HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٨٠٧

أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلَاةِ، وَيَقُولُ: لَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، لِيَلِيَنِّي مِنْكُمْ أُولُو الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ. قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ أَشَدُّ اخْتِلَافًا». قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ : أَبُو مَعْمَرٍ اسْمُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ سَخْبَرَةَ.
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص266
  • زبير علي زئي:صحيح مسلم
ج ٢ ص ٨٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, صحيح مسلم, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٠ ص٢٠٠
٢٣ - مَنْ يَلِي الإِمَاءَ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ أي هذا باب ذكر الحديثين الدّالّين على الذين ينبغي أن يكونوا وراء الإمام، ثم الذين ينبغي أن يكونوا وراءهم. ٨٠٧ - أَخْبَرَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَمْسَحُ مَنَاكِبَنَا فِي الصَّلَاةِ، وَيَقُولُ: «لَا تَخْتَلِفُوا، فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ، لِيَلِيَنِّي مِنْكُمْ أُولُو الأَحْلَامِ وَالنُّهَى، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ». قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: فَأَنْتُمُ الْيَوْمَ أَشَدُّ اخْتِلَافًا. قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَبُو مَعْمَرٍ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَخْبَرَةَ. رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (هنّاد بن السَّرِيّ) أبو السَّرِيّ الكوفي، ثقة، مات سنة ٢٤٣، من [١٠]، أخرج له البخاري في «خلق أفعال العباد»، ومسلم والأربعة، تقدم في ٢٣/ ٢٥. ٢ - (أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير الكوفي، ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يَهِمُ في حديث غيره، مات سنة ١٩٥، من كبار [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٦/ ٣٠. ٣ - (الأعمش) سليمان بن مِهْران الكاهلي مولاهم، أبو محمد الكوفي، ثقة حافظ عارف بالقراءة وَرِعٌ، لكنه يدلس، مات سنة ١٤٧، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٧/ ١٨. ٤ - (عمارة بن عُمَيْر) التميمي الكوفي، ثقة ثبت، مات بعد المائة، وقيل: قبلها بسنتين، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٩/ ٦٠٨. ٥ - (أبو مَعْمَر) عبد الله بن سَخْبَرَة الأزدي الكوفي، ثقة، من [٢]. وثقه ابن معين. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن سعد: ثقة، وله أحاديث، توفي في ولاية عبيد الله بن زياد. أخرج له الجماعة. ٦ - (أبو مسعود) عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري، البدري، الصحابي المشهور ﵁، مات قبل الأربعين، أخرج له الجماعة، تقدم في ٦/ ٤٩٤. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي مسعود) عقبة بن عمرو ﵁، أنه (قال: كان رسول الله -ﷺ- يمسح مناكبنا) «المناكب»: جمع مَنكِب، وهو كما في «المصباح»: مُجْتَمَع رأس العَضُد، والكَتِف. أي يضع يده على مناكبنا حتى لا نتقدم، ولا نتأخر (في الصلاة) أي في حال إرادة أداء الصلاة بالجماعة، يعني أنه يراعي تسويتنا لصفوف، عند القيام للصلاة، ويَتَعَهَّدُ ذلك. (ويقول) أي في حال تسوية المناكب على ما هو الظاهر، كما قاله القاري (لا تختلفوا) «لا» ناهية، فلذا جزم الفعل بعدها بحذف النون (فتختلف قلوبكم) بنصب «تختلف» بعد الفاء السببية، كما قال ابن مالك ﵀ في «خلاصته»: وَبَعْدَ فَا جَوَابِ نَفْيٍ اوْ طَلَبْ … مَحْضَيْنِ أَنْ وَسَتْرُهُ حَتْمٌ نَصَبْ وقال أيضًا: وَشَرْطُ نَصْبٍ بَعْدَ نَهْيٍ أَنْ تَضَعْ … إِنْ قَبْلَ لَا دُونَ تَخَالُفٍ يَقَعْ أي لا تختلفوا في إقامة الصفوف بالأبدان بالتقدم والتأخر، فتختلف قلوبكم بالأهوية، والإرادة؛ لأن اختلاف الظواهر، يكون سببًا في اختلاف البواطن. قال الجامع عفا الله عنه: فإن قلت: هذا الحديث يدل على أن القلب تابع للأعضاء، ففسادها سبب لفساده، وحديث النعمان بن بشير ﵄ المتفق عليه: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب». يدل على أن الأعضاء تابعة للقلب، ففساده فساد لها. فكيف يجمع بينهما؟ قلت: يجاب بأن الاختلاف في الظاهر ناشىء عن فساد القلب، وذلك أن عدم إقامة الصفوف، يدل على عدم الاعتناء بالسنة، وعدم الاعتناء بها يدل على غفلة القلب، وفساده؛ لأن من كان قلبه حيًّا صالحًا مُنَوَّرًا بنور الإيمان يكون متبعًا للسنة في جميع أفعاله، والعكس بالعكس، فثبت بهذا ترتب الاختلاف الظاهريِّ على الفساد الباطني، ثم ينشأ من هذا الاختلاف الظاهريِّ المتسبِب عن فساد القلب الاختلافُ الباطنيُّ بمعنى آخر، وهو وقوع العداوة، والبغضاء، والتحاسد فيما بينهم. فظهر بهذا أن فساد القلب أوّلًا بالإعراض عن السنة هو الأصل؛ لاختلاف الظاهر بعدم إقامة الصفوف، الذي ينشأ عنه اختلاف الباطن بالعداوة، والبغضاء، والتحاسد، ونحوها، فاختلف جهة فساد القلب؛ فالفساد الأول: هو الغفلة عن الله، والإعراض عن اتباع السنة، والفساد الثاني: هو الفساد الذي يكون بينهم من الأشياء المذكورة، فالفساد الثاني نتيجة الفساد الأول. وبهذا يحصل الجمع بين الحديثين. ولله الحمد، وله المنة والفضل. وقال القاري ﵀: وفي الحديث إن القلب تابع للأعضاء، فإذا اختلفت اختلف، وإذا اختلف فسد، ففسدت الأعضاء؛ لأنه رئيسها. قلت: القلب مَلِك مطاع، ورئيس متبع، والأعضاء كلها تبع له، فإذا صلح المتبوع صلح التبع، وإذا استقام الملك استقامت الرعية، ويبين ذلك الحديث المشهور: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد، وإذا فسدت فسد الجسد، ألا وهي القلب». فالتحقيق في هذا المقام أن بين القلب، والأعضاء تعلقًا عجيبًا، وتأثيرًا غريبًا، بحيث إنه يسري مخالفة كلّ إلى الآخر، وإن كان القلب مدار الأمر إليه، ألا ترى أن تبريد الظاهر يؤثر في الباطن، وكذا بالعكس، وهو أقوى. انتهى . (ليليني) قال النووي ﵀: هو بكسر اللامين، وتخفيف النون، من غير ياء قبل النون، ويجوز إثبات الياء مع تشديد النون على التوكيد. انتهى . وقال الطيبي: مِنْ حَقِّ هذا اللفظ أن يحذف منه الياء؛ لأنه على صيغة الأمر، وقد وجدنا بإثبات الياء، وسكونها في سائر كتب الحديث، والظاهر أنه غلط. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: قوله في سائر كتب الحديث ليس كما قال، فإن أكثر الكتب، «لِيَلِنِي» بحذف الياء، أو «لِيَلِيَنِّي» لنون التأكيد مع إثباتها، كما هو في صحيح مسلم، وأبي دَاوَد، والترمذي، والنسائي، وإنما وقع ذلك فى بعض النسخ، كما أشار إليه بعضهم. وقوله: غلط. الأولى في مثل هذا أن يُخَرَّجَ على أنه لغة قليلة، كما ذكره بعض النحاة، كقوله (من الطويل): وَتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ … كأَنْ لَمْ تَرَى قَبْلِي أَسِيرًا يَمَانِيَا وقول الآخر (من البسيط): هَجَوْتَ زَبَّانَ ثُمَّ جِئْتَ مُعْتَذِرَا … مِنْ هَجْوِ زَبَّان لَمْ تَهْجُو وَلَمْ تَدَعِ وخُرِّجَ عليه قراءةُ قنبل ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ [يوسف: ٩٠] بالياء، وجزم «يصبر». وقيل: الموجود إشباع، والحرف الأصلي حذفه الجازم، ورد بأن حرف الإشباع لا يكتب. وقيل: غير ذلك . وقال القاري في «المرقاة»: قال شارح «المصابيح»: الرواية بإثبات الياء، وهو شاذ؛ لأنه من الوَلْي بمعنى القرب، واللام للأمر، فيجب حذف الياء للجزم. قيل: لعله سهو من الكاتب، أو كتب بالياء لأنه الأصل، ثم قرىء كذا. أقول: الأولى أن يقال: إنه من إشباع الكسرة، كما قيل: في «لم تهجو، ولم تدع». أو تنبيه على الأصل، كقراءة ابن كثير ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ﴾ أو أنه لغة في أنّ سُكُونه تقديري. انتهى كلام القاري رحمه الله تعالى . (أولو الأحلام، والنُّهَى) «الأحلام»: جمع حِلْمٍ -بكسر فسكون- قال ابن منظور ﵀: الحلم -بالكسر: الأنَاة، والعقل، جمعه أحلام، وحُلُوم، وفي التنزيل العزيز ﴿أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا﴾ الآية: [الطور: ٣٢] قال جرير (من البسيط): هَلْ مِنْ حُلُومٍ لأَقْوَامٍ فَتُنْذِرَهُمْ … مَا جَرَّبَ النَّاسُ مِنْ عَضِّي وَتَضْرِيسِي قال ابن سيده: وهذا أحد ما جمع من المصادر. انتهى . و«النُّهَى»: العقل، يكون واحدًا وجمعًا. وفي التنزيل العزيز ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ [طه: ٥٤]. والنُّهْيَةُ -بالضم-: العقل، سميت بذلك لأنها تنهى عن القبيح، وأنشد ابن بَرِّيّ للخَنْسَاء [من الطويل]: فَتًى كَانَ ذَا حِلْمٍ أَصِيلٍ وَنُهْيَةٍ … إِذَا مَا الْحُبَا مِنْ طَائِفِ الْجَهْلِ حُلَّتِ ومن هنا اختار بعضهم أن يكون النُّهَى جمع نُهْيَة، وقد صرح اللِّحْيَاني بأن النُّهَى جمع نُهْية، فأغنى عن التأويل. قاله في «اللسان» . وقال النووي ﵀: «أولو الأحلام والنهى»: هم العقلاء، وقيل: البالغون. و«النُّهَى» -بضم النون-: العقول، فعلى قول من يقول: «أولو الأحلام»: العقلاء، يكون اللفظان بمعنى، فلَمَّا اختلف اللفظ عُطِف أحدهما على الآخر تأكيدًا، من باب قوله: وَألْفَى قَوْلَهَا كَذِبًا وَمَيْنًا. وذلك أن تغاير اللفظ يقوم مقام تغاير المعنى، وهو كثير في الكلام . وعلى الثاني: معناة البالغون العقلاء. قال أهل اللغة: واحدة النُّهَى نُهْية -بضم النون- وهي العقل، ورجل نَهٍ -بفتح، فكسر- من قوم نَهِينَ، ونَهِيٌّ -بفتح، فكسر، فياء مشددة- من قوم أنْهِيَاء، ويقال: نه -بكسرتين- للإتباع . وسُمِّي العقلُ نُهْية؛ لأنه يُنتَهَى إلى ما أمَرَ به، وَلا يُتَجاوَزُ. وقيل: لأنه يَنْهَى عن القبائح. قال أبو علي الفارسي: يجوز أن يكون النُّهَى مصدرًا، كالهُدَى، وأن يكون جمعًا كالظُّلَمِ، قال: والنُّهَى في اللغة معناه الثبات، والحبس، ومنه النِّهْيُ، والنَّهْي -بكسر النون، وفتحها- والنُّهْيَة للمكان الذي يَنْتَهِي إليه الماء، فيستنقع. قال الواحدي: فرجع القولان في اشتقاق النهية إلى قول واحد، وهو الحبس، فالنُّهْيَة هي التي تَنْهَى، وتَحبِس عن القبائح. والله أعلم. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى بزيادة. وقال القاري: «أولو الأحلام» جمع حِلْم، كأنه من الحلم، والسكون، والوقار، والأناة، والتثبت في الأمور، وضبط النفس عن هيجان الغضب، ويراد به العقل؛ لأنها من مقتضيات العقل، وشعار العقلاء. وقيل: أولو الأحلام البالغون، والحلم -بضم الحاء- البلوغ، وأصله ما يراه النائم. «والنهى» -بضم النون- جمع نهية، وهو العقل الناهي عن القبائح. أي لِيَدْنُ منّي البالغون العقلاء؛ لشرفهم، ومزيد تفطنهم، وتيقظهم، وضبطهم لصلاته، وإن حدث به عارض يخلفونه في الإمامة. قال النووي ﵀: في هذا الحديث تقديم الأفضل، فالأفضل إلى الإمام؛ لأنه أولى بالإكرام، ولأنه ربما احتاج الإمام إلى الاستخلاف، فيكون هو أولى؛ ولأنه يتفطن لتنبيه الإمام على السهو لما لا يتفطن له غيره؛ وليضبطوا صفة الصلاة، ويحفظوها، وينقلوها، ويعلموها الناس؛ ولِيقتدِيَ بأفعالهم من وراءهم. ولا يختص هذا التقديم بالصلاة، بل السنة أن يقدم أهل الفضل في كل مجمع إلى الإمام، وكبير المجلس، كمجلس العلم، والقضاء، والذكر، والمشاورة، ومواقف القتال، وإمامة الصلاة، والتدريس، والإفتاء، وإسماع الحديث، ونحوها، ويكون الناس فيها على مراتبهم في العلم، والدين، والعقل، والشرف، والسن، والكفاءة في ذلك الباب، والأحاديث الصحيحة متعاضدة على ذلك. وفيه تسوية الصفوف، واعتناء الإمام بها، والحث عليها. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى . وقال الطيبي: أمر بتقدم العقلاء ذوي الأخطار والعرفان؛ ليحفظوا صلاته، ويضبطوا الأحكام والسنن، فيبلغوا من بعدهم، وفي ذلك مع الإفصاح عن جلالة شأنه حَثٌّ لهم على تلك الفضيلة، وإرشاد لمن قصر حالهم عن المساهمة معهم في المنزلة إلى تحري ما يزاحمهم فيها. انتهى. (ثم الذين يلونهم) كالمراهقين، أو الذين يقاربون الأولين في النُّهى والحِلْم. قاله القاري (ثم الذين يلونهم) كالصبيان المميزين، أو الذين هم أَنزل مرتبة من المتقدمين حلمًا وعقلًا. والمعنى أنه هَلُمّ جَرًّا، فالتقدير: ثم الذين يلونهم، كالنساء، فإن نوع الذكر أشرف على الإطلاق. وقيل: المراد بهم الخَنَاثَى، ففيه إشارة إلى ترتيب الصفوف. قاله القاري رحمه الله تعالى . (قال أبو مسعود) ﵁ (فأنتم اليوم أشد اختلافًا) قال الطيبي ﵀: هذا خطاب للقوم الذين هيّجوا الفتن، وأراد أن سبب هذا الاختلاف، والفتن عدم تسوية