وعن أشهب فيمن اقتصر على الصلاة في السراويل مع القدرة يعيد في الوقت، إلا إن كان صفيقًا. وعن بعض الحنفية يكره.
قال الجامع عفا الله عنه: وجوب إعادة من صلى في سراويل إذا لم يكن على عاتقه شيء مع القدرة عليه هو الحق، وسيأتي تحقيقه (١٨/ ٧٦٩) إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٧٦٤ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ وَاضِعًا طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقَيْهِ.
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة).
٢ - (مالك).
تقدما في السند السابق.
٣ - (هشام بن عروة) أبو المنذر المدني، ثقة فقيه، مات سنة ١٤٥، من [٥]، تقدم في ٤٩/ ٦١.
٤ - (عروة) بن الزبير بن العوَّام المدني، ثقة فقيه، مات سنة ٩٤، من [٣]، تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٥ - (عمر بن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي، أبو حفص المدني، رَبيب النبي -ﷺ-. روى عن النبي -ﷺ-، وعن أمه أم سلمة. وروى عنه ابنه محمد، وأبو أمامة بن سهل بن حُنَيف، وسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وثابت البناني، وعطاء بن أبي رباح، وقدامة بن إبراهيم بن محمد بن حاطب، وعبد الله بن كعب الحميري، ووهب بن كيسان، وأبو وجزة السعدي، وابن له غير مسمى.
قال ابن لهيعه، عن أبي الأسود، عن عروة: ولد بأرض الحبشة. وقال هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الزبير: كنت أنا وعمر ابن أبي سلمة يوم الخندق مع النسوة. وفي رواية عنه: كان أكبر مني بسنتين. قال الزبير بن بَكّار: وكان مع علي بن أبي طالب، فولاّه البحرين، وله عقب.
وقال ابن عبد البر ولد في السنة الثانية من الهجرة بأرض الحبشة. وقيل: إنه كان ابن تسع سنين لما مات النبي -ﷺ-، وشهد مع علي الجمل، وتوفي بالمدينة سنة ٨٣، وقال غيره: قتل مع علي يوم الجمل، وليس بشيء. أخرج له الجماعة . والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات نُبَلاء، وكلهم من رجال الجماعة، وأنه مسلسل بالفقهاء المدنيين كسابقه، وأن فيه رواية الراوي عن أبيه، وأن صحابيه من المقلين، ليس له في الكتب الستة إلا نحو تسعة أحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عمر بن أبي سلمة) عبد الله بن عبد الأسد ﵄ (أنه رأى رسول الله -ﷺ-)؛ «رأى» هنا بصرية، فلذا تتعدى إلى مفعول واحد، وهو «رسول الله» وجملة قوله: (يصلي) في محل نصب على الحال من «رسول الله»، ويحتمل أن تكون «رأى» علمية، فتتعدى إلى مفعولين، فالأول «رسول الله»، والثاني جملة «يصلي»، وهو الذي اقتصر عليه العيني في شرح البخاري (في ثوب واحد) يتعلق بـ «يصلي» (في بيت أم سلمة) متعلق بـ «يصلي» أيضًا، ولا يلزم منه تعلق حرفي الجر بلفظ واحد بفعل واحد؛ لاختلاف معناهما؛ إذ الأولى بمعنى الباء، والثانية للظرفية (واضعًا طرفيه على عاتقيه) حال من فاعل «يصلي».
والمراد من وضع الطرفين على العاتقين هو المخالفة بين طرفي الثوب، كما فسرته رواية البخاري من طريق عبيد الله بن موسى، عن
هشام بن عروة، ففيها: «صلى في ثوب واحد، قد خالف بين طرفيه». وفي طريق يحيى القطان، عن هشام: «أنه رأى النبي -ﷺ- يصلي في ثوب واحد في بيت أم سلمة، قد ألقى طرفيه على عاتقيه» ومن طريق أبي أسامة عن هشام قال: «رأيت رسول الله -ﷺ- يصلي في ثوب واحد مشتملًا به في بيت أم سلمة، واضعًا طرفيه على عاتقيه».
