كما قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة: ٣١] الآية.
ومنها: أن من فعل مثل ما فعله اليهود والنصارى يستحق اللعن. والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٧٠٤ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ، وَأُمَّ سَلَمَةَ ذَكَرَتَا كَنِيسَةً رَأَتَاهَا بِالْحَبَشَةِ، فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إِنَّ أُولَئِكَ إِذَا كَانَ فِيهِمُ الرَّجُلُ الصَّالِحُ، فَمَاتَ بَنَوْا عَلَى قَبْرِهِ مَسْجِدًا، وَصَوَّرُوا تِيكَ الصُّوَرَ، أُولَئِكَ شِرَارُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (يعقوب بن إبراهيم) الدورقي البغدادي، ثقة حافظ، من [١٠] تقدم في ٢١/ ٢٢.
٢ - (يحيى) بن سعيد القطان البصري، ثقة حجة، من [٩] تقدم في ٤/ ٤.
٣ - (هشام بن عروة) أبو المنذر المدني، ثقة فقيه، من [٥]،
تقدم في ٤٩/ ٦١.
٤ - (عروة) بن الزبير بن العوام المدني، الفقيه، ثقة، من [٣]، تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٥ - (عائشة) - ﵂ -، تقدمت في ٥/ ٥.
ولطائف الإسناد تقدم غير مرة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة) أم المؤمنين - ﵂ - (أن أم حبيبة) رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية الأموية، زوج النبي - ﷺ -، أسلمت قديمًا، وأمها صفية بنت أبي العاص بن أمية، وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش، ومات هناك، فتزوجها رسول الله - ﷺ -، وهي هناك سنة ست، وقيل: سنة سبع.
روت عن النبي - ﷺ -، وعن زينب بنت جحش، وعنها ابنتها حبيبة، وأخواها معاوية وعنبسة، وابن أخيها عبد الله بن عتبة بن أبي سفيان، وابن أختها أبو سفيان بن سعيد بن المغيرة بن الأخنس بن شَرِيق، ومولاها سالم بن سوَّار، ومولاها الآخر أبو الجراح، وأبو صالح السمان، وعروة بن الزبير، وزينب بنت أم سلمة، وصفية بنت شيبة، وشهر بن حوشب، وآخرون.
قال أبو عبيد: توفيت سنة (٤٤)، وقال ابن أبي خيثمة: توفيت
قبل معاوية بسنة، يعني سنة ٥٩، وقال ابن حبان، وابن قانع: ماتت سنة (٤٢)، وقال ابن عبد البر: قيل: إن اسمها هبيرة. أخرج لها الجماعة. انتهى. تت جـ ١٢ ص ٤١٩.
(وأم سلمة) هند بنت أبي أمية، حذيفة، ويقال: سهيل بن المغيرة بن عبد الله بن عُمر بن المغيرة بن مخزوم المخزومية، أم المؤمنين - ﵂ -، تقدمت ترجمتها في ١٢٣/ ١٨٣.
(ذكرتا) بلفظ التثنية للمؤنث من الماضي، والضمير فيه يرجع إلى أم حبيبة، وأم سلمة.
(كنيسة) -بفتح الكاف، وكسر النون: مُتَعَبَّدُ اليهود، وتطلق على متعبد النصارى، وهو المراد هنا، وهو مُعَرَّب، كما قال الفيومي.
وفي رواية للبخاري، في «بابُ الصلاة في البِيعَة» من طريق عبدة، عن هشام: أن تلك الكنيسة، كان تسمى مَارِيَة بكسر الراء، وتخفيف الياء التحتانية، وله في الجنائز من طريق مالك، عن هشام نحوه، وزاد في أوله «لَمَّا اشتكى النبي - ﷺ -، ومن طريق هلال، عن عروة، بلفظ»قال في مرضه الذي مات فيه«.
ولمسلم من حديث جندب أنه - ﷺ - قال نحو ذلك قبل موته بخمس ليال، وزاد فيه:«فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك».
قال الحافظ -﵀-: وفائدة التنصيص على زمن النهي الإشارة إلى أنه المُحكَم الذي لم ينسخ، لكونه صدر في آخر حياته - ﷺ -. انتهى.
فتح جـ ١ ص ٦٢٥.
(رأتاهما) -بضمير التثنية للمؤنث- على الأصل، وهكذا عند البخاري في رواية الأصيلي، والكشميهني، ووقع في رواية غيرهما، وهي رواية المصنف في الكبرى«رأينها»بصيغة جمع المؤنث الماضي، ووجه الجمع فيها باعتبار من كان مع أم حبيبة، وأم سلمة - ﵄ -.
(فيها تصاوير) جملة اسمية، في محل نصب على الحال من كنيسة، لكونها موصوفة بجملة«رأتاها»، أو في محل نصب صفة بعد صفة لها، والتصاويرُ: التماثيلُ.
(فقال رسول الله - ﷺ -: إِن أولئك) -بكسر الكاف، ويجوز فتحها. قاله في الفتح، والعمدة. وقال السندي: قيل بكسر الكاف، لأن الخطاب لمؤنث، وقد تفتح.
قلت: كأن الفتح لتوجيه الخطاب إلى كل ما يصلح له، لا لتوجيهه إليهما، وأنت خبير بأن مقتضى توجيه الخطاب إليهما أن يقال:
أولئكما، لا أولئك -بالكسر- وعند الإفراد ينبغي الفتح بتوجيه الخطاب إلى كل ما يصلح له. فليتأمل. انتهى.
