٢٦ - الأذَانُ لِمَنْ يُصَلِّي وَحْدَهُ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية الأذان للشخص الذي يصلي منفردًا.
٦٦٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ أَبَا عُشَّانَةَ الْمَعَافِرِيَّ حَدَّثَهُ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «يَعْجَبُ رَبُّكَ مِنْ رَاعِي غَنَمٍ فِي رَأْسِ شَظِيَّةِ الْجَبَلِ، يُؤَذِّنُ بِالصَّلَاةِ، وَيُصَلِّي فَيَقُولُ اللَّهُ ﷿: انْظُرُوا إِلَى عَبْدِي هَذَا، يُؤَذِّنُ، وَيُقِيمُ الصَّلَاةَ، يَخَافُ مِنِّي، قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، وَأَدْخَلْتُهُ الْجَنَّةَ».
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (محمد بن سلمة) بن أبي فاطمة المرادي الجملي، أبو الحارث المصري، ثقة، ثبت، توفي سنة ٢٤٨، من [١١] تقدم في ٢٠.
٢ - (ابن وهب) عبد الله المصري، ثقة، حافظ، عابد، من [٩] تقدم في ٩.
٣ - (عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري مولاهم، أبو أيوب المصري، ثقة، حافظ، فقيه، من [٧] تقدم في ٧٩.
٤ - (أبو عُشَّانَةَ) -بضم أوله، وتشديد المعجمة، وبعد الألف نون- حَيّ -بفتح أوله، وتشديد التحتانية- بن يُوْمِن -بضم التحتانية، وسكون الواو، وكسر الميم- بن حجيل بن جريج المصري، ثقة، مشهور بكنيته، توفي سنة ١١٨، من [٣].
روى عن عبد الله بن عمرو، وعمار بن ياسر، وعقبة بن عامر، ورويفع بن ثابت، وعنه عمرو بن الحارث، والليث، وابن لهيعة، وغيرهم. وقال أحمد، ويحيى: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث. وقال ابن لهيعة: حي بن يؤمن رجل من أحبار اليمن، وذكره ابن حبان في «الثقات»، ولما أخرج حديثه في «صحيحه» قال فيه: من ثقات أهل مصر، ووثقه يعقوب بن سفيان. أخرج له البخاري في الأدب المفرد، وأبو داود، والمصنف، وابن ماجه. والله أعلم.
تنبيه:
قوله: يومن: ضبطه في التقريب بالواو، والذي في أصله، وتهذيب الكمال، والخلاصة: يؤمن، مهموزًا.
تنبيه آخر:
قوله: المَعَافِرِي -بفتح الميم، وكسر الفاء، وراء-: نسبة إلى
المعافر، بطن من قحطان. قاله في لب اللباب جـ ٢ ص ٢٦٤.
٥ - (عقبة بن عامر) الجهني، صحابي مشهور، اختلف في كنيته على سبعة أقوال أشهرها أبو حماد، ولي إمرة مصر لمعاوية ثلاث
سنين، وكان فقيهًا فاضلًا، توفي قرب ٦٠، تقدم في ١٤٤. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات.
ومنها: أنه مسلسل بالمصريين.
ومنها: أن فيه الإخبار والتحديث والعنعنة، وكلها من الصيغ المستعملة في الاتصال. والله أعلم.
شرح الحديث
(عن عقبة بن عامر) الجهني - ﵁ -، أنه (قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: يعجب ربك) -بفتح الجيم- من باب تَعِبَ.
قال في النهاية: أي يعظم ذلك عنده، ويكبر لديه، علم الله تعالى أنه إنما يتعجب الآدمي من الشيء إذا عظم موقعه عنده، وخفي عليه سببه، فأخبرهم بما يعرفون، ليعلموا موقع هذه الأشياء عنده، وقيل: معنى عجب ربك: رضي، وأثاب، فسماه عجبًا مجازًا، وليس بعجب في
الحقيقة، والأول أوجه. انتهى. جـ ٣ ص ١٨٤.
وقال النووي: التعجب على الله محال، إذ لا يخفى عليه أسباب الأشياء، والتعجب إنما يكون مما يخفى سببه، فالمعنى: عظم ذلك،
وكبره، وقيل: معناه الرضا، أي يرضى ربك منه، ويثيب عليه. انتهى.
قال الجامع: هذا الذي قاله صاحب النهاية، والنووي في معنى العجب هنا غير صحيح، بل العجب من الصفات التي أثبتها النبي - ﷺ - في هذا الحديث وغيره من الأحاديث الصحيحة، فهي ثابتة لله تعالى على ما يليق بجلاله، كسائر الصفات التي أثبتها الله تعالى له في كتابه، أو وردت في السنة الصحيحة، من الرضى، والمحبة، والضحك، والنزول، والاستواء، وغيرها، فكلها ثابتة له على المعنى اللائق به ﷾، ولا يلزمنا من إثباتها تشبيهه بالمخلوق، لأنه إنما يلزمنا ذلك، لو قلنا: عجيب كعجبنا، ورضى كرضانا، إلى غير ذلك، وأما إذا أثبتناها كما أثبتها لنفسه، على ما يليق بجلاله، فلا يلزم شيء من التشبيه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. فتبصر. وبالله التوفيق، وعليه التكلان.
