HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٦٢٦

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : أَخْبَرَنِي نَافِعٌ ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ، فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلَاةَ، وَلَيْسَ يُنَادِي بِهَا أَحَدٌ، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمُ: اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ قَرْنًا مِثْلَ قَرْنِ الْيَهُودِ فَقَالَ عُمَرُ ﵁: أَوَلَا تَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنَادِي بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: يَا بِلَالُ قُمْ، فَنَادِ بِالصَّلَاةِ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص207
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٢ ص ٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر جامع الترمذي, صحيح البخاري, صحيح مسلم, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٧ ص٦٥٥
١ - بَدْءُ الآذَانِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على بَدْء الأذان، أي ابتدائه. والبدء بفتح الموحدة، وسكون الدال، وهمز آخره، مصدر بَدَأتُ الشيءَ، وبالشيءِ، أبْدَأ، وابتدأتُ بِهِ: إذ قَدَّمْتَهُ، وأبْدَأتُ لغة. قاله الفيومي. والله تعالى أعلم. ٦٢٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَا: حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَجْتَمِعُونَ فَيَتَحَيَّنُونَ الصَّلَاةَ، وَلَيْسَ يُنَادِي بِهَا أَحَدٌ، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ نَاقُوسِ النَّصَارَى، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ قَرْنًا مِثْلَ قَرْنِ الْيَهُودِ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: أَوَلَا تَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنَادِي بِالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا بِلَالُ، قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ». رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (محمد بن إِسماعيل) بن إبراهيم بن مِقْسَم الأسدي المعروف أبوه بابن علية، أبو عبد الله، ويقال: أبو بكر البصري، نزيل دمشق، وولي القضاء بها، ثقة، توفي ٢٦٤، من [١١] أخرج له النسائي، تقدم في ٤٨٩. ٢ - (إِبراهيم بن الحسن) بن الهَيثَم الخَثْعَمِيُّ، أبو إسحاق المِصِّيصيُّ الْمِقْسَمِيُّ، ثقة، من [١١]، أخرج له أبو داود والنسائي وابن ماجه في التفسير، تقدم في ٥١/ ٦٤. ٣ - (حجاج) بن محمد المصيصي الأعور، أبو محمد، ترمذي الأصْلِ، نزيل بغداد، ثم المصيصة، ثقة ثبت، اختلط لَمَّا قَدِمَ بغداد في آخر عمره، توفي سنة ٢٠٦، من [٩]، تقدم في ٢٨/ ٣٢. ٤ - (ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، أبو الوليد، وأبو خالد، المكي، ثقة فقيه فاضل، يدلس ويرسل، توفي سنة ١٥٦ أو بعدها، من [٦]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٨/ ٣٢. ٥ - (نافع) العَدَوِيّ مولاهم، أبو عبد الله المدني، ثقة ثبت، فقيه، توفي سنة ١٢٧، من [٣]، تقدم في ١٢. ٦ - (عبد الله بن عمر) بن الخطاب الصحابي الجليل ﵄، تقدم في ١٢/ ١٢. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات. ومنها: أنهم ما بين بصري، ثم دمشقي، وهو شيخه محمد بن إسماعيل، ومصيصيين وهما: إبراهيم، وحجاج، ومكي وهو ابن جريج، ومدنيين وهما: نافع، وابن عمر ومنها: أن شيخه محمد بن إسماعيل من أفراده. ومنها: أن فيه ابن عمر أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة من الصحابة ﵃. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عبد الله بن عمر) ﵄ (أنه كان يقول: كان المسلمون حين قدموا المدينة) أي من مكة مهاجرين (يجتمعون) أي للصلاة جماعة (فيتحينون الصلاة) بالحاء المهملة، أي يقدرون حينها، ليأتوا إليها، وهو من التَّحيُّنِ، من باب التفعل الذي وُضِعَ للتكلف غالبًا، وهو من الحِينِ، وهو الوقت، والزمن. قاله العيني. (وليس يُنَادِي بها أحد) بالبناء للفاعل، و«أحد» فاعله، و«بها» متعلق به. قيل: كلمة «ليس» بمعنى «لا» النافية، وهي حرف، فلا اسم لها، ولا خبر، وقيل: بل فيها ضمير الشأن، أو اسمها «أحد» قد أخر. اهـ. سندي. وعند البخاري: «ليس يُنَادَى بها» بالبناء للمفعول. قال ابن مالك ﵀: هذا شاهد على جواز استعمال «ليس» حرفًا، لا اسم لها، ولا خبر لها، أشار إليها سيبويه، ويحتمل أن يكون اسمها ضمير الشأن، والجملة بعدها خبرًا. اهـ. عمدة القاري جـ ٥ ص ١٠٥. (فتكلموا يومًا في ذلك) أي في شأن وقت الصلاة، ثم بين الكلام الذي تكلموا به بقوله: (فقال بعضهم اتخِذوا) بكسر الخاء بصيغة الأمر، قال الحافظ: لم يقع لي تعيين المتكلمين في ذلك، واختصر الجواب في هذه الرواية، ووقع لابن ماجه من وجه آخر عن ابن عمر: «أن النبي - ﷺ - استشار الناس لِمَا يجمعهم إلى الصلاة، فذكروا البوق، فكرهه من أجل اليهود، ثم ذكروا الناقوس، فكرهه من أجل النصارى». وفي رواية روح بن عطاء، عن خالد الحذاء عن أبي قلابة، عن أنس، عند أبي الشيخ، فقالوا: لو اتخذنا ناقوسًا، فقال رسول الله - ﷺ -: «ذاك للنصارى»، فقالوا: لو اتخذنا بُوقًا، فقال: «ذاك لليهود»، فقالوا: لو رفعنا نارًا، فقال: «ذاك للمجوس». (ناقوسًا، مثل ناقوس النصارى) الناقوس: خشبة طويلة، تضرب بخشبة أصغر منها، وقال الفيومي: خشبة طويلة، يَضْرِب بها النصارى إعلامًا للدخول في صلاتهم، وَنَقَسَ نَقْسًا، من باب قَتَلَ: فَعَلَ ذلك. انتهى. وقال ابن منظور: والناقوس مِضْرَاب النصارى الذي يضربونه لأوقات الصلاة، قال جرير: (من البسيط): لَمَّا تَذَكَّرْتُ بِالدَّيْرَيْنِ أرَّقَنِي … صَوْتُ الدَّجَاجِ وَقَرْعٌ بِالنَّوَاقِيس وذلك أنه كان مُزْمِعًا سفرًا صباحًا، ويروى: وَنَقْسٌ بالنَّوَاقِيسِ، والنَّقْسُ الضرب بالناقوس، والنَّقس: ضرب من النواقيس، وهي الخشبة الطويلة، والوَبيلة، والوَبِيلُ: الخشبة القصيرة. اهـ. (وقال بعضهم: بل) اتخذوا (قرنًا مثل قرن اليهود) أي قرنًا يُنْفخُ فيه، فيخرج منه صوت يكون علامة للأوقات، كما كانت اليهود يفعلونه، وهذا هو الذي يسمى بُوقًا، بضم الباء، قاله السندي. وقال في «الفتح»: والبوق، والقرن: معروفان، والمراد أنه ينفخ فيه، فيجتمعون عند سماع صوته، وهو من شِعَار اليهود، ويسمى أيضًا «الشَّابُّور» بالشين المعجمة المفتوحة، والموحدة المضمومة الثقيلة. اهـ. (فقال عمر ﵁: أولا تبعثون رجلًا) الهمزة للاستفهام، والواو للعطف على مقدر، أي أتقولون بموافقتهم، ولا تبعثون، وقال الطيبي: الهمزة إنكار للجملة الأولى، أي المقدرة، وتقرير للجملة الثانية. (ينادي بالصلاة) بالبناء للفاعل، والجملة صفة لـ «رجلًا». قال السندي: حُمِلَ النداءُ ها هنا على نحو: «الصلاة جامعة»، لا على الأذان المعهود، لأن ظاهر الحديث أن عمر قال ذلك وقت المذاكرة، والأذان المعهود إنما كان بعد الرؤيا، وعلى هذا فإدراج المصنف الحديث في الباب لأن هذا النداء كان من جملة بداءة الأذان، ومقدماته، وقيل يمكن حمله على الأذان المعهود باعتبار أن في الكلام تقديرًا للاختصار، مثل فافترقوا، فرأى عبد الله بن زيد الأذان، فجاء إلى النبي - ﷺ -، فقص عليه رؤياه، فقال عمر: أولا تبعثون رجلًا؟ ويرد عليه أن عمر حضر بعد أن سمع صوت ذلك الأذان على ما يفيده حديث عبد الله بن زيد رائي الأذان، فلا يصح بالنظر إلى ذلك الأذان أن عمر قال: أولا تبعثون رجلًا؟ وقد يجاب بأنه يجوز أن يكون عمر في ناحية من نواحي المسجد حين جاء عبد الله ابن زيد برؤيا الأذان عنده - ﷺ -، فلما قص الرؤيا سمع الصوت حين ذلك، فحضر عنده - ﷺ -، وأشار بقوله: أولا تبعثون رجلًا؟ إلى أن عبد الله لا يصلح لذلك، فابعثوا رجلًا آخر يصلح له. والله أعلم، انتهى كلام السندي. قال الجامع: العمل الأول هو الصحيح، لما يأتي في كلام الحافظ. فتنبه. وقال القرطبي: يحتمل أن يكون عبد الله بن زيد لما أخبر برؤياه، وصدقه النبي - ﷺ - بادر عمر، فقال: أولا تبعثون رجلًا ينادي -أي يؤذن- للرؤيا المذكورة؟، فقال النبي - ﷺ -: «قم يا بلال»، فعلى هذا فالفاء في سياق حديث ابن عمر هي فاء الفصيحة، والتقدير فافترقوا، فرأي عبد الله بن زيد، فجاء إلى النبي - ﷺ -، فقص عليه فصدقه، فقال عمر … قال الحافظ ﵀: وسياق عبد الله بن زيد يخالف ذلك، فإن فيه أنه لما قص رؤياه على النبي - ﷺ -، فقال له: ألقها على بلال، فليؤذن بها، قال: فسمع عمر الصوت فخرج، فأتى النبي - ﷺ -، فقال: لقد رأيت مثل الذي رأى، فدل على أن عمر لم يكن حاضرًا لما قص عبد الله بن زيد رؤياه. والظاهر أن إشارة عمر بإرسال رجل ينادي للصلاة كانت عقيب المشاورة فيما يفعلونه، وأن رؤيا عبد الله بن زيد كانت بعد ذلك. والله أعلم. وقد أخرج أبو داود بسند صحيح إلى أبي عمير بن أنس عن عمومته من الأنصار، قالوا: «اهتم النبي - ﷺ -، كيف يجمع الناس لها؟، فقال: أنصب راية عند حضور وقت الصلاة، فإذا رأوها آذن بعضهم بعضًا، فلم يُعْجِبْهُ …» الحديث، وفيه ذكروا القُنْع -بضم القاف، وسكون النون، يعني البوق- وذكروا الناقوس، فانصرف عبد الله بن زيد، وهو مهتم، فأري الأذان، فغدا على رسول الله - ﷺ -، قال: وكان عمر رآه قبل ذلك، فكتمه عشرين يومًا، ثم أخبر به النبي - ﷺ -، فقال: «ما منعك أن تخبرنا؟» قال: سبقني عبد الله بن زيد، فاستحييت. فقال رسول الله - ﷺ -: «يا بلال قم، فانظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد، فافعله»، ترجم له أبو داود «بدء الأذان». وقال أبو عمر بن عبد البر: روى قصة عبد الله بن زيد جماعة من الصحابة بألفاظ مختلفة، ومَعَانٍ متقاربة، وهي من وجوه حِسَان، وهذا أحسنها. قال الحافظ: وهذا لا يخالف ما تقدم أن عبد الله بن زيد لما قص منامه فسمع عمر الأذان، فجاء، فقال: قد رأيت، لأنه يحمل على أنه لم يخبر بذلك عقب إخبار عبد الله، بل متراخيًا عنه، لقوله: «ما منعك أن تخبرنا»، أي عقب إخبار عبد الله، فاعتذر بالاستحياء، فدل على أنه لم يخبر بذلك على الفور، وليس في حديث أبي عمير التصريح بأن عمر كان حاضرًا عند قص عبد الله رؤياه، بخلاف ما وقع في روايته التي ذكر بها «فسمع عمر الصوت، فخرج، فقال»، فإنه صريح في أنه لم يكن حاضرًا عند قص عبد الله. والله أعلم. اهـ. «فتح الباري» جـ ٢ ص ٩٦، ٩٧. قال الجامع: والحاصل أن الراجح في معنى قول عمر ﵁: أوَلا تبعثون رجلًا، يُنَادِي بالصلاة؟