الأصح، وهو يحتمل أن يكون إخبارًا، وأن يكون دعاء. قاله ابن الملك. والأول هو المعوَّل عليه. قاله في «المرقاة» جـ ٢ ص ٣٥٥. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
الأولى: في درجته:
حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ - هذا أخرجه مسلم.
الثانية: في بيان موضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٦٧٩)، و«عمل اليوم والليلة» (٧٣)، و«الكبرى» (١٦٤٣) عن قتيبة، عن الليث بن سعد، عن الحُكَيْم بن عبد الله، عن عامر بن سعد، عنه. والله أعلم.
الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، فأخرجه مسلم (٢/ ٤) عن محمد بن رمح، وقتيبة، كلاهما عن الليث به.
وأبو داود (٥٢٥)، والترمذي (٢١٠) عن قتيبة به. وابن ماجه (٧٢١) عن محمد ابن رمح به.
وأخرجه أحمد (١/ ١٨١) عن يونس بن محمد، وقتيبة، كلاهما عن الليث به. وأخرجه عبد بن حُميد عن وهب جرير، عن الليث به. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٦٨٠ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ،
قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ، وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي وَعَدْتَهُ، إِلاَّ حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (عمرو بن منصور) أبو سعيد النسائي، ثقة ثبت، من [١١]، أخرج له النسائي، تقدم في ١٤٧.
٢ - (عمرو بن عَيَّاش) الألْهَاني الحمصي، ثقة ثبت، توفي سنة ٢١٩، من [٩] تقدم في ١٨٥.
٣ - (شُعَيْب) بن أبي حمزة دينار الأموي مولاهم، أبو بشر الحمصي، ثقة عابد، قال ابن معين: من أثبت الناس في الزهري، توفي سنة ١٦٢ أو بعدها، من [٧] تقدم في ٨٥.
٤ - (محمد بن المنكدر) بن عبد الله بن الهُدَير التيمي المدني، ثقة فاضل، من [٣] تقدم في ١٣٨.
٥ - (جابر) بن عبد الله بن عمرو بن حرام - ﵄ -، تقدم في ٣٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أن رواته كلهم ثقات.
ومنها: أنهم ما بين نسائي، وهو شيخه، وحمصيين، وهما علي، وشعيب، ومدنيين، وهما محمد، وجابر.
ومنها: أن الأئمة اتفقوا عليهم، إلا شيخه، فقد انفرد هو به، وعلي بن عياش، فلم يخرج له مسلم.
ومنها: ما قاله الحافظ في الفتح: إن علي بن عياش من كبار شيوخ البخاري، ولم يلقه من الأئمة الستة غيره، وقد حدث عنه القدماء بهذا الحديث، أخرجه أحمد في مسنده عنه، ورواه علي بن المديني شيخ البخاري مع تقدمه على أحمد عنه، وأخرجه الإسماعيلي من طريقه.
ومنها: أن جابرًا - ﵁ - أحد المكثرين السبعة، روى ١٥٤٠ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن محمد بن المنكدر) ذكر الترمذي أن شعيبًا تفرد به عن ابن المنكدر، فهو غريب مع صحته، وقد توبع ابن المنكدر عليه عن جابر، أخرجه الطبراني في الأوسط من طريق أبي الزبير، عن جابر، نحوه، ووقع في زوائد الإسماعيلي: أخبرني ابن المنكدر. انتهى. «فتح» جـ ٢ ص ١١٢.
(عن جابر) بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، أنه (قال: قال رسول الله - ﷺ -: من قال حين يسمع النداء) أي الأذان، فاللام للعهد، ويحتمل أن يكون التقدير: من قال حين يسمع نداء المؤذن. وظاهره أنه يقول الذكر المذكور حال سماع الأذان، ولا يتقيد بفراغه، لكن يحتمل أن يكون المراد من النداء تمامه، إذ المطلق يحمل على الكامل، ويؤيده حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند مسلم، بلفظ «قولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، ثم سلوا الله لي الوسيلة»، وتقدم للمصنف نحوه (٦٧٨) ففي هذا أن ذلك يقال عند فراغ الأذان.
