ذلك المكان، فصواب هذا الاستنباط أن يقال: فيه جواز الخروج من نفل الاعتكاف، وأنه لا يجب قضاؤه إن تركه، وأما قضاؤه - ﷺ - فعلى طريق الاستحباب إلخ. والله أعلم.
ومنها: أن المرأة إذا اعتكفت في المسجد استحب لها أن تجعل لها ما يسترها، ويشترط أن تكون إقامتها في موضع لا يضيق على
المصلين.
ومنها: أن فيه بيان مرتبة عائشة في كون حفصة لم تستأذن إلا بواسطتها، ويحتمل أن يكون سبب ذلك كونه - ﷺ - تلك الليلة في بيت عائشة. والله أعلم. ذكر هذه الفوائد في الفتح جـ ٤ ص ٣٢٥.
والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٧١٠ - أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، رَمَاهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ رَمْيَةً فِي الأَكْحَلِ، فَضَرَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ».
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (عبيد الله بن سعيد) أبو قدامة السرخسي، ثقة مأمون
سني، من [١٠] تقدم في ١٥/ ١٥.
٢ - (عبد الله بن نُمَير) الهمداني، أبو هشام الكوفي، ثقة صاحب حديث من أهل السنة، من كبار [٩] توفي سنة ١٩٩، عن
٨٤ سنة.
قال أبو نعيم: سئل سفيان عن أبي خالد الأحمر؟ فقال: نعم الرجل عبد الله بن نمير. وقال عثمان الدارمي: قلت ليحيى بن معين: ابن إدريس أحب إليك في الأعمش، أو ابن نمير؟ فقال: كلاهما ثقة. وقال أبو حاتم: كان مستقيم الأمر. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال العجلي: ثقة، صالح الحديث، صاحب سنة. وقال ابن سعد: كان ثقة، كثير الحديث، صدوقًا. قال ابنه محمد وغيره: مات سنة ١٩٩، وقيل: إنه ولد في سنة ١١٥. أخرج له الجماعة.
٣ - (هشام بن عروة) أبو المنذر المدني، ثقة فقيه، من [٥] تقدم في ٤٩/ ٦١.
٤ - (عروة) بن الزبير بن العوام المدني، ثقة فقيه، من [٣] تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٥ - (عائشة) أم المؤمنين - ﵂ -، تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسياته، وأن رواته كلهم ثقات، اتفقوا عليهم،
إلا شيخه، فانفرد به هو، والشيخان.
ومنها: أن فيه رواية تابعي عن تابعي، والابن عن أبيه، هشام عن عروة، وفيه أحد الفقهاء السبعة، عروة، وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة، من صيغ الاتصال على الأصح. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة) - ﵂ -، أنها (قالت: أصيب سعد) هو ابن معاذ بن النعمان الأنصاري الأشهلي، أبو عمرو سيد الأوس
- ﵁ - (يوم الخندق) أي يوم غزوة الخندق، وتسمى غزوة الأحزاب.
فأما تسميتها بالخندق فلأجل الخندق الذي حُفرَ حول المدينة بأمر النبي - ﷺ -، وكان الذي أشار بذلك سلمان الفارسي، فيما ذكر أصحاب المغازي، منهم أبو معشر، قال: قال سلمان للنبي - ﷺ -: إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا، فأمر النبي - ﷺ - بحفر الخندق حول المدينة، وعمل فيه بنفسه ترغيبًا للمسلمين، فسارعوا إلى عمله حتى فرغوا منه، وجاء المشركون، فحاصروهم.
وأما تسميتها بالأحزاب، فلاجتماع طوائف من المشركين على حرب المسلمين، وهم قريش، وغطفان، واليهود، ومن تبعهم، وقد أنزل الله تعالى في هذه القصة صدر سورة الأحزاب.
واختلف في أي سنة هي، فقال موسى بن عقبة: كانت في شوال
سنة أربع. وتابعه عليه مالك. ومال إليه البخاري في الصحيح.
