HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٨٥٧

أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي الدِّيلِ، يُقَالُ لَهُ بُسْرُ بْنُ مِحْجَنٍ ، عَنْ مِحْجَنٍ : أَنَّهُ «كَانَ فِي مَجْلِسٍ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ، فَأُذِّنَ بِالصَّلَاةِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ، ثُمَّ رَجَعَ، وَمِحْجَنٌ فِي مَجْلِسِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ، أَلَسْتَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي كُنْتُ قَدْ صَلَّيْتُ فِي أَهْلِي. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ: إِذَا جِئْتَ، فَصَلِّ مَعَ النَّاسِ وَإِنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص284
  • زبير علي زئي:إسناده حسن
ج ٢ ص ١١٢

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدرين مسند أحمد, موطأ مالك
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٠ ص٦٢٨
٥٣ - إِعَادَةِ الصَّلَاةِ مَعَ الْجَمَاعَةِ بَعْدَ صَلَاةِ الرَّجُلِ لِنَفْسِهِ أي هذا باب ذكر الحديث الدَّالّ على مشروعية صلاة الرجل مع الجماعة بعد صلاته وحده. ٨٥٧ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي الدِّيلِ، يُقَالُ لَهُ: بُسْرُ بْنُ مِحْجَنٍ، أَنَّهُ كَانَ فِي مَجْلِسٍ، مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَذَّنَ بِالصَّلَاةِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ثُمَّ رَجَعَ، وَمِحْجَنٌ فِي مَجْلِسِهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ؟ أَلَسْتَ بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ؟»، قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي كُنْتُ قَدْ صَلَّيْتُ فِي أَهْلِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «إِذَا جِئْتَ، فَصَلِّ مَعَ النَّاسِ، وَإِنْ كُنْتَ قَدْ صَلَّيْتَ». رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني، أبو رجاء، ثقة ثبت، من [١٠]، تقدم في ١/ ١. ٢ - (مالك) بن أنس إمام، دار الهجرة، الحجة الثبت الفقيه، من [٧]، تقدم في ٧/ ٧. ٣ - (زيد بن أسلم) العدوي مولاهم المدني، ثقة ثبت فقيه، مات سنة ١٣٦، من [٣]، تقدم في ٦٤/ ٨٠. ٤ - (بُسْر بن مِحْجَن) بن أبي محجن الديلي ، صدوق، من [٤]. كذا قال مالك -بضم الموحدة، بعدها مهملة ساكنة-، وأما الثوري، فقال: بشر -بكسر الموحدة، بعدها معجمة ساكنة-. ونقل الدارقطني أنه رجع عن ذلك. روى عن إليه، وله صحبة. وروى عنه زيد بن أسلم حديثًا واحدًا. وقال ابن عبد البر: إن عبد الله بن جعفر والد علي بن المديني رواه عن زيد بن أسلم، فقال: بشر بن محجن بالمعجمة. وقال الطحاوي: سمعت البرلسي، يقول: سمعت أحمد ابن صالح بجامع مصر، يقول: سمعت جماعة من ولده، ومن رهطه، فما اختلف اثنان أنه بشر، كما قال الثوري -يعني بالمعجمة-. وقال ابن حبان في «الثقات»: عن قال: بشر، فقد وهم. وقال ابن القطان: لايعرف حاله. وقال الإِمام أحمد في مسنده: ثنا وكيع، ثنا سفيان -هو الثوري- عن زيد بن أسلم، عن بشر، أو بسر، عن أبيه، فدكر حديثه. قال الحافظ: فيحتمل أن يكون الشك فيه من وكيع. والله أعلم. أخرج له النسائي . ٥ - (محجن) -بكسر أوله، ثم حاء مهملة ساكنة، ثم جيم مفتوحة- بن أبي مِحجن الدِّيلي. روى عن النبي -ﷺ- بعد