واستدل الطحاوي بظاهر حديث جابر على أنه لا يتعين إجابة المؤذن بمثل ما يقول، بل لو اقتصر على الذكر المذكور كفاه. وقد بين حديث عبد الله بن عمرو المراد، وأن الحين محمول على ما بعد الفراغ.
واستدل به ابن بزيزة على عدم وجوب ذلك، لظاهر إيراده، لكن لفظ الأمر في رواية مسلم قد يتمسك به من يدعي الوجوب، وبه قالت الحنفية، وابن وهب من المالكية، وخالف الطحاوي أصحابه، فوافق الجمهور. انتهى. «فتح» جـ ٢ ص ١١٢.
قال الجامع عفا الله عنه: تقدم ترجيح قول من قال بالوجوب، لظاهر الأمر، مع عدم صارف له. فتنبه. والله أعلم.
(اللهم) أي يا الله، والميم عوض عن حرف النداء، فلذا لا يجمع بينهما، فلا يقال: يا اللهم، إلا في الضرورة، كما قال ابن
مالك:
وَالأكْثَرُ اللَّهُمَّ بِالتَّعْوِيضِ … وَشَذَّ ياَ اللَّهُمَّ فِي قرِيضِ
(رب) منصوب على النداء، أو على المدح، أو على الاختصاص ويحتمل الرفع -إن صحت الرواية- على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي أنت رب، والرب المربي المصلح للشأن، وقال الزمخشري: رَبَّهُ، يَرُبُّهُ، فهو رَبٌّ، ويجوز أن يكون وصفًا بالمصدر للمبالغة، كما في الوصف بالعدل، ولم يطلقوا الرب إلا في الله وحده، وفي غيره على التقييد بالإضافة، كقولهم: رب الدار، ونحوه. قاله في «عمدة القاري» جـ ٥ ص ١٢٢.
(هذه الدعوة) بفتح الدال، وفي المحكم: الدَّعوة، والدِّعوة- بالفتح، والكسر، والمَدْعَاة،: ما دعوت إليه، وخص اللحياني بالمفتوحة الدعاء إلى الوليمة، قال العيني: قالوا: الدَّعوة -بالفتح- في الطعام، والدِّعوة- بالكسر في النسب، والدُّعوة -بالضم- في الحرب. والمراد بالدعوة هنا ألفاظ الأذان التي يدعى بها الشخص إلى عبادة الله تعالى. انتهى. «عمدة القاري» جـ ٥ ص ١٢٢.
زاد البيهقي من طريق محمد بن عوف الطائي، عن علي بن عياش «اللهم إني أسألك بحق هذه الدعوة التامة»، وزاد في آخره «إنك لا تخلف الميعاد»، وهي زيادة ثقة مقبولة، لا كما قال بعضهم: إنها شاذة مردودة، وسيأتي تمام البحث عنها في المسائل إن شاء الله تعالى.
والمراد بها دعوة التوحيد، كقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ [الرعد: ١٤]، وقيل لدعوة التوحيد: تامة، لأن الشركة نقص، أو التامة التي لا يدخلها تغيير، ولا تبديل، بل هي باقية إلى يوم النشور، أو لأنها هي التي تستحق صفة التمام، وما سواها فمُعَرَّضٌ للفساد.
وقال ابن التين: وصفت بالتامة؛ لأن فيها أتم القول، وهو «لا إله إلا الله». قاله في الفتح.
وقال السندي: ومعنى رب هذه الدعوة: أنه صاحبها، أو المتمم لها، والزائد في أهلها، والمثيب عليها أحسن الثواب، والآمر بها،
ونحو ذلك. انتهى.
(والصلاة القائمة) أي الدائمة التي لا يغيرها ملة، ولا ينسخها شريعة، وأنها قائمة ما دامت السماوات والأرض. انتهى. عمدة جـ ٢ ص ١٢٢، وفي الزهر: أي التي ستقوم، أي تقام وتُحْضَر.
وقال الطيبي: من أوله إلى قوله: «محمد رسول الله» هي الدعوة التامة، والحيعلة هي الصلاة القائمة في قوله: «يقيمون الصلاة»، ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة الدعاء، وبالقائمة الدائمة، من قام على الشيء: إذا داوم عليه، وعلى هذا فقوله: «والصلاة القائمة» بيان للدعوة التامة، ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة المعهودة المدعو إليها حينئذ، وهو أظهر. انتهى. «فتح» جـ ٢ ص ١١٢ - ١١٣.
