HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٨١٦

أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنِ الْمُسَيِّبِ بْنِ رَافِعٍ ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ، قَالَ: «خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ؟ قَالُوا: وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ؟ قَالَ: يُتِمُّونَ الصَّفَّ الْأَوَّلَ، ثُمَّ يَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص269
  • زبير علي زئي:صحيح مسلم
ج ٢ ص ٩٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٤ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, صحيح مسلم, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٠ ص٢٥٨
مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أنس ﵁ هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ٢٨/ ٨١٥، وفي «الكبرى» ٢٨/ ٨٨٩، عن محمد بن عبد الله بن المبارك المخَرِّميّ، عن أبي هشام المغيرة بن سلمة المخزومي، عن أبان بن يزيد العطار، عن قتادة، عنه. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه أبو داود في «الصلاة» عن مسلم بن إبراهيم الأزدي، عن أبان، به. وابن خزيمة برقم (١٥٤٥) عن محمد بن معمر القيسي، عن مسلم ابن إبراهيم، به. وقال: قال مسلم: يعني النَّقَدَ الصغار. النقد الصغار أولاد الغنم. وأخرجه البيهقي في «الكبرى» من طريق أبي داود بـ٣ ص ١٠٠. والله تعالى أعلم، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٨١٦ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنِ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ تَمِيمِ بْنِ طَرَفَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: «خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ:»أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ«. قَالُوا: وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ؟ قَالَ:»يُتِمُّونَ الصَّفَّ الأَوَّلَ، ثُمَّ يَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ«. رجال هذا الإسناد: ستة: ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت، مات سنة ٢٤٠، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١. ٢ - (الفضيل بن عياض) التميمي الزاهد، أبو علي الخراساني، نزيل مكة، ثقة عابد إمام، مات سنة ١٨٧، من [٨]، أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، تقدم في ٢١/ ٣٨٨. ٣ - (الأعمش) سليمان بن مهران الكاهلي مولاهم، أبو محمد الكوفي، ثقة ثبت، حجة لكنه مدلس، مات سنة ١٤٧، من [٥]، أخرح له الجماعة، تقدم في ١٧/ ١٨. ٤ - (المسيب بن رافع) الأسدي الكاهلي، أبو العلاء الكوفي الأعمى، ثقة، من [٤]. قال الدوري، عن ابن معين. لم يسمع من أحد من الصحابة، إلاَّ من البراء، وأبي إياس، عامر بن عبدة. وقال العوام بن حوشب: كان المسيب يختم القرآن في كل ثلاث. وقال أبو حاتم. سمعت أبي يقول: المسيب عن ابن مسعود مرسل. وقال مرة: لم يلق ابن مسعود، ولم يلق عليًا، إنما يروي عن مجاهد ونحوه. وقال أبو زرعة: المسيب عن سعد بن أبي وقاص مرسل، قلت: سمع منه عبد الله؟ قال: لا برأسه. وقال أبو حاتم: روى عن جابر بن سمرة قليلًا، ولا أظنه سمع منه يدخل بينه وبينه تميم بن طرفة. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن أبي عاصم، وغيره: مات سنة ١٠٥، أخرج له الجماعة. ٥ - (تميم بن طرفة) -بفتح الطاء والراء- الطائفي المُسْلِيّ -بضم الميم، وسكون المهملة- الكوفي، ثقة، من [٣]. قال النسائي: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة قليل الحديث. وقال الشافعي: تميم بن طرفة مجهول. وقال الآجري، عن أبي داود: ثقة مأمون. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال أبو حسان الزيادي، وغيره: مات سنة ٩٤، وقال ابن أبي عاصم: مات سنة ٩٥، وقال ابن قانع: توفي سنة ٩٣، وقال ابن حبان: مات سنة ثلاث، أو أربع وتسعين. أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. ٦ - (جابر بن سمرة) بن جُنادة -بضم الجيم، بعدها نون- ويقال: ابن عمرو بن جندب بن حجير بن رئاب بن حبيب بن سواءة -بضم المهملة، وتخفيف الواو- بن عامر بن صعصعة، السُّوائي، أبو عبد الله، ويقال: أبو خالد، وضبط العسكري اسم جده بزاي، وبائين الأولى مشددة. وكذا قال ابن ماكولا. له، ولأبيه صحبة، نزل الكوفة، ومات بها، وله عقب بها. روى عن النبي -ﷺ-، وعن أبيه، وخاله سعد بن أبي وقاص، وعمر، وعلي، وأبي أيوب، ونافع بن عتبة بن أبي وقاص. وعنه سماك بن حرب، وتميم بن طرفة، وجعفر ابن أبي ثور، وأبو عون الثقفي، وعبد الملك بن عمير، وحصين بن عبد الرحمن، وأبو إسحاق السبيعي، وجماعة. وذكر البرديجي أن أبا إسحاق لم يصح سماعه منه. قال ابن سعد: توفي في خلافة عبد الملك بن مروان، في ولاية بشر ابن مروان. وقال خليفة: مات سنة ٧٣، وقيل عنه: سنة ٧٦، وقال ابن منجويه. سنة ٧٤، وقيل غير ذلك. وقول من قال: مات سنة ٧٤، كما قال الحافظ -أشبه بالصواب؛ لأن بشر بن مروان ولي الكوفة سنة ٧٤، ومات سنة ٧٥، وقد ذكر أكثر المؤرخين أن جابر بن سمرة مات في أيامه. أخرج له الجماعة. له ١٤٦ حديثًا، اتفق الشيخان على حديثين، وانفرد مسلم بثلاثة وعشرين حديثًا. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها. أنه من سداسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا الفضيل، فلم يخرج له ابن ماجه، وتميم بن طرفة، فلم يخرج له بالبخاريّ، والترمذيّ، وأن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض، الأعمش، والمسيب، وتميم ابن طرفة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن جابر بن سمرة) ﵄، أنه (قال: خرج إِلينا رسول الله -ﷺ-) أي من بعض حجره (فقال: ألا) بفتح الهمزة، وتخفيف «لا»، ويجوز تشديدها لغةً، وهي أداة تحضيض، كما في قوله تعالى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآية [النور: ٢٢]. وقوله: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ١٢، ١٣]. (تصفون) بفتح المثناة الفوقية، وضم الصاد، أو بضم التاء، وفتح الصاد مبنيًا للمفعول. والمراد: الصف في الصلاة. وفي رواية مسلم: خرج علينا رسول الله -ﷺ-، فقال: «ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شُمسٍ؟، اسكنوا في الصلاة»، ثم خرج علينا، فرآنا حِلَقًا، فقال: «ما لي أراكم عزين؟» -أي متفرقين- ثم خرج علينا، فقال: «ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربهم» … الحديث. (كما تصف الملائكة) فيه الاقتداء لأفعال الملائكة في صلاتهم، وتعبداتهم، وفيه أن الملائكة يصلون، وأن صفوفهم كما وُصِفَ في هذا الحديث. وقد أخرج مسلم في صحيحه عن حذيفة ﵁، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «فُضِّلْنا بثلاث، صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعل لنا ترابها طهورًا إذا لم نجد الماء». (عند ربهم) ولابن حبان «عند ربها» (قالوا) أي قال الصحابة المخاطبون بإتمام الصف. ولأبي داود: «قلنا» (وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ قال) -ﷺ-: (يتمون الأول) وفي التفسير من «الكبرى» ٢٩٩/ ١١٤٣٤ «يتمون الصف المقدم». وهكذا رواية المصنف بالإفراد، فتكون «أل» جنسية، ومدخولها كالنكرة المقرونة بكل، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢]، فيشمل الصفوف المتقدمة ما عدا الصف الأخير، فيكون المعنى: يتمون الصفوف المتقدمة. وفي رواية مسلم، وابن ماجه. «يتمون الصفوف الأُوَل». بالجمع، وهي واضحة. وعند أبي داود: «يتمون الصفوف المتقدمة». أي لا يشرعون في صف حتى يكمل الذي قبله (ثم يتراصون في الصفوف) أي يتلاصقون فيها حتى لا يكون بينهم فُرَج. ويؤخذ منه أن تلاصق بعضهم ببعض، وتضامهم يستلزم تسوية الصفوف، والعكس بالعكس. وبالله التوفيق، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث جابر بن سمرة ﵄ هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ٢٨/ ٨١٦، وفي «الكبرى» ٢٨/ ٨٩٠، وفي «التفسير» ٢٩٩/ ١١٤٣٤ عن قتيبة، عن فضيل بن عياض، عن الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن تميم بن طرفة، عنه. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم في «الصلاة» عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كريب، كلاهما عن أبي معاوية وعن أبي سعيد الأشج، عن وكيع، وعن إسحاق بن إبراهيم، عن عيسى بن يونس. وأبو داود فيه عن عبد الله بن محمد النفيلي، عن زهير بن معاوية، كلهم عن الأعمش، عن المسيب ابن رافع، عن تميم بن طرفة، عنه. وابن ماجه فيه عن علي بن محمد، عن وكيع به. وأحمد جـ ٥/ ص ١٠١، ١٠٦. وابن خزيمة رقم (١٥٤٤). والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائد أحاديث الباب: منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو أن الإمام يحث المأمومين على رَصِّ الصفوف، والمقاربة بينها، وأن ذلك من وظيفته. ومنها: ما كان عليه النبي -ﷺ- من شدة الاهتمام في تسوية الصفوف. ومنها: أنّ فيه إثبات المعجزة الظاهرة له -ﷺ-، حيث أكرمه الله تعالى برؤية من خلفه، كما يرى من أمامه دون أن يلتفت إليهم، وكذلك رؤيته الشياطين تدخل بين خلَل الصفوف لوسوسة المصلين. ومنها: أن تسوية الصفوف يكون بالمقاربة، ومحاذاة الأعناق. ومنها: أن تسوية الصفوف، والتقارب فيما بينها مانع من دخول الشياطين بين المصلين، وأن عدم ذلك سبب لدخولها، فتتسلط عليهم بشدة الوسوسة لهم. ومنها: أن الملائكة يصلون جماعة، وأنهم يعتنون بتسوية الصفوف، وإتمام الأول فالأول، فينبغي للممسلمين أن يقتدوا بهم في ذلك. والله تعالى أعلم. المسألة الخامسة: في بيان اختلاف أهل العلم في حكم تسوية الصفوف: ذهب جمهور أهل العلم إلى أن تسوية الصفوف مستحبة، وقد استدلّ لهم بحديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «أقيموا الصف في الصلاة، فإن إقامة الصف من حسن الصلاة»، ولمسلم من حديث أنس ﵁: «سووا صفوفكم، فإن تسوية الصفوف من تمام الصلاة». وللبخاري: «من إقامة الصلاة». قال ابن بطال ﵀: هذا يدلّ على أن إقامة الصفوف سنة؛ لأنه لو كان فرضًا لم يجعله من حسن الصلاة؛ لأن حسن الشيء زيادة على تمامه، وذلك زيادة على الوجوب. قال: ودلّ هذا على أن قوله في حديث أنس: «من إقامة الصلاة» أن إقامة الصلاة تقع على السنة، كما تقع على الفريضة. وقال الشيخ ابن دقيق العيد ﵀: قد يؤخذ من قوله: «من تمام الصلاة» أنه مستحب غير واجب؛ لأنه لم يذكر أنه من أركانها، ولا من واجباتها، وتمام الشيء أمر زائد على وجود حقيقته التي لا يتحقق إلا بها في مشهور الاصطلاح، قال: وقد ينطلق بحسب الوضع على بعض ما لا يتم الحقيقة إلا به. انتهى. وقد اعترض العلامة الصنعاني على قوله: ولم يذكر أنه من أركانها، ولا من واجباتها. قائلًا: التعبير بالأركان، والواجبات ليس من المطرد، واعتبارات الشارع له مسلم، بل قال في الفاتحة: «لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن». وقال -ﷺ-: «فإنك لم تصل». وغاية كون هذا القول، أو الفعل ركنًا من الصلاة، أو واجبًا منها، لم