HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٨٤٨

أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَظْمًا سَمِينًا، أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ، لَشَهِدَ الْعِشَاءَ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص281
  • زبير علي زئي:صحيح البخاري
ج ٢ ص ١٠٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٠ ص٥٣٧
٤٩ - التَّشْدِيدُ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الْجَمَاعةِ أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على التشديد في التخلف عن أداء الصلاة بالجماعة. والفرق بين هذه الترجمة والتي قبلها، أن تلك في ترك أهل القرية إقامة الجماعة أصلًا، وهذه في تخلف بعض الناس عنها مع كونها تقام في القرية. والله تعالى أعلم. ٨٤٨ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ، فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا، فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَظْمًا سَمِينًا، أَوْ مَرْمَاتَيْنِ حَسْنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ». رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد أبو رجاء الثقفي، ثقة ثبت، من [١٠]. تقدم في ١/ ١. ٢ - (مالك) بن أنس، إمام دار الهجرة، الحجة المثبت المدني، من [٧]، تقدم في ٧/ ٧. ٣ - (أبو الزناد) عبد الله بن ذكران المدني، ثقة فقيه، من [٥]، تقدم في ٧/ ٧. ٤ - (الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز المدني، ثقة ثبت، من [٣]، تقدم في ٧/ ٧. ٥ - (أبو هريرة) ﵁، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات نبلاء، وكلهم من رجال الجماعة. ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، وشيخه، وإن كان بغلانيًا، إلا أنه دخل المدينة. ومنها: أنه من أصح الأسانيد لأبي هريرة ﵁، كما نقله أبو عبد الله الحاكم عن البخارى. كما قاله في «التدريب» جـ ١ ص ٨٣. ومنها: أنه مسلسل بالفقهاء. ومنها: أن فيه روايين اشتهر كل منهما باللقب، وأحدهما لقبه بصورة الكنية، وهما الأعرج، وأبو الزناد، فأبو الزناد لَقَب لُقِّبَ به لذكائه، وليس بكنية، وكنيته أبو عبد الرحمن. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي؛ أبو الزناد، عن الأعرج. ومنها: أن صحابيه أكثر من روى الحديث من الصحابة، روى ٥٣٧٤ حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز، وهي رواية السراج من طريق شعيب، عن أبي الزناد، سمع الأعرج (عن أبي هريرة) ﵁ (أن رسول الله -ﷺ- قال: والذي نفسي بيده) هو قسم كان النبي -ﷺ- كثيرًا ما يقسم به، وفيه إثبات اليد لله تعالى على ما يليق بجلاله، وجواز القسم على الأمر الذي لا شك فيه، تنبيهًا على عظم شأنه، وفيه الرد على من كره الحلف بالله مطلقًا. (لقد هممت) جواب القسم أكده باللام، وكلمة «قد». ومعنى «هممت»: أي قصدت، من الهم، وهو العزم، وقيل: دونه. وزاد مسألة في أوله: أنه فقد ناسًا في بعض الصلوات، فقال: «لقد هممت» … فأفاد ذكر سبب الحديث. (أن آمر بحطب) كل ما جَفّ من زرع وشجر، توقد به النار، وشوك العِضَاهِ (فيحطب) بالبناء للمجهول، ونصبه عطفًا على «آمر». ومعناه: يُجْمَع، يقال: حَطَبْتُ الحَطَبَ حَطْبًا، من باب ضَرَبَ: جمعتُهُ، واسم الفاعل: حاطب، وحَطَّاب للمبالغة، واحتَطَب مثلُ حَطَبَ. أفاده الفيومي . (ثم آمر بالصلاة) أي ليظهر من حصر ممن لم يحضر. و«أل» في «الصلاة» إن كانت للجنس، فهو عام، وإن كانت للعهد، ففي رواية أنها العشاء، وفي أخرى الفجر، وفي أخرى الجمعة، ومي أخرى: «يتخلفون عن الصلاة»، ولا تعارض بينها لجواز حملها على تعدد الواقعة . (فيؤذن لها) أي ينادى لأجل أداء اصلاة جماعة (ثم آمر رجلًا فيؤم الناس) أي يصلي بهم إمامًا (ثم أخالف إِلى رجال) أي آتيهم من خلفهم، أو المعنى: أخالف الفعل الذي أظهرت من إقامة الصلاة، وأتركه، وأسير إليهم، أو أخالف ظنهم في أني مشغول بالصلاة عن قصدي إليهم، أو معنى أخالف: أتخلف، أي عن الصلاة إلى قصد المذكورين، والتقييد بالرجال