق بن منصور عن ابن معين: ثقة. وقال الدوري عن ابن معين: رجل صدوق، وكان إذا جاء رَجُل قد انكسرت يده أو رِجْله جبرها، وكان يصنع الأرْحِيَةَ. وقال أبو زرعة: لا بأس به. وقال أبو حاتم، وابن خراش: صدوق في الحديث. وقال ابن يونس: ولي القضاء بمصر مرتين، وكان من أهل الفضل، والدين، ثقة في الحديث، من أهل الورع. ذكره أحمد بن شعيب يومًا، وأنا حاضر، فأحسن الثناء عليه، ووثقه، وقال: سمعت قتيبة بن سعيد يذكر عنه فضلًا. وقال الآجري عن أبي داود: كان مجاب الدعوة لم يُحَدِّث عنه ابن وهب؛ وذلك أنه قضى عليه بقضية. وقال عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم: أخبرني بعض مشايخنا أن رجلًا لقي المفضل بن فضالة بعد أن عزل عن القضاء، فقال: حسيبك الله قضيت علي بالباطل، فقال له المفضل: لكن الذي قضينا له يطيب الثناء. قال يحيى بن أبي بكير: ولد سنة ١٠٧، ومات سنة ١٨١ أو ١٨٢، وكذا قال ابن يونس، لكن لم يقل: أو اثنتين. وقال البخاري: مات في شوال سنة ١٨١، وذكره ابن حبان في الثقات. وذكره ابن سعد في الطبقة الخامسة من أهل مصر، وقال: كان منكر الحديث. قال عيسى بن حماد زُغْبَةُ: كان مجاب الدعوة، وطويل القيام مع ضعف بدنه. أخرج له الجماعة. ٣ - (عُقيل) مصغرًا- بن خالد بن عَقيل -بالفتح- الأيْلِيُّ، أبو خالد الأموي مولاهم، ثقة ثبت، سكن المدينةَ، ثم الشام، ثم مصر، توفي سنة ١٤٤، من [٦]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٢٥/ ١٨٧. ٤ - (ابن شهاب) محمد بن مسلم، الأ مام الحجة الثبت، من [٤]، تقدم في ١/ ١. ٥ - (أنس بن مالك) الصحابي الجليل ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، اتفقوا عليهم، وأنهم ما بين بغلاني وهو شيخه، ومصريين وهما مفضل، وعُقَيل، ومدنيين وهما: ابن شهاب، وأنس، وأن أنسًا هو أحد المكثرين من الصحابة، رَوَى ٢٢٨٦ حديثًا، وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أنس بن مالك) ﵁، أنه (قال: كان رسول الله - ﷺ - إِذا ارتحل) أي ذهب (قبل أن تزيغ الشمس) بزاي، ومعجمة: أي تميل، وزاغت: مالت، وذلك إذا قام الفيء. (أخر الظهر إِلى وقت العصر، ثم نزل، فجمع بينهما) أي في وقت العصر، ولمسلم من رواية جابر بن إسماعيل، عن عُقَيل: «يؤخر الظهر إلى وقت العصر، فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق»، وله من رواية شَبَابَةَ عن عُقَيل «حتى يدخل أول وقت العصر، ثم يجمع بينهما». (فإِن زاغت الشمس قبل أن يرتحل على الظهر، ثم ركب) قال في الفتح: كذا فيه -أي في حديث أنس- الظهر فقط، وهو المحفوظ عن عقيل في الكتب المشهورة ومقتضاه أنه لا يجمع بين الصلاتين إلا في وقت الثانية منهما، وبه احتج من أبى جمع التقديم، ولكن روى إسحاق بن راهويه هذا الحديث عن شبابة، فقال: «كان إذا كان في سفر، فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعًا، ثم ارتحل»، أخرجه الإسماعيلي، وَأعِلَّ بتفرد إسحاق بذلك عن شبابة، ثم تفرد جعفر الفريابي به عن إسحاق. قال الحافظ: وليس ذلك بقادح، فإنهما إمامان حافظان. وقد وقع نظيره في «الأربعين» للحاكم، قال: حدثنا محمد بن يعقوب، هو الأصم، حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني، هو أحد شيوخ مسلم، قال: حدثنا محمد بن عبد الله الواسطي، فذكر الحديث، وفيه: «فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر والعصر، ثم ركب». قال الحافظ صلاح الدين العلائي: هكذا وجدته بعد التتبع في نسخ كثيرة