(آت) أي أعط، وهو أمر من الإيتاء، وهو الإعطاء (محمدًا الوسيلة) «محمدًا» مفعول أول لآت، والوسيلة مفعوله الثاني. وهي ما يتقرب به إلى الكبير، يقال: توسلت، أي تقربت، وتطلق على المنزلة العلية، وقد تقدم ذلك في حديث عبد الله بن عمرو (٦٧٨) بلفظ: «فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله» الحديث، ونحوه للبزار عن أبي هريرة، ويمكن ردها إلى الأول بأن الواصل إلى تلك المنزلة قريب من الله، فتكون كالقربة التي يتوسل بها. قاله في «الفتح» جـ ٢ ص ١١٣. وتقدم هناك مزيد بسط لتصريف الوسيلة، ومعناها، فارجع إليه تزدد علمًا.
(والفضيلة) بفتح، فكسر، كالفَضْل: خلاف النَّقِيصَة، والنَّقْصِ. أفاده في المصباح. والمراد به هنا المرتبة الزائدة على سائر الخلائق، ويحتمل أن تكون منزلة أخرى، أو تفسيرًا للوسيلة. قاله في الفتح.
تنبيه:
زاد بعضهم في هذا الحديث بعد قوله: «والفضيلة»، قوله: «والدرجة الرفيعة». قال الحافظ في التلخيص: وليس في شيء من طرقه ذكر الدرجة الرفيعة، وزاد الرافعي في المحرر في آخره: يا أرحم الراحمين، وليست أيضًا في شيء من طرقه. انتهى. جـ ١ ص ٢١٠.
(وابعثه المقام المحمود) أي يُحْمَدُ القائم فيه، وهو مطلق في كل ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات.
ورواية المصنف المقام المحمود، بالتعريف، وكذا في صحيحي ابن خزيمة، وابن حبان، والطحاوي، والطبراني في الدعاء، والبيهقي. قال الحافظ: وفيه تعقب على من أنكر ذلك، كالنووي.
ووقع في رواية البخاري وغيره «مقامًا محمودًا» بالتنكير. قيل: نكر لموافقة لفظ القرآن، وقيل: لأنه أفخم، وأجزل، كأنه قيل: مقامًا
أى مقامًا محمودًا بكل لسان.
تنبيه:
في نصب «مقامًا» أربعة أوجه:
أحدها: أنه منصوب على الظرف، أي ابعثه في مقام.
الثاني: أن ينتصب بمعنى «ابعثه» لأنه في معنى «أقمه»، يقال: أُقِيمَ من قبره، وبُعِثَ منه، بمعنىً، فهو كقعدت جلوسًا.
الثالث: أنه منصوب على الحال على حذف مضاف، أي ذا مقام.
الرابع: أنه مصدر مؤكد، ونصبه مقدر، أي فأقمه مقامًا.
ذكر هذه الأوجه كلها العلامة السَّمين الحلبي في كتابه الدر المصون في التفسير، عند قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، جـ ٤ ص ٤١٤ - ٤١٥.
قال الجامع عفا الله عنه: كل هذه الأوجه جائزة في رواية المصنف بالتعريف، إلا النصب على الحال، ففيه خلاف بين النحاة، انظر تفاصيل المسألة في شرح قول ابن مالك:
وَالحَالُ إِنْ عُرِّفَ لَفْظًا فَاعْتَقِدْ … تَنْكِيرَهُ مَعنىً كَوَحْدَكَ اجْتَهِدْ
(الذي وعدته) صفة بعد صفة للمقام، ويجوز نصبه بتقدير أمدح، أو أعني، ورفعه، بتقدير هو. وزاد في رواية البيهقي «إنك لا تخلف الميعاد»، وهي زيادة شاذّة، سيأتي الكلام عليها.
قال الطيبي: المراد بذلك قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]. وأطلق عليه الوعد، لأن عسى من الله واقع، كما صح عن ابن عيينة، وغيره.
قال ابن الجوزي -﵀-: والأكثر على أن المراد بالمقام المحمود الشفاعة، وقيل: إجلاسه على العرش، وقيل: على الكرسي. وحَكَى كُلًا من القولين عن جماعة.