انصرافه من صلاة الفجر، يقال: إنه كان مع زيد بن حارثة في سريه حِسْمَى ، وكانت في جمادى الآخرة سنة ست. أخرج له النسائي . والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن بسر بن محجن) هكذا في نسخ «المجتبى» بسر بالمهملة، ووقع في «الكبرى»: «بشر» بالمعجمة بدل المهملة. قال الحافظ أبو عمر ﵀: اختلف الناس عن زيد بن أسلم في اسم هذا الرجل، فقال مالك، وأكثر الرواة له، عن زيد فيه: بسر بن محجن بالسين المهملة، كذلك هو في «الموطأ» عند جمهور رواته، وقال فيه: بشر بن عمر الزهراني، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن بشر ابن محجن، فقيل له في ذلك؟ فقال: كان مالك بن أنس يروي هذا الحديث قديمًا عن زيد بن أسلم، فيقول فيه: بشر، فقيل له: هو بشر؟ فقال: عن بسر، أو بشر، وقال بعد ذلك عن زيد بن أسلم، عن ابن محجن، ولم يقل: بسر، ولا بشر. وقال فيه الثوري، عن زيد بن أسلم: بشر -بالشين المنقوطة-. وكان أبو نعيم يقول: بالسين -كما قال مالك، ومن تابعه. ورواه ابن جريج، عن زيد بن أسلم، فقال فيه: بسر، كما قال مالك. وروى هذا الحديث أيضًا حنظلة بن علي الأسلمي، عن بشر بن محجن، ولم يذكر أباه. ورواه عبد الله بن جعفر بن نجيح، عن زيد ابن أسلم، عن بشر بن محجن، عن أبيه -بالمنقوطة- كما قال الثوري في رواية أصحاب الثوري عنه. وقد قيل فيه عن الثوري: بسر أيضًا. ثم أخرج بسنده ما تقدم في عبارة «تت» عن الطحاوي. انتهى . (عن محجن) بن أبي محجن الديلي ﵁ (أنه كان في مجلس مع رسول الله -ﷺ-) الجار والمجرور خبر «كان»، والظرف حال من اسمها (فأذن بالصلاة) ببناء الفعل للمفعول. وفي رواية لأحمد: قال. أتيت النبي -ﷺ-، فأقيمت الصلاة … (فقام رسول الله -ﷺ-) أي إلى محل الصلاة (ثم رجع) أي إلى مجلسه بعدما صلى. ففي رواية مالك في الموطأ «فقام رسول الله -ﷺ-، فصلى، ثم رجع ....». تنبيه: قال السندي في شرحه: قوله: مقام رسول الله -ﷺ-، ثم رجع. ظاهره أن المجلس كان في غير المسجد، وعلى هذا، ينبغي إن سمع النداء يعيد الصلاة، ويحتمل أن المراد: فقام، أي إلى الصلاة، ثم رجع، أي فرغ عنها، والأقرب أن موضع المجلس من المسجد، كان غير موضع الصلاة، وعلى هذا فالمجلس كان في المسجد، وهو الأظهر الأوفق بالروايات، والله أعلم. وقوله: إذا جئت. على الأول معناه أي جئت إلى محل ما سمعت فيه النداء، وعلى الثاني ظاهر. انتهى كلامه بحروفه. قال الجامع عفا الله عنه: شرح السندي ﵀ في هذا الموضع محل نظر. فإن الحديث بعيد مما ذكره من الاحتمالات . والله أعلم. (ومحجن في مجلسه) جملة اسمية في محل نصب على الحال، وفيه التفات، إذ الظاهر أن يقول: وأنا في مجلسي، وكذا في قوله: (فقال له رسول الله -ﷺ-) إذ الظاهر أن يقول: فقال لي (ما منعك أن تصلي) زاد في رواية الموطأ: «مع الناس». و«ما» استفهاميةٌ استفهامًا إنكاريًا، أي أي شيء منعك أن تصلي مع المصلين جماعة (ألست برجل مسلم) فيه أن من لم يصل لا يسمى مسلمًا (قال) محجن (بلى)، وفي الموطأ: «بلى يا رسول الله -ﷺ-». أي أنا مسلم. قال الفيومي ﵀: و«بلى» حرف جواب، فإذا قيل: ما قام زيد، وقلت: بلى، فمعناه إثبات القيام، وإذا قيل: أليس كان كذا؟ وقلت: بلى، فمعناه التقرير، والإثبات، ولا تكون إلا بعد نفي، إما في أول الكلام، وإما في أثنائه، كقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ﴾ [القيامة: ٣]. والتقدير: بلى نجمعها، وقد يكون مع النفي استفهام، وقد لا يكون، كما تقدم، فهو أبدًا يرفع حكم النفي، ويوجب نقيضه، وهو الإثبات. انتهى . وفي رواية أحمد: «فلما صلى، قال لي:»ألست بمسلم؟ «، قلت: بلى، قال:»فما منعك أن تصلي مع الناس«…» (ولكني كنت قد صليت في أهلي) أراد بهذا الاعتذار إلى رسول الله -ﷺ- في تركه الصلاة معه، وحاصل اعتذاره أن الذي منعه أن يصلي مع الناس مع كونه مسلمًا كونه صلى في بيته، وظن أن من صلى صلاة لا يعيد تلك الصلاة، وإن وجد جماعة. (فقال رسول الله -ﷺ-: إِذا جئت) أي إلى المسجد (فصل مع الناس، وإِن كنت قد صليت) وفي رواية لأحمد من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان الثوري، عن زيد بن أسلم: «ولو كنت قد صليت في أهلك» . وفي رواية من طريق وكيع، عن سفيان: «فإذا فعلت، فصل معهم، واجعلها نافلة» . وفيه أن الأولى هي الفريضة. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث محجن بن أبي محجن الديلي ﵁ هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ٥٣/ ٨٥٧، وفي «الكبرى» ٥٣/ ٩٣٠ بالسند المذكور. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مالك في «الموطأ» ص ١٠٢. وأحمد جـ ٤ ص ٣٤ و٣٣٨. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما بوب له المصنف ﵀، وهو مشروعية إعادة الصلاة مع الجماعة لمن صلى لنفسه. قال أبو عمر ﵀: وفي هذا الحديث أن من صلى في بيته، ثم دخل المسجد، فأقيمت تلك الصلاة أنه يصليها معهم، ولا يخرج حتى يصلي، وإن كان قد صلى في جماعة أهله، أو غيرهم؛ لأن قوله: صليت في أهلي. أي في جماعة أهلي، ويحتمل أن يكون صلى في بيته وحده. اهـ . وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة التالية إن شاء الله تعالى. ومنها: أن قوله -ﷺ-: «ألست برجل مسلم؟» يدل على أن من لم يصل ليس بمسلم، ومن صلى الصلاة مواظبًا عليها شُهِدَ له بالإِسلام. ومنها: أن من أقر بعمل الصلاة، وإقامتها على ما يجب وُكِلَ إلى قوله، وقُبل منه؛ لأن رسول الله -ﷺ- قد قبل من ابن محجن قوله: قد صليت في بيتي. ومنها: أن الحديث دليل لمذهب الجمهور القائلين بصحة صلاة المنفرد، ووحه الاستدلال أنه -ﷺ- لم يستفصله مع قيام الاحتمال، هل صلى مع الجماعة، أم صلى وحده؟ وهذا لا ينافي القول بوجوب الجماعة؛ لأن الراجح أنها واجبة، وليست شرطًا لصحة الصلاة، كما تقدم تحقيقه في محله. والله تعالى أعلم. المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في حكم من صلى صلاة، ثم وجد جماعة: ذهب جمهور الفقهاء -كما قال الحافظ أبو عمر ﵀- إلى أن من صلى في بيته وحده، ثم دخل المسجد، فأقيمت تلك الصلاة يصليها معهم، ولا يخرج حتى يصلي، وأما من صلى جماعة، فلا يعيد، وممن قال بهذا القول مالك بن أنس، وأبو حنيفة، والشافعي، وأصحابهم. واحتجوا بحديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: «لا تصلوا صلاة في يوم مرتين». وسيأتي للمصنف بعد بابين. وذهب أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وهو قول داود إلى أنه يصليها ثانية في جماعة. قال أحمد: ولا يجوز له أن يخرج إذا أقيمت الصلاة حتى يصليها، وإن كان قد صلى في جماعة واحتج بقول أبي هريرة ﵁ في الذي خرج عند الإقامة من المسجد: أما هذا فقد عصى أبا القاسم -ﷺ-. وروي عن أبي موسى الأشعري، وحذيفة بن اليمان، وأنس بن مالك، وصِلَة بن زُفَر، والشعبي، والنخعي إعادة الصلاة في جماعