٤ - فَضْلُ الصَّلاةِ فِي المَسْجِدِ الْحَرَامِ
أي هذا باب ذكر الحديث الدال على فضل الصلاة في المسجد الحرام.
والمسجد الحرام، والبيت الحرام، والبلد الحرام: أي لا يحل انتهاكه. قاله في «المصباح».
٦٩١ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَتْ: مَنْ صَلَّى فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَإِنّيِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «الصَّلَاةُ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ، إِلاَّ مَسْجِدَ الْكَعْبَةِ».
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، أبو رجاء، ثقة ثبت، من [١٠] تقدم في ١/ ١.
٢ - (الليث) بن سعد، أبو الحارث المصري، الإمام الحجة ثبت، من [٧] تقدم في ٣١/ ٣٥.
٣ - (نافع) العدوي مولى ابن عمر المدني، ثقة ثبت فقيه، من
[٣]، تقدم في ١٢/ ١٢.
٤ - (إِبراهيم بن عبد الله بن مَعْبَد بن عباس) بن عبد المطلب الهاشمي المدني، صدوق، من [٣].
روى عن أبيه، وعم أبيه: عبد الله بن عباس، وروى عن ميمونة.
وروى عنه نافع، وأخوه عباس بن عبد الله، وابن جريج. ذكره ابن حبان في الثقات في طبقة أتباع التابعين. وقال: قيل: إنه سمع من
ميمونة، وليس ذلك بصحيح عندنا. انتهى.
وقد أخرج البخاري في التاريخ بعد أن روى حديثه عن ميمونة، حديث نافع، عنه، عن ابن عباس، عن ميمونة. قال البخاري: ولا
يصح فيه عن ابن عباس.
فهذا مشعر لصحة روايته عن ميمونة عند البخاري، وقد علم مذهبه في التشدد في هذه المواطن.
وقد نبه المزي في الأطراف على أن روايته عن ميمونة بإسقاط ابن عباس ليس في صحيح مسلم.
أخرج له مسلم، وأبو داود، والمصنف، وابن ماجه.
قال الجامع عفا الله عنه: كتب في هامش (تت) على قول البخاري -﵀-: ولا يصح فيه عن ابن عباس: ما نصه: قد يكون مراد البخاري أنه منقطع؛ لأنه لم يصح فيه عن ابن عباس، فلا يرد
قول هؤلاء مع الاحتمال. انتهى. وسيأتي قريبًا تحقيق ما قالوه في هذا، إن شاء الله تعالى.
٥ - (ميمونة) بنت الحارث الهلالية، زوج النبي - ﷺ -، قيل: كان اسمها بَرَّةَ، فسماها النبي - ﷺ - ميمونة، وتزوجها بسَرِفَ، وماتت فيه سنة ٥١. على الصحيح، ودفنت في الظلة التي بني بها رسول الله - ﷺ -، تقدمت في ١٤٦/ ٢٣٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف.
ومنها: أنه رواته موثقون، اتفق الأئمة على التخريج لهم، إلا إبراهيم، فلم يخرج له البخاري، والترمذي.
ومنها: أنهم مدنيون، إلا شيخه، فبغلاني، والليث فمصري.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، نافع عن إبراهيم، وهو من رواية الأقران. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن إِبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس) هكذا نسخ «المجتبى»، هنا (٦٩١)، و(٢٨٩٨)، و«الكبرى» (٧٧٠) «معبد بن عباس»، وأشار في هامش الهندية إلى أنه وقع في بعض نسخ «المجتبى» «عن ابن عباس»
بزيادة «عن» قبل «ابن عباس».
فأما الأول ففيه أن إبراهيم روى هذا الحديث عن ميمونة ﵂.
وأما الثاني الذي وقع في بعض النسخ فإنه يدل على أن إبراهيم رواه عن ابن عباس عنها.
والذي وقع في بعض النسخ هو الذي في صحيح مسلم، وقد انتقده الحفاظ على مسلم، وصوبوا إسقاط ابن عباس من السند، وسأذكر ما قالوه مع الدفاع عنه في المسائل إن شاء الله تعالى.
(أن ميمونة زوج النبي - ﷺ -) - ﵂ - (قالت: من صلى في مسجد رسول الله - ﷺ -) هكذا نسخ المجتبى «من صلى» فعليه: فمن شرطية، حذف جوابها، لدلالة قولها: «فإني سمعت. . . إلخ» عليه، أي فصلاته أفضل. ولفظه في الكبرى «صَلِّ في مسجد الرسول - ﷺ -، فإني سمعت إلخ».
وفي الحديث قصة ساقها مسلم في صحيحه، من طريق إبراهيم بن عبد الله عن ابن عباس - ﵄ -، أنه قال: إن امرأة اشتكت شكوى، فقالت: إن شفاني الله لأخرجن فلأصلين في بيت المقدس، فبَرَأت، ثم تجهزت تريد الخروج، فجاءت ميمونة زوج النبي - ﷺ - تسلم عليها، فأخبرتها ذلك، فقالت: اجلسي فكلي ما صنعت، وصلي في مسجد الرسول - ﷺ -، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول. . . الحديث.
قال الجامع عفا الله عنه: وبهذا يتبين أن ما وقع في الكبرى من قوله «صل» بحذف الياء بصيغة أمر المذكر خطأ من النساخ، فإنه مختصر من القصة المذكورة، فصوابه «صلي» بالياء؛ لأنه أمر لتلك المرأة، فلا تحذف لأنها ضمير المؤنثة. والله أعلم.