قال في «الفتح»: وعلى تقدير الصحة لا ينافي الأول، لاحتمال أن يكون الإجلاس علامة الإذن في الشفاعة، ويحتمل أن يكون المراد بالمقام المحمود الشفاعة، كما هو مشهور، وأن يكون الإجلاس هي المنزلة المعبر عنها بالوسيلة، أو الفضيلة. ووقع في صحيح ابن حبان من حديث كعب بن مالك مرفوعًا «يبعث الله الناس، فيكسوني ربي
حلة خضراء، فأقول: ما شاء الله أن أقول، فذلك المقام المحمود».
ويظهر أن المراد بالقول المذكور هو الثناء الذي يقدمه بين يدي الشفاعة، ويظهر أن المقام المحمود هو مجموع ما يحصل له في تلك الحالة، ويشعر قوله في آخر الحديث «حلت له شفاعتي» بأن الأمر المطلوب له الشفاعة. والله أعلم. انتهى فتح جـ ٢ ص ١١٣ - ١١٤.
وذكر العلامة القرطبي رحمه الله تعالى عند قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]: ما حاصله:
اخْتُلِفَ في المقام المحمود على أربعة أقوال:
الأول: وهو أصحها: الشفاعة للناس يوم القيامة؛ قاله حذيفة بن اليمان، وابن عمر - ﵃ -.
وفي «صحيح البخاري» عن ابن عمر، قال: إن الناس يصيرون يوم القيامة جُثًا -أي جماعة- كل أمة تتبع نبيها، تقول: يا فلان اشفع، حتى تنتهي الشفاعة إلى النبي - ﷺ -، فذلك يوم يبعثه الله المقام المحمود.
وفي «صحيح مسلم» عن أنس، قال: حدثنا محمد - ﷺ -، قال: «إذا كان يوم القيامة ماج الناس بعضهم إلى بعض، فيأتون آدم، فيقولون له: اشفع لذريتك، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بإبراهيم ﵇، فإنه خليل الله، فيأتون إبراهيم، فيقول: لست
لها، ولكن عليكم بموسى، فإنه كليم الله، فيؤتى موسى، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بعيسى، فإنه روح الله وكلمته، فيؤتى عيسى، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بمحمد - ﷺ -، فأوتى، فأقول: أنا لها»، وذكر الحديث.
وذكر الترمذي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ - في قوله: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، وسئل عنها؟ قال: «هي الشفاعة». قال: هذا حديث حسن صحيح.
القول الثاني: أن المقام المحمود: إعطاؤه لواء الحمد يوم القيامة.
قال القرطبي: وهذا القول لا تنافر بينه وبين الأول؛ فإنه يكون بيده لواء الحمد، ويشفع. روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ؛ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي». وهو حديث صحيح.
القول الثالث: ما حكاه الطبري عن فرقة، منها مجاهد، أنها قالت: المقام المحمود هو أن يجلس الله تعالى محمدًا - ﷺ - معه على الكرسي؛ وروت في ذلك حديثًا، وعضد الطبري جواز ذلك بشطط من القول، وهو لا يخرج إلا على تلطف في المعنى، وفيه بعد، ولا ينكر مع ذلك أن يروى، والعلم يتأوله .
وذكر النقاش عن أبي داود السجستاني أنه قال: من أنكر هذا
الحديث فهو عندنا متهم، مازال أهل العلم يتحدثون بهذا، من أنكر جوازه على تأويله؟.
قال أبو عمر: ومجاهد وإن كان أحد الأئمة بتأويل القرآن، فإنَّ له قولين مهجورين عند أهل العلم: أحدهما هذا، والثاني: في تأويل قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]. قال: تنتظر الثواب؛ ليس من النظر.
وروي عن مجاهد أيضًا في هذه الآية قال: يجلسه على العرش.