، هو النداء المطلق، كقوله: «الصلاة جامعة»، لا النداء المعهود. والله أعلم. (فقال رسول الله - ﷺ -: يا بلال قم). قال عياض، وغيره: فيه حجة لشرع الأذان قائمًا، قال الحافظ: وكذا احتج ابن خزيمة، وابن المنذر، وتعقبه النووي بأن المراد بقوله: «قم» أي اذهب إلى موضع بارز، فناد فيه بالصلاة ليسمعك الناس، قال: وليس فيه تعرض للقيام في حال الأذان. انتهى. قال الحافظ: وما نفاه ليس ببعيد من ظاهر اللفظ، فإن الصيغة محتملة للأمرين، وإن كان ما قاله أرجح. قال الجامع: بل الأرجح عكس ما قاله، لكونه أوفق لظاهر اللفظ، فالحديث دليل على شرعية القيام للأذان. فتنبه. والله أعلم. ونقل عياض أن مذهب العلماء كافة أن الأذان قاعدًا لا يجوز، إلا أبا ثور، ووافقه أبو الفرج المالكي، وتعقب بأن الخلاف معروف عند الشافعية، وبأن المشهور عند الحنفية كُلِّهم أن القيام سنة، وأنه لو أذن قاعدًا صح، والصواب ما قاله ابن المنذر أنهم اتفقوا على أن القيام من السنة. اهـ. فتح الباري جـ ٢ ص ٩٧. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد الله بن عمر ﵄ من طريق ابن جريج متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٦٢٦) وفي «الكبرى» (١٥٩١) عن محمد بن إسماعيل ابن علية، وإبراهيم بن الحسن كلاهما عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن نافع عنه. والله أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، فأخرجه البخاري في «الصلاة» عن محمود بن غيلان، عن عبد الرزاق. وأخرجه مسلم فيه عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق- وعن إسحاق بن إبراهيم، عن محمد بن بكر- وعن هارون بن عبد الله، عن حجاج بن محمد- ثلاثتهم عن ابن جريج به. وأخرجه الترمذي فيه عن أبي بكر بن أبي النضر، عن حجاج به. والله أعلم. المسأله الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو بيان ابتداء الأذان، وهذا إذا قلنا: إن قوله: «قم يا بلال فناد بالصلاة» محمول على النداء المعهود، وقد عرفت ما فيه. ومنها: حرص الصحابة على أداء الصلاة جماعة، حيث إنهم يجتمعون من غير أن يكون هناك أذان. ومنها: مشروعية التشاور في الأمور المهمة، وإبداء المرءوس ما عنده من الرأي إلى الرئيس فيما يراه مصلحة. ومنها: أنه يجب أن نخالف اليهود والنصارى فيما يستعملونه في عباداتهم. ومنها: مشروعية القيام للأذان على ما قيل في: «قم يا بلال»، وهو الذي تقدم ترجيحه. والله تعالى أعلم. المسألة الخامسة: في بيان مذاهب العلماء في حكم الأذان: قال الإمام أبو بكر بن المنذر ﵀: «ذكر الأمر بالأذان، ووجوبه: قال الله ﷿: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] الآية. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ [المائدة: ٥٨] الآية. قال أبو بكر: ولا نعلم أذانًا كان على عهد رسول الله - ﷺ - إلا للصلاة المكتوبة، وقد ثبت أن رسول الله - ﷺ - أمر بالأذان، والإقامة للمسافر، ثم أخرج بسنده عن مالك بن الحويرث أنه أتى النبي - ﷺ - هو وصاحب له، فقال: «إذا سافرتما، فأذنا، ثم أقيما، وليؤمكما أكبركما». قال أبو بكر: فالأذان والإقامة واجبان على كل جماعة في الحضر والسفر؛ لأن النبي - ﷺ - أمر بالأذان، وأمره على الفرض، وقد أمر النبي - ﷺ - أبا محذورة أن يؤذن بمكة، وأمر بلالًا بالأذان، وكل هذا يدل على وجوب الأذان. وقد اختلف أهل العلم فيمن صلى بغير أذان ولا إقامة، فروي عن عطاء أنه قال فيمن نسي الإقامة: يعيد الصلاة، وبه قال الأوزاعي، ثم قال الأوزاعي فيمن نسي الأذان يعيد ما دام في الوقت، فإن مضى الوقت، فلا إعادة عليه. وكان يقول في الأذان والإقامة: يجزئ أحدهما عن الآخر، وقد روي عن مجاهد أنه قال: من نسي الإقامة في السفر أعاد. وقال مالك: إنما يجب النداء في مساجد الجماعة التي يجمع فيها الصلاة. وقالت طائفة: لا إعادة على من ترك الأذان والإقامة، وروينا عن الحسن أنه قال: من نسي الإقامة في السفر فلا إعادة عليه، وكذلك قال النخعي، وقال الزهري وقتادة: من نسي الإقامة لم يعد صلاته، وقال مالك: لا شيء عليه إذا صلى بغير إقامة، وإن تعمد يستغفر الله، ولا شيء عليه. وقال أحمد، وإسحاق، والنعمان، وصاحباه في قوم صلوا بغير أذان، ولا إقامة، قالوا: صلاتهم جائزة. اهـ. «الأوسط» جـ ٣ ص ٢٤، ٢٥. وقال أبو محمد بن حزم ﵀: ولا تجزئ صلاة فريضة في جماعة -اثنين فصاعدًا- إلا بأذان وإقامة، سواء كانت في وقتها، أو كانت مقضية لنوم أو لنسيان، متى قضيت، السفرُ والحضرُ سواء في كل ذلك؛ فإن صلى شيئًا من ذلك بلا أذان ولا إقامة، فلا صلاة لهم، حاشا الظهر والعصر بعرفة، والمغرب والعتمة بمزدلفة، فإنهما يجمعان بأذان لكل صلاة، وإقامة للصلاتين معًا ، للأثر في ذلك. ثم ذكر حديث مالك بن الحويرث المتقدم، ثم قال: وما نعلم لمن لم ير ذلك فرضًا حُجَّةً أصلًا، ولو لم يكن إلا استحلال رسول الله - ﷺ - دماء من لم يسمع عندهم أذانًا، وأموالهم، وسبيهم لكفى في وجوب فرض ذلك، وهو إجماع متيقن من جميع من كان معه من الصحابة ﵃ بلا شك. انتهى «المحلى» جـ ٣ ص ١٢٢ - ١٢٥. قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن وجوب الأذان والإقامة هو الراجح، للأدلة الكثيرة. منها: حديث مالك بن الحويرث الآتي (٦٣٤) بلفظ الأمر «فأذِّنَا، وأقيما»، وفي رواية «فليؤذن لكم أحدكم». ومنها: حديث أنس المتفق عليه الآتي (٦٢٧) أمر رسول الله - ﷺ - بلالًا أن يشفع الأذان، وأن يوتر الإقامة. ومنها: حديث عبد الله بن زيد، حيث قال له النبي - ﷺ -: «إنها لرؤيا حق إن شاء الله، ثم أمر بالتأذين» رواه أبو داود وغيره، وصححه ابن خزيمة، وغيره. ومنها: حديث عثمان بن أبي العاص «اتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا، يأتي برقم (٦٧٢)، ومنها حديث أنس ﵁ عند البخاري وغيره، قال: إن النبي - ﷺ - كان إذا غزا بنا قومًا، لم يكن يغزو بنا حتى يصبح وينظر، فإن سمع أذانًا كف عنهم، وإن لم يسمع أذانًا أغار عليهم». ومنها: طول الملازمة من أول الهجرة إلى الموت، لم يثبت أنه ترك ذلك في سفر ولا حضر. والحاصل أن أدلة الوجوب كثيرة قولًا، وفعلًا، فوجب القول بالوجوب، كما قال ابن المنذر، وابن حزم رحمهما الله تعالى. والله أعلم. تنبيه: الذين قالوا