المصنف، وسيأتي قريبًا، إن شاء الله تعالى مع الجواب عنه. وأخرجه مسلم في «كتاب صلاة المسافرين» عن يحيى بن يحيى، وأبو داود فيه عن القعنبي -كلاهما عن مالك، به. والله أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٧٤١ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: «أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ، وَهُوَ رَاكِبٌ إِلَى خَيْبَرَ، وَالْقِبْلَةُ خَلْفَهُ».
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا تَابَعَ عَمْرَو بْنَ يَحْيَى عَلَى قَوْلِهِ: «يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ» وَحَدِيثُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَنَسٍ: الصَّوَابُ مَوْقُوفٌ. وَاللَّهُ ﷾ أَعْلَمُ.
رجال هذا الإسناد: ستة
١ - (محمد بن منصور) بن داود بن إبراهيم الطوسي، نزيل بغداد، أبو جعفر العابد، ثقة من صغار [١٠].
سئل عنه أحمد، فقال: لا أعلم إلا خيرًا، صاحب صلاة. وقال النسائي: ثقة، وقال في موضع آخر: لا بأس به. وقال ابن أبي داود:
كان من الأخيار. ووثقه مسلمة، وابن حبان. وقال أبو بكر الخلال: كان يشبه في صلاته بمعروف الكرخي. وقال السراج: مات سنة ٢٥٤ عن ٨٠ سنة. وقال البغوي: مات سنة ٢٦٥. روى عنه أبو داود، والنسائي.
٢ - (إِسماعيل بن عمر) أبو المنذر الواسطي، نزيل بغداد، ثقة، من [٩].
قال أحمد بن منصور: قلت: لأحمد: عمن أكتب من المشيخة؟ قال: أبو المنذر إسماعيل بن عمر. قال: وكان عابدًا. وقال ابن معين: من تجار أهل واسط، ليس به بأس. وقال أبو حاتم: صدوق. ووثقه ابن المديني، وأبو بكر الخطيب. وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: مات بعد سنة ٢٠٠. أخرج له البخاري في «خلق أفعال العباد»، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.
٣ - (داود بن قيس) الفَرَّاء الدَّبَّاغ، أبو سليمان القرشي مولاهم المدني، ثقة، فاضل، من [٥]، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم، والأربعة. تقدم في ٩٦/ ١٢٠.
٤ - (محمد بن عجلان) المدني صدوق، اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة، من [٥]، توفي سنة ١٤٨، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم، والأربعة. تقدم في ٣٦/ ٤٠.
٥ - (يحيى بن سعيد) الأنصاري المدني، ثقة ثبت، من [٥] تقدم في ٢٢/ ٢٣.
٦ - (أنس بن مالك) الأنصاري الصحابي الشهير، ﵁، تقدم في ٦/ ٦. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀، ورجاله كلهم ثقات، غير ابن عجلان، فصدوق، وفيه ثلاثة من التابعين يروي بعضهم، عن بعض؛ داود، وابن عجلان، ويحيى بن سعيد، وهو من رواية الأقران، فكلهم من الطبقة الخامسة.
وشرح الحديث واضح من شرح الحديث الماضي.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث أنس بن مالك هذا صحيح. أخرجه المصنف هنا (٤٦/ ٧٤١)، و«الكبرى» (٤٦/ ٨٢٠)، وهو من أفراده، لم يخرجه غيره من أصحاب الأصول. كما أشار إليه الحافظ المزي في «تحفته» جـ ١ ص ٤٢٩.
(قال أبو عبد الرحمن) النسائي رحمه الله تعالى: (لا نعلم أحدًا تابع عمرو بن يحيى على قوله: «يصلي على حمار»). هكذا نسخ «المجتبى» بتأخير هذا الكلام إلى هنا، والذي في «الكبرى» تقديمه مع حديث ابن عمر ﵁، وهو الأولى لأنه مرتبط به.
وغرض المصنف بهذا أن عمرو بن يحيى المازني خالف الجماعة في قوله: «على حمار»، فإنهم رووه بلفظ: «على راحلته» و«على دابته». وقد تقدمت رواية الجماعة برقم ٤٩٠، ٤٩١، ٤٩٢ وتقدم الكلام عليها مستوفى هناك، فراجعه تستفد.
وكذا اعترض الدارقطني على مسلم في رواية عمرو هذه.
قال النووي ﵀ في شرح مسلم: قال الدارقطني، وغيره: هذا غلط من عمرو بن يحيى المازني، قالوا: وإنما المعروف في صلاة النبي -ﷺ- على راحلته، وعلى البعير، والصواب أن الصلاة على الحمار من فعل أنس، كما ذكره مسلم بعد هذا، ولهذا لم يذكر البخاري حديث عمرو. هذا كلام الدارقطني، ومتابعيه.
وفي الحكم بتغليط عمرو نظر؛ لأنه نقل شيئًا محتملًا، فلعله كان الحمار مرة، والبعير مرة، والشاذ مردود، وهو المخالف للجماعة. والله أعلم. اهـ كلام النووي جـ ٥ ص ٢١١ - ٢١٢.
