٦٨٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، عَنْ شُعَيْبٍ، عَنِ اللَّيْثِ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ أَنَّ كُرَيْبًا مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قُلْتُ: كَيْفَ كَانَتْ صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - بِاللَّيْلِ؟ فَوَصَفَ «أَنَّهُ صَلَّى إِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً بِالْوِتْرِ، ثُمَّ نَامَ حَتَّى اسْتَثْقَلَ، فَرَأَيْتُهُ يَنْفُخُ، وَأَتَاهُ بِلَالٌ، فَقَالَ: الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَامَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَصَلَّى بِالنَّاسِ وَلَمْ يَتَوَضَّأْ».
رجال هذا الإسناد: ثمانية
١ - (محمد بن عبد الله بن عبد الحكم) بن أعين المصري الفقيه، ثقة، توفي سنة ٢٦٨، وله ٨٦ سنة، من [١١] أخرج له النسائي، تقدم في ١٦٦.
٢ - (شعيب) بن الليث بن سعد، أبو عبد الملك المصري، ثقة نبيل فقيه، توفي سنة ١٩٩، وله ٦٤ سنة، من كبار [١٠] تقدم في ١٦٦. أخرج له مسلم وأبو داود والنسائي.
٣ - (الليث) بن سعد بن عبد الرحمن، أبو الحارث الفهمي مولاهم المصري، ثقة ثبت فقيه إمام مشهور، توفي سنة ١٧٥، من
[٧] أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٥.
٤ - (خالد) بن يزيد الجُمَحِيّ، ويقال: السَّكْسَكِيُّ، أبو عبد الرحيم المصري، مولى ابن الصبيغ، ثقة فقيه، توفي سنة ١٣٩، من [٦].
قال ابن يونس: كان فقيهًا مفتيًا. وقال أبو زرعة، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال العجلي: ثقة. وقال يعقوب
ابن سفيان: مصري ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. أخرج له الجماعة.
٥ - (ابن أبي هلال) هو سعيد بن أبي هلال، الليثي مولاهم، أبو العلاء المصري، قيل: مدني الأصل، وقيل: بل نشأ بها، صدوق، من [٦].
قال أبو حاتم: لا بأس به. وقال ابن سعد: كانث ثقة، إن شاء الله. وقال الساجي: صدوق، كان أحمد يقول: ما أدري أي شيء
يخلط في الأحاديث.
وقال العجلي: مصري ثقة. ووثقه ابن خزيمة، والدارقطني، والبيهقي، والخطيب، وابن عبد البر، وغيرهم. وقال ابن حزم: ليس بالقوي. وقال الحافظ: ولعله اعتمد على قول الإمام أحمد فيه.
وقال ابن يونس: ولد بمصر سنة ٧٠، ونشأ بالمدينة، ثم رجع إلى مصر في خلافة هشام، قال: ويقال: توفي سنة ١٣٥. وقال غيره: توفي سنة ١٣٣، وقال ابن حبان في الثقات: توفي سنة ١٤٩، وقال مسعود الحارثي: إن اسم أبي هلال والد سعيد هذا مرزوق. أخرج له الجماعة.
٦ - (مخرمة بن سليمان) الأسدي الوالِبِي -بكسر اللام والموحدة- المدني، ثقة، من [٥].
قال الدوري عن ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن سعد: كان قليل الحديث.
وقال الواقدي: قتلته الحرورية بقُدَيدٍ سنة ١٣٠، وهو ابن ٧٠ سنة. أخرج له الجماعة.
٧ - (كريب مولى ابن عباس) هو ابن أبي مسلم الهاشمي مولاهم المدني، أبو رِشدين، ثقة، توفي سنة ٩٨، من [٣] أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٥٣.
٨ - (ابن عباس) عبد الله الحبر البحر رضي الله تعالى عنه، تقدم في ٣١. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من ثمانيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات.
ومنها: أنه مسلسل بالفقهاء.
ومنها: أنهم اتفق الأئمة بالرواية لهم، إلا شيخه، فمن أفراده، وشعيبًا، فمن أفراده، ومسلم، وأبي داود.
