٥١ - الْعُذْرِ فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على ترك الصلاة جماعة في المسجد بسبب عذر يمنع من الحضور. والأعذار التي ثبت في الأحاديث أنها تسقط فرض الجماعة عشرة أشياء، كما تتبعها ابن حبان ﵀، وسيأتي عدها في المسألة الخامسة من الحديث الثاني إن شاء الله تعالى.
٨٥٢ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَرْقَمَ كَانَ يَؤُمُّ أَصْحَابَهُ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ يَوْمًا، فَذَهَبَ لِحَاجَتِهِ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمُ الْغَائِطَ، فَلْيَبْدَأْ بِهِ قَبْلَ الصَّلَاةِ».
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١.
٢ - (مالك) بن أنس، إمام دار الهجرة، المثبت الحجة، من [٧]، تقدم في ٧/ ٧.
٣ - (هشام بن عروة) أبو المنذر المدني، ثقة فقيه، من [٥]، تقدم في ٤٩/ ٦١.
٤ - (عروة) بن الزبير بن العوّام المدني، ثقة تبت فقيه، من [٣]، تقدم في ٤٠/ ٤٤.
٥ - (عبد الله بن أرقم) بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة، القرشي الزهري. أسلم عام الفتح، وكتب للنبي -ﷺ-، ولأبي بكر، وعمر، وكان على بيت مال عمر. روى عن النبي -ﷺ-، وعنه أسلم مولى عمر، وعبد الله بن عتبة، وعمرو بن دينار مرسلًا، وعروة بن الزبير، وقيل: بينهما رجل، ويزيد بن قتادة، وقال ابن شهاب: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن أباه أخبره، قال: ما رأيت رجلًا قط كان أخشى لله منه.
ووى له الأربعة حديثًا واحدًا في البداءة بالخلاء لمن أراد الصلاة، ويقال: ليس له مسند غيره. قال ذلك البزار في «مسنده»، وقال الترمذي في «العلل الكبير»: سالت محمدًا عنه؟ فقال: رواه وهيب، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن رجل، عن ابن أرقم، وكأن هذا أشبه عندي.
قال الترمذي: قد رواه مالك، وغير واحد عن هشام، عن أبيه، عن ابن أرقم، وصححه الترمذي وغير واحد، وقال ابن السكن: توفي في خلافة عثمان، وكذا ذكره البخاري في «التاريخ الصغير»، قال الحافظ ﵀: وأما ما وقع في «كتاب الثقات» لابن حبان: وعبد الله ابن أرقم توفي بمكة يوم جاءهم نعى يزيد بن معاوية في شهر ربيع الأول
سنة ٦٤، وصلى عليه ابن الزبير، وله يوم مات ٦٢ سنة، فوهم فاحش، وخطأ ظاهر، إمام في تقدير مولده، وإما في وفاته، وإنما نبهت عليه لئلا يغتر به، وكأنه انتقل ذهنه إلى السور بن مخرمة الزهري. انتهى . أخرج له الأربعة.
قال الجامع عفا الله عنه: ومن لطائف هذا الإسناد: أن صحابيه من المقلين، ليس له عند أصحاب السنن غير حديث الباب، كما مر آنفًا في قول البزار، وأما بقية اللطائف فقد تقدمت غير مرة. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن عبد الله بن أرقم) ﵁ (كان يؤم أصحابه) أي يصلي بهم إمامًا. وفي رواية أبي داود «أنه خرج حاجًا، أو معتمرًا، ومعه الناس، وهو يؤمهم». وفي رواية البيهقي في «المعرفة»: «أنه خرج إلى مكة صحبةَ قوم، فكان يؤمهم». وفي رواية ابن عبد البر من طريق حماد بن زيد إلى ابن الأرقم: «أنه كان يسافر، فكان يؤذن لأصحابه، ويؤمهم» .. (فحضرت الصلاة يومًا) وفي رواية أبي داود: «فلما كان ذات يوم، فأقام الصلاة صلاةَ الصبح» (فذهب لحاجته) أي البول والغائط، أي وأمر غيره أن يتقدم، ففي رواية أبي داود: «ثم قال: ليتقدم أحدكم، وذهب إلى
الخلاء»، وفي رواية الترمذي: «أقيمت الصلاة، فأخذ بيد رجل، فقدمه، وكان إمام قومه» ....
