HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٦٣٦

أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ فَقَالَ لِي أَبُو قِلَابَةَ: هُوَ حَيٌّ، أَفَلَا تَلْقَاهُ؟ قَالَ أَيُّوبُ: فَلَقِيتُهُ، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: «لَمَّا كَانَ وَقْعَةُ الْفَتْحِ بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلَامِهِمْ، فَذَهَبَ أَبِي بِإِسْلَامِ أَهْلِ حِوَائِنَا، فَلَمَّا قَدِمَ اسْتَقْبَلْنَاهُ، فَقَالَ: جِئْتُكُمْ وَاللهِ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ حَقًّا، فَقَالَ: صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، وَصَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص211
  • زبير علي زئي:صحيح البخاري
ج ٢ ص ٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن أبي داود, صحيح البخاري, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج٨ ص٣٦
في السن، فأمر بتقديمه. والله أعلم. تَنْبِيهٌ: هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم تخريجه في الباب السابق. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٦٣٦ - أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلِمَةَ، فَقَالَ لِي أَبُو قِلَابَةَ: هُوَ حَيٌّ أَفَلَا تَلْقَاهُ؟ قَالَ أَيُّوبُ: فَلَقِيتُهُ فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: لَمَّا كَانَ وَقْعَةُ الْفَتْحِ بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلَامِهِمْ، فَذَهَبَ أَبِي بِإِسْلَامِ أَهْلِ حِوَائِنَا، فَلَمَّا قَدِمَ اسْتَقْبَلْنَاهُ، فَقَالَ: قَدْ جِئْتُكُمْ -وَاللهِ- مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - حَقًّا، فَقَالَ: «صَلُّوا صَلَاةَ كَذَا فِى حِينِ كَذَا، وَصَلَاةَ كَذَا فِي حِينِ كَذَا، فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْثَرُكُمْ قُرْآنًا». رجال هذا الإسناد: سبعة ١ - (إِبراهيم بن يعقوب) بن إسحاق الجُوزَجَاني، نزيل دمشق، ثقة حافظ، رمي بالنصب، توفي سنة ٢٥٩، من [١١]، أخرج له أبو داود، والترمذي، والنسائي، تقدم في ١٢٢/ ١٧٤. ٢ - (سليمان بن حرب) الأزدي الواشحي البصري القاضي بمكة، ثقة، إمام، حافظ، توفي سنة ٢٢٤ هـ عن ٨٠ سنة، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٨١/ ٢٨٨. ٣ - (حماد بن زيد) بن درهم الأزدي الجهضمي، أبو إسماعيل البصري، ثقة، ثبت، فقيه، توفي سنة ١٧٩، من كبار [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣/ ٣. ٥ - (أبو قلابة) عبد الله بن زيد بن عمرو الجَرْمي تقدما في السند السابق. ٦ - (عمرو بن سلمة) بن قيس الجرمي، أبو بُرَيْد، ويقال: أبو يَزِيد البصري، وفد أبوه على النبي - ﷺ -، وكان عمرو يصلي بقومه في عهده وهو صغير، ولم يصح له سماع ولا رواية، ورُوِيَ من وجه غريب أنه أيضًا وفد مع أبيه. رَوَى عنه أبو قلابة الجرمي، وعاصم الأحول، وأبو الزبير، ومِسْعَر بن حبيب الجرمي، وغيرهم. قال الحافظ ﵀: روى ابن منده في كتاب الصحابة حديثه من طرق صحيحة، وهي رواية الحجاج بن المنهال، عن حماد بن سلمة، عن أيوب، عن عمرو بن سلمة، قال: كنت في الوفد الذين وفدوا على رسول الله -ﷺ -، وهذا تصريح بوفادته، وقد روى أبو نعيم في الصحابة أيضًا من طرق ما يقتضي ذلك، وقال ابن حبان: له صحبة، أخرج له البخاري، وأبو داود، والمصنف. ٧ - (سلمة) بن قيس، وقيل: ابن نفيع، وقيل: ابن لائم، وقيل: ابن لاي، أبو قدامة البصري الجرمي، صحابي، وقد على النبي - ﷺ -، وروى عنه، وعنه ابنه عمرو بن سلمة. والله أعلم. تنبيه: سلمة بكسر اللام، وقد قيل بفتحها، والصواب الأول، وهو الذي ذكره الحافظ السيوطي ﵀ في ألفية الأثر حيث قال: عَمْرٌو وَعَبْدُ اللهِ نَجْلَا سَلِمَهْ … بِالكَسْرِ مَعَ قَبِيلَةٍ مُكَرَّمَهْ لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سباعيات المصنف. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات. ومنها: أنه مسلسل بالبصريين، إلا شيخه فبغدادي. ومنها: أن فيه رواية الراوي عن أبيه، والصحابي عن الصحابي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أيوب) بن أبي تميمة السختياني (عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد الجرمي (عن عمرو بن سلمة) بكسر اللام على الصحيح، الجرمي، قال أيوب (فقال لي أبو قلابة: هو) أي عمرو بن سلمة (حي، أفلا تلقاه) فيه أنه ينبغي للعالم إذا كان هناك من هو أولى منه، إما علمًا، وإما إسنادًا، مع علم، وإما غَيرَ ذلك من أنواع الفضل أن يُرْشد الطالبَ إليه، لحديث مسلم وغيره «الدينُ النصيحةُ»، قال في ألفية الأثر مشيرًا إلى آداب المحدث، ومنها ما ذكرناه: وَأَشْرَفُ الْعُلُومِ عِلْمُ الأَثَر … فَصَحِّحِ النِّيَّةَ ثُمَّ طَهِّرِ قَلْبًا مِنَ الدُّنْيَا وَزِدْ حِرْصًا عَلَى … نَشْرِ الْحَدِيثِ ثُمَّ مَنْ يُحْتَجْ إِلَى مَا عِنْدَهُ حَدَّثَ شَيْخًا أَوْ حَدَثْ … وَرَدَّ لِلأَرْجَحِ نَاصِحًا وَحَثْ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لا تُرْشِدْ إِلَى … أَعْلَى فِي الاسْنَادِ إِذَا مَا جَهِلَا (قال أيوب) السختياني (فلقيته) أي عمرو بن سلمة (فسألته) أي عما حدثه به أبو قلابة (فقال) عمرو (لما كان وَقْعَةُ الفتح) «كان» تامة، ولذا اكتفت بمرفوعها، وهو «وقعة»، كما قال في الخلاصة: ............... … وَذُو تَمَامٍ مَا بِرَفْعٍ يَكْتَفِي وقال الحَرِيرِيُّ في مُلْحَتِهِ: وَإِنْ تَقُلْ يَا قَوْمِ قَدْ كَانَ الْمَطَرْ … فَلَسْتَ تَحْتَاجُ لَهَا إِلَى خَبَر وَالْوَقْعَةُ -بفتح فسكون- قال المجد ﵀: والوقعة بالحرب: صَدْمَةٌ بعد صدْمة. انتهى. والمراد هنا غزوة الفتح. وكانت في رمضان سنة ثمان من الهجرة. وسببها على ما ذكره أهل السير: نقض قريش عهدها بإعانتهم بني بكر الذين دخلوا في عقدهم وعهدهم على خزاعة الذين دخلوا في عهد النبي - ﷺ -، فناصروهم سرًا، حتى قتلوا منهم رجالًا، فجاء عمرو بن سالم الخُزَاعِي، وبُدَيْلُ بن وَرْقَاءَ إلى المدينة، وأخبَراه بمُظاهرَة قريش بني بكر عليهم، وإجابتهم إلى مناصرتهم، ثم قدم أبو سفيان المدينة لِيَشُدَّ العهد، ويزيد في المدة؛ فدخل علي بنته أم حبيبة ﵂، فذهب ليجلس على الفراش، فطوته، فقال: يا بنيةُ أرَغِبْتِ بي عن هذا الفراش، أو رغبت به عني؟. قالت: هو فراش رسول الله - ﷺ -، وأنت رجل مشرك نجس، قال: لقد أصابك بعدي شرّ، ثم خرج، فأتى رسول الله - ﷺ -، فكلمه، فلم يرد عليه، فكلم أبا بكر أن يكلم رسول الله - ﷺ -، فقال: ما أنا بفاعل، فكلم عمر، فقال: أنا أشفع لكم؟ والله لو لم أجد إلا الدِّرَّة لجاهدتكم بها، فدخل على علي، وعنده فاطمة وابنها الحسن، فقال: يا علي أنت أمَسُّ القوم بي رَحِمًا، جئت في حاجة، وذكرها، قال: لقد عزَمَ رسول الله - ﷺ - على أمر ما نستطيع أن نكلمه، فقال: يا بنت محمد، هل لك أن تأمري ابنك هذا، فيجير بين الناس، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر؟ قالت: ما بلغ ابني أن يجير. قال: يا أبا الحسن قد اشتد الأمر فانصحني، قال: ما أعلم شيئًا يغني عنك، لكنك سيد بني كنانة، فقم، فأجِرْ بين الناس، ثم الْحَقْ بأرضك، فقام، فقال: يا أيها الناس قد أجرت بين الناس، ثم ركب بعيره، وانطلق، فلما قدم مكة أخبرهم، قالوا: فهل أجاز لك محمدٌ؟ قال: لا، قالوا: فما يغني عنك ما قلت؟ قال: ما وجدت غير ذلك. فأمر النبي - ﷺ - الناس بالجهاز، وأمر أهله أن يجهزوه، فدخل أبو بكر على عائشة، وهي تحرك بعض الجهاز. قال: أين ترينه يريد؟ قالت: لا أدري. ثم أعلم الناس أنه قاصد مكة، وأمر بالجد، ثم قال: «اللهم خذ الإخبار والعيون عن قريش»، ثم خرج في عشرة آلاف حتى نزل بَمرِّ الظَّهْران، وعَمِيَتْ أخباره عن قريش، فلا يأتيهم عنه خبر، وخرج في تلك الليلة أبو سفيانَ، وحَكِيم بن حِزام، يتجسسان الإخبار. وكان العباس لقي النبي - ﷺ - بالطريق مهاجرًا بعياله من مكة إلى المدينة، قال العباس: فلما نزل بمر الظهران قلت: وَاصَبَاحَ قريش، إن دخل مكة عَنْوَةً قبل أن يستأمنوه إنه لهلاكهم إلى آخر الدهر، فجلس على بغلة رسول الله - ﷺ - البيضاء، وخرج لعله يجد بعض الحطابة يأتي مكة فيخبرهم، وإذا هو يسمع كلام أبي سفيان، وبديل ابن ورقاء، خرجا وهما يتراجعان، وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة نيرانًا قطُّ، فقال العباس، قال: أبا الفضل مالك؟ قلت: هذا رسول الله، واصباح قريش. قال: فما الحيلة؟ قلت: إن ظفِرَ ليضرِبنَّ عُنُقُكَ، فاركب على عَجُزِ هذه البَغْلَةِ لآتِيَ بك رسولَ الله - ﷺ -، فأسَتأمِنُهُ لك، فركِب، فجئْت به، كلما مر بنار، قالوا: مَنْ هذا؟ فإذا رأوا البغلة قالوا: عَمُّ رسول الله - ﷺ - على بغلته، حتى مررت بنار عمر، فلما رأى أبا سفيان، قال: عدوَّ الله، الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد، ولا عهد، ثم خرج يشتدّ نحوَ رسول الله -ﷺ -، وركضتُ البغلةَ، فسَبقته بما تسبِق الدابة الرجلَ، فدخلت عليه، ودخل عمر، فقال: أبو سفيان اضرب عنقه. فقلت: يا رسول الله إني أجرته، فقال: اذهب به إلى رَحْلِك، فإذا أصبحت فاتني به، فغدوت به؛ فلما رآه، قال: وَيْحَكَ يا أبا سفيان، ألم يَأنِ لك أن تعلم أن لا إله إلا الله؟ قال: لقد ظننتُ أنه لو كان مع الله غيره، لقد أغنى شيئًا بعد. قال: ألم يَأنِ لك أن تعلم أني رسول الله؟ قال: بأبي أنت وأمي ما أحْلَمَك! أما هذه ففي نفسي منها شيء حتى الآنَ، فقال العباس: أسلِمْ قبل أن يَضْرِب عنقك، فأسلم، فقال العباس: يا رسول الله إنه رجل يحب الفخر، فاجعل له شيئًا، قال: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمِنْ، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن»، فذهب لينصرف، فقال رسول الله -ﷺ -: «يا عباس احبِسه بمَضيِق الوادي حتى تمرّ به جنود الله فيراها، فمرت به القبائل على راياتها، كلما مرت قبيلة قال: يا عباس من هذه؟ فيقول: سليم، فيقول: مالي ولسليم؟ ثم تمر قبيلة، فيقول: من هذه؟ فيقول: مُزَيْنَة، فيقول: مالي، ولمزينة؟ حتى نفرت القبائل، فمر رسول الله - ﷺ - في كَتِيبَتِه المهاجرون والأنصار، لا يُرَى منهم إلا الحَدَق من الحديد، قال: من هؤلاء؟ قال رسول الله - ﷺ - في المهاجرين والأنصار، قال: يا أبا الفضل قد أصبح مُلْك ابن أخيك عظيمًا. قال: إنها النبوة، قال: نعم إذًا، قال: الْحَقْ إلى قومك، فجاء، فصرخ بأعلى صوته، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قِبَلَ لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقامت إليه هند بنت عتبة، وأخذت بلحيته وقالت: اقتلوا الشيخ الحميت الدسم الأحمس قَبُحَ مِنْ طَليعَة قوم، قال: لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فتفرق الناس إلى دورهم، وإلى المسجد، ولما انتهى رسول الله - ﷺ - إلى طوى وقف على راحلته معتجِرًا بشِقَّة بُرْدة حمراء، وإنه ليضع رأسه تواضعًا لله حين رأي ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إن عُثْنُونه تكاد تمس واسط الرحل، فلما دخل مكة دخل المسجد، فأتاه أبو بكر بأبيه، يقوده، فقال: هلا تركت الشيخ في بيته حتى آتيه، فقال: هو أحق أن يمشي إليك، فمسح صدره، وقال: أسلم، فأسلم، ورأى كان رأسه ثَغَامَة ، فقال: غيروا هذا بشيء. وأمر رسول الله - ﷺ - حين فرق جيشه من ذي طوى- الزبيرَ أن يدخل بمن معه من كُدًى، وكان على المجنبة اليسرى، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل من كَدَاء، فذكروا أن سعدًا قال: اليوم يوم الملحمة، اليوم يوم تستحل الحرمة، فسمعها عمر وغيره، فقالوا: يا رسول الله ما نأمن أن يكون لسعد في قريش صولة. فقال لعلي: خذ الراية، وادخل بها، وأمر رسول الله - ﷺ - خالد بن الوليد، وكان على الميمنة، فدخل من أسفل مكة، فلقيه بنو بكر، فقاتلوه، فقتل منهم عشرين رجلًا، وانهزموا، وارتفعت منهم طائفة على الجبل، وتبعهم المسلمون بالسيوف، ولما علا رسول الله - ﷺ - بنفسه كدا نظر إلى البارقة على الجبل مع فضض المشركين، فقال: ألَمْ أنْهَ عن القتال؟ فقال المهاجرون نظن أن خالدًا قوتل، فلم يكن بد من أن يقاتل من قاتله، وما يعصيك، وكان رسول الله -ﷺ - عهد إلى أمرائه أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، لكنه أمر بقتل نفر سماهم، وإن وُجِدُوا تحت أستار الكعبة، منهم عبد الله بن أبي سرح، وكان قد أسلم، وكتب الوحي، ثم ارتد، ففر إلى عثمان، وكان أخاه من الرضاع، فأخذه حتى أتى به النبي - ﷺ -، فاستأمنه له، فسكت طويلًا، ثم قال: نعم، فلما انصرف قال لمن حوله: «لقد صمَتُّ ليقوم إليه أحدكم، فيضرب عنقه»، قالوا له: هلا أومأت لنا؟ قال: «إن النبي لا ينبغي أن تكون له خائنة الأعين»، فكان ابن أبي سرح بعد ذلك ممن حسن إسلامه. ومنهم: عبد الله بن خطل كان مسلمًا فارتد، فقال: اقتلوه، وإن تعلق بأستار الكعبة، فقتلوه. ومنهم الحويرث بن نفيل، كان يؤذي النبي - ﷺ - بمكة. ولما حمل العباس فاطمة، وأم كلثوم ابنتي النبي - ﷺ - من مكة يريد بهما المدينة نخس بهما الحويرث، فرمى بهما إلى الأرض، فقتله علي يوم الفتح. ولما أتاه خالد قال: «نهيتك عن القتال؟» قال: هم بدءونا، ووضعوا فينا السلاح، وقد كففت يدي ما استطعت، قال: «قضى الله خيرًا». وَفَرَّ صفوان بن أمية عامدًا للبحر، وعكرمة بن أبي جهل عامدًا لليمن، فقال عمير بن وهب: يا نبي الله صفوان سيد قومه، وقد خرج ليقذف نفسه في البحر، فأمنه، فإنك أمنت الأحمر والأسود، قال: «أدرك ابن عمك، فهو آمن»، فأدركه، قال: هذا أمان قد جئتك به، قال: اعْزُبْ عني، لا تكلمني، قال: أي صفوان إن ابن عمك عزه من عزك، وشرفه من شرفك، قال: أخافه على نفسي، قال: هو أحلم من ذلك، فرجع معه إليه، فقال صفوان: هذا يزعم أنك أمنتني، قال: صدق، قال: فاجعلني فيه بالخيار شهرين، قال: أربعة أشهر. وأقبلت زوجة عكرمة بن أبي جهل، وهي مسلمة يومئذ، فاستأمنته له، فأمنه، فأقبل معها، فأسلم، فوثب به رسول - ﷺ - فرحًا به. وأتته أم هانئ أخت علي، وهو بأعلى مكة، فوجدته يغتسل من جَفْنَة فيها أثر العجين، وفاطمة بنته تستره، فلما اغتسل صلى ثمان ركعات من الضحى، ثم قال: مرحبًا وأهلًا بأم هانئ، ما جاء بك؟ فقالت: نَفَرَ إلَيَّ رجلان من أحمائي، فقال أخي: لأقتلنهما، فقال: «أجرنا من أجرت يا أم هانئ». فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، ففتح، فدخلها، ثم وقف على بابها، فقال: «لا إله إلا الله صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة، أو دم، أو مال يدعى تحت قدميَّ هاتين، إلا سِدَانة البيت، وسِقَاية الحاج. يا معشر قريش إن الله أذهب عنكم نَخْوَةَ الجاهلية، وتعاظمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب، ثم تلا ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى …﴾ الآية [الحجرات: ١٣]، ثم قال:«يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل فيكم؟ »قالوا: خيرًا، أخ كريم، وابن أخ كريم، قال:«اذهبوا، فأنتم الطُّلَقَاء»، وجلس في المسجد، فقال علي بن أبي طالب -ومفتاح الكعبة بيده-: اجمع لنا الْحِجَابة مع السقاية، فقال:«أين عثمان بن طلحة؟ فقال: هذا مفتاحك، اليومُ يومُ وَفَاء وبِرّ». وكان حول البيت أصنام مشدودة بالرصاص، فلما طاف جعل يشير بقضيب في يده إليها وهو يقول: جاء الحق وزهق الباطل، فما أشار لصنم إلا وقع لقفاه. ولما دخل الكعبة أمر بلالًا أن يؤذن -وكان دخل معه- وأبو سفيان، وعتاب بن أسيد، والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة، فقال عتاب: قد أكرم الله أسيدًا أن لا يكون سمع هذا، وقال الحارث: أما والله لو أعلم أنه بحق ما تبعته، وقال أبو سفيان: لا أقول شيئًا، لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصا، فخرج إليهم رسول الله - ﷺ -، فقال: علمت ما قلتم، ثم ذكر لهم ذلك، فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله، ما اطلع على هذا أحد، ثم قام على الصفا يدعو وقد أحدقت الأنصار، فقالوا فيما بينهم: أترون إذا فتح الله بلده يقيم بها؟ فلما فرغ قال: «ما قلتم؟» قالوا: لا شيء، فلم يزل حتى أخبروه، فقال: «مَعَاذ الله المَحْيَا مَحْيَاكُم، والمَمَاتُ مماتكم»، ثم أقام بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة، وكان فتحها صلحًا عند الشافعي، وعَنْوَةً عند أبي حنيفة، وقيل: أعلاها كان صلحًا، وأسفلها كان عنوة. انتهى من «شرح ألفية السيرة النبوية العراقية»، للعلامة المناوي ص ٢٠١ - ٢٠٥«. (بادر كل قوم بإِسلامهم) أي أراد كل قوم أن يسبقوا غيرهم بالإِسلام. وفي رواية البخاري في المغازي عن سليمان بن حرب بسند المصنف: فقال -يعني عمرو بن سلمة-: كنا بماء مَمَرِّ الناس، وكان يمر بنا الركبان، فنسألهم ما للناس؟ ما للناس؟ ما هذا الرجل؟ فيقولون: يزعم أن الله أرسله، أوحى إليه، أو أوحى الله بكذا، فكنت أحفظ ذلك الكلام وكأنما يُغْرَى في صدري. زاد في رواية البيهقي«بغِرَاء». وكانت العرب تَلَوَّم بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح بادر كل قوم بإسلامهم، وبَدَرَ أبي قومي بإسلامهم، فلما قدِمَ، قال: جئتكم والله من عند النبي - ﷺ - حقًّا، فقال:«صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلوا صلاة كذا في حين كذا … الحديث». انتهى.«صحيح البخاري»جـ ٥ ص ١٩١. (فذهب أبي بإِسلام أهل حِوَائِنَا) الْحِوَاءُ -بكسر الحاء المهملة، والمدِّ-: بيوت مجتمعة من الناس على ماء، قاله في زهر. وفي«ق»: والحواء، ككتاب، والمُحَوَّى، كالمُعَلَّى: جماعة البيوت المتدانية. انتهى. أي ذهب إلى رسول الله - ﷺ - بأن أهل قريتنا أسلموا، ثم قَدِمَ، فَلما قدم القرية (استقبلناه) يقال: استقبلت الشيء: إذا واجهته، فهو مستقبَلٌ بالفتح، اسم مفعول. قاله الفيومي (فقال: قد جئتكم والله من عند رسول الله - ﷺ - حقًا) مصدر منصوب بفعل محذوف وجوبًا، لكونه مؤكدًا، كما قال في الخلاصة في بيان المصدر الذي يحذف عامله وجوبًا: وَمِنْهُ مَا يَدْعُونَهُ مُؤَكِّداَ … لِنَفْسِهِ أوْ غَيْرِهِ فَالمُبْتَدا نَحْوُ لَهُ عَلَيَّ أَلْفٌ عُرْفًا … وَالثَّانِ كَابْنيِ أنْتَ حَقًّا صِرْفًا أي أحُقُّهُ حَقًّا، أي أثبت كونه رسول الله - ﷺ - إثباتًا لا يحتمل التشكيك. (فقال) أي رسول الله - ﷺ - (صلوا صلاة كذا في حين كذا، وصلاة كذا في حين كذا) يعني أنه بَيَّنَ لهم أوقات الصلاة. (فإِذا حضرت الصلاة) أي دخل وقتها (فليؤذن لكم أحدكم) فيه دليل على أن أذان الواحد يكفي الجماعة، وهو الذي أراده المصنف بقوله: «اجتزاء المرء بأذان غيره» (وليؤمكم أكثركم قرآنًا) زاد في رواية البخاري: «فنظروا، فلم يكن أحد أكثر قرآنًا مني، لما كنت أتلقى من الركبان، فقَدَّمُونِي بين أيديهم، وأنا ابن ست، أو سبع سنين» . وكانت علي بُرْدة، كنت إذا سجدت، تَقَلَّصَتْ عني، فقالت امرأة من الحي: ألا تُغَطُّون عنا اسْتَ قارئكم، فاشتروا لي قميصًا، فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص. انتهى صحيح البخاري جـ ٥ ص ١٩١ - ١٩٢. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث سلِمة الجرمي ﵁ أخرجه البخاري. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٦٣٦)، وفي «الكبرى» (١٦٠٠) عن إبراهيم بن يعقوب، عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن عمرو بن سَلِمَةَ عنه. وفي (٧٨٩). وفي «الكبرى» (١١/ ٨٦٤) عن موسى بن عبد الرحمن المسروقي، عن حسين بن علي الجعفي، عن زائدة عن الثوري، عن أيوب به. وفي (٧٦٧). وفي «الكبرى» (٤/ ٨٤٣) عن شعيب بن يوسف، عن يزيد بن هارون، عن عاصم الأحول، عن عمرو بن سلمة، قال: لما رجع قومي من عند النبي - ﷺ - قالوا: إنه قال: «ليؤمكم أكثركم قراءة للقرآن …» الحديث. ولم يقل «عن أبيه». والله أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري وأبو داود، فأخرجه البخاري في «المغازي» مطولًا عن سليمان بن حرب، بسند المصنف. وأخرجه أبو داود في الصلاة عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن أيوب به. وعن عبد الله بن محمد النفيلي، عن زهير بن معاوية، عن عاصم الأحول، عن عمرو بن سلمة به، وعن قتيبة، عن وكيع، عن مسعر ابن حبيب الجرمي، عن عمرو بن سلمة، عن أبيه. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو اجتزاء الشخص بأذان غيره، وأن الأذان ليس واجبًا على كل مصل، بل يكفي أذان الواحد للجماعة. ومنها: الرحلة لتعلم أحكام الدين. ومنها: وجوب تعليم العالم الجاهل ما يحتاج إليه من أمر دينه. ومنها: كون الأحق بالإمامة هو الأقرأ، وسيأتي تحقيق القول فيه في موضعه إن شاء الله تعالى. ومنها: جواز إمامة الصبي، وهو قول الحسن، وأبي ثور، وإسحاق، والشافعي، وذهب إلى عدم صحة إمامته الشعبي، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز، وعطاء، وابن حزم، وقال أبو حنيفة، ومالك، وأحمد ﵏: لا تصح المكتوبة، وعنهما في النافلة روايتان، وقال الزهري: إذا اضطروا إليه أمهم. أفاده في المنهل جـ ٤ ص ٣٠١، ٣٠٢، وسيأتي تحقيق القول في ذلك، وترجيح الراجح بدليله في موضعه إن شاء الله تعالى. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
مصادر المؤلف (٧)

١. الحميت: الزق، والأحمس: الشديد، والأحمس: الذي لا خير فيه. انتهى من عيون الأثر.

٢. معتجرًا: أي متلففًا، يقال: اعتجر الرجل: لف العمامة على رأسه. انتهى من المصباح.

٣. العثنون: بضم العين والنون بينهما مثلثة ساكنة: اللحية، أو ما فضل منها بعد العارضين، أو ما نبت على الذقن، وتحته سفلًا، أو هو طولها. انتهى «ق».

٤. الثغام: مثل سلام: نبت يكون بالجبال غالبًا إذا يبس، أبيض، ويشبه به الشيب. انتهى. المصباح.

٥. قال في القاموس: الغرا: ما طُلي به، أو لُصِّقَ بِه، أو شيء يُستَخرج من السَّمَكَ، كالغِرَاءِ كَكِسَاءٍ. اهـ ص ١٦٩٨ طبعة مؤسسة الرسالة.

٦. مضارع تَلَّوَم بحَذف إحدى التاءين، وأصله تَتَلوَّمُ، ومعناه: تنتظر.

٧. وفي رواية المصنف الآتية -٧٨٩ - «وأنا ابن ثمان سنين».