(إِذَا كان فيهم الرجل الصالح، فمات) عطف على قوله: «كان» (بَنوا) جواب «إذا» (على قبره مسجدًا) أي محل عبادة
(وصوروا تيك الصور) -بكسر التاء المثناة، وسكون الياء بدل اللام، من «تلك»، وهي لغة فيه، وهي نسخة الكبرى.
(أولئك) -بكسر الكاف، وفتحها- كما مر آنفًا (شِرَارُ الخلق) بكسر الشين المعجمة، جمع شَرٍّ، كالخِيَار، جمع خَيْرٍ، والبحار، جمع بحر، وأما الأشرار، فقال يونس: واحدها شَرّ أيضًا. وقال الأخفش: شَرِيرٌ، مثل يَتِيم، وأيتام. أفاده العيني.
وإنما كانوا شرار الخلق لأنهم ضموا إلى كفرهم الأعمال القبيحة، فهم أقبح الناس عقيدة وعملًا. قاله السندي.
(عند الله يوم القيامة) متعلقان بشرار. وإنما خص يوم القيامة، لأن الأمور تشتد فيه، بخلاف الدنيا، فمن كان أشر الناس فيه كان أشدهم عذابًا، ولأن من كان في الدنيا ربما يوفق للتوبة، وأما الآخرة فليست إلا دار الجزاء. والله أعلم.
تنبيه:
قال القرطبي رحمه الله تعالى: إنما صَوَّر أوائلُهم الصورَ، ليتأنسوا برؤية تلك الصور، ويتذكروا أفعالهم الصالحة، فيجتهدوا كاجتهادهم، ويعبدوا الله عند قبورهم، ثم خَلَفَ من بعدهم خُلُوف جهلوا مرادهم، ووسوس لهم الشيطان أن أسلافهم كانوا يعبدون هذه الصور، ويعظمونها، فعبدوها، فحذر النبي - ﷺ - عن مثل ذلك سدًّا للذريعة المؤدية إلى ذلك، وسدًا للذرائع في قبره - ﷺ -، وكان ذلك في مرض
موته، إشارة إلى أنه من الأمر المحكم الذي لا ينسخ بعده.
ولما احتاجت الصحابة - ﵃ -، والتابعون إلى زيادة في مسجده - ﷺ - بنوا على القبر حيطانًا مرتفعة مستديرة حوله، لئلا تَصِلَ إليه العوام، فيؤدي إلى ذلك المحذور، ثم بنوا جدارين بين ركني القبر الشمالي، حرَّفُوهما حتى التقيا، حتى لا يمكن أحدا أن يستقبل القبر. أفاده في عمدة القاري جـ ٤ ص ١٧٤. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة - ﵂ - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (١٣/ ٧٠٤)، والكبرى (١٣/ ٧٨٣) عن يعقوب بن إبراهيم عن يحيى القطان، عن هشام بن عروة، عن عروة، عنها. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري ومسلم.
فأخرجه البخاري في «الصلاة»، وفي هجرة الحبشة، من المناقب عن محمد بن المثنى.
ومسلم في «الصلاة» عن زهير بن حرب، كلاهما عن يحيى بن سعيد القطان، به.
وأخرجه أحمد جـ ٦/ ٦٣، وابن خزيمة رقم ٧٩٠.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: منع بناء المساجد على القبور، ومنع الصلاة في المقابر، سواء كانت بجنب القبر، أو عليه، أو إليه، كما قال في الفتح جـ ١ ص ٦٢٦.
وقال العيني -﵀-: ومقتضاه التحريم، كيف، وقد ثبت اللعن عليه، وأما الشافعي، وأصحابه فصرحوا بالكراهة. وقال البندنيجي: والمراد أن يسوى القبر مسجدًا، فيصلى فيه فوقه، وقال: إنه يكره أن يبنى عنده مسجد، فيصلى فيه إلى القبر، وأما المقبرة الداثرة إذا بني فيها مسجد ليصلى فيه، فلم أر فيه بأسًا؛ لأن المقابر وقف، وكذا المسجد، فمعناهما واحد. انتهى. عمدة جـ ٤ ص ١٧٤.
قال الجامع: ما نقله عن البندنيجي أخيرًا من قوله: فلم أر به بأسًا. . . إلخ، نظر، إذ النص يشمله، فكيف يجوز. فتبصر. والله أعلم.
ومنها: أن فيه تحريم تصوير الحيوان، ولا سيما الرجل الصالح، وحمل بعضهم الوعيد على من كان في ذلك الزمان، لقرب العهد بعبادة الأوثان، وأما الآن فلا، وقد أطنب ابن دقيق العيد -﵀- في رد ذلك. كما قال في الفتح.
قال الجامع: هو حقيق بالرد لمنابذته النص الصريح المطلق. والله أعلم.
ومنها: جواز حكايته ما يشاهده المرء من العجائب، ووجوبُ بيانِ حكم ذلك على العالم به.
ومنها: أن فيه ذَمَّ فاعل المحرمات.
ومنها: أن فيه أن الاعتبار في الأحكام بالشرع لا بالعقل. انظر الفتح جـ ١ ص ٦٢٦. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.