(فإِني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: الصلاة فيه) أي في مسجده - ﷺ - (أفضل من ألف صلاة فيما سواه) وفي الرواية الآتية (٢٩٩٨)، والكبرى (٧٧٠)، وهي رواية مسلم «فيما سواه من المساجد» (إِلا مسجد الكعبة) هكذا هنا بالإضافة، وفي الرواية الآتية (٢٨٩٨)، والكبرى (٧٧٠) «إلا المسجد الكعبة» بتعريف المسجد أيضًا، وعليها فالكعبة بدل من المسجد.
والمراد بمسجد الكعبة الحرم كله على الراجح، فاستدلال بعضهم بهذه الرواية على تخصيص الفضل بما حول الكعبة فقط دون بقية الحرم غير صحيح، فإن هذه الرواية بمعنى الرواية الأخرى «إلا المسجد الحرام» إذ الكعبة تطلق على الحرم كله، بدليل قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] فإنه لا خلاف بين أهل العلم أن المراد بالكعبة الحرم كله، قال الحافظ ابن كثير -﵀-: أي واصلًا إلى الكعبة، والمراد وصوله إلى الحرم بأن يذبح هناك، ويفرق لحمه على مساكين الحرم، وهذا أمر متفق عليه في هذه الصورة. انتهى. جـ ٢ ص ١٠٣.
وقال القرطبي في تفسيره جـ ٦ ص ٣١٤: ولم يرد الكعبة بعينها،
فإن الهدي لا يبلغها، إذ هي في المسجد، وإنما أراد الحرم، ولا خلاف في هذا. انتهى.
فظهر بهذا أنه لا اختلاف بين الروايتين، إذ معناهما واحد، وهو الحرم كله، كما يأتي تحقيقه في المسائل، إن شاء الله تعالى.
فائدة:
قال ولي الدين العراقي -﵀-: واعلم أن للمسجد الحرام أربع استعمالات:
أحدها: نفس الكعبة، كقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤].
الثاني: الكعبة، وما حولها من المسجد، كقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١]، فالمراد نفس المسجد في قول أنس بن مالك، ورجحه الطبري، وفي الصحيح ما يدل له، وقيل: أسري به من بيت أم هانئ، وقيل من شعب أبي طالب، فيكون المراد على هذا في هذه الآية مكة.
الثالث: جميع مكة، ومنه قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [الفتح: ٢٧]، قال ابن عطية: وعظم القصد هنا إنما هو مكة.
الرابع: جميع الحرم الذي يحرم صيده، ومنه قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [التوبة: ٧]، وإنما كان عهدهم
بالحديبية، وهي من الحرم، وكذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قال ابن عباس - ﵄ -: إنه الحرم جميعه. انتهى. طرح جـ ٦ ص ٥٣.
قال الجامع: الحاصل أن استعمال المسجد الحرام للحرم كله أكثر، فتفطن.
ثم إنه قد اختلف العلماء في هذا الاستثناء على حسب اختلافهم في مكة والمدينة، أيهما أفضل؟ فعند الشافعي -﵀-: معناه إلا مسجد الكعبة، فإن الصلاة فيه، أفضل من الصلاة في مسجده - ﷺ -، وعند مالك -﵀-: إلا مسجد الكعبة، فإن الصلاة في مسجده - ﷺ - تفضله بدون الألف، والقول الأول أرجح، وسيأتي تمام تحقيق القول في هذا الموضوع، في المسائل، إن شاء الله تعالى، والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ميمونة - ﵂ - هذا أخرجه مسلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (٤/ ٦٩١)، و«الكبرى» (٥/ ٧٧٠) عن قتيبة، عن الليث، عن نافع، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس، عنها.
وفي «المناسك» (١٢٤/ ٢٨٩٨)، و«الكبرى» (١٢٤/ ٣٨٨١) عن
إسحاق ابن إبراهيم، ومحمد بن رافع، كلاهما عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن نافع، عن إبراهيم عنها. لكن في «الكبرى» في
«المناسك»: عن ابن عباس، كما تقدم التنبيه عليه. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه مسلم في «الحج» (٩٤/ ٩) عن قتيبة، ومحمد بن رمح، كلاهما عن ليث، عن نافع، عن إبراهيم بن عبد الله، عن ابن عباس،
وفيه قصة: إن امرأة اشتكت، فقالت: إن شفاني الله لأخرجن فلأصلين في بيت المقدس. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما بوب عليه المصنف، وهو فضل الصلاة في المسجد الحرام، وهل هو خاص بالمسجد أم يعم الحرم كله، فيه خلاف، يأتي
تحقيقه إن شاء الله تعالى.
ومنها: فضل الصلاة في مسجد رسول الله - ﷺ -، حيث إنه يضاعف على غيره بأكثر من ألف صلاة، إلا المسجد الحرام، وهل هو خاص بما كان مسجدًا في عهده، أم يعم الزائد بعده، فيه خلاف سيأتي تحقيقه أيضًا إن شاء الله تعالى.
ومنها: كون مكة أفضل من المدينة، حيث إن الصلاة فيها أفضل من الصلاة فيها، وهو رأي الجمهور، وخالف في ذلك مالك،
وسيأتي تحقيق القول في ذلك أيضًا، إن شاء الله تعالى.