(ثم رجع) أي من محل حاجته (فقال) مبينًا سبب ذهابه لحاجته بعد أن أقيم للصلاة: (سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: إِذا وجد أحدكم الغائط) الخطاب وإن كان للحاضرين بحسب الظاهر، لكن الحكم عامّ؛ لأنه لا فرق في ذلك بين الحاضر وغيره، والذكر والأنثى (فليبدأ به قبل الصلاة) ولفظ أبي داود: «إذا أراد أحدكم أن يذهب الخلاءَ، وقامت الصلاة، فليبدأ بالخلاء»: يعني أنه ينبغي له أن يفرّغ نفسه من الشواغل، فيصلي خاليًا مما يشوش عليه؛ لأنه إذا صلى قبل قضاء حاجته لا يتفرغ قلبه للعبادة، لنقصان خشوعه باشتغال قلبه، والله ﷾ أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عبد الله بن أرقم ﵁ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا ٥١/ ٨٥٢، وفي «الكبرى» ٥١/ ٩٢٥ بالسند المذكور.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه أبو داود في «الطهارة» عن أحمد بن يونس، عن زهير، عن
هشام بن عروة، عن أبيه، عنه. والترمذي فيه عن هناد، عن أبي معاوية، عن هشام، به، وقال: حسن صحيح. وابن ماجه فيه عن محمد بن الصباح، عن سيفان بن عيينة، عن هشام به نحوه. ومالك في «الموطأ» ص ١١٧، وأحمد جـ ٣ ص ٤٨٣، وجـ ٤/ ٣٥، والدارمي رقم ١٤٣٤، وابن خزيمة ٩٣٢.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما بوب له المصنف ﵀، وهو أن البول والغائط عذر تسقط به صلاة الجماعة.
ومنها: أنه لا يجوز لأحد أن يصلي، وبه حاجة إلى البول والغائط.
ومنها: أنه يطلب من المصلي الإقبال على صلاته، والبعد عن كل ما يشغل قلبه عنها، فلا يدخل فيها، وهو يجد شيئًا يمنعه عن الخشوع.
ومنها: أنه ينبغي لمن فعل شيئًا مستغربًا أن يبين الدليل الشرعي الذي حمله على فعله، فإن عبد الله بن أرقم لما تخلف عن صلاة الجماعة بسبب حاجته، بين لأصحابه دليله.
ومنها: أن في قوله:«إذا وجد أحدكم الغائط» ما يدل على هروب العرب من الفحش، ودنائة القول، ومجانبتهم للخنا كله،
فلهذا قالوا لموضع الغائط: الخلاء، والمذهب، والمخرج، والكَنِيف، والحُشّ، والمِرْحَاض، وكل ذلك كناية، وفرار عن التصريح في ذلك. قاله الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم.
المسألة الخامسة: أنه اختلف الحفاظ في سند هذا الحديث، فمنهم من أدخل بين عروة وعبد الله بن أرقم رجلًا، ومنهم من أسقطه، وهو الأصح، قال أبو داود ﵀ في «سننه»، بعد أن ساقه عن أحمد بن يونس، عن زهير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الأرقم: ما نصه: روى وهيب بن خالد، وشعيب بن إسحاق، وأبو ضمرة هذا الحديث عن هشام بن عروة، عن رجل حدثه عن عبس الله بن أرقم، والأكثر الذين رووه عن هشام، قالوا كما قال زهير. انتهى كلام أبي داود رحمه الله تعالى.
وقال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى في كتابه «التمهيد»، بعد أن ساق نص مالك في «الموطأ» كنص النسائي: ما نصه: ولم يختلف عن مالك في إسناد هذا الحديث ولفظه، واختلف فيه عن هشام بن عروة؛ فرواه مالك -كما ترى- وتابعه زهير بن معاوية، وسفيان بن عيينة، وحفص بن غياث، ومحمد بن إسحاق، وشجاع ابن الوليد، وحماد بن زيد، ووكيع، وأبو معاوية، والمفضل بن فَضَالة، ومحمد بن كُنَاسَةَ، كلهم رواه عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن الأرقم، كما رواه مالك، ورواه وهيب بن خالد،