قال الجامع عفا الله عنه: أول كلام النووي هو الصواب، فالحديث صحيح، كما صححه مسلم، فزيادة عمرو مقبولة، لعدم منافاتها لما رواه الجماعة، إذ أمكن الجمع يحمل روايته على وقت، وروايتهم على وقت، أو أوقات. ويشهد لذلك حديث أنس ﵁ الذي بعده.
وقال الحافظ ﵀ في الفتح جـ ٣ ص ٢٨٨: وقد روى السرَّاج من طريق يحيى بن سعيد، عن أنس ﵁ «أنه رأى النبي -ﷺ- يصلي على حمار، وهو ذاهب إلى خيبر». وإسناده حسن، وله شاهد عند مسلم من طريق عمرو بن يحيى المازني، عن سعيد بن يسار، عن ابن عمر: «رأيت النبي -ﷺ- يصلي على حمار، وهو متوجه إلى خيبر» اهـ.
فدل كلام الحافظ ﵀ على أن الحديثين صحيحان، يشهد أحدهما للآخر. وهذا هو الراجح عندي. وأما الشذوذ الذي ذكره النووي في كلامه السابق، على خلاف عادته، فإنه كان يدافع عن مسلم في مثله إذا اعترض الدارقطني وغيره بالشذوذ، فيجيب عنه بأنه من زيادات الثقات. فيجاب عنه هنا بما يجيب هو به في غير هذا المحل، ولاسيما مع وجود الشاهد المذكور. والله سبحانه، وتعالى أعلم.
(وحديث يحيى بن سعيد، عن أنس، الصواب أنه موقوف. والله سبحانه، وتعالى أعلم).
غرض المصنف رحمه الله تعالى بهذا تضعيف رواية يحيى بن سعيد المرفوعة، وأن صوابها الوقف على أنس ﵁ من فعله.
وذلك لمخالفة غيره، فقد رواه الشيخان من طريق همام بن يحيى، عن أنس بن سيرين، فجعله من فعله، ولفظه عند البخاري: «قال استقبلنا أنسًا حين قدم من الشام، فلقيناه بعَينِ التَّمْرِ، فرأيته يصلي على
حمار، ووجهه من ذا الجانب -يعني عن يسار القبلة- فقلت: رأيتك تصلي لغير القبلة، فقال: لولا أني رأيت رسول الله -ﷺ- فَعَلَه، لم أفعله».
والجواب عنه ما تقدم من أن المرفوع لا ينافي الموقوف، فأنس بن سيرين روى فعلَه، ويحيى بن سعيد روى قولَه، ولقوله شاهد من حديث ابن عمر المتقدم، كما تقدم في كلام الحافظ رحمه الله تعالى.
والحاصل أن الحديثين صحيحان. والله سبحانه، وتعالى أعلم.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
***
٩ - كِتَابُ الْقِبْلَةِ
أي هذا كتاب ذكر الأحاديث الدالة على أحكام القبلة.
اعلم أن أبواب القبلة المذكورة هنا تقدمت بأسانيدها، وأحاديثها، في أوائل كتاب الصلاة، قبيل كتاب المواقيت، برقم (٢٢/ ٤٨٨، ٤٨٩)، (٢٣/ ٤٩٠، ٤٩١، ٤٩٢)، (٢٤/ ٤٩٣).
والظاهر أنه ذكرها هناك استطرادًا، لمناسبة فرض الصلاة، ولذا ترجم هناك بقوله: «باب فرض القبلة»، وأما ذكرها هنا فهو أصل وضعها المناسب. وذكرها في الكبرى بعد كتاب الإمامة، وما هنا أحسن، إذ ترتيبها المناسب تقديم بيان فرض الصلاة، وما يتبع ذلك، ثم الأوقات، ثم الأذان، ثم المساجد، ثم القبلة.
وذلك لأن المكلف يحتاج أن يعرف أولًا فرض الصلاة، وأحكامها، ثم مواقيتها، ليؤديها في الأوقات المطلوبة لها، ثم إنه ربما يكون مشغولًا بحوائجه، كما هو حال أكثر الناس، فيحتاج إلى التنبيه بدخول وقت الصلاة، فلذا شرع له الأذان، إذ هو إعلام بدخول وقت الصلاة، ثم يحتاج إلى مكان يؤدي فيه الصلاة، وهو المسجد، ونحوه، ثم بعد أن يدخل مكان الصلاة يحتاج إلى معرفة الجهة التي يتوجه إليها في أداء الصلاة، وهي القبلة.
فرتبها المصنف -رحمه الله تعالى- هكذا، فذكر أوَّلًا فرض الصلاة،
وما يتبع ذلك، ثم المواقيت، ثم الأذان، ثم المساجد، ثم القبلة. وهكذا ترتيبًا متناسبًا، فما خالف ذلك يعتبر استطرادًا لمناسبة مَّا.
وقد تقدم البحث عن أحاديث هذه الأبواب الثلاثة، وما يتعلق بذلك مستوفى بالأرقام المذكورة، فأقتصر هنا على حل بعض الغوامض، من الأسانيد، والمتون، وأحيل تمام البحث إلى الأرقام المذكورة، إن شاء الله تعالى.
***