وفي حديث جابر ﵁ عند مسلم: «رأيت النبي -ﷺ- يصلي في ثوب واحد متوشحًا به».
قال البخاري ﵀: قال الزهري في حديثه: المُلتَحِف: المتوشح، وهو المخالف بين طرفيه على عاتقيه، وهو الاشتمال على منكبيه. قالت أم هانىء: التحف النبي -ﷺ- بثوب، وخالف بين طرفيه على عاتقيه. انتهى .
وقال النووي ﵀: المشتمل، والمتوشح، والمخالف بين الطرفين معناها واحد هنا. قال ابن السكّيت: التوشح أن يأخذ طرف الثوب الذي ألقاه على منكبه الأيمن من تحت يده اليسرى، ويأخذ طرفه الذي ألقاه على الأيسر من تحت يده اليمنى، ثم يعقدهما على صدره .
والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عمر بن أبي سلمة هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا (١٤/ ٧٦٤) وفي «الكبرى» (٢/ ٨٤٠) عن قتيبة، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عنه. والله أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه؛ فأخرجه البخاري في «الصلاة» عن عبيد الله بن موسى -وعن محمد بن المثنى، عن يحيى ابن سعيد- وعن عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة.
ومسلم فيه عن يحيى بن يحيى، عن حماد بن زيد، وعن أبي كريب، عن أبي أسامة، وعن أبي بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم، كلاهما عن وكيع.
والترمذي فيه عن قتيبة، عن الليث.
وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن وكيع.
كلهم عن هشام بن عروة، به.
وأخرجه مالك في «الموطأ» ص ١٠٦، وأحمد في المسند جـ ٤/ ٢٦، وابن خزيمة رقم (٧٦١). والله تعالى أعلم.
المسألة الرابعة:
في هذا الحديث بيان كيفية الصلاة في الثوب الواحد، وهي أن
يضع طرفيه على عاتقيه، وهو معنى المخالفة، والتوشح، والالتحاف، كما مر، وقد ورد الأمر به، فقد أخرج البخاري في صحيحه عن عكرمة، قال: سمعت أبا هريرة ﵁، يقول: أشهد سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «من صلى في ثوب فليخالف بين طرفيه».
ولا يجوز أن يشتمل به اشتمال الصماء، لورود النهي بذلك، فعن أبي سعيد الخدري ﵁، أنه قال: «نهى رسول الله -ﷺ- عن اشتمال الصماء، وأن يحتبى الرجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شيء». متفق عليه.
واشتمال الصماء -بالصاد المهملة، والمد- قال أهل اللغة: هو أن يخَلِّلَ جسدَه بالثوب، لا يرفع منه جانبًا، ولا يبقي ما يخرج منه يده. قال ابن قتيبة ﵀: سميت صماء لأنه يسد المنافذ كلها فتصير كالصخرة الصماء التي ليس فيها خرق.
وقال الفقهاء: هو أن يلتحف بالثوب، ثم يرفعه من أحد جانبيه، فيضعه على منكبيه، فيصير فرجه باديًا. قال النووي ﵀: فعلى تفسير أهل اللغة يكون مكروهًا؛ لئلا يعرض له حاجة، فيتعسر عليه إخراج يده، فيلحقه الضرر. وعلى تفسير الفقهاء يحرم؛ لأجل انكشاف العورة.
قال الحافظ ﵀: ظاهر سياق المصنف -يعني البخاري- من رواية يونس في اللباس أن التفسير المذكور فيها مرفوع، وهو موافق لما
قال الفقهاء، ولفظه: «والصمّاء أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه، فيبدو أحد شقيه». وعلى تقدير أن يكون موقوفًا فهو حجة على الصحيح؛ لأنه تفسير من الراوي لا يخالف ظاهر الخبر. انتهى .
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب»
…