والثاني: أنه كان له حالان: أحدهما ينام فيه القلب، وصادف هذا الموضع، والثاني لا ينام، وهذا هو الغالب من أحواله. قال النووي ﵀: وهذا التأويل ضعيف، والصحيح المعتمد هو الأول. اهـ «شرح مسلم» جـ ٥ ص ١٨٣ - ١٨٤.
تنبيه:
حديث أبي هريرة ﵁ هذا من طريق يزيد بن كيسان أخرجه مسلم في «الصلاة» عن محمد بن حاتم، ويعقوب الدورقي، كلاهما عن يحيى بن سعيد، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عنه. وأخرجه المصنف هنا (٦٢٣) وفي الكبرى (١٥٥٨) عن يعقوب الدورقي. والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٦٢٤ - أَخْبَرَنَا أَبُو عَاصِمٍ، خُشَيْشُ بْنُ أَصْرَمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ يَكْلَؤُنَا اللَّيْلَةَ؛ لَا نَرْقُدَ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ؟». قَالَ بِلَالٌ: أَنَا، فَاسْتَقْبَلَ مَطْلَعَ الشَّمْسِ، فَضُرِبَ عَلَى آذَانِهِمْ، حَتَّى أَيْقَظَهُمْ حَرُّ الشَّمْسِ، فَقَالَ: «تَوَضَّئُوا»، ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ، فَصَلَّى
رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّوْا رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ، ثُمَّ صَلَّوُا الْفَجْرَ.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (أبو عاصم، خشيش بن أصرم) بن الأسود النسائي، ثقة حافظ، توفي سنة ٢٥٣، من [١١]، أخرج له أبو داود والنسائي، تقدم في (٥٩٠).
٢ - (يحيى بن حسان) بن حيان، أبو زكريا، التِّنِّيسي -بكسر المثناة، والنون الثقيلة، وسكون التحتانية، ثم مهملة-، من أهل
البصرة، ثقة، من [٩].
قال عبد الله بن أحمد، عن أبيه: ثقة رجل صالح. وقال الأثرم عن أحمد: ثقة صاحب حديث. وقال العجلي: كان ثقة مأمونًا عالمًا بالحديث. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في «الثقات».
وقال مروان بن محمد. لم نكن نحسن طلب الحديث حتى قَدِمَ يحيى بن حسان.
ووثقه البزار ومطين. وقال ابن يونس: كان ثقة حسن الحديث، وصنف كتبًا، وحدث بها، وتوفي بمصر سنة ٢٠٨، وكذا قال
البخاري عن الحسن الجزري، وفيها ذكره جماعة، وقيل: مات سنة ٢٠٧، وقال دُحَيم: ولد سنة (١٤٤)، أخرج له الجماعة، إلا ابن ماجه.
٣ - (حماد بن سلمة) بن دينار البصري، أبو سلمة، ثقة، عابد، أثبت الناس في ثابت، وتغير حفظه بأخرة، توفي سنة ١٦٧، من
كبار [٨]، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم، والأربعة، تقدم في ١٨١/ ٢٨٨.
٤ - (عمرو بن دينار) أبو محمد الأثرم الجمحي مولاهم المكي، ثقة ثبت، توفي سنة ١٢٦، من [٤] أخرج له الجماعة، تقدم في ١١٢/ ١٥٤.
٥ - (نافع بن جبير) ابن مطعم النوفلي، المدني، ثقة فاضل، توفي سنة ٩٩، من [٣]، تقدم في ٩٦/ ١٢٤.
٦ - (جبير) بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، القرشي النوفلي، صحابي عارف بالأنساب، مات سنة ٥٨ أو ٥٩، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٥٨/ ٢٥٠. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها أنه من سداسياته، وأن رجاله كلهم ثقات، وأنهم ما بين نسائي وهو: شيخه، وتنيسي وهو: يحيى، وبصري وهو: حماد، ومكي وهو: عمرو، ومدنيين وهما: جبير وأبوه. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن نافع بن جبير، عن أبيه) جبير بن مطعم ﵁ (أن رسول الله - ﷺ - قال: من) استفهامية مبتدأ، خبر جملة قوله: (يكلؤنا) من باب نَفَع، قال الفيومي: كَلأهُ الله يَكْلَؤُهُ مهموز، بفتحتين، كِلاءةً بالكسر والمد: حفظه، ويجوز التخفيف، فيقال: كَلَيْتُهُ، أكْلَاهُ، وَكِليتُهُ، أكْلاهُ، من باب تَعِب لغة لقريش، لكنهم قالوا: مكْلُوٌّ بالواو أكثر من مَكْلِيٍّ بالياء (الليلة) بالنصب على الظرفية متعلق بيكلؤ (لا نرقد) من باب نصر، رَقْدًا، ورُقادًا، ورُقودًا: نام ليلًا كان، أو نهارًا، وبعضهم يخصه بنوم الليل، والأول هو الحق، قاله الفيومي.
قال السندي: «لا نرقد» جملة مستأنفة في محل التعليل. وقال في «الزهر»: قال أبو البقاء: التقدير: لئلا نرقد، فلما حذف اللام و«أن» رُفِعَ الفعل، ويجوز أن يُرْوَى بالنصب على جواب الاستفهام، إلا أنه حُذِفَ الفاءُ، ويجوز أن يكون في موضع نصب على الحال، أي يكلؤنا غير راقدين، فيكون حالًا مقدرة، أي يكلؤنا، فنفضي إلى تيقظنا وقت الفجر. اهـ.
(عن صلاة الصبح) متعلق بنرقد (قال بلال) بن رباح المؤذن ﵁ (أنا) مبتدأ حذف خبره لدلالة الاستفهام عليه، كما قال في الخلاصة:
وَحَذْفُ مَا يُعْلَمُ جَائِزٌ كَمَا … تَقُولُ «زَيْدٌ» بَعْدَ مَنْ عِنْدَكُمَا
أي أنا أكلؤكم (فاستقبل) أي توجه بلال جِهَةَ (مطلع الشمس) والمطلع بفتح اللام وكسرها: محل الطلوع. وإنما فعل ذلك حرصًا على حفظ أول الوقت.
(فضرب على آذانهم) أي ألقى عليهم نوم شديد مانع عن وصل الأصوات إلى الآذان حتى كأنه ضرب الحجاب عليها. أفاده السندي.
وقال في النهاية: هو كناية عن النوم، ومعناه حجب الصوت والحس أن يلح آذانهم فينتبهوا، فكأنها ضرب عليها الحجاب. اهـ.
(حتى أيقظهم حر الشمس، فقال) - ﷺ - (توضئوا) وظاهر هذه الرواية أنهم ما ارتحلوا من ذلك الموضع، ولعل هذه واقعة أخرى غير ما تقدم في قصة أبي هريرة ﵁، ويحتمل أن تكون هي، ولكن الراوي اختصره.
(ثم أذن بلال، فصلى) النبي - ﷺ - (ركعتين) أي صلى ركعتي الفجر (وصلوا ركعتي الفجر، ثم صلوا الفجر) أي صلوا صلاة الفجر جماعة. والله أعلم.
تنبيه:
حديث جبير بن مطعم ﵁ هذا صحيح، وهو من أفراد المصنف، أخرجه هنا (٦٢٤) بالإسناد المذكور، كما أفاده الحافظ أبو الحجاج المزي في «تحفته»: جـ ٢ ص ٤١٧.