يخرج النساء والصبيان. قاله في «الفتح» . وقال البدر العيني ﵀: قوله: «ثم أخالف» من باب المفاعلة، قال الجوهري: قولهم: هو يخالف إلى فلان، أي يأتيه إذا غاب عنه. وقال الزمخشري: يقال: خالفني إلى كذا: إذا قصدك، وأنت مُوَلٍّ عنه، قال تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] الآية. والمعنى هنا: أخالف المشتغلين بالصلاة، قاصدًا إلى بيوت الذين لم يخرجوا عنها إلى الصلاة، فأحرقها عليهم، ويقال: معنى أخالف إلى رجال: أذهب إليهم . (فأحرق عليهم بيوتهم) بتشديد الراء، من التحريق، والمراد به التكثير، يقال: حَرَّقَه -بالتشديد-: إذا بالغ في تحريقه، ويحتمل أن يكون من الإحراق. وقوله: «عليهم»: يشعر بأن العقوبة ليست قاصرة على المال، بل المراد تحريق المقصودين، والبيوت تبعًا للقاطنين بها. وفي رواية مسلم من طريق أبي صالح: «فأحرق بيوتًا على من فيها». قاله في «الفتح». (والذي نفسي بيده) فيه إعادة اليمين للمبالغة في التأكيد (لو يعلم أحدهم أنه يجد عظمًا سمينًا) وفي رواية الشيخين: «عَرْقًا سمينًا» وهو بفتح العين المهملة، وسكون الراء، بعدها قاف -قال الخليل: العُراق: العظم بلا لحم وإن كان عليه لحم، فهو عَرْق. وفي «المحكم» عن الأصمعي: العرق بسكون الراء: قطعة لحم. وقال الأزهري: العرق واحد العُراق، وهي العظام التي يؤخذ منها هبر اللحم ، ويبقى عليها لحم رقيق، فيكسر، ويطبخ، ويؤكل ما على العظام من لحم دقيق، ويتشمس العظام، يقال. عَرَقت اللحم، واعترقته، وتعرقته. إذا أخذت اللحم منه نهشًا. وفي «المحكم»: جمع العَرْق على عُراق بالضم عزيز -أي نادر -. وقول الأصمعي هو اللائق هنا . (أو مرماتين حسنتين) تثنية مرماة -بكسر الميم وحكي فتحها. قال الخليل: هي ما بين ظلفي الشاة. وحكاه أبو عبيد، وقال: لا أدري ما وجهه. ونقله المستملي في روايته في «كتاب الأحكام» عن الفربري، قال: قال يونس، عن محمد بن سليمان، عن البخاري: المرماة -بكسر الميم، مثل مسناة، وميضاة: ما بين ظلفي الشاة من اللحم. قال عياض: فالميم على هذا أصلية. وقال الأخفش: المرماة لعبة كانوا يلعبونها بنصال محددة، يرمونها في كوم من تراب، فأيهم أثبتها في الكوم غلب، وهي المرماة، والمدحاة. قال الحافظ: ويبعد أن تكون هذه مراد الحديث لأجل التثنية، وحكى الحربي عن الأصمعي أن المرماة سهم الهدف، قال: ويؤيده ما حدثني … ثم ساق من طريق أبي رافع، عن أبي هريرة ﵁ نحو الحديث، بلفظ: «لو أن أحدهم إذا شهد الصلاة معي كان له عظم من شاة سمينة، أو سهمان لفعل». وقيل: المرماة سهم يُتعلَّم عليه الرمي، وهو سهم دقيق مستوٍ غير محدد. قال الزين بن المنير: ويدل على التثنية، فإنها مشعرة بتكرار الرمي بخلاف السهام المحددة الحربية، فإنها لا يتكرر رميها. وقال الزمخشري: تفسير المرماة بالسهم ليس بوجيه، ويدفعه ذكر العَرْق معه. ووجهه ابن الأثير بأنه لما ذكر العظم السمين، وكان مما يؤكل أتبعه بالسهمين لأنهما مما يُلهَى به. انتهى. وإنما وصف العَرْق بالسِّمَن، والمِرْمَاة بالحُسْن ليكون ثَمَّ باعث نفساني على تحصيلهما. وقال الطيبي: «الحسنتين» بدل من المرماتين، إذا أريد بهما العظم الذي لا لحم عليه، وإن أريد بهما السهمان الصغيران، فالحسنتان بمعنى الجيدتان صفة للمرماتين. انتهى. وفيه إشارة إلى ذم المتخلفين عن الصلاة بوصفهم بالحرص على الشيء الحقير من مطعوم، أو ملعوب به، مع التفريط فيما يُحَصِّلُ رفيعَ الدرجات، ومنازلَ الكرامات . (لشهد العشاء) أي حضر صلاة العشاء، والمعنى أنه لو علم أنه لو حضر الصلاة لوجد نفعًا دنيويًا، وإن كان خسيسًا حقيرًا لحضرها، لقصور همته على الدنيا، ولا يحضر لما لها من مثوبات العقبى ونعيمها . والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ٤٩/ ٨٤٨، وفي «الكبرى» ٤٩/ ٩٢١، بالسند المذكور. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري في «الصلاة» عن عبد الله بن يوسف، وفي «الأحكام» عن إسماعيل بن أبي أويس -كلاهما عن مالك-. ومسلم في «الصلاة» عن عمرو الناقد، عن ابن عيينة -كلاهما عن أبي الزناد-، عن الأعرج، عنه. وأخرجه مالك في «الموطأ» رقم ١٠٠، والحميدي ٩٥٦، وأحمد جـ ٢ ص ٢٤٤، وابن خزيمة رقم ١٤٨١. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما بوب له المصنف ﵀، وهو التشديد في التخلف عن الجماعة. ومنها: تقديم الوعيد والتهديد على العقوبة، وسره أن المفسدة إذا ارتفعت بالأهون من الزجر اكتفي به عن الأعلى من العقوبة. نبه عليه ابن دقيق العيد. ومنها: جواز العقوبة بالمال. كذا استدل به كثير من القائلين بذلك من المالكية وغيرهم. وفيه نظر لاحتمال أن التحريق من باب ما لا يتم الواجب إلا به، إذ الظاهر أن الباعث على ذلك أنهم كانوا يختفون في بيوتهم، فلا يتوصل إلى عقوبتهم إلا بتحريقها عليهم. ومنها: جواز أخذ أهل الجرائم على غِرَّة؛ لأنه -ﷺ- هَمَّ بذلك في الوقت الذي عُهِد منه فيه الاشتغال بالصلاة بالجماعة، فأراد أن يبغتهم في الوقت الذي يتحققون أنه لا يطرقهم فيه أحد. وفي السياق إشعار بأنه تقدم منه زجرهم عن التخلف بالقول حتى استحقوا التهديد بالفعل. وترجم عليه البخاري في «كتاب الإشخاص»، وفي «كتاب الأحكام»: «باب إخراج أهل المعاصي والرِّيَب من البيوت بعد المعرفة». يريد أن من طلب منهم بحق، فاختفى، أو امتنع في بيته لَدَدًا، ومَطْلًا أخرج منه بكل طريق يتوصل إليها، كما أراد -ﷺ- إخراج المتخلفين عن الصلاة بإلقاء النار عليهم في بيوتهم. ومنها: أنه استدل به ابن العربي وغيره على مشروعية قتل تارك الصلاة متهاونًا بها. ونوزع في ذلك، ورواية أبي داود التي فيها أنهم كانوا يصلون في بيوتهم تعكر عليه، نعم يمكن الاستدلال منه بوجه آخر، وهو أنهم إذا استحقوا التحريق بترك صفة من صفات الصلاة خارجة عنها، سواء قلنا: واجبة، أو مندوبة كان مَنْ تَرَكهَا أصلًا رأسًا أحق بذلك، لكن لا يلزم من التهديد بالتحريق حصول القتل، لا دائمًا، ولا غالبًا؛ لأنه يمكن الفرار منه، أو الإخماد له بعد حصول المقصود منه من الزجر والإرهاب، وفي قوله في رواية أبي داود: «ليست بهم علة» دلالة على أن الأعذار تبيح التخلف عن الجماعة، ولو قلنا: إنها فرض، وكذا الجمعة. قاله في «الفتح» . ومنها: الرخصة للإمام، أو نائبه في ترك الجماعة لأجل إخراج من يستخفي في بيته ويتركها، ولا بعد في أن تلحق بذلك الجمعة، فقد ذكروا من الأعذار في التخلف عنها خوف فوات الغريم، وأصحاب الجرائم في حق الإِمام كالغرماء. ومنها: أنه استدل له على جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل إذا كان في ذلك مصلحة. قال ابن بزيزة: وفيه نظر؛ لأن الفاضل في هذه الصورة يكون غائبًا، وهذا لا يختلف في جوازه. ومنها: أنه استدل ابن العربي على جواز إعدام محل المعصية، كما هو مذهب مالك. وتعقب بأنه منسوخ، كما قيل في العقوبة بالمال. قاله في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عن: قد اعترض بعض الأفاضل على جزم الحافظ بالنسخ، وقال: إنه ليس بجيد، والصواب عدم النسخ؛ لأدلة كثيرة معرودة في محلها، منها: حديث الباب، وإنما المنسوخ التعذيب بالنار فقط، والله تعالى أعلم. المسألة الخامسة: في بيان اختلاف أهل العلم في وجوب صلاة الجماعة: قال الإِمام البخاري ﵀: [باب وجوب صلاة الجماعة]، وقال الحسن: إن منعته أمه عن العشاء في الجماعة شفقة عليه لم يطعها. ثم أورد حديث الباب. قال الحافظ ﵀: هكذا بَتَّ الحكم في هذه المسألة، وكأن ذلك لقوة دليلها عنده، لكن أطلق الوجوب، وهو أعم من كونه وجوب عين، أو كفاية، إلا أن الأثر الذي ذكره عن الحسن يشعر بكونه يريد أنه وجوب عين، لما عرف من عادته أنه يستعمل الآثار في التراجم لتوضيحها، وتكميلها، وتعيين أحد الاحتمالات في حديث الباب. وأثر الحسن وصله الحسين بن الحسن المووزي في كتاب «الصيام» بإسناد صحيح عن الحسن في رجل يصوم -يعني تطوعًا- فتأمره أمه أن يفطر، قال: فليفطر، ولا قضاء عليه، وله أجر الصوم، وأجر البر، قيل: فتنهاه أن يصلي العشاء في جماعة؟ قال: ليس ذلك لها، هذه فريضة. وأما حديث الباب فظاهر في كونها فرض عين؛ لأنها لو كانت سنة لم يهدد تاركها بالتحريق، ولو كانت فرض كفاية لكانت قائمة بالرسول ومن معه، ويحتمل أن يقال: التهديد بالتحريق المذكور يمكن أن يقع في حق تاركي فرض الكفاية كمشروعية قتال تاركي فرض الكفاية، وفيه نظر؛ لأن التحريق الذي قد يفضي إلى القتل أخص من المقاتلة؛ ولأن المقاتلة إنما تشرع فيما إذا تمالأ الجميع على الترك. وإلى القول بأنها فرض عين ذهب عطاء، والأوزاعي، وأحمد، وجماعة من محدثي الشافعية، كأبي ثور، وابن خزيمة، وابن المنذر، وابن حبان، وبالغ داود، ومن تبعه، فجعلها شرطًا في صحة الصلاة، وأشار ابن دقيق العيد إلى أنه مبني على أن ما وجب في العبادة كان شرطًا فيها، فلما كان الهم المذكور دالًا على لازمه، وهو الحضور، ووجوب الحضور دليلًا على لازمه، وهو الاشتراط، ثبت الاشتراط بهذه الوسيلة، إلا أنه لا يتم إلا بتسليم أن ما وجب في العبادة كان شرطًا فيها، وقد قيل: إنه الغالب. ولما كان الوجوب قد ينفك عن الشرطية، قال أحمد: إنها واجبة غير شرط. انتهى. وظاهر نص الشافعي أنها فرض كفاية، وعليه جمهور المتقدمين من أصحابه، وقال به كثير من الحنفية والمالكية، والمشهور عند الباقين أنها سنة مؤكدة، وقد أجابوا عن ظاهر حديث الباب بأجوبة: منها: ما تقدم. ومنها:-وهو ثانيها-: ونقله إمام الحرمين، عن ابن خزيمة، والذي نقله عن النووي الوجوب حسبما قال ابن بزيزة: إن بعضهم استنبط من نفس الحديث عدم الوجوب لكونه -ﷺ- هم بالتوجه إلى المتخلفين، فلو كانت الجماعة فرض عين ما هم بتركها إذا توجه، وتعقب بأن الواجب يجوز تركه لما هو أوجب منه. قال الحافظ: وليس فيه أيضًا دليل على أنه لو فعل ذلك لم يتداركها في جماعة آخرين. ومنها:-وهو ثالثها-: ما قال ابن بطال وغيره: لو كانت فرضًا لقال حين توعد بالإحراقِ مَن تخلف عن الجماعة: لم تجزئه صلاته؛ لأنه وقت البيان، وتعقبه ابن دقيق العيد بأن البيان قد يكون بالتنصيص، وقد يكون بالدلالة، فلما قال -ﷺ-: «لقد هممت» إلخ، دل على وجوب الحضور، وهو كاف في البيان. ومنها:-وهو رابعها-: ما قال الباجي وغيره: إن الخبر ورد مورد الزجر، وحقيقته غير مرادة، وإنما المراد المبالغة، ويرشد إلى ذلك وعيدهم بالعقوبة التي يعاقب بها الكفار، وقد انعقد الإجماع على منع عقوبة المسلمين بذلك. وأجيب بأن المنع وقع بعد نسخ التعذيب بالنار، وكان قبل ذلك جائزًا بدليل حديث أبي هريرة ﵁ الآتي في الجهاد الدال على جواز التحريق بالنار، ثم على نسخه، فحمل التهديد على حقيقته غير ممتنع. ومنها:-وهو خامسها-: كونه -ﷺ- ترك تحريقهم بعد التهديد، فلو كان واجبًا ما عفا عنهم. قال القاضي عياض ومن تبعه: ليس في الحديث حجة لأنه ﵇ هَمَّ ولم يفعل، زاد النووي: ولو كانت فرض عين لما تركهم، وتعقبه ابن دقيق العيد، فقال: هذا ضعيف؛ لأنه -ﷺ- لا يَهُمّ إلا بما يجوز له فعله لو فعله، وأما الترك فلا يدل على عدم الوجوب، لاحتمال أن يكونوا انزجروا بذلك، وتركوا التخلف الذي ذمهم بسببه، على أنه قد جاء في بعض الطرق بيان سبب الترك، وهو فيما رواه أحمد من طريق سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ بلفظ: «لولا ما في البيوت من النساء والذرية لأقمت العشاء، وأمرت فتياني يحرقون» … الحديث. ومنها:-وهو سادسها-: أن المراد بالتهديد قوم تركوا الصلاة رأسًا، لا مجرد الجماعة. وهو متعقب بأن في رواية مسلم:«لا يشهدون الصلاة»، أي لا يحضرون، وفي رواية عجلان عن أبي هريرة ﵁، عند أحمد:«لا يشهدون العشاء في الجميع»أي في الجماعة. وفي حديث أسامة بن زيد ﵄، عند ابن ماجَهْ مرفوعًا:«لينتهينّ رجال عن تركهم الجماعات، أو لأحرقن بيوتهم». ومنها:-وهو سابعها-: أن الحديث ورد في الحث على مخالفة فعل أهل النفاق، والتحذير من التشبه بهم، لا لخصوص ترك الجماعة، فلا يتم الدليل، أشار إليه الزين بن المنير، وهو قريب من الوجه الرابع. ومنها:-وهو ثامنها-: أن الحديث ورد في حق المنافقين، فليس التهديد لترك الجماعة بخصوصة، فلا يتم الدليل، وتعقب باستبعاد الاعتناء بتأديب المنافقين على تركهم الجماعة مع العلم بأنه لا صلاة لهم، وبأنه كان معرضًا عنهم، وعن عقوبتهم مع علمه بطويتهم، وقد قال: «لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه». وتعقب ابن دقيق العيد هذا التعقب بأنه لا يتم إلا إذا ادعى أن ترك معاقبة المنافقين كان واجبًا عليه، ولا دليل على ذلك، فإذا ثبت أنه كان مخيرًا، فليس في إعراضه عنهم ما يدلّ على وجوب ترك عقوبتهم. انتهى. قال الحافظ: والذي يظهر لي أن الحديث ورد في المنافقين، لقوله في صدر حديث أبي هريرة ﵁: «ليس صلاة أثقل على المنافقين من العشاء والفجر» … الحديث. ولقوله: «لو يعلم أحدهم … إلخ»؛ لأن هذا الوصف لائق بالمنافقين، لا بالمؤمن الكامل، لكن المراد به نفاق المعصية، لا نفاق الكفر، بدليل قوله في رواية عجلان: «لا يشهدون العشاء في الجميع»، وقوله في حديث أسامة: «لا يشهدون الجماعة». وأصرح من ذلك قوله في رواية يزيد بن الأصم عن أبي هريرة ﵁، عند أبي داود: «ثم آتي قومًا يصلون في بيوتهم، ليست بهم علة»، فهذا يدلّ على أن نفاقهم معصية، لا كفر؛ لأن الكافر لا يصلي في بيته، إنما يصلي في المسجد رياءً وسمعة، فإذا خلا في بيته كان كما وصفه الله به من الكفر والاستهزاء، نبه عليه القرطبي. وأيضًا فقوله في رواية المقبري: «لولا ما في البيوت من النساء والذرية» يدل على أنهم لم يكونوا كفارًا؛ لأن تحريق بيت الكافر إذا تعين طريقًا إلى الغلبة عليه، لم يمنع ذلك وجود النساء والذرية في بيته، وعلى تقدير أن يكون المراد بالنفاق في الحديث نفاق الكفر، فلا يدلّ على عدم الوجوب؛ لأنه يتضمن أن ترك الجماعة من صفات المنافقين، وقد نهينا عن التشبه بهم، وسياق الحديث يدل على الوجوب من جهة المبالغة في ذم من تخلف عنها. قال الطيبي: خروج المؤمن من هذا الوعيد ليس من جهة أنهم إذا سمعوا النداء جاز لهم التخلف عن الجماعة، بل من جهة أن التخلف ليس من شأنهم، بل هو من صفات المنافقين، ويدل عليه قول ابن مسعود ﵁: «لقد رأيتنا، وما يتخلف عن الجماعة إلا منافق». رواه مسلم. انتهى كلامه. وروى ابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور بإسناد صحيح عن أبي عمير ابن أنس، حدثني عمومتي من الأنصار، قالوا: قال رسول الله -ﷺ-: «ما يشهدهما منافق» يعني العشاء والفجر. ولا يقال: فهذا يدل على ما ذهب إليه صاحب هذا الوجه لانتفاء أن يكون المؤمن قد يتخلف، وإنما ورد الوعيد في حق من تخلف؛ لأني أقول: بل هذا يقوي ما ظهر لي أولًا، أن المراد بالنفاق: نفاق المعصية، لا نفاق الكفر، فعلى هذا الذي خرج هو المؤمن الكامل، لا العاصي الذي يجوز إطلاق المنافق عليه مجازًا، لما دل عليه مجموع الأحاديث. ومنها:-وهو تاسعها-: ما ادعاه بعضهم أن فرض الجماعة كانت في أول الإِسلام لأجل سدّ باب التخلف عن الصلاة على المنافقين، ثم نسخ. حكاه عياض، ويمكن أن يتقوى بثبوت نسخ الوعيد المذكور في حقهم، وهو التحريق بالنار، وكذا ثبوت نسخ ما تضمنه التحريق من جواز العقوبة بالمال، ويدلّ على النسخ الأحاديث الواردة في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ؛ لأن الأفضلية تقتضي الاشتراك في أصل الفضل، ومن لازم ذلك الجواز. قال الجامع عفا الله عنه: وفيه نظر، إذ القول بالفرضية لا ينافي جواز صلاة المنفرد، إلا عند من يرى اشتراط الجماعة لصحة الصلاة، والمختار القول بفرضيتها دون اشتراطها للصحة. فتبصر. والله أعلم. ومنها:-وهو عاشرها- أن المواد بالصلاة الجمعة، لا باقي الصلوات، ونصره القرطبي. وتعقب بالأحاديث المصرحة بالعشاء، وفيه بحث؛ لأن الأحاديث اختلفت في تعيين الصلاة التي وقع التهديد بسببها، هل هي الجمعة، أو العشاء، أو الفجر، أو العشاء والفجر معًا؟ فإن لم تكن أحاديث مختلفة، ولم يكن بعضها أرجح من بعض، وإلا وقف الاستدلال؛ لأنه لا يتم إلا إن تعين كونها غير الجمعة، أشار إليه ابن دقيق العيد، ثم قال: فليتأمل الأحاديث الواردة في ذلك. انتهى. قال الحافظ ﵀: وقد تأملتها، فرأيت التعيين ورد في حديث أبي هريرة، وابن أم مكتوم، وابن مسعود، ﵃، أما حديث أبي هريرة ﵁، فحديث الباب من رواية الأعرج عنه، يومىء إلى أنها العشاء لقوله في آخره: «لشهد العشاء»، وفي رواية مسلم: «يعني العشاء»، ولهما من رواية أبي صالح عنه أيضًا الإيماء إلى أنها العشاء والفجر، وعينها السَّرَّاج في رواية له من هذا الوجه العشاء؛ حيث قال في صدر الحديث: «أخر العشاء ليلة، فخرج، فوجد الناس قليلًا، فغضب» … فذكر الحديث. وفي رواية ابن حبان من هذا الوجه: «يعني الصلاتين، العشاء والغداة». وفي رواية عجلان، والمقبري عند أحمد؛ التصريح لتعيين العشاء، ثم سائر الروايات عن أبي هريرة على الإبهام، وقد أورده مسلم من طريق وكيع، عن جعفر بن بُرقان، عن يزيد بن الأصم، عنه، فلم يسق لفظه، وساقه الترمذي وغيره من هذا الوجه بإبهام الصلاة، وكذلك رواه السرّاج وغيره من طرق عن جعفر، وخالفهم معمر، عن جعفر، فقال: «الجمعة» أخرجه عبد الرزاق عنه، والبيهقي من طريقه، وأشار إلى ضعفها لشذوذها. ويدل على وهمه فيها رواية أبي داود، والطبراني في «الأوسط» من طريق يزيد بن يزيد بن جابر، عن يزيد بن الأصم، فذكر الحديث، قال يزيد: قلت ليزيد بن الأصم: يا أبا عوف الجمعة عنَى، أو غيرها؟ قال: صُمَّتْ أذناي إن لم أكن سمعت ألا هريرة يأثره عن رسول الله -ﷺ-، ما ذكر جمعة، ولا غيرها فظهر أن الراجح في حديث أبي هريرة أنها لا تختص بالجمعة. وأما حديث ابن أم مكتوم ﵁ فسأذكره قريبًا، وأنه موافق لأبي هريرة ﵁. وأما حديث ابن مسعود ﵁ فأخرجه مسلم، وفيه الجزم بالجمعة، وهو حديث مستقل؛ لأن مخرجه مغاير لحديث أبي هريرة، ولا يقدح أحدهما في الآخر، فيحمل على أنهما واقعتان، كما أشار إليه النووي، والمحب الطبري. وقد وافق ابن أم مكتوم أبا هريرة ﵄ على ذكر العشاء، وذلك فيما أخرجه ابن خزيمة، وأحمد، والحاكم من طريق حُصَين بن عمد الرحمن، عن عبد الله بن شداد، عن ابن أم مكتوم: أن رسول الله -ﷺ- استقبل الناس في صلاة العشاء، فقال: «لقد هممت أَنِّي آتي هؤلاء الذين يتخلفون عن الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم»، فقام ابن أم مكتوم، فقال: يا رسول الله، قد علمت ما بي، وليس لي قائد -زاد أحمد- وأن بيني وبين المسجد شجرًا، أو نخلًا، ولا أقدر على قائد كل ساعة، قال: «أتسمع الإقامة؟» قال: نعم. قال: «فاحضرها»، ولم يرخص له. ولابن حبان من حديث جابر ﵁، قال: «أتسمع الأذان؟» قال: نعم، قال: «فأتها ولو حبوًا». وقد حمله العلماء على أنه كان لا يشق عليه التصرف بالمشي وحده ككثير من العميان. واعتمد ابن خزيمة وغيره حديث ابن أم مكتوم هذا على فرضية الجماعة في الصلوات كلها، ورجحوه بحديث الباب، وبالأحاديث الدالة على الرخصة في التخلف عن الجماعة، قالوا: لأن الرخصة لا تكون إلا عن واجب، وفيه نظر، ووراء ذلك أمر آخر، ألزم به ابن دقيق العيد من يتمسك بالظاهر، ولا يتقيد بالمعنى، وهو أن الحديث ورد في صلاة معينة، فيدل على وجوب الجماعة فيها دون غيرها، وأشار للانفصال عنه بالتمسك بدلالة العموم، لكن نوزع في كون القول مما ذكر أولًا ظاهرية محضة، فإن قاعدة حمل المطلق على المقيد تقتضيه، ولا يستلزم ذلك ترك اتباع المعنى؛ لأن غير العشاء والفجر مظنة الشغل بالتكسب وغيره، أما العصران فظاهر، وأما المغرب فلأنها في الغالب وقت الرجوع إلى البيت، والأكل، ولاسيما للصائم، مع ضيق وقتها، بخلاف العشاء والفجر، فليس للمتخلف عنهما عذر غير الكسل الذموم، وفي المحافظة عليهما في الجماعة أيضا الألفة بين المتجاورين في طرفي النهار، وليختموا النهار بالاجتماع على الطاعة، ويفتتحوه كذلك. وقد وقع في رواية عجلان عن أبي هريرة ﵁ عند أحمد تخصيص التهديد بمن حول المسجد. قال: وقد أطلت في هذا الموضع لارتباط بعض الكلام ببعض، واجتمع من الأجوبة لمن لم يقل بالوجوب عشرة أجوبة، لا توجد مجموعة في غير هذا الشرح. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى . قال الجامع عفا الله عنه: ما ذكره من حمل المطلق على المقيد غير صحيح؛ لأن قاعدة حمل المطلق على المقيد إنما تتمشى إذا لم يكن هناك دليل يمنع من ذلك، وهنا أدلة المنع ظاهرة، كحديث الأعمى المذكور، وكحديث: «من سمع النداء، فلم يأت، فلا صلاة له، إلا من عذر» كما سيأتي قريبًا. والحاصل أن القول بفرضية الجماعة هو الراجح، وما استدل به القائلون على عدم الفرضية قد عرفت ما فيها من الخدشات، فيما تقدم من كلام الحافظ رحمه الله تعالى، وإن كان آخر كلامه يميل إلى رأيهم، لكنه ما ذكر حجة مقنعة لذلك. فتبصر. ومن أدلة القائلين بالفرضية حديث أبي هريرة ﵁، المذكور في الباب. ومنها: ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة ﵁، قال: أتى النبيَّ -ﷺ- أعمى، فقال: يا رسول الله، ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله -ﷺ- أن يرخص له، فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى، دعاه، وقال له: «هل تسمع النداء بالصلاة؟» قال: نعم، قال رسول الله -ﷺ-: «فأجب». ومنها: حديث ابن عباس ﵄: أن النبي -ﷺ- قال: «من سمع النداء، فلم يجب ، فلا صلاة له، إلا من عذر». أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح، وصححه الحاكم، على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي . ومنها: حديث ابن عباس، وابن عمر ﵃، أنهما سمعا النبي -ﷺ- يقول على أعواده: «لينتهين أقوام عن وَدْعِهم الجماعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن من الغافلين» أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح. وأخرجه مسلم بلفظ «الجمعة». فهذه النصوص تدل دلالة واضحة على فرضية الجماعة للصلوات المكتوبات. وقد نقل عن جماعة من السلف ما يوافق النصوص المذكورة، فعن أبي هريرة ﵁، أنه رأى إنسانًا خرج من المسجد بعد النداء، فقال: «أما هذا فقد عصى أبا القاسم -ﷺ-». رواه أبو داود، وروى مسلم نحوه. وعن ابن مسعود ﵁، أنه قال: «حافظوا على هذه الصلوات الخمس حيث ينادى بهن» … الحديث، ويأتي في الباب التالي إن شاء الله تعالى. وعن أبي موسى الأشعري ﵁، قال: «من سمع المنادي، فلم يجب من غير عذر، فلا صلاة له». صححه الحاكم، ووافقه عليه الذهبي، وعن ابن مسعود ﵁ مثله. وعن أبي هريرة ﵁: «لأن يمتلىء أذنا ابن آدم رصاصًا مُذَابًا خير له من أن يسمع المنادي فلا يجيبه». وعن عائشة ﵂: «من سمع النداء فلم يأته، فلم يُرِد خيرًا، ولم يُرَد به». وعن علي بن أبي طالب ﵁: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد. فقيل له: يا أمير المؤمنين: ومَن جار المسجد؟ قال: من سمع الأذان» . وعن ابن عباس ﵄، قال: «من سمع النداء، ثم لم يأت فلا صلاة له إلا من عذر». وعن عطاء: «ليس لأحد من خلق الله تعالى في الحضر والقرية يسمع النداء والإقامة رخصة في أن يدع الصلاة». وعنه: «كنا نسمع أنه لا يتخلف عن الجماعة إلا منافق». وعن إبراهيم النخعي: «أنه كان لا يرخص في ترك الصلاة في الجماعة إلا لمريض، أو خائف». وعن الحسن، قال: «إذا سمع الرجل الأذان فقد احتُبسَ». وسأل رجل سعيد بن المسيب عن بعض الأمر، ونادى المنادي، فأراد أن يخرج، فقال له سعيد: قد نودي بالصلاة، فقال له الرجل: إن أصحابي قد مضوا، وهذه راحلتي بالباب، فقال له سعيد: لا تخرج، فإن رسول الله -ﷺ- قال: «لا يخرج من هذا المسجد بعد النداء إلا منافق، إلا رجل خرج، وهو يريد الرجعة إلى الصلاة». فأبى الرجل إلا الخروج، فقال سعيد: دونكم الرجل، قال: فإني عنده ذات يوم إذ جاءه رجل، فقال: يا أبا محمد، ألم تر ذلك الرجل الذي خرج، وقع عن راحلته، فانكسرت رجله. قال سعيد: قد ظننت أنه سيصيبه أمر. نقل هذه الآثار الإِمام أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى في كتابه «المحلى» جـ ٤ ص ١٩٤ - ١٩٦. قال الجامع عفا الله عنه: ولولا الأحاديث الدالة على جواز صلاة الرجل وحده كحديث: «صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة» المتقدم برقم ٤٢/ ٨٣٧، وحديث: «صلاة الرجل أفضل من صلاة أحدكم وحده …» المتقدم برقم ٤٢/ ٨٣٨، وحديث: «صلاةُ الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده» … المتقدم ٤٥/ ٨٤٣ لقلت -كما قالت الظاهرية-: إنها من شروط صحة الصلاة. وخلاصة القول أن صلاة الجماعة فرض عين على من ليس له عذر من الرجال، وأما النساء فلا خلاف في أن شهودهن الجماعة ليس فرضًا عليهن. والله ﷾ أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله؛ عليه توكلت، وإليه أنيب. ***
مصادر المؤلف (١٦)