ومنها: أنهما إلى ابن أبي هلال مصريون، والباقون مدنيون.
ومنها: أن فيه رواية الابن عن أبيه، ورواية تابعي عن تابعي.
ومنها: أن فيه ابن عباس أحد العبادلة الأربعة، وأحد المكثرين السبعة، روى (١٦٩٦) حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن مخرمة بن سليمان، أن كريبًا مولى ابن عباس أخبره) أي مخرمة (قال: سألت ابن عباس) - ﵄ - (قلت: كيف كانت صلاة رسول الله - ﷺ - بالليل) جملة قلت: تفسير لقوله: سألت (فوصف) ابن عباس (أني) أي النبي - ﷺ - (صلى إِحدى عشرة ركعة بالوتر) أي مع الوتر.
فإن قيل: هذه الرواية تخالف روايات الأكثرين لحديث ابن عباس - ﵄ -، فإن فيها أنه «صلى ثلاث عشرة ركعة».
أجيب بأنها لا تخالف لإمكان الجمع بحمل هذه الرواية على غير الركعتين الخفيفتين اللتين كان يفتتح بهما صلاة الليل، لما في رواية
أبي داود، وغيره «فصلى ركعتين خفيفتين، قلت: قرأ فيهما بأم القرآن في كل ركعة، ثم سلم، ثم صلى، حتى صلى إحدى عشرة ركعة بالوتر». . . الحديث، فتبين أن رواية ثلاث عشرة بعَدِّ هاتين الركعتين، ورواية إحدى عشرة بإسقاطهما.
وسيأتي ذكر اختلاف الروايات في حديث ابن عباس، وحديث عائشة - ﵃ -، في صلاته - ﷺ - في الليل، والجمع بينهما في كتاب قيام الليل إن شاء الله تعالى.
(ثم نام، حتى استُثْقِلَ) بالبناء للمفعول: أي حتى غلبته الثَّقْلَة، وهي بفتح، فسكون: النَّعْسَة الغالبة، قال ابن منظور: والثَّقْلَة -بالفتح- نَعْسَة غالبة، والمُسْتَثْقَلُ: الذي أثقله النوم وهي الثَّقْلَةُ. انتهى المراد منه.
(فرأيته ينفخ) بضم الفاء، من باب قتل، وفي رواية «وكان إذا نام نفخ» (وأتاه بلال) ولأبي داود «فأتاه» بالفاء (فقال: الصلاة يا رسول الله) بنصب الصلاة بفعل مقدر، أي احضر الصلاة، أو بالرفع مبتدأ حذف خبره، أي الصلاة قريبة القيام، أو فاعلًا لمحذوف، أي حانت الصلاة.
وهذا موضع استدلال المصنف رحمه الله تعالى، حيث إن بلالًا - ﵁ - أعلم النبي - ﷺ - بالصلاة بعد الأذان، فيشرع إعلام الأئمة عند إرادة الإقامة للصلاة تنبيهًا لهم.
وروي أن عمر - ﵁ - أنكر على أبي محذورة دعاءه إياه إلى الصلاة.
أخرج ابن المنذر -﵀- بسنده عن مجاهد، قال: لما قدم عمر مكة أتاه أبو محذورة، وقد أذن، فقال: الصلاة يا أمير المؤمنين، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، فقال: ويحك أمجنون أنت، أما كان في دعائك الذي دعوتنا ما نأتيك حتى تأتينا».
وقال الأوزاعي: وسئل عن تسليم المؤذن على الأمير؟ فقال: أول من فعله معاوية، وأقره عمر بن عبد العزيز، وإني لأكرهه؛ لأنه مفسدة لقلوبهم، وكان المؤذنون يأتون عمر بن عبد العزيز فيقولون: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، حي على الصلاة، حى على الفلاح، الصلاة يرحمك الله. وقال مالك: لم يبلغني أن التسليم كان في الزمان الأول. انتهى.«الأوسط»جـ ٣ ص ٥٧.