من الأربعين بزيادة العصر، وسند هذه الزيادة جيد. انتهى. قال الحافظ: وهي متابعة قوية لرواية إسحاق بن راهويه إن كانت ثابتة، لكن في ثبوتها نظر، لأن البيهقي أخرج هذا الحديث عن الحاكم بهذا الإسناد مقرونًا برواية أبي داود عن قتيبة، وقال: إن لفظهما سواء، إلا أن في رواية قتيبة: «كان رسول الله - ﷺ -» وفي رواية حسان «أن رسول الله - ﷺ -». والمشهور في جمع التقديم ما أخرجه أبو داود، والترمذي، وأحمد، وابن حبان من طريق الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطُّفَيل، عن معاذ بن جبل. وقد أعله جماعة من أئمة الحديث بتفرد قتيبة عن الليث، وأشار البخاري إلى أن بعض الضعفاء أدخله على قتيبة، حكاه الحاكم في علوم الحديث، وله طريق أخرى عن معاذ بن جبل، أخرجها أبو داود من رواية هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، وهشامٌ مختلف فيه، وقد خالفه الحفاظ من أصحاب أبي الزبير، كمالك، والثوري، وقرة بن خالد، وغيرهم، فلم يذكروا في روايتهم جمع التقديم. وقد وردفي جمع التقديم حديث آخر عن ابن عباس أخرجه أحمد، وذكره أبو داود تعليقًا، والترمذي في بعض الروايات عنه، وفي إسناده حسين بن عبد الله الهاشمي، وهو ضعيف، لكن له شواهد من طريق حماد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن ابن عباس، لا أعلمه إلا مرفوعًا: «أنه كان إذا نزل منزلًا في السفر، فأعجبه أقام فيه حتى يجمع بين الظهر والعصر، ثم يرتحل، فإذا لم يتهيأ له المنزل مَدَّ في السير، فسار حتى ينزل، فيجمع بين الظهر والعصر». أخرجه البيهقي، ورجاله ثقات، إلا أنه مشكوك في رفعه، والمحفوظ أنه موقوف. وقد أخرجه البيهقي من وجه آخر مجزومًا بوقفه على ابن عباس، ولفظه: «إذا كنتم سائرين» … فذكر نحوه. وفي حديث أنس استحباب التفرقة في حال الجمع بين ما إذا كان لكن وقع التصريح في حديث معاذ بن جبل في الموطأ، ولفظه: «أن النبي - ﷺ - أخر الصلاة في غزوة تبوك، ثم خرج، فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل، ثم خرج، فصلى المغرب والعشاء جميعًا». قال الشافعي في الأم: قوله: «دخل، ثم خرج» لا يكون إلا وهو نازل، فللمسافر أن يجمع نازلًا، ومسافرًا. وقال ابن عبد البر: في هذا أوضح دليل على الرد على من قال: لا يجمع إلا من جد به السير، وهو قاطع للالتباس. اهـ. وحكى بعضهم أن بعضهم أوَّل قوله «ثم دخل» أي في الطريق مسافرًا، «ثم خرج» أي عن الطريق للصلاة، ثم استبعده، ولا شك في بعده. وكأنه - ﷺ - فعل ذلك لبيان الجواز، وكان أكثر عادته ما دل عليه حديث أنس. والله أعلم. ومن ثم قال الشافعية: ترك الجمع أفضل، وعن مالك أنه مكروه. اهـ «فتح» جـ ٢ ص ٦٧٩ - ٦٨٠. قال الجامع: في كون ترك الجمع أفضل نظر، وليس في حديث أنس ما يدل عليه، وأما القول بالكراهة فلا وجه له أصلًا. فتبصر. والله أعلم. وفي هذا الحديث ونحوه من أحاديث الجمع تخصيص لحديث الأوقات التي بَيَّنَهَا جبريل للنبي - ﷺ -، وبينها النبي - ﷺ - للأعرابي، حيث قال في آخرها: «الوقت ما بين هذين». قاله في الفتح. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٥٨٦)، وفي «الكبرى» (١٥٦٢) عن قتيبة، عن مفضل، عن عُقَيل، عن ابن شهاب، عنه. وفي ٥٩٤ عن عمرو بن سَوَّاد، عن ابن وهب، عن جابر بن إسماعيل، عن عقيل به. والله تعالى أعم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود؛ فأخرجه البخاري في «تقصير الصلاة» عن حسان الواسطي، وقتيبة، كلاهما عن مفضل به. وأخرجه مسلم في «الصلاة» عن قتيبة به. وعن عمرو الناقد، عن شبابة، عن ليث، عن عقيل به. وعن أبي الطاهر، وعمرو بن سَوَّاد، كلاهما عن ابن وهب، عن جابر بن إسماعيل، عن عقيل به. وأخرجه أبو داود فيه عن قتيبة، ويزيد بن خالد بن موهب، كلاهما عن المفضل به، وأخرجه البيهقي. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: بيان كون الشريعة سمحة سهلة، تُوسِّعُ على المكلفين في محل الحرج، فلذا شرع الجمع في السفر ونحوه. ومنها: مشروعية الجمع بين الظهر والعصر في وقت أحدهما تأخيرًا، أو تقديمًا؛ أما تأخيرًا، فلهذا الحديث، وأما تقديمًا فللأدلة الأخرى، كما تقدم قريبًا. ومنها: ما كان عليه النبي - ﷺ - من مراعاة ما يسهل على الناس، فإذا كان المحل مناسبًا لهم تأخر، فجمع بين الصلاتين، وإذا كان غير ذلك عجل المسير، وواصل حتى يجمع في وقت الثانية، تخفيفًا على أصحابه ﵃. المسألة الخامسة: في مذاهب العلماء في حكم الجمع بين الصلاتين: قال الإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله تعالى بعد ذكر أحاديث الجمع ما نصه: قد ذكرنا الإخبار الثابتة عن رسول الله - ﷺ - الدالة على جمعه بين الظهر والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بالمزدلفة، وذكرنا جمعه في غير هذين الموضعين من أسفاره. وقد أجمع أهل العلم على القول ببعض هذه الإخبار، واختلفوا في القول بسائرها، فما أجمع أهل العلم على القول به، وتوارثته الأئمة قرنًا عن قرن، وتبعهم الناس عليه منذ زمان رسول الله - ﷺ - إلى هذا الوقت: الجمع بين الظهر والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بجمع في ليلة النحر. واختلفوا في الجمع بين الصلاتين في سائر الأسفار، فرأت طائفة أن يجمع المسافر بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، وممن رأى ذلك: سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وأسامة بن زيد، وابن عباس، وابن عمر، وأبو موسى الأشعري، وطاوس، ومجاهد، وعكرمة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. ثم ذكر ﵀ بأسانيده إلى بعض هؤلاء ما نقل عنهم في الجمع . وحكاه البيهقي عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، ﵄، ورواه عن زيد بن أسلم، وربيعة، ومحمد بن المنكدر، وأبي الزناد، وأمثالهم، قال: وهو من الأمور المشهورة المستعملة فيما بين الصحابة والتابعين . قال ابن المنذر: وكرهت طائفة الجمع بين الصلاتين إلا عشية عرفة، وليلة جمع، هذا قول الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وقال أصحاب الرأي: لا يجمع بين صلاتين في سفر، ولا حضر في وقت إحداهما ما خلا عرفة ومزدلفة. وقال النووي: وقال الحسن البصري، وابن سيرين، ومكحول، والنخعي، وأبو حنيفة، وأصحابه: لا يجوز الجمع بسبب السفر بحال، وإنما يجوز في عرفات في وقت الظهر، وفي المزدلفة في وقت العشاء بسبب النسك للحاضر، والمسافر، ولا يجوز غير ذلك. وحكاه القاضي أبو الطيب وغيره عن المزني. واحتج لهم بأحاديث المواقيت، وبقوله - ﷺ -: «ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى»، رواه مسلم. وعن ابن عمر، قال: «ما جمع رسول الله - ﷺ - بين المغرب والعشاء قط في السفر إلا مرة» رواه أبو داود. وعن ابن مسعود، قال: «ما رأيت رسول الله - ﷺ - صلى صلاة بغير ميقاتها إلا صلاتين جمع بين المغرب والعشاء، وصلى الفجر قبل ميقاتها»، رواه البخاري ومسلم. يعني الجمع بالمزدلفة، وصلاة الصبح، وقياسًا على جمع