ثم إن الخطاب في قوله: «ربك»: إما للراوي، أو لواحد من الصحابة غيره، أو عام لكل من يتأتى منه السماع. كذا في المرقاة (من
راعي غنم في رأس شظية الجبل) بفتح الشين، وكسر الظاء المعجمتين،
وتشديد التحتانية- قطعة مرتفعة في رأس الجبل، وجمعها شظايا، كعطية، وعطايا.
(يؤذن بالصلاة، ويصلي) ولأبي داود «يؤذن للصلاة». والظاهر أن المراد بالأذان هنا ما يشمل الإقامة بدليل ما بعده من قوله:
«يؤذن، ويقيم الصلاة».
وفائدة الأذان مع كونه وحده هو أن يشهد له كل رطب، ويابس، ويغفر له مدى صوته لما تقدم في حديث أبي سعيد الخدري ﵁ رقم (٦٤٤)، وحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه رقم (٦٤٥) وأن تصلي معه الملائكة، فيحصل له ثواب الجماعة، لحديث سلمان الفارسي - ﵁ -، أنه قال: «لا يكون رجل بأرض قِيّ، فيتوضأ، إن وجد ماء، وإلا يتيمم، فينادي بالصلاة، ثم يقيمها، إلا أمَّ من جنود الله ﷿ ما لا يرى طرفاه، أو طرفه». أخرجه البيهقي، وصحح كونه موقوفًا، قال: وقد روي مرفوعًا، ولا يصح رفعه. انتهى، السنن الكبرى جـ ١ ص ٤٠٦.
قال الجامع: الموقوف في مثل هذا له حكم الرفع، كما قال السيوطي في ألفيته:
وَمَا أتَى وَمِثْلُهُ بِالرَّأْي لَا … يُقَالُ إِذْ عَنْ سَالِفٍ مَا حُمِلا
ولا يقال: إن سلمان يروي عن الكتب السالفة، لأن هذا الحديث يتعلق بما هو من خصوصيات هذه الأمة، من الأذان والإقامة، وصلاة
الجماعة، فلابد أن يأخذه من النبي - ﷺ -، أو ممن سمعه منه.
تنبيه:
قوله: «قِيّ» -بكسر القاف، وتشديد الياء-: فِعْلٌ من القَوَاءِ، وهي الأرض القفر الخالية. قاله ابن الأثير في النهاية.
(فيقول الله ﷿) أي لملائكته (انظروا إِلى عبدي هذا) تعجيب ملائكته الكرام بعد عجبه ﷾ لمزيد التفخيم لشأنه، وكذا وصفه بالعبودية، وإضافته إليه ﷾ لمزيد التفخيم لشأنه، والإشارة بهذا أيضًا تعظيم على تعظيم (يؤذن، ويقيم الصلاة) منصوب بنزع الخافض، أي للصلاة، تنازع فيه الفعلان.
وقال ابن الملك: أي يحفظ، ويداوم عليها (يخاف مني) أي يفعل ذلك خوفًا مني، لا ليراه أحد. وقال الطيبي: الأظهر أنه جملة مستأنفة، وإن احتمل الحال، فهو كالبيان لعلة عبوديته، واعتزاله عن الناس حَقَّ اعتزال، ولذا آثر الشظية بالرعي فيها.
(قد غفرت لعبدي، وأدخلته الجنة) أي حكمت له بدخولها، أو سأدخله فيها، وإنما عبر بالماضي لتحقق وقوعه. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عقبة بن عامر - ﵁ - هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٦٦٦)، وفي «الكبرى» (١٦٣٠) عن محمد بن سلمة، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي عُشَّانَةَ المَعَافِريّ، عنه. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه أبو داود في الصلاة عن هارون بن معروف، عن ابن وهب، به. وأخرجه أحمد، والبيهقي. والله أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو مشروعية الأذان لمن يصلي وحده، وإن كان لا يسمعه أحد، وفيه رد على من قال: لا يشرع الأذان إلا لمن يصلي جماعة، وقد تقدم الكلام عليه مستوفى.
ومنها: كون الأذان سببًا لمغفرة الذنوب، وموجبًا لدخول الجنة.
ومنها: إثبات صفة العجب لله تعالى على ما يليق بجلاله.
ومنها: فضل العبادة في العزلة.
ومنها: فضل رعي الغنم، واعتزال أمور الناس، وهو محمول على أيام الفتن، فرارًا بدينه من الفتن. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه وتوكلت وإليه أنيب.