قال الجامع عفا الله عنه: الحق أن إعلام الإمام بالصلاة عند إرادة الإقامة جائز إذا دعت الحاجة، لأنه قد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن المؤذن كان يعلم النبي - ﷺ -، كحديث الباب وغيره. والله أعلم.
(فقام) النبي - ﷺ - (فصلى ركعتين) وفي رواية«ركعتين خفيفتين». وهما ركعتا الفجر.
(وصلى بالناس) ولأبي داود«ثم صلى بالناس»، أي صلى الصبح جماعة.
(ولم يتوضأ) لأن وضوءه لا ينتقض بالنوم، قال في الفتح: فيه دليل على أن النوم ليس حديثًا، بل مظنة الحدثة؛ لأنه - ﷺ - كان تنام عينه، ولا ينام قلبه، فلو أحدث لعلم بذلك، ولهذا كان ربما توضأ إذا قام من النوم، وربما لم يتوضأ.
قال الخطابي -﵀-: وإنما منع قلبه النوم ليعي الوحي الذي يأتيه في منامه. انتهى. جـ ١ جـ ٢٨٨ - ٢٨٩. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس - ﵄ - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٦٨٦) و«الكبرى» (١٦٥٠) عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب بن الليث، عن أبيه، عن خالد بن يزيد الجمحي، عن سعيد بن أبي هلال، عن مخرمة بن سليمان، عن كريب عنه.
و(١٦٢٠) عن محمد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك، عن مخرمة، به. وفي «الكبرى» في «الصلاة» عن قتيبة، عن
مالك به. وأعاده في «التفسير». أفاده في «تحفة الأشراف» جـ ٥ ص ٢١٠. والله أعلم.
(الثالثة) فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي في «شمائله»، وابن ماجه.
فأخرجه البخاري في «الطهارة» (٣٧) عن إسماعيل بن أبي أويس - وفي أواخر «الصلاة» (٥٢١) عن عبد الله بن يوسف- وفي الوتر (٢/ ٣٩١)، عن القعنبي، وفي «التفسير» (٣/ ٢٠) عن قتيبة و(٣/ ١٨) عن علي بن عبد الله، عن ابن مهدي و(٣/ ١٩) معن بن عيسى -فرقهما- ستتهم عن مالك، عن مخرمة به. وفي «الصلاة» أيضًا (٢٠٩) عن أحمد، عن ابن وهب، عن عمرو، عن عبد ربه بن سعيد، عنه به، زاد فيه: قال عمرو: فحدثت به بكيرًا، فقال: حدثني كريب بذلك.
ومسلم في «الصلاة» عن يحيى بن يحيى، عن مالك به. وعن هارون بن سعيد، عن ابن وهب به. وعن محمد بن سلمة عن ابن وهب، عن عياض بن عبد الله و(٥/ ١٣٤) عن محمد بن رافع، عن ابن أبي فديك، عن الضحاك بن عثمان كلاهما عنه به.
وأبو داود فيه (٣٤/ ٣١٧) عن القعنبي به. و(٣١/ ٣١٧) عن عبد الملك بن شعيب بن الليث بن سعد، عن أبيه، عن جده به.
والترمذي في «شمائله» (٥/ ٤١) عن قتيبة به. و(٥/ ٤١) عن إسحاق بن موسى، عن معن به.
وابن ماجه فيه (٦/ ٢٢٠) عن أبي بكر بن خلاد، عن معن به.
وأخرجه مالك في «الموطأ»، وأحمد، وابن خزيمة، والحميدي. والله أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما بوب عليه المصنف، وهو مشروعية إيذان المؤذن الإمام بالصلاة عند إرادة الإقامة لها.
ومنها: ما كان عليه السلف من تتبع أحوال النبي - ﷺ -، والسؤال عنها ليتبعوه؛ لأن الهداية في اتباعه، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨].
ومنها: استحباب صلاة الليل، ومنها الوتر.
ومنها: بيان أنه - ﷺ - كان إذا نام ينفخ.
ومنها: أن نومه - ﷺ - لا ينتقض به وضوءه؛ لكونه لا ينام قلبه.
وبقية مباحث الحديث تأتي في محلها من كتاب قيام الليل، إن شاء الله تعالى.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.