١. المعجم الوسيط جـ ١ ص ١٨٢.

٢. «المصباح» جـ ١ ص ١٤١.

٣. انظر عمدة القاري جـ ٥ ص ١٦٠.

٤. جـ ٢ ص ٣٤٣.

٥. عمدة القاري جـ ٥ ص ١٦١.

٦. يقال: هَبَرَ له من اللحم هَبْرَةً: قطع له قطعة. اهـ «ق» ص ٦٣٦.

٧. فتح جـ ٢ ص ٣٤٤.

٨. فتح جـ ٢ ص ٣٤٤، بزيادة من العمدة جـ ٥ ص ١٦١.

٩. عمدة جـ ٥ ص ١٦١.

١٠. جـ ٢ ص ٣٤٥.

١١. جـ ٢ ص ٣٤٥.

١٢. وهو حديث سليمان بن يسار، عن أبي هريرة ﵁ قال: بعثنا رسول الله -ﷺ- في بعث، فقال: «إن وجدتم فلانًا وفلانًا، فأحرقوهما بالنار، ثم قال رسول الله -ﷺ- حين أردنا الخروج:»إني أمرتكم أن تحرقوا فلانًا، وفلانًا، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما«. انتهى»صحيح البخاري«بنسخة»الفتح«جـ ٦ ص ٢٥٨.

١٣. فتح جـ ٢ ص ٣٣٩ - ٣٤٣.

١٤. لفظ ابن ماجه: «فلم يأته».

١٥. انظر تعليق العلامة أحمد محمد شاكر على المحلى جـ ٤ ص ١٩٠.

١٦. وقد ورد حديث: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» مرفوعًا من حديث أبي هريرة ﵁، عند الدارقطني، والحاكم، وفي إسناده سليمان بن داود اليمامي منكر الحديث. ومن حديث جابر عند الدارقطني، وفي إسناده محمد بن سُكَين، وهو ضعيف. ولذا قال الحافظ في التلخيص: حديث «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» مشهور بين الناس، وهو ضعيف. اهـ، تعليق العلامة أحمد محمد شاكر على «المحلى» باختصار جـ ٤ ص ١٩٥.