صفوفكم. اهـ. وقيل: يحتمل أن المراد بأشد: أصل الفعل، وعَدَلَ عنه إلى ذلك للمبالغة. قاله في المرقاة . قال الجامع عفا الله عنه: عندي معنى كلام أبي مسعود ﵁ يحتمل معنيين: أحدهما: أنه يقول: إنكم اليوم أشد اختلافًا في الصفوف من اليوم الذي قال لنا فيه رسول الله -ﷺ-: «لا تختلفوا؛ فتختلف قلوبكم»، فإنه كان قليلًا، فقد كان أحيانًا يرى -ﷺ- عدم تسوية الصف من بعض الناس، فيحذرهم، فقد أخرج الجماعة إلا البخاري عن النعمان بن بشير ﵄، قال: كان رسول الله -ﷺ- يسوي صفوفنا، كأنما يسوي القِدَاح، حتى رأى أنَّا قد عقلنا عنه، ثم خرج يومًا، فقام حتى كاد أن يكبر، فرأى رجلًا باديًا صدره من الصفّ، فقال: «عباد الله لتسوّنّ صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم». الثاني: أنه يقول: أنتم اليوم بسبب عدم تسويتكم الصفوف أشد اختلافًا حيث وقعتم في الفتن. والله أعلم. ونحو حديث أبي مسعود المذكور في هذا الباب ما أخرجه مسلم، وأحمد، وأبو داود، والترمذي عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي -ﷺ-، أنه قال: «ليليَنِّي منكم أولو الأحلام والنهى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وإياكم وهَيْشَات الأسواق». و«هيشات الأسواق» -بفتح الهاء، وسكون التحتانية، بعدها شين معجمة-: اختلاطها، والمنازعة، والخصومات، وارتفاع الأصوات، واللغط، والفتن التي فيها، والهَوْشَة. الفتنة، والاختلاط. والمراد: النهي عن أن يكون اجتماع الناس في الصلاة مثل اجتماعهم في الأسواق، متدافعين، متغايرين، مختلفي القلوب والأفعال . (قال أبو عبد الرحمن) النسائي ﵀ (أبو معمر) المذكور في هذا السند (اسمه عبد الله بن سخبرة) بفتح السين المهملة، وسكون الخاء المعجمة، بعدها باء موحدة مفتوحة. وإنما نبه عليه المصنف رحمه الله تعالى لئلا يشتبه على من لا عناية له بعلم الرجال لغيره، ممن يُكنَى بأبي معمر؛ لأن المشهورين به في كتابه، بل وعند أصحاب الكتب الستة ثلاثةٌ: الأول: أبو معمر الكوفي هذا، وقد تقدمت ترجمته قريبًا، وهو من رجال الجماعة. والثاني: أبو معمر المِنْقَري، واسمه عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج التميمي المُقْعَد، وَاسم أبي الحجاج ميسرة، ثقة ثبت رمي بالقدر، مات سنة ٢٢٤، من [١٠]، أخرج له الجماعة، يروي عنه البخاري، وأبو داود بدون واسطة، ويروي عنه المصنف، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه بواسطة أحمد ابن الحسن بن خِرَاش، وحجاج ابن الشاعر، وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، وغيرهم. والثالث: أبو معمر الهُذَليّ، واسمه إسماعيل بن إبراهيم بن مَعْمَر ابن الحسن القَطِيعِي، هروي الأصل، ثقة مأمون، مات سنة ٢٣٦، مات [١٠]، من شيوخ البخاري، ومسلم، وأبي داود، ويروي عنه المصنف بواسطة أبي بكر المروزي، وزكريا السجزي. والله تعالى أعلم، ومنه التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي مسعود ﵁ هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا (٢٣/ ٨٠٧)، وفي «الكبرى» (٢٣/ ٨٨١) عن هناد بن السري، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن أبي معمر، عنه. وفي (٢٦/ ٨١٢)، وفي «الكبرى» (٢٦/ ٨٨٦)، عن بشر ابن خالد العسكري، عن غندر، عن شعبة، عن الأعمش، به نحوه. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم في «الصلاة» عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد الله ابن إدريس -وأبي معاويه- ووكيع -وعن إسحاق بن إبراهيم، عن جرير- وعن ابن أبي عمر، عن سفيان -وعن علي بن خَشْرَم، عن عيسى بن يونس- كلهم عن الأعمش به. وأبو داود فيه عن محمد بن كثير، عن سفيان، عن الأعمش به. وابن ماجه فيه عن محمد بن الصباح، عن سفيان بن عيينة، به. والحميدي رقم (٤٥٦)، وأحمد جـ ٤ ص ١٢٢، والدارمي رقم (١٢٧٠)، وابن خزيمة رقم (١٥٤٢). والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو بيان من يلي الإمام في الصف، ثم الذين يلونهم، وهو أن أصحاب العقول الراجحة، والآراء السديدة يلونه، ثم الذين يلونهم في صفاتهم، وهَلُمَّ جَرًّا. ومنها: ما كان عليه النبي -ﷺ- من الاهتمام بشأن الصلاة، حتى يسوي الصفوف بنفسه، ولا يكله إلى أحد. ومنها: وجوب تسوية الصفوف؛ لأنه جاء به الأمر، وترتب عليه الوعيد. ومنها: بيان أن عدم تسوية الصفوف يترتب عليه الاختلاف القلبي، فيستولي على المجتمع البغضاء، والتنافر، والتحاسد، وعدم توحيد الكلمة، وهذا والله هو الدمار، والهلاك، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وإنه ما حلّ بالمسلمين اليوم الضعفُ، والهوانُ والذل، والخضوع لأعداء الإسلام إلا بسبب هذا، فإنك لا تدخل مسجدًا يجتمع فيه المسلمون لأداء صلاة الجماعة، إلا وترى صفوفهم عوجاء، وإذا طلبت من بعضهم أن يكمل الصف، أو أن يتراصّ وجدته معرضًا بعيدًا عن القبول، بل ربما قال بعضهم: صل لنفسك، ولا تتدخل في شأن غيرك، ثم إذا دخلوا في الصلاة ترى منهم العجب العُجاب من مسابقة بعضهم للإمام في الانتقالات، ومقارنة بعضهم له، بل ربما قال بعضهم: إن مذهبنا يَستَحِب المقارنةَ، مستندًا إلى بعض الأقوال الساقطة المنابذة للأحاديث الصحيحة؛ من أن المستحب للمأموم مقارنة الإمام في أفعاله إلا في الإحرام، والتسليم، وهذا قول باطل منابذ للأدلة الصحيحة، وسيأتي الكلام عليه في بابه إن شاء الله تعالى. نسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقًا، ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلًا، ويرزقنا اجتنابه، إنه سميع، قريب، مجيب الدعوات، وهادي المخلوقات. ومنها: أن أهل الفضل لهم حق التقدم في مجالس الخير، والتكريم على حسب مراتبهم، فقد أخرج أحمد، وابن ماجه بسند صحيح عن أنس بن مالك ﵁: أن رسول الله -ﷺ- كان يحب
مصادر المؤلف (١٤)

١. بفتح المهملة، وسكون المعجمة، وفتح الموحدة. اهـ «ت» ص ١٧٥.

٢. المرقاة جـ ١ ص ٣١٧.

٣. شرح مسلم جـ ٤ ص ١٥٤ - ١٥٥.

٤. انظر حاشية الخضري على شرح ابن عقيل لألفية ابن مالك جـ ١ ص ٥١.

٥. المرقاة جـ ٣ ص ١٧١.

٦. «لسان العرب» جـ ٢ ص ٩٨٠.

٧. جـ ٦ ص ٤٥٦٥.

٨. انظر تحفة الأحوذي جـ ٢ ص ١٩.

٩. انظر اللسان جـ ٦ ص ٤٥٦٦.

١٠. شرح مسلم جـ ٤ ص ١٥٥.

١١. شرح مسلم جـ ٤ ص ١٥٥ - ١٥٦.

١٢. المرقاة جـ ٣ ص ١٧١.

١٣. جـ ٣ ص ١٧٢.

١٤. انظر نيل الأوطار جـ ٤ ص ٨٨.