وهذا تأويله غير مستحيل؛ لأن الله تعالى كان قبل خلقه الأشياء كلها، والعرشَ قائمًا بذاته، ثم خلق الأشياء من غير حاجة إليها، بل إظهارًا لقدرته وحكمته، وليُعرَف وجودُه وتوحيده، وكمال قدرته وعلمه بكل أفعاله المحكمة، وخلق لنفسه عرشًا استوى عليه كما شاء من غير أن صار له مماسًا، أو كان العرش له مكانًا، قيل: هو الآن على الصفة التي كان عليها من قبل أن يخلق المكان والزمان؛ فعلى هذا القول سواء في الجواز أقْعَدَ محمدًا على العرش، أو على الأرض؛ لأن استواء الله تعالى على العرش ليس بمعنى الانتقال والزوال، وتحويل الأحوال من القيام والقعود والحال التي تشغل العرش، بل هو مستوٍ على عرشه كما أخبر عن نفسه بلا كيف، وليس إقعاده محمدًا - ﷺ - على العرش موجبًا له صفة الربوبية، أو مخرجًا له عن صفة العبودية، بل هو رفع لمحله، وتشريف له على خلقه.
وأما قوله في الأخبار «معه» فهو بمنزلة قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] و﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١]، ﴿وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: ٦٩]، ونحو ذلك، كل ذلك عائد إلى الرتبة والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة، لا إلى المكان.
القول الرابع: إخراجه من النار بشفاعته من يخرج؛ قاله جابر ابن عبد الله، وأنس بن مالك - ﵃ -.
أخرج مسلم في الصحيح عن يزيد الفَقِير، قال: كنت قد شغفني رأي من رأي الخوارج، فخرجنا في عصابة ذوي عدد نريد الحج، ثم نخرج على الناس، فمررنا على المدينة، فهذا جابر بن عبد الله ﵄ يحدث الناس أو القوم إلى سارية عن رسول الله - ﷺ -، قال: وإذا هو قد ذكر الجهنميين، قال: فقلت له: يا صاحب رسول الله، ما الذي تحدثون؟ والله تعالى يقول: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، و﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [السجدة: ٢٠]، فما هذا الذي تقولون؟ قال: أتقرأ القرآن؟ فقلت: نعم، فقال: هل سمعت بمقام محمد - ﷺ -، يعني الذي يبعثه الله ﷿ فيه؟ قلت: نعم، قال: فإنه مقام محمد - ﷺ - الذي يخرج الله به من يخرج. وذكر الحديث.
وفي «صحيح البخاري» من حديث أنس - ﵁ -، عن
النبي - ﷺ -، وفيه: وقد سمعته يقول: «فأخرجهم، وأدخلهم الجنة حتى ما يبقى في النار إلا من حبسه القرآن» أي وجب عليه الخلود، قال: ثم تلا هذه الآية: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩]، قال: هو المقام المحمود الذي وُعِدَه نبيكم - ﷺ -.
انتهى من «تفسير القرطبي» جـ ١٠ ص ٣١١ - ٣١٢، بزيادة من تذكرته ص ٢٨٥ - ٢٨٦.
قال الجامع عفا الله عنه: القول الراجح عندي تفسير المقام المحمود بالشفاعة، كما صححه القرطبي، وقبله ابن جرير الطبري، لصحته مرفوعًا إلى رسول الله - ﷺ -، حيث سئل عن معنى الآية، فقال: «هي الشفاعة» كما تقدم في رواية الترمذي، وأما ما نقل عن مجاهد وغيره من أنه يجلسه على العرش أو الكرسي، وإن كان معناه لا يستبعد، كما ذكره ابن جرير والقرطبي، فالشأن في صفته، فإن صح مرفوعًا فذاك، وإلا فلا ينبغي حمل معنى الآية عليه. والله أعلم.
(إِلا حلت له شفاعتي يوم القيامة) أي وجبت له، كما في رواية الطحاوي، أو استحقها، واللام بمعنى «على» ويؤيده رواية مسلم «حلت عليه». وتقدم الكلام بأتم من هذا في الباب السابق، فارجع إليه تزدد علمًا.
تنبيه:
رواية المصنف، وأبي داود، والترمذي «إلا حلت له» بإثبات «إلا»، ورواية البخاري، وهي التي في «الكبرى» للمصنف بدونها، وهي واضحة.
وأما روايتهم ففيها إشكال؛ لأن أول الكلام «من قال» وهو شرطية، و«حلت» جوابها، ولا يقترن جزاء الشرط بإلا.
