٤٢ - إِقَامَةُ المُؤَذِّنِ عِنْدَ خُرُوجِ الإِمَامِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على مشروعية إقامة المؤذن للصلاة عند خروج الإمام من حجرته، والمراد به حضوره إلى محل الصلاة، والحكمة في ذلك التخفيف على المأمومين، إذ لو قاموا قبل حضور الإمام لطال عليهم الانتظار، وهم وقوف. والله تعالى أعلم.
٦٨٧ - أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ حُرَيْثٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي خَرَجْتُ».
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (الحسين بن حريث) الخزاعي، أبو عمار المروزي، ثقة، توفي سنة ٢٤٤، من [١٠] تقدم في ٥٢.
٢ - (الفضل بن موسى) السِّيناني، أبو عبد الله المروزي، ثقة ثبت ربما أغرب، توفي سنة ١٩٢، من كبار [٩] تقدم في ١٠٠.
٣ - (معمر) بن راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة البصري،
نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل، توفي سنة ١٥٤، من كبار [٧] تقدم في ١٠.
٤ - (يحيى بن أبي كثير) الطائي مولاهم، أبو نصر اليمامي، ثقة ثبت، لكنه يدلس ويرسل، توفي سنة ١٣٢، من [٥] تقدم في ٢٤.
٥ - (عبد الله بن أبي قتادة) الأنصاري المدني، ثقة، توفي سنة ٩٥، من [٢] تقدم في ٢٤.
٦ - (أبو قتادة) الأنصاري السَّلَمِي واسمه الحارث بن رِبْعِي، وقيل: غير ذلك، صحابي شهد أحدًا وما بعدها، ولم يشهد بدرًا، توفي سنة ٥٤ على الأصح، - ﵁ -، تقدم في ٢٤. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف.
ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، اتفقوا عليهم، إلا شيخه، فلم يخرج له ابن ماجه.
ومنها: أنهم ما بين مروزيين، وهما الحسين والفضل، وبصريين، وهما معمر ويحيى، فمعمر بصري يماني، ويحيى يمامي بصري، ومدنيين، وهما أبو قتادة وابنه.
ومنها: أن فيه رواية الراوي عن أبيه؛ عبد الله، عن أبي قتادة، ورواية تابعي عن تابعي؛ يحيى عن عبد الله. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عبد الله بن أبي قتادة) قال في الفتح: وصرح أبو نعيم في المستخرج من وجه آخر عن هشام -يعني الدستوائي- أن يحيى كتب إليه أن عبد الله بن أبي قتادة حدثه، فأمن بذلك تدليس يحيى. انتهى.
(عن أبيه) الحارث بن ربعي - ﵁ -، أنه (قال: قال رسول الله - ﷺ -: إِذا أقيمت الصلاة) أي إذا ذكرت ألفاظ الإقامة، ونودي بها (فلا تقوموا حتى تروني) أي تبصروني (خرجت) أي من حجرته.
ولابن حبان من طريق عبد الرزاق «حتى تروني خرجت إليكم»؛ ولابد فيه من التقدير، أي لا تقوموا حتى تروني خرجت، فإذا رأيتموني خرجت فقوموا. قاله في عمدة القاري جـ ٥ ص ١٥٣.
وقال السندي: لعل النهي عن القيام لانتظار الإمام قائمًا، وأما القيام من مكان إلى آخر لأجل تسوية الصفوف ونحوه فغير منهي عنه.
ثم هذا الحديث يدل على جواز الإقامة قبل رؤية الإمام، فإدخاله في هذه الترجمة خفي، فليتأمل، والله أعلم. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: لا خفاء في إدخاله هنا؛ لأن بلالًا
- ﵁ - إنما يشرع في الإقامة إذا رأى النبي - ﷺ - قد خرج، قبل أن يراه الناس كلهم، فنهاهم النبي - ﷺ - عن القيام قبل أن يروه كلهم قد خرج، رفقًا بهم لئلا يطول القيام، ويبين هذا المعنى ما أخرجه مسلم من حديث جابر بن سمرة - ﵁ - «أن بلالًا كان لا يقيم حتى يخرج النبي - ﷺ -».