وقال ابن إسحاق: كانت في شوال سنة خمس. وبذلك جزم غيره من أهل المغازي. انظر التفصيل في «الفتح» في «كتاب المغازي» جـ ٨ ص ١٤٨ - ١٤٩.
(رماه رجل من قريش) بَيَّنَ البخَاري اسمه في المغازي عن زكريا ابن يحيى، عن عبد الله بن نمير، بسند المصنف، فقال فيه: أصيب سعد يوم الخندق، رماه رجل من قريش، يقال له: حِبَّان بن العَرِقَة». . . وحبان -بكسر المهملة، والعرقة -بفتح المهملة، وكسر الراء، ثم قاف، اسم أمه، وهو حبان بن قيس، ويقال: ابن أبي قيس ابن علقمة بن عبد مناف. أفاده في«الفتح».
(رَمْيَةً في الأكحل) وفي بعض النسخ«رماه»بصيغة الماضي، وهو الذي في الكبرى للمصنف، والرمية -بفتح الراء- المرة من الرمي،
كما قال ابن مالك:
وَفَعْلةٌ لِمَرَّةٍ كَجَلْسَهْ … وَفِعْلَةٌ لِهَيْئَةٍ كَجِلْسَهْ
وهو بالنصب على أنه مفعول مطلق لِرَمَى.
و«الأكحل»: -بفتح الهمزة، والمهملة، بينهما كاف ساكنة-: وهو عِرْقٌ في وسط الذراع. قال الخليل: هو عرق الحياة، ويقال: إن في كل عضو منه شعبة، فهو في اليد الأكحل، وفي الظهر الأبهر، وفي الفخذ النَّسا، إذا قطع لم يرقأ الدم (فضرب عليه) أي على سعد،
وعدّاه بعلى؛ لأن الخيمة تعلوه، أو«على»بمعنى اللام، أي له (رسول الله - ﷺ -) وفي«الكبرى»زيادة« تعني»(خيمة في المسجد) فيه جواز ضرب الخيمة في المسجد للمريض، وهو موضع الترجمة للمصنف، وهذا كما تقدم مشروط يكون المسجد واسعًا، لا يتضرر به أهله (ليعوده من قريب) أي ليمكنه عيادته من محل قريب منه.
وتمام الحديث عند البخاري«فلم يَرُعْهم -وفي المسجد خيمة من بني غفار- إلا الدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة ما هذا الذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو جرحه دمًا، فمات فيها». وقولها«يَرُعْهُم»، أي لم يفزعهم، وقولها:«يغذو»أي يسيل. والله أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة - ﵂ - هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (١٨/ ٧١٠) - وفي«الكبرى»(١٨/ ٧٨٩)، عن عبيد الله بن سعيد عن عبد الله بن نمير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عنها. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود.
فأخرجه البخاري في«الصلاة»، وفي«المغازي»، وفي«المناقب»، عن زكريا بن يحيى البلخي اللؤلؤي الحافظ، عن عبد الله نمير به. وقال في المناقب تعليقًا: تابعه أبان العطار- يعني، عن هشام بن عروة. وفي المغازي عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن ابن نمير به.
وأخرجه مسلم في«المغازي»عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كريب.
وأخرجه أبو داود في«الجنائز» عن عثمان بن أبي شيبة- كلهم عن عبد الله بن نمير به.
وأخرجه ابن خزيمة برقم ١٣٣٣. والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف، وهو جواز ضرب الخباء في المساجد.
ومنها: بيان منقبة سعد بن معاذ - ﵁ -.
ومنها: أن على الإمام العناية برعاياه، فيقوم بمصالحهم، من تمريض المريض، وعيادته، وإعطاء الدواء له.
ومنها: ما كان عليه النبي - ﷺ - من حسن الخلق، وشدة الرأفة بأصحابه.
ومنها: مشروعية عيادة المريض.
ومنها: جواز ترك المريض في المسجد، وإن كان في ذلك مظنة
لخروج شيء منه يتلوث به المسجد. والله تعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.