يقع التعبير به في لسان الشرع فيما لا تتم الصلاة إلا به، وإن جاء فنادر. واعترض الحافظ ﵀ قوله: في مشهور الاصطلاح. قائلا: وهذا الأخذ بعيد؛ لأن لفظ الشارع لا يحمل إلا على ما دل عليه الوضع في اللسان العربي، وإنما يحمل على العرف إذا ثبت أنه عرف الشارع، لا العرف الحادث. انتهى. وذهب أبو محمد ابن حزم ﵀ إلى فرضيته، وبطلان الصلاة بتركه، فقال: وفرض على المأمومين تعديل الصفوف الأول. والتراص فيها، والمحاذات بالمناكب والأرجل، فإن كان نقص كان في آخرها، ومن صلى وأمامه في الصف فرجة يمكنه سدها بنفسه، فلم يفعل بطلت صلاته. واستدل على ذلك بحديث النعمان بن بشير ﵄. «لتسون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم». المتقدم ٢٥/ ٨١٠ قال: وهذا وعيد شديد، والوعيد لا يكون إلا في كبيرة من الكبائر، ثم ذكر قول أنس ﵁: كان أحدنا يلزق منكبه بمنكب صاحبه، وقدمه لقدمه. وهو في «صحيح البخاري». ثم قال: وهذا إجماع منهم، ثم قال: وبقولنا يقول السلف الطيب، روينا بأصح إسناد عن أبي عثمان النهدي، قال. كنت فيمن ضرب عمرُ بن الخطاب قدمه لإقامة الصف في الصلاة. قال ابن حزم: ما كان ﵁ ليضرب أحدًا، ويستبيح بشرة محرمة عليه على غير فرض. ثم حكى ابن حزم بعث عمر رجالًا يسوون الصفوف، فإذا جاءوا كبر. وكذلك بعث عثمان ﵁ رجالًا لذلك، وأنه لا يكبر حتى يخبروه باستوائها، ثم قال: فهذا فعل الخليفتين بحضرة الصحابة، لا يخالفهم في ذلك أحد منهم، ثم حكى عن سويد بن غفلة، قال: كان بلال هو مؤذن رسول الله -ﷺ- يضرب أقدامنا في الصلاة، ويسوي مناكبنا، ثم قال: فهذا بلال ما كان ليضرب أحدًا على غير الفرض، ثم حكى قولهم لأنس بن مالك ﵁ لما قدم المدينة: أتنكر شيئًا مما كان على عهد رسول الله -ﷺ-، فقال: لا، إلا أنكم لا تقيمون الصفوف. قال ابن حزم: المباح ليس منكرًا. انتهى كلام ابن حزم باختصار . وقال الإمام البخاري ﵀ في «صحيحه»: [باب إثم من لم يُتِمّ الصفوف]، ثم أخرج مُسْتَدِلًا على ما ترجم له حديث أنس ﵁ أنه قدم المدينة، فقيل له: ما أنكرت منا منذ يوم عهدت رسول الله -ﷺ-؟ قال: ما أنكرت شيئًا، إلا أنكم لا تقيمون الصفوف. قال في «الفتح»، قال ابن رشد: وتعقب بأن الإنكار قد يقع على ترك السنة، فلا يدلّ ذلك على حصول الإثم. وأجيب بأنه لعله حمل الأمر في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ الآية [النور: ٦٣]. على أن المراد بالأمر الشأن والحال، لا مجرد الصيغة، فيلزم منه أن من خالف شيئًا من الحال التي كانت عليها رسول الله -ﷺ- يأثم، لما يدل عليه الوعيد المذكور في الآية. وإنكار أنس ظاهر في أنهم خالفوا ما كانوا عليه في زمن رسول الله -ﷺ- من إقامة الصفوف، فعلى هذا تستلزم المخالفة التأثيم، انتهى كلام ابن رشد ملخصًا. قال الحافظ: وهو ضعيف؛ لأنه يفضي إلى أن لا يبقى شيء مسنون؛ لأن التأثيم إنما يحصل على ترك واجب. وأما قول ابن بطال: إن تسوية الصفوف لمّا كانت من السنن المندوب إليها التي يستحق فاعلها المدح عليها؛ دلّ على أن تاركها يستحق الذم، فهو متعقب من جهة أنه لا يلزم من ذم تارك السنة أن يكون آثمًا، سلمنا، لكن يرد عليه التعقب الذي قبله. ويحتمل أن يكون البخاري أخذ الوجوب من صيغة الأمر في قوله: «سووا صفوفكم». ومن عموم قوله: «صلوا كما رأيتموني أصلي». ومن ورود الوعيد على تركه، فرجح عنده بهذه القرائن أن إنكار أنس إنما وقع على ترك الواجب، وإن كان الإنكار قد يقع على ترك السنن. ومع القول بأن التسوية واجبة في الصلاة، فصلاة من خالف، ولم يسو صحيحة، لاختلاف الجهتين، ويؤيد ذلك أن أنسًا مع إنكاره عليهم لم يأمرهم بإعادة الصلاة. وأفرط ابن حزم، فجزم بالبطلان، ونازع من ادعى الإجماع على عدم الوجوب بما صح عن عمر أنه ضرب قدم أبي عثمان النهدي لإقامة الصف، وبما صح عن سويد بن غفلة، قال: كان بلال يسوي مناكبنا، ويضرب أقدامنا في الصلاة، فقال: ما كان عمر وبلال يضربان أحدًا على ترك غير الواجب، وفيه نظر؛ لجواز أنهما كان يريان التعزير على ترك السنة. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى . قال الجامع عفا الله عنه: الذي يظهر لي مما ذكر من الأدلة وجوب تسوية الصفوف، كما هو ظاهر صنيع البخاري رحمه الله تعالى المذكور آنفًا. والحاصل أن الأدلة التي استدل لها أبو محمد ابن حزم ﵀ واضحة في إفادة الوجوب، وأما إفادتها بطلان الصلاة فغير واضحة. ولذا قال العلامة الصنعاني ﵀بعد ذكر ما تقدم من كلام الحافظ- ما نصه: قلت: الوعيد بقوله -ﷺ-: «لتسون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين وجوهكم» يقتضي الوجوب، كما قاله ابن رسلان في «شرح الترمذي». ويؤيده حديث أبي أمامة عند أحمد، وفيه ضعف: «لتسون صفوفكم، أو لتطمسن الوجوه». ولهذا قال ابن الجوزي: الظاهر أنه مثل الوعيد في قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ [النساء: ٤٧]. نعم الأوامر، والوعيد، وفعل عمر، وبلال رضي الله تعالى عنهما أدلة على الوجوب ناهضة، وأما على بطلان الصلاة، فلابدّ من الدليل عليه. انتهى . فتلخص من هذا أن الراجح وجوب تسوية الصفوف، دون بطلان الصلاة بعدم تسويتها. والله تعالى أعلم. تَتِمَّةٌ: ذكر العلماء في حكمة إقامة الصفوف أمورًا: أحدها: حصول الاستقامة، والاعتدال ظاهرًا، كما هو مطلوب باطنًا. ثانيها: أن لا يتخلل الشيطان بينهم، فيفسد صلاتهم بالوسوسة، كما أشار إليه في حديث أنس ﵁، المذكور في الباب. ثالثها: ما في ذلك من حسن الهيئة. رابعها: أن في ذلك تمكنهم من صلاتهم مع كثرة جمعهم، فإذا تراصوا وسع جميعهم المسجد، وإذا لم يفعلوا ذلك ضاق عنهم. خامسها: أن لا يشغل بعضهم بعضًا بالنظر إلى ما يشغله منه إذا كانوا مختلفين، وإذا اصطفوا غابت وجوه بعضهم عن بعض، وكثير من حركاتهم، وإنما يلي بعضهم من بعض ظهورهم. أفاده الحافظ ولي الدين العراقي رحمه الله تعالى . والله تعالى أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. … ٢٩ - باب فَضْلِ الصَّفِّ الأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّ على حث فضل من صلى في الصف الأول على من صلى في الصف الثاني. ومحل الاستدلال من الحديث قوله: «كان يصلي على الصف الأول ثلاثًا»، حيث فضله -ﷺ- على الثاني بالصلاة عليه ثلاثًا. والله تعالى أعلم. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في «شرح مسلم»: واعلم أن الصف الأول الممدوح الذي وردت الأحاديث بفضله، هو الصف الذي يلي الإمام، سواء جاء صاحبه مقدمًا أو مؤخرًا، وسواء تخلله مقصورة ونحوها، أم لا؟ هذا هو الصحيح الذي تقتضيه ظواهر الأحاديث، وصرح به المحققون. وقالت طائفة من العلماء: الصف الأول هو المتصل من طرف المسجد إلى طرفه، لا تقطعه مقصووة ونحوها، فإن تخلل الذي يلي الإمام شيء، فليس بأول، بل الأول ما لا يتخلله شيء، وإن تأخر. وقيل: الصف عبارة عن مجيء الإنسان إلى المسجد أولًا، وإن صلى في صف متأخر. وهذان القولان غلط صريح، وإنما أذكره، ومثله لأنبه على بطلانه، لئلا يُغْتَرَّ به. والله أعلم. انتهى كلام النووى رحمه الله تعالى .
مصادر المؤلف (٧)

١. قال المجد: النقّدُ -بالتحريك-: جنس من الغنم قبيح الشكل.»ق«ص ٤١٢.

٢. راجع حاشية العلامة الخصري على شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك جـ ١ ص ٨٤.

٣. المحلّى جـ ٤ ص ٥٢ - ٥٦.

٤. فتح جـ ٢ ص ٤٤٦ - ٤٤٧.

٥. فتح جـ ٢ ص ٤٤٦ - ٤٤٧.

٦. راجع طرح التثريب جـ ٢ ص ٣٢٦.

٧. شرح مسلم جـ ٤ ص ١٦٠.