المقيم، وجمع المريض، وجمع المسافر سفرًا قصيرًا. واحتج الأولون بالأحاديث الصحيحة المشهورة في الجمع في أسفار النبي - ﷺ -: منها: حديث ابن عمر، قال: «كان النبي - ﷺ - يجمع بين المغرب والعشاء إذا جد به السير» رواه الشيخان، وغيرهما. ويأتي للمصنف ٥٩٨، ٥٩٩، ٦٠٠. وعن أنس ﵁ قال: «كان رسول الله - ﷺ - إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل، فجمع بينهما، فإن زاغت قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب» رواه الشيخان وغيرهما، وهو حديث الباب. وعن أنس ﵁، قال: «كان النبي - ﷺ - إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر، ثم يجمع بينهما». رواه مسلم. وعن نافع أن ابن عمر كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء بعد أن يغيب الشفق، ويقول: «إن رسول الله - ﷺ - كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء»، رواه مسلم. ورواه البخاري بمعناه من رواية سالم عن ابن عمر. وعن أنس عن النبي - ﷺ -: «أنه إذا عجل عليه السفر يؤخر الظهر إلى وقت العصر، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق». رواه مسلم. وعن معاذ ﵁: «أن رسول الله - ﷺ - كان في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر، وإن ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى ينزل للعصر، وفي المغرب مثل ذلك؛ إذا غابت الشمس قبل أن يرتحل جَمَعَ بين المغرب والعشاء، وإن ترحل قبل أن تغيب الشمس أخر المغرب حتى ينزل للعشاء، ثم جمع بينهما» رواه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن. وقال البيهقي: هو محفوظ صحيح. وعن أنس، قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا كان في سفر، فزالت الشمس صلى العصر والظهر جميعًا، ثم ارتحل، رواه الإسماعيلي، والبيهقي بإسناد صحيح. قال إمام الحرمين في الأساليب: في إثبات الجمع أخبار صحيحة، هي نصوص، لا يتطرق إليها تأويل، ودليله في المعنى الاستنباط من صورة الإجماع، وهي الجمع بعرفات، والمزدلفة، فإنه لا يخفى أن سببه احتياج الحجاج إليه، لاشتغالهم بمناسكهم، وهذا المعنى موجود في كل الأسفار، ووجدنا الرخص لا يستدعي ثبوتها نسكًا، ولكنها تثبت في الأسفار المباحة، كالقصر، والفطر، ثم لا يلزم الأفراد المترفهين في السفر، فإنا لو تتبعنا ذلك عرت الرخصة، وضاق محلها، وتطرق إلى كل مترخص إمكان الرَّفاهية، فاعتبر الشرع فيه كون السفر مظنة للمشقة، ولم ينظر إلى أفراد الأشخاص، والأحوال، وبهذا تمت الرخصة، واستمرت التوسعة. وأما الجواب عن احتجاجهم بأحاديث المواقيت، فهو أنها عامة في الحضر والسفر، وأحاديث الجمع خاصة بالسفر، فَقُدِّمَتْ، وبهذا يجاب أيضًا عن حديث «ليس في النوم تفريط»، فإنه عام أيضًا. والجواب عن حديث أبي داود عن ابن عمر أن أبا داود قال: روي موقوفًا على ابن عمر من فعله، والحديث إذا رُويَ مرفوعًا وموقوفًا هل يحتج به؟ فيه خلاف مشهور للسلف، فإن سلمنا الاحتجاج به فجوابه أن الروايات المشهورة في الصحيحين، وغيرهما عن ابن عمر صريحة في إخباره عن جمع رسول الله - ﷺ -، فوجب تأويل هذه الرواية وردها، ويمكن أن يتأول على أنه لم يره يجمع في حال سيره، إنما يجمع إذا نزل، أو كان نازلًا في وقت الأولى. وأما حديث ابن مسعود فجوابه أنه نفي، فالإثبات الذي ذكرناه في الأحاديث الصحيحة مقدم عليه، لأن مع رواتها زيادة علم. اهـ
مصادر المؤلف (٢)

١. الأوسط جـ ٢ ص ٤٢١ - ٢٤٢.

٢. المجموع جـ ٤ ص ٣٧١.