ومنها: أن أصل الحديث فيه قصة، كما تقدم، وهي أن امرأة اشتكت شكوى، فنذرت إن شفاها الله أن تأتي المسجد الأقصى إلخ، فيؤخذ منه أن من نذر أن يصلي في أحد هذه المساجد الثلاثة لزمه الوفاء به، إلا إذا كان مكانه أفضل من مكان النذر، وإليه ذهب مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يلزمه، وله أن يصلي في أي محل شاء، وإنما يجب عنده المشي إلى المسجد الحرام إذا نذر حجًا أو عمرة.
والقول الأول هو الأرجح لهذا الحديث، ولما رواه أحمد، وأبو داود من حديث جابر - ﵁ -، أن رجلًا قال يوم الفتح: يا رسول الله، إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، فقال: «صل ها هنا»، فسأله؟ فقال: «صل ها هنا»، فسأله؟ فقال: «شأنك إذن»، ورواه أيضًا البيهقي، والحاكم، وصححه، وصححه أيضًا ابن دقيق العيد في الاقتراح. ولأحمد، وأبي داود أيضًا: عن بعض أصحاب النبي - ﷺ - بهذا الخبر، وزاد: «فقال النبي - ﷺ -:»والذي بعث محمدًا - ﷺ - بالحق لو صليت ها هنا لقضى عنك ذلك كل صلاة في بيت المقدس«.
قال الشوكاني -﵀-: سكت عنه أبو داود، والمنذري، وله طرق، رجال بعضها ثقات.
قال الجامع عفا الله عنه: فيؤخذ منه أنه لو كان غير مكة، ومثله
المدينة لم يقض عنه نذره، بل يجب الوفاء به.
وأما ما عدا المساجد الثلاثة فلا يتعين مكانًا للنذر، ولا يجب الوفاء به عند الجمهور. أفاده في«النيل» جـ ١ ص ٢٣٨ - ٢٤٠. والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة: في بيان الاختلاف الواقع في سند هذا الحديث:
قال الحافظ المزي -﵀- بعد ذكر ما تقدم: وهكذا ذكر أبو القاسم هذا الحديث في هذه الترجمة -يعني ترجمة إبراهيم بن عبد الله، عن ميمونة- وهكذا وقع في بعض النسخ من كتاب أبي مسعود. وهكذا ذكر أبو بكر بن منجويه في ترجمة إبراهيم بن عبد الله ابن معبد من رجال مسلم: أنه يروي عن ميمونة في الحج.
وكذلك رواه النسائي عن قتيبة- لم يذكر فيه: «عن ابن عباس» وهو في أول كتاب المساجد من السنن، وكل ذلك وَهَمٌ ممن قاله -والله يغفر لنا ولهم- وهو في عامة النسخ من صحيح مسلم: «عن ابن عباس عن ميمونة».
وكذلك ذكره خلف في ترجمة ابن عباس عن ميمونة، وكذلك وقع في بعضى النسخ من كتاب أبي مسعود في ترجمة ابن عباس، عن
ميمونة.
وكذلك حديث ابن جريج عند النسائي، هو في جميع النسخ «عن ابن عباس، عن ميمونة»، ولفظه عن ابن جريج، سمعت نافعًا
يقول: حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن معبد، أن ابن عباس، حدثه أن ميمونة زوج النبي - ﷺ - قالت»، وهذا لفظ صريح في أن الحديث«عن إبراهيم، عن ابن عباس، عن ميمونة»، لا عن إبراهيم عن ميمونة، والله أعلم. انتهى. تحفة الأشراف جـ ١٢ ص ٤٨٥ - ٤٨٦.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: وهَم ممن قاله. . . إلخ، سيأتي توهيم ما صوبه المزي في كلام الدارقطني، وغيره قريبًا.
وقوله: وكذا حديث ابن جريج عند النسائي إلخ، فيه نظر، فإن هذا ليس في جميع نسخ النسائي«الصغرى»و«الكبرى»، بل هذا في المناسك، من«الكبرى»(١٢٤/ ٣٨٨١) فقط، وأما في«المجتبى»فهو عن إبراهيم، عن ميمونة، في«المساجد»(٤/ ٦٩١)، و«المناسك»(٢٨٩٨/ ١٢٤) ومثله في«المساجد»من«الكبرى»(٤/ ٧٧٠) فتنبه. والله أعلم.
وكتب الحافظ -﵀- في النكت الظراف، على كلام الحافظ المزي المذكور: ما نصه: قلت: رويناه في جزء أبي الجهم، عن الليث ليس فيه«ابن عباس». وكذا أخرجه أحمد (في مسنده جـ ٦ ص ٣٣٤) عن علي بن إسحاق، عن ابن المبارك، عن ابن جريج. وكذا أخرجه الطحاوي من رواية أبي عاصم، عن ابن جريج، ومن رواية ابن وهب، عن الليث- ليس في شيء منهما«ابن عباس». انتهى. جـ ١٢ ص ٤٨٥.
قال الجامع: والحديث في صحيح مسلم بنسخة شرح النووي
هكذا: حدثنا قتيبة بن سعيد، ومحمد بن رمح، جميعًا عن الليث بن سعد، عن نافع، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن ابن عباس، أنه قال: إن امرأة اشتكت شكوى. . . الحديث.
قال النووي -﵀-: هذا الحديث مما أنكر على مسلم بسبب إسناده، قال الحفاظ: ذِكْرُ ابن عباس فيه وهم، وصوابه«عن إبراهيم بن عبد الله، عن ميمونة»هكذا هو المحفوظ، من رواية الليث، وابن جريج، عن نافع، عن إبراهيم بن عبد الله عن ميمونة« من غير ذكر ابن عباس، وكذلك رواه البخاري في صحيحه، عن الليث، عن نافع، عن إبراهيم، عن ميمونة، ولم يذكر ابن عباس.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: وكذلك رواه البخاري في صحيحه. . . إلخ، لم أر أحدًا نص على أن البخاري أخرج حديث ميمونة هذا في صحيحه، غير كلام النووي هذا، فليحرر. والله أعلم.
قال الدارقطني في كتاب العلل: وقد رواه بعضهم، عن ابن عباس، عن ميمونة، وليس يثبت. وقال البخاري في تاريخه الكبير جـ ١ ص ٣٠٢ - ٣٠٣: إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن العباس بن عبد المطلب، عن أبيه، وميمونة، وذكر حديثه هذا من طريق الليث، وابن جريج، ولم يذكر فيه ابن عباس. ثم قال: وقال لنا المكي، عن ابن جريج: أنه سمع نافعًا، قال: إن إبراهيم بن عبد الله بن معبد حدثه أن ابن عباس حدثه، عن ميمونة. قال البخاري: ولا يصح فيه «ابن عباس».
قال القاضي عياض -﵀-: قال بعضهم: صوابه «إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس، أنه قال: إن امرأة اشتكت». . . قال القاضي: وقد ذكر مسلم قبل هذا في هذا الباب حديث عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر. وهذا مما استدركه الدارقطني على مسلم، وقال: ليس بمحفوظ عن أيوب وعلل الحديث عن نافع بذلك، وقال: قد خالفهم الليث، وابن جريج، فروياه عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن ميمونة. وقد ذكر مسلم الروايتين، ولم يذكر البخاري في صحيحه رواية نافع بوجه. وقد ذكر البخاري في تاريخه رواية عبيد الله، وموسى، عن نافع، قال: والأول أصح. يعني رواية إبراهيم بن عبد الله، عن ميمونة، كما قال الدارقطني. والله أعلم.
قال النووي: ويحتمل صحة الروايتين جميعًا، كما فعله مسلم، وليس هذا الاختلاف المذكور مانعًا من ذلك، ومع هذا فالمتن صحيح
بلا خلاف. والله أعلم. انتهى. شرح مسلم جـ ٩ ص ١٦٦ - ١٦٧.
قال الجامع عفا الله عنه: قد تلخص مما ذكر أن الحفاظ اختلفوا في سند حديث ميمونة هذا، فمنهم من رجح أن الصواب ذكر ابن عباس بين إبراهيم بن عبد الله، وميمونة - ﵃ -، وهو رأي الإمام مسلم، حيث أخرجه في صحيحه، والحافظ المزي، كما تقدم.
ومنهم من رجح إسقاطه، وقال: الصواب «عن إبراهيم، عن ميمونة»، وهو رأي البخاري في تاريخه الكبير جـ ١ ص ٣٠٢ - ٣٠٣،
والدارقطني كما مر قريبًا، وهو ظاهر كما تقدم عن الحافظ في نكته،
حيث ذكر الروايات التي فيها الإسقاط، وسكت عليها.
ومنهم من رأى صحة الطريقين، وهو الذي مال إليه النووي، كما مر قريبًا.
قال الجامع: عندي الأولى تصحيح الطريقين، إذ لا مانع من أن يسمع إبراهيم عن ابن عباس عن ميمونة، ثم يسمع عنها، فيحدث عنها تارة بواسطة، وتارة بغير واسطة، وهذا النوع في روايات الثقات كثير، ولا سيما وقد أخرجه مسلم بذكر ابن عباس، وإن كان الأكثرون على إسقاطه، فلا داعي لتوهيم الأكثرين بإسقاط ابن عباس، كما ادعاه المزي، ولا لتوهيم مسلم بزيادته، كما ادعاه الدارقطني. فتبصر. وبالله التوفيق.
المسألة السادسة: اختلف العلماء في معنى الاستثناء في قوله: «إلا مسجد الكعبة»:
فقال الجمهور: معناه إلا مسجد الكعبة، فإن الصلاة فيه أفضل من الصلاة في مسجد المدينة، حكاه ابن عبد البر عن ابن الزبير، وعطاء ابن أبي رباح، وقتادة، وسفيان بن عيينة. ومن المالكية: مطرف، وابن وهب، وجماعة أهل الأثر، وقال به الشافعي، وأحمد.
ويدل له ما رواه الإمام أحمد، والبزار في مسنديهما، وابن حبان في صحيحه، والبيهقي في سننه، وغيرهم، عن عبد الله بن الزبير، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد
الحرام أفضل من مائة صلاة في هذا».
قال ابن عبد البر -﵀-: اختلف على ابن الزبير في رفعه ووقفه، ومن رفعه أحفظ وأثبت من جهة النقل، وهو أيضًا صحيح في النظر؛ لأن مثله لا يدرك بالرأي، مع شهادة أئمة الحديث للذي رفعه بالحفظ والثقة. وقال النووي: حديث حسن. وقال الحافظ العراقي في شرح الترمذي: رجاله رجال الصحيح.
وفي ابن ماجه من حديث جابر مرفوعًا: «صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه». وفي بعض النسخ «من مائة صلاة فيما سواه». فعلى الأول معناه فيما سواه إلا مسجد المدينة، وعلى الثاني معناه من مائة صلاة في مسجد المدينة، ورجال إسناده ثقات، لكنه من رواية عطاء في ذلك عنه.