والجواب عن هذا الإشكال أن يحمل الكلام على معنى الاستفهام الإنكاري، فتكون «من» في قوله «من قال» استفهامية للإنكار، فيرجع إلى النفي، و«قال» بمعنى يقول، أي ما من أحد يقول ذلك إلا حلت له شفاعتي، ومثله قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقوله: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، وأمثاله كثيرة. انظر شرح السيوطي والسندي في هذا المحل جـ ٢ ص ٢٨. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - هذا أخرجه البخاري.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٦٨٠) و«الكبرى» (١٦٤٤) و«عمل اليوم والليلة» (٤٦) عن أبي سعيد، عمرو بن منصور النسائي، عن علي بن عياش، عن شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عنه. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه. فأخرجه البخاري في «الصلاة» ١٥٩، وفي «التفسير» عن علي بن عياش الحمصي، به. وأبو داود في «الصلاة» عن أحمد بن حنبل، عن علي بن عياش به. والترمذي فيه عن محمد بن سهل بن عسكر، وإبراهيم بن يعقوب الجُوزَجانِي، وابن ماجه فيه عن محمد بن يحيى، والعباس بن الوليد الخلال، ومحمد بن أبي الحسين السِّمْنَانِي- كلهم عن علي بن عياش به.
وأخرجه أحمد (٣/ ٣٥٤) عن علي بن عياش به، وابن خزيمة رقم (٤٢٠) عن موسى بن سهل الرملي، عن علي بن عياش به. انظر «تحفة الأشراف» جـ ٢ ص ٣٦٧، و«الجامع المسند» جـ ٣ ص ٤٦٢ - ٤٦٣.
المسألة الرابعة: قد تقدم الإشارة إلى زيادة رواية البيهقي -﵀-، ودونك نصه في السنن الكبرى جـ ١ ص ٤١٠، قال -﵀-: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو نصر أحمد بن علي بن أحمد الفامي،
قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن عوف، ثنا علي بن عياش، ثنا شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من قال حين يسمع النداء: اللهم إني أسألك بحق هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة، والفضيلة، وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، إنك لا تخلف الميعاد، حلت له شفاعتي».
فهذه الرواية فيها زيادة «اللهم إني أسألك بحق هذه الدعوة» في أوله، و«إنك لا تخلف الميعاد» في آخره، والظاهر أنها زيادة شاذَّة،
لمخالفة محمد بن عوف الجماعة الذين روو الحديث عن علي بن عياش كما قدمنا بيانهم في المسألة الثالثة. والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة: في بيان بعض بدع الأذان:
اعلم أن البدع في هذا الباب كثيرة، وقد ألف بعض الأفاضل من أهل عصرنا كتابًا في الأذان فأجاد، وتكلم فيه عن كثير من بدع الأذان والإقامة، وما يتعلق بهما، فأفاد، شكر الله سعيه.
فمنها: زيادة محمد رسول الله - ﷺ - في آخر الإجابة، فإنه مخالف لحديث «فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي»، فالسنة أن يقول مثل قول المؤذن، ثم يصلي، ثم يدعو بالوسيلة، ولا يقول: لا
إله إلا الله، محمد رسول الله لعدم ورده في السنة.
ومنها: زيادة سيدنا وحبيبنا، ونحو ذلك في تشهد الأذان والإقامة، فليس له أصل في السنة.
ومنها: التمطيط والتغني بالأذان، بحيث يؤدي إلى تغيير بعض الكلمات بالزيادة أو النقصان، أو المد في غير محله، أو إبدال حرف
بحرف آخر.
ومنها: الأذان جماعة، كما يقع في بعض البلدان، قيل: أول من أحدثه هشام بن عبد الملك.
ومنها: رفع المؤذن صوته بالصلاة على النبي - ﷺ - عقب الأذان.
ومنها: التثويب بين الأذان والإقامة، بأن يعود المؤذن، فيقول: حي على الصلاة، حي على الفلاح، أو الصلاة الصلاة، وقد تقدم استحسان بعض العلماء له، ولكن ليس عليه دليل.
ومنها: زيادة حي على خير العمل مرتين، فليس فيه حديث مرفوع صحيح، بل من فعل ابن عمر، وعلي بن الحسين زين العابدين، والحجة فيما ثبت عن النبي - ﷺ -، لا عن غيره.
ومنها: قولهم قبل الإقامة اللهم صل على محمد، ونحو ذلك.