قال في الفتح: قال القرطبي: ظاهر الحديث -يعني حديث: «إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني» أن الصلاة كانت تقام قبل أن يخرج النبي - ﷺ - من بيته، وهو معارض لحديث جابر بن سمرة «أن بلالًا كان لا يقيم حتى يخرج النبي - ﷺ -» أخرجه مسلم.
ويجمع بينهما بأن بلالًا كان يراقب خروج النبي - ﷺ -، فأول ما يراه يشرع في الإقامة، قبل أن يراه غالب الناس، ثم إذا رأوه قاموا، فلا يقوم في مقامه حتى تعتدل صفوفهم.
قال الحافظ: ويشهد له ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريج، عن ابن شهاب «أن الناس كانوا ساعة يقول المؤذن: الله أكبر، يقومون إلى الصلاة، فلا يأتي النبي - ﷺ - مقامه حتى تعتدل الصفوف».
وأما حديث أبي هريرة عند البخاري «أن رسول الله - ﷺ - خرج، وقد أقيمت الصلاة، وعدلت الصفوف»، ولفظ مسلم «أقيمت الصلاة، فقمنا، فعدلنا الصفوف قبل أن يخرج إلينا النبي - ﷺ -، فأتى، فقام مقامه» الحديث، وعنه في رواية أبي داود «إن الصلاة
كانت تقام لرسول الله - ﷺ -، فيأخذ الناس مقامهم قبل أن يجيء النبي - ﷺ -».
فيجمع بينه وبين حديث أبي قتادة بأن ذلك ربما وقع لبيان الجواز، وبأن صنيعهم في حديث أبي هريرة كان سبب النهي عن ذلك في حديث أبي قتادة، وأنهم كانوا يقومون ساعة تقام الصلاة، ولو لم يخرج النبي - ﷺ -، فنهاهم عن ذلك، لاحتمال أن يقع له شغل يبطئ فيه عن الخروج، فيشق عليهم انتظاره.
ولا يرد هذا حديث أنس - ﵁ -: أنه قام في مقامه طويلًا في حاجة بعض القوم، لاحتمال أن يكون ذلك وقع منه نادرًا، أو فعله لبيان الجواز. انتهى. فتح جـ ٢ ص ١٤٢. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث أبي قتادة - ﵁ - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٤٢/ ٦٨٦)، و«الكبرى» (٣٩/ ١٦٥١) عن الحسين ابن حريث، عن الفضل بن موسى، عن معمر، عن يحيى بن أبي
كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عنه. و(١٢/ ٧٩٠) و«الكبرى» (١٢/ ٨٦٥) عن علي بن حجر، عن هشيم، عن هشام الدستوائي،
وحجاج بن أبي عثمان، كلاهما عن يحيى بن أبي كثير به. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي، فأخرجه البخاري في «الصلاة» (١٧٣)، عن مسلم بن إبراهيم، عن هشام الدستوائي، قال: كتب إليّ يحيى بن أبي كثير. . . فذكره. و(١٧٤) عن أبي نعيم، عن شيبان، عن يحيى به. وقال: تابعه علي بن المبارك. و(٣/ ٣٣٤) عن عمرو بن علي، عن أبي قتيبة، عن علي بن المبارك، عن يحيى، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه -لا أعلمه إلا عن النبي - ﷺ -- به قال أبو مسعود: كذا في كتاب الفربري، وفي كتاب حماد بن شاكر عن البخاري: «عن عبد الله بن أبي قتادة، أراه عن أبيه».
ومسلم فيه (٢/ ٨٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن سفيان بن عيينة و(٢/ ٨٢) عن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس، وعبد الرزاق؛ ثلاثتهم عن معمر، و(٢/ ٨٢) عن إسحاق بن إبراهيم، عن الوليد بن مسلم، عن شيبان، و(٢/ ٨٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن إسماعيل ابن علية، عن حجاج بن أبي عثمان الصواف؛ ثلاثتهم عن يحيى بن أبي كثير به. و(١/ ٨٢) عن محمد بن حاتم، وعبيد الله بن سعيد، كلاهما عن يحيى بن سعيد القطان، عن حجاج الصواف، عن يحيى ابن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن (ح ١٢١٣٩) وعبد الله بن أبي قتادة، كلاهما عن أبي قتادة به.
وأبو داود فيه (١/ ٤٦) عن مسلم بن إبراهيم، وموسى بن إسماعيل، كلاهما عن أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة به. و(٢/ ٤٦) عن إبراهيم بن موسى، عن عيسى ابن يونس به. وفي المراسيل (١٠/ ١٢) عن أحمد بن صالح، عن يحيى بن حسان، عن حماد بن زيد، قال: كنت أنا، وجرير بن حازم عند ثابت البناني، فحدث حجاج بن أبي عثمان، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه، عن النبي - ﷺ -. . . فذكره، فظن جرير أنما حدث به ثابت، عن أنس.
والترمذي فيه (٢٩٨) عن أحمد بن محمد، عن ابن المبارك، عن معمر به. وقال: حسن صحيح. وأخرجه أحمد، وابن خزيمة، وابن
حبان، والبيهقي.
قال الجامع عفا الله عنه: في حديث الباب: أن المؤذن لا يقيم حتى يرى الإمام قد خرج للصلاة، لأن ذلك يؤدي إلى تطويل القيام على الناس انتظارًا له، وربما لا يكون مستعدًا، أو يعرض له عارض في طريقه، فيتأخر عليهم.
وسنذكر اختلاف أهل العلم في الوقت الذي يستحب أن يقوم الناس فيه إذا أقيمت الصلاة في «كتاب الإمامة» (١٢/ ٧٩٠) إن شاء الله تعالى.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
٨ - كتَاب المسَاجِد
أي هذا كتاب في ذكر الأحاديث الدالة على أحكام المساجد، وهو الكتاب الثامن من المجتبى. وقد تقدم الكلام على الكتاب.
وأما المساجد: فهو جمع مسجد، بفتح الجيم، وكسرها.
قال ابن منظور -﵀-: والمسجد -بفتح الجيم، وكسرها-: الذي يُسجَد عليه. وقال الزجاج: كل موضع يُتَعَبَّدُ فِيه، فهو مسجد -أي بالفتح والكسر- قال: وقد كان حكمه ألا يجيء عَلى مَفْعِلٍ -بكسر العين- ولكنه أحد الحروف التي شذت، فجاءت على مَفْعِلٍ.
قال سيبويه: وأما المسجد، فإنهم جعلوه اسمًا للبيت، ولم يأت على فَعَلَ يَفْعُلُ.
وقال ابن الأعرابي: مسْجَدٌ -بفتح الجيم-: محراب البيوت، ومُصلَّى الجماعات مَسْجِدٌ -بكسر الجيم-، والمساجد جمعهما.
وقال الجوهري: قال الفراء: كل ما كان على فَعَلَ، يَفْعُلُ -بفتح العين في الماضي، وضمها في المضارع- مثل دخل يدخل، فالْمَفْعَل منه بالفتح، اسمًا كان أو مصدرًا، ولا يقع فيه الفرق، مثل دَخَلَ مَدْخَلًا، وهَذَا مَدْخَلُهُ، إلا أحرفًا من الأسماء ألزموها كسر العين، من ذلك المَسْجِدُ، والمَطْلِعُ، والمشرِقُ، والمسقِط، والمفرِقُ، والمَجْزِرُ، والمَسْكِنُ، والمَرْفِقُ، والمَنْبِتُ، والمنسِكُ، فَجعلوا الكسر علامة
الاسم، وربما فتحه بعض العرب في الاسم، فقد روي مسكَن، ومسكِن، وسمع المسجِد، والمسجَد، والمطلِع، والمطلَع، قال: والفتح في كله جائز، وإن لم نسمعه. انتهى. المقصود. من اللسان جـ ٣ ص ١٩٤٠. والله تعالى أعلم.