بوجوب الأذان والإقامة خصوه بالرجال دون النساء، واستدلوا بحديث «ليس على النساء أذان، ولا إقامة» رواه البيهقي من حديث ابن عمر ﵄ بإسناد صحيح، إلا أنه قال ابن الجوزي: لا يعرف مرفوعًا، وقد رواه البيهقي، وابن عدي من حديث أسماء مرفوعًا، وفي إسناده الحكم بن عبد الله الأيلي، وهو ضعيف جدًا. أفاده في «التلخيص الحبير» جـ ١ ص ٢١١. والله تعالى أعلم. المسألة السادسة: الأصل في الأذان هو ما أخرجه أبو داود في سننه بسند صحيح عن عبد الله بن زيد ﵁، قال: لما أمر رسول الله - ﷺ - بالناقوس يُعمل ليُضرَب به للناس لجمع الصلاة، طاف بي وأنا نائم رجل يَحمِلُ ناقوسًا في يده، فقلت: يا عبد الله، أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إلى الصلاة، قال: أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت: بلى، قال: فقال: تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. قال: ثم استأخر عني غير بعيد، ثم قال: وتقول إذا أقمت الصلاة: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. فلما أصبحت أتيت رسول الله - ﷺ -، فأخبرته بما رأيت، فقال: «إنها لرؤيا حق، إن شاء الله، فقم مع بلال، فألق عليه ما رأيت، فليؤذن به، فإنه أندى صوتًا منك»، فقمت مع بلال، فجعلت ألقيه عليه، ويؤذن به، قال: فسمع عمر بن الخطاب، وهو في بيته، فخرج يجر رداءه، ويقول: والذي بعثك بالحق يا رسول الله، لقد رأيت مثل ما رأى، فقال رسول الله - ﷺ -: «فلله الحمد». وأخرج ابن ماجه نحوه، وزاد: قال أبو عبيد : فأخبرني أبو بكر الحكمي، أن عبد الله بن زيد الأنصاري، قال في ذلك (من الخفيف): أحْمَدُ اللهَ ذَا الْجَلالِ وَذا الإِكْـ … ـرَامِ حَمْدًا علَى الأذَانِ كَثِيرَا إِذْ أتَانِي بِهِ البَشِيرُ مِنَ اللَّـ … هِ فَأكْرمْ بِهِ لَدَيَّ بَشِيرَا فِي لَيَالٍ وَالَى بِهِنَّ ثَلاثٍ … كُلَّمَا جَاءَ زَادَنِي تَوْقِيرَا المسألة السابعة: أنه قد استشكل إثبات حكم الأذان برؤيا عبد الله ابن زيد، لأن رؤيا غير الأنبياء لا ينبني عليها حكم شرعي، وأجيب باحتمال مقارنة الوحي لذلك، أو لأنه - ﷺ - أمر بمقتضاها، لينظر أيقر على ذلك أم لا، ولاسيما لما رأى نظمها يبعد دخول الوسواس فيه، وهذا ينبني على القول بجواز اجتهاده - ﷺ - في الأحكام وهو المنصور في الأصول، ويؤيد الأول ما رواه عبد الرزاق، وأبو داود في المراسيل من طريق عبيد بن عمير الليثي أحد كبار التابعين: أن عمر لما رأى الأذان جاء ليخبر به النبي - ﷺ - فوجد الوحي قد ورد بذلك، فما راعه إلا أذان بلال، فقال له النبي - ﷺ -: «سبقك بذلك الوحي». قال الحافظ: وهذا أصح مما حكى الداودي عن ابن إسحاق أن جبريل أتى النبي - ﷺ - بالأذان قبل أن يخبره عبد الله بن زيد، وعمر بثمانية أيام، وأشار السهيلي إلى أن الحكمة في ابتداء شرع الأذان على لسان غير النبي - ﷺ - التنويه بعلو قدره على لسان غيره، ليكون أفخم لشأنه. والله أعلم. انتهى «فتح الباري» جـ ٢ ص ٩٨. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
مصادر المؤلف (٢)

١. هكذا عبارة «المحلى» ولعل الصواب «بأذان للصلاتين معًا، وإقامة لكل صلاة» فليحرر.

٢. هو شيخ ابن ماجه، محمد بن عبيد بن ميمون المدني صدوق، من الطبقة العاشرة مات سنة ٢٥١، والحديث عند ابن ماجه حديث حسن، لكن الأبيات فيها انقطاع.