ومنها: التسبيحات والأذكار والدعوات برفع الصوت قبل
الفجر.
ومنها: قراءة المؤذن يوم الجمعة إذا صعد الإمام المنبر آية ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] الآية، ثم حديث «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب فقد لغوت» فإن هذا ونحوه من المحدثات المنكرة.
ومنها: ترك إجابة المؤذن، والتشاغل بغيره.
ومنها: زيادة والدرجة الرفيعة، أو العالية، أو برحمتك يا أرحم الراحمين، ونحو ذلك في الدعاء بالوسيلة.
ومنها: قولهم: اللهم اجعلنا مفلحين عند قول المؤذن: حي على الفلاح، ففيه حديث لا يثبت، بل حكم عليه بعضهم بأنه موضوع.
ومنها: قولهم عند سماع تكبيرة الأذان: الله أعظم، والعزة لله، أو الله أكبر على كل من ظلمنا، أو نحو ذلك.
ومنها: تقبيل ظفري الإبهام، ومسح العينين بهما قائلًا قرّت بك عيني يا رسول الله، أو نحو ذلك، معتقدًا بأن فاعله لا يرمد، فلا أصل له، وما يروى فيه فهو موضوع.
ومنها: قولهم عند سماع الأذان: مرحبًا بالصلاة أهلًا، مرحبًا بالقائل عدلًا، إلخ، فيما يروى فيه عن علي فهو موضوع.
ومنها: قولهم بعد انتهاء الأذان: اللهم صل أفضل صلواتك على أسعد مخلوقاتك، إلخ.
ومنها: قولهم عند إجابة الأذان، أو الإقامة: نعم لا إله إلا الله.
ومنها: قولهم: أقامها الله وأدامها عند سماع قد قامت الصلاة، وبعضهم يزيد: واجعلني من صالحي أهلها، أو نحو ذلك، فكل هذا
ونحوه لا أصل له في السنة الصحيحة.
وبالجملة، فالبدع في هذا الباب أكثر من أن تحصر، ومما يزيد الأمر صعوبة أن هذه المبتدعات ونحوها توجد في كتب بعض أهل العلم من الفقهاء ونحوهم، فيتلقاها العوام بالقبول، حتى لو ذَكَّرْتَهُ بكونها بدعة قال: إنها توجد في كتب مذهبنا، فلا يتراجع عنها. فالله المستعان على من أمات السنة، وأَحْيَى البدعة، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فالواجب على المسلم الحريص على دينه أن يبحث عما صح عن رسول الله - ﷺ - من القول، والفعل، مما أثبته أهل النقل بالأسانيد الصحيحة، فيتمسك به، ويعض عليه بناجذيه حتى يموت، فإن الخير كله فيه. فماذا بعد الحق إلا الضلال، نسأل الله تعالى أن يهدينا الصراط المستقيم، ويجنبنا البدع ما ظهر منها وما بطن، إنه بعباده رءوف رحيم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
٣٩ - الصَّلاةُ بَيْنَ الأذَانِ وَالإقَامَةِ
أي هذا باب ذكر الحديثين الدالين على مشروعية الصلاة بين الأذان والإقامة.
وأراد المصنف رحمه الله تعالى بهذا الإشارة إلى أنه لا ينبغي الوصل بين الأذان والإقامة، بل لابد من الفصل، لأن المقصود من تشريع الأذان تنبيه الناس ليجتمعوا لأداء الصلاة جماعة، فإذا لم يفصل بينهما فات المطلوب، لأن كثيرًا من الناس لا يتهيأون للصلاة قبل الوقت، ولا سيما أصحاب الأشغال، فنبه المصنف على أن الفصل يكون بما ثبت عن النبي - ﷺ - من الصلاة بينهما.
وإنما عدل عن إيراد ما روي من صريح الأمر بذلك إلى ما ذكره لعدم صحة شيء منه.
فقد أخرج الترمذي، والحاكم بإسناد ضعيف، من حديث جابر - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - قال لبلال: «اجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله، والشارب من شربه، والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته».
قال الحافظ -﵀-: وله شاهد من حديث أبي هريرة، ومن حديث سلمان، أخرجهما أبو الشيخ، ومن حديث أبَيّ بن كعب، أخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند، وكلها واهية.