قال ابن عبد البر: جائز أن يكون عند عطاء في ذلك عنهما، وعلى ذلك يحمله أهل العلم بالحديث، ويؤيده أن عطاء إمام واسع الرواية، معروف بالرواية عن جابر وابن الزبير.
وروى البزار والطبراني من حديث أبي الدرداء رفعه: «الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة». قال البزار: إسناده حسن.
وفي «سنن ابن ماجه» حديث آخر يقتضي تفضيل الصلاة في مسجد مكة، إلا أنه مخالف لما تقدم في قدر الثواب، رواه عن أنس مرفوعًا، وفيه «وصلاته في المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة، وصلاته في مسجدي بخمسين ألف صلاة، وصلاته في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة». قال العراقي -﵀-: فيه أبو الخطاب الدمشقي يحتاج إلى الكشف عنه.
وذهب آخرون إلى أن معنى الاستثناء إلا المسجد الحرام، فإن الصلاة في مسجدي أفضل من الصلاة فيه بدون ألف صلاة. ذكر ابن عبد البر أن يحيى بن يحيى سأل عبد الله بن نافع عن معنى هذا الحديث، فذكر هذا، ثم قال ابن عبد البر: تأويل ابن نافع بعيد عند أهل المعرفة باللسان، قال: ويلزمه أن يقول: إن الصلاة في مسجد رسول الله - ﷺ - أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بتسعمائة ضعف وتسعة وتسعين ضعفًا، وإذا كان هكذا لم يكن للمسجد الحرام فضل على سائر المساجد إلا بالجزء اللطيف على تأويل ابن نافع، وحسبك ضعفًا بقول يؤول إلى هذا.
وقال ابن بطال: مَثَّلَ بعض أهل العلم بلسان العرب الاستثناء في هذا الحديث بمثال بين فيه معناه، فإذا قلت: اليمن أفضل من جميع البلاد بألف درجة، إلا العراق جاز أن يكون العراق مساويًا لليمن، وجاز أن يكون فاضلًا، وأن يكون مفضولًا، فإن كان مساويًا فقد علم
فضله، وإن كان فاضلًا أو مفضولًا لم يعلم مقدار المفاضلة بينهما، إلا بدليل على عدة درجات، إما زائدة على ذلك، أو ناقصة عنه.
قال ولي الدين العراقي -﵀-: هذا كلام فيه إنصاف، بخلاف كلام ابن نافع، وقد قام الدليل على أن المسجد الحرام فاضل بمائة درجة، وقد سبق ذلك، فوجب الرجوع إليه.
ثم قال ابن عبد البر: وقد زعم بعض المتأخرين من أصحابنا: أن الصلاة في مسجد النبي - ﷺ - أفضل من الصلاة في المسجد الحرام بمائة صلاة، ومن غيره بألف صلاة، قال: واحتج لذلك بما رواه سفيان ابن عيينة، عن زياد بن سعد، عن سليمان بن عتيق، قال: سمعت ابن الزبير، قال: سمعت عمر بن الخطاب، يقول: صلاة في المسجد الحرام غير من مائة صلاة فيما سواه».
قال: وتأول بعضهم هذا الحديث أيضًا عن عمر على أن الصلاة في مسجد النبي - ﷺ - خير من تسعمائة صلاة في المسجد الحرام، قال: وهذا كله تأويل لا يعضده دليل، وحديث سليمان بن عتيق هذا لا حجة فيه؛ لأنه مختلف في إسناده، وفي لفظه، وقد خالف فيه من هو أثبت منه، فمن الاختلاف أنه روي عنه، عن ابن الزبير، عن عمر بلفظ«صلاة في المسجد الحرام أفضل من ألف صلاة في مسجد النبي - ﷺ -»، وبلفظ«صلاة في المسجد الحرام أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا مسجد رسول الله - ﷺ -، فإنما فضله عليه بمائة صلاة».
قال: فكيف يحتجون بحديث قد روي فيه ضد ما ذكروه نصًا من روايات الثقات إلى ما في إسناده من الاختلاف أيضًا.
وقد ذكره عبد الرزاق، عن ابن جريج، قال: أخبرني سليمان بن عتيق، وعطاء، عن ابن الزبير أنهما سمعاه يقول:«صلاة في المسجد الحرام خير من مائة صلاة فيه، ويشير إلى مسجد المدينة».
ثم روى ابن عبد البر بإسناده عن سليمان بن عتيق، عن ابن الزبير، عن عمر«صلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد رسول الله - ﷺ -، فإنما فضله عليه بمائة صلاة».
ثم قال: على أنه لم يتابع سليمان بن عتيق على ذكره عمر، وهو مما أخطأ فيه عندهم، وانفرد به، وما انفرد به فلا حجة فيه، وإنما الحديث محفوظ عن ابن الزبير. انتهى. طرح التثريب في شرح التقريب جـ ٦ ص ٤٦ - ٤٩.
قال الجامع عفا الله عنه: فظهر بهذا أن المراد بالاستثناء تفضيل المسجد الحرام على مسجد المدينة، كما هو رأي الجمهور. والله أعلم.
المسألة السابعة: استدل الجمهور بهذا الحديث بالتقرير الذي تقدم على تفضيل مكة على المدينة؛ لأن الأمكنة تشرف بفضل العبادة فيها على غيرها، مما تكون العبادة فيه مرجوحة.
وهو مذهب سفيان بن عيينة، والشافعي، وأحمد، في أصح الروايتين عنه، وابن وهب، ومطرف، وابن حبيب، الثلاثة من أصحاب
مالك، وحكاه المساجي، عن عطاء بن أبي رباح، والمكيين، والكوفيين، وبعض البصريين والبغداديين. وحكاه ابن عبد البر: عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وأبي الدرداء، وابن عمر، وجابر، وعبد الله بن الزبير، وقتادة، لكن حكى القاضي عياض، والنووي عن عمر أن المدينة أفضل. وحكاه ابن بطال، عن عمر بصيغة التمريض، فقال: وروي عن عمر. قال ابن عبد البر: وقد روي عن مالك ما يدل على أن مكة أفضل الأرض كلها، قال: لكن المشهور عن أصحابه في مذهبه تفضيل المدينة.
ومما يدل للجمهور ما رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن عبد الله بن عدي بن حمراء، قال: رأيت رسول الله - ﷺ - واقفًا على الحَزَوَّرة، فقال: «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت». قال الترمذي: حسن صحيح. وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، وقال ابن عبد البر: هذا من أصح الآثار عن النبي - ﷺ -، قال: وهذا قاطع في محل الخلاف. انتهى.
وذهب آخرون إلى تفضيل المدينة على مكة، وهو قول مالك، وأهل المدينة، وحكاه زكريا الساجي عن بعض البصريين والبغداديين،
وتقدم قول من حكاه عن عمر.
قال ابن عبد البر -﵀-: واستدل أصحابنا على ذلك بقوله - ﷺ -: «ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة». قال: وركبوا عليه
قوله - ﷺ -: «موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها». قال: وهذا لا دليل فيه على ما ذهبوا إليه؛ لأنه إنما أراد به ذم الدنيا والزهد فيها، والترغيب في الآخرة، فأخبر أن اليسير من الجنة خير من الدنيا كلها، وأراد بذكر السوط -والله أعلم- التقليل، لا أنه أراد موضع السوط بعينه، بل موضع نصف سوط، وربع سوط من الجنة الباقية خير من الدنيا الفانية، ثم قال: ولا حجة لهم في شيء مما ذهبوا إليه، ولا يجوز تفضيل شيء من البقاع على شيء إلا بخبر يجب التسليم له، ثم ذكر حديث ابن حمراء المتقدم، وقال: كيف يترك مثل هذا النص الثابت، ويمال إلى تأويل لا يجامع متأوله عليه. انتهى. طرح جـ ٦ ص ٤٩ - ٥٠.
وقد أشبع الكلام الإمام المجتهد البارع أبو محمد بن حزم رحمه الله تعالى في كتابه المحلى ناصرًا رأي الجمهور في تفضيل مكة على المدينة، ومُفَنِّدًا رأي القائلين بالعكس، وناقضًا لما تمسكوا به، بما لا تجده في كتاب غيره. انظر «المحلى» جـ ٧ ص ٢٧٩٢٩. والله تعالى أعلم.
المسألة الثامنة: استثنى القاضي عياض من القول بتفضيل مكة البقعة التي دفن فيها النبي - ﷺ -، وضمت أعضاءه الشريفة، وحكى اتفاق العلماء على أنها أفضل بقاع الأرض.
وقال النووي في «شرح المهذب»: ولم أر لأصحابنا تعرضًا لما نقله قال ابن عبد البر. وتعقب على القاضي بأن هذا لا يتعلق بالبحث
المذكور؛ لأن محله ما يترتب عليه الفضل للعابد. وأجاب القرافي: بأن سبب التفضيل لا ينحصر في كثرة الثواب على العمل، بل قد يكون لغيرها، كتفضيل جلد المصحف على سائر الجلود.
قال الجامع: جواب القرافي غير مفيد، بل التعقب المذكور على وجهه. فافهم.
قال ابن عبد البر: وكان مالك يقول: مِنْ فَضلِ المدينة على مكة أني لا أعلم بقعة، فيها قبر نبي معروف غيرها. قال ابن عبد البر: يريد ما يشك فيه، فإن كثيرًا من الناس يزعم أن قبر إبراهيم ﵊ ببيت المقدس، وأن قبر موسى ﵊ هناك، ثم ذكر حديث أبي هريرة المرفوع في سؤال موسى ﵇ ربه أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر، ثم قال: إنما يحتج بقبر رسول الله - ﷺ - على من أنكر فضلها، أما من أقر به، وأنه ليس على وجه الأرض أفضل بعد مكة منها، فقد أنزلها منزلتها، واستعمل القول بما جاء عن النبي - ﷺ - في مكة، وفيها. ثم روى ابن عبد البر عن علي ابن أبي طالب أنه قال: إني لأعلم أي بقعة أحب إلى الله في الأرض؟ هي البيت الحرام، وما حوله.
وقال بعضهم: سبب تفضيل البقعة التي ضمت أعضاءه الشريفة أنه روي «أن المرء يدفن في البقعة التي أخذ منها ترابه عندما يخلق» رواه ابن عبد البر في أواخر تمهيده من طريق عطاء الخراساني موقوفًا. وعلى
هذا، فقد روى الزبير بن بكار أن جبريل أخذ التراب الذي خلق منه النبي - ﷺ - من تراب الكعبة، فعلى هذا، فالبقعة التي ضمت أعضاءه من تراب الكعبة، فيرجع الفضل المذكور إلى مكة، إن صح ذلك. والله أعلم. انتهى. طرح جـ ٦ ص ٥٠ - ٥١ بزيادة من «الفتح» جـ ٣ ص ٨١ - ٨٢.
قال الجامع عفا الله عنه: مثل هذه الأمور تحتاج إلى دليل صحيح، فليحرر. والله أعلم.
المسألة التاسعة: قال الحافظ ولي الدين العراقي نقلًا عن والده في شرح الترمذي ما نصه: في حديث عبد الله بن الزبير، وجابر، وابن عمر، وأبي الدرداء، وأنس رضي اللهم عنهم مرفوعًا «إن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة»، وفي حديث عمر - ﵁ - موقوفًا عليه «أن الصلاة فيه خير من مائة صلاة»، وهكذا رواه الطبراني في الأوسط من حديث عائشة مرفوعًا، وفي بعض طرق أثر عمر: «إن الصلاة في المسجد الحرام أفضل من ألف صلاة بمسجد المدينة». وفي حديث الأرقم: «إن الصلاة بمكة أفضل من ألف صلاة ببيت المقدس» رواه أحمد وغيره.
قال: والجمع بين هذا وبين ما تقدم، أن يحمل أثر عمر باللفظ الأول وحديث عائشة على تقدير صحتهما على أن المراد خير من مائة صلاة في مسجد المدينة، فيكون موافقًا لحديث ابن الزبير ومن معه
وحديث الأرقم، وأثر عمر باللفظ الثاني يقتضي أن تكون الصلاة في المسجد الحرام بألف ألف صلاة، وإذا تعذر الجمع، فيرجع إلى الترجيح، وأصح هذه الأحاديث حديث ابن الزبير، وجابر، وابن عمر، وأبي الدرداء، فإن أسانيدها صحيحة.
قال: وأما الاختلاف في مسجد المدينة، فأكثر الأحاديث الصحيحة «إن الصلاة فيه خير من ألف صلاة»، وفي حديث أبي الدرداء «إنها بألف صلاة» من غير تفضيل على الألف، وفي حديث أنس عند ابن ماجه «إن الصلاة فيه بخمسين ألف صلاة»، وفي حديث أبي ذر عند الطبراني في الأوسط «إن الصلاة فيه أفضل من أربع صلوات ببيت المقدس».
قال: وقد اختلفت الأحاديث في المقدار الذي تضاعف به الصلاة في مسجد بيت المقدس، فعند ابن ماجه من حديث ميمونة مولاة النبي - ﷺ -، عن النبي - ﷺ -: «أن الصلاة فيه كألف صلاة في غيره»، وعند الطبراني في حديث أبي الدرداء «أن الصلاة بخمسمائة صلاة»، وفي حديث أنس عند ابن ماجه «أن الصلاة فيه بخمسين ألف صلاة».
فعلى هذا تكون الصلاة بمسجد المدينة إما بأربعة آلاف على مقتضى حديث ميمونة، وإما بألفين على مقتضى حديث أبي الدرداء، وإما بمائتي ألف صلاة على مقتضى حديث أنس، لكنه في هذا الحديث سوى بين مسجد المدينة وبين مسجد بيت المقدس.
وأصح طرق أحاديث الصلاة ببيت المقدس «إنها بألف صلاة»، فعلى هذا أيضًا يستوي المسجد الأقصى مع مسجد المدينة، وعند أحمد من حديث أبي هريرة، أو عائشة، مرفوعًا «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الأقصى». وعلى هذا فتحمل هذه الرواية على تقدير ثبوتها: إلا المسجد الأقصى، فإنهما مستويان في الفضل، ولا مانع من المصير إلى هذا، أي فإنه ليس بأفضل من ألف صلاة فيه، بل هو مساوٍ له.
وأصح طرق أحاديث التضعيف في المدينة «إنها أفضل من ألف»، والأصح في بيت المقدس «إنها بألف»، فيمكن أيضًا أن يكون التفاوت بينهما بالزيادة على الألف. والله أعلم. انتهى كلام العراقي في شرح الترمذي. انتهى. طرح جـ ٦ ص ٥١ - ٥٢.
المسألة العاشرة: ظاهر الحديث أنه لا فرق في تضعيف الصلاة بين الفرض والنفل، وبه قال الشافعية، ومطرف من المالكية، وذهب الطحاوي إلى اختصاص التضعيف بالفرض، وهو مقتضى كلام ابن حزم الظاهري؛ لأنه أوجب صلاة الفرض في أحد المساجد الثلاثة بنذره ذلك، ولم يوجب التطوع فيها بالنذر. وقال النووي: وهو خلاف الأحاديث الصحيحة.
قال ولي الدين العراقي: قد يقال: لا عموم في اللفظ؛ لأنه نكرة في سياق الإثبات، وساعد ذلك أن النبي - ﷺ - قال: «أفضل صلاة
المرء في بيته إلا المكتوبة». وقد يقال: هو عام؛ لأنه وإن كان في الإثبات، فهو في معرض الامتنان.
قال الجامع: هذا الذي قاله أخيرًا هو الأولى، فالنص عام، وإن كان في سياق الإثبات، بدليل أن الكلام ذكر لبيان امتنان الله تعالى على نبيه - ﷺ -، حيث فضل مسجده بهذا الفضل العظيم. والله أعلم.
وقال الحافظ العراقي في شرح الترمذي: تكون النوافل في المسجد مضاعفة بما ذكر من ألف في المدينة، ومائة ألف في مكة، ويكون فعلها في البيت أفضل، لعموم قوله - ﷺ - في الحديث الصحيح: «أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة»، بل ورد في بعض طرقه أن النافلة في البيت أفضل من فعلها في مسجده - ﷺ -. انتهى. طرح جـ ٦ ص ٥٢.
وقال في الفتح: ويمكن أن يقال: لا مانع من إبقاء الحديث على عمومه، فتكون صلاة النافلة في البيت بالمدينة، أو مكة تضاعف على صلاتها في البيت بغيرهما، وكذا في المسجدين، وإن كانت في البيوت أفضل مطلقًا. انتهى. جـ ٣ ص ٨٢. والله تعالى أعلم.
المسألة الحادية عشرة: استدل بهذا الحديث على أن تضعيف الصلاة في مسجد المدينة يختص بمسجده - ﷺ - الذي كان في زمنه، دون ما أحدث بعده فيه من الزيادة في زمن الخلفاء الراشدين وغيرهم، لأن التضعيف إنما ورد في مسجده، وذاك هو مسجده، وأيضًا أكد ذلك بقوله في رواية الصحيحين: «مسجدي هذا». وبذلك صرح
النووي، وقال: ينبغي أن يحرص المصلي على ذلك، ويتفطن لما ذكرته.
قال ولي الدين -﵀-: وهذا بخلاف المسجد الحرام، فإنه لا يختص التضعيف بالمسجد الذي كان في زمنه - ﷺ -، بل يشمل جميع ما زيد فيه؛ لأن اسم المسجد الحرام يعم الكل، بل المشهور عند الشافعية أن التضعيف يعم مكة، بل صحح النووي أنه يعم الحرم الذي يحرم صيده. انتهى. طرح جـ ٦ ص ٥٢ - ٥٣.
قال الجامع: عندي فيما قاله النووي -﵀- في المسجد النبوي نظر، إذ الظاهر أن قوله: «مسجدي هذا» إنما هو للاحتراز من غيره من مساجد المدينة، فلا يمنع دخول الزيادة بعده - ﷺ -، ويدل على ذلك أثر عمر - ﵁ -، قال: «لو مُدَّ مسجد النبي - ﷺ - إلى ذي الحليفة لكان منه»، وفي لفظ «لو زدنا فيه حتى بلغ الجَبَّانة كان مسجد رسول الله - ﷺ -، وجاءه الله بعامر». رواه عمر بن شَبَّة من طريقين مرسلين عنه موقوفًا. ورفعه ضعيف جدًا كما بينه الشيخ الألباني في ضعيفته جـ ٢ ص ٤٠٢ - ٤٠٣. والله أعلم.
قلت: وقد حقق الموضوع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى تحقيقًا حسنًا حيث قال: وقد جاءت الآثار بأن حكم الزيادة في مسجده - ﷺ - حكم المزيد، تضعف فيه الصلاة بألف صلاة، كما أن المسجد الحرام حكم الزيادة فيه حكم المزيد، فيجوز الطواف فيه،
والطواف لا يكون إلا في المسجد، لا خارجًا منه.
ولهذا اتفق الصحابة على أنهم يصلون في الصف الأول من الزيادة التي زادها عمر، ثم عثمان، وعلى ذلك عمل المسلمين كلهم، فلولا أن حكمه حكم مسجده، لكانت تلك الصلاة في مسجد غيره، ويأمرون بذلك.
ثم قال: وهذا هو الذي يدل عليه كلام الأئمة المتقدمين، وعملهم، فإنهم قالوا: إن صلاة الفرض خلف الإمام أفضل، وهذا الذي قالوه هو الذي جاءت به السنة، وكذلك كان الأمر على عهد عمر، وعثمان - ﵄ -، فإن كُلًا منهما زاد من قبلي المسجد، فكان مقامه في الصلوات الخمس في الزيادة، وكذلك مقام الصف الأول الذي هو أفضل ما يقام فيه بالسنة والإجماع، والذي كان كذلك، فيمتنع أن تكون الصلاة في غير مسجده أفضل منها في مسجده، وأن يكون الخلفاء والصفوف الأُوَلُ كانوا يصلون في غير مسجده، وما بلغني عن أحد من السلف خلاف هذا، لكن رأيت بعض المتأخرين قد ذكر أن الزيادة ليست من مسجده، وما علمت له في ذلك سلفًا من العلماء. انتهى كلام شيخ الإسلام. نقلته من سلسلة الضعيفة للشيخ الألباني جزاه الله تعالى خيرًا. جـ ٢ ص ٤٠٣.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله شيخ الإسلام حسن جدًّا، ولعله أشار بما ذكره عن بعض المتأخرين ما تقدم عن النووي
-﵀-. والله أعلم.
المسألة الثانية عشرة: قال النووي -﵀-: قال العلماء ما حاصله: أن المضاعفة المذكورة في هذا الحديث إنما هو فيما يرجع إلى الثواب، فثواب صلاة فيه يزيد على ثواب ألف صلاة في غيره، ولا يتعدى ذلك إلى الإجزاء عن الفوائت، حتى لو كان عليه صلاتان، فصلى في مسجد المدينة صلاة لم تجزه عنهما، وهذا لا خلاف فيه. والله أعلم. ذكره في «طرح التثريب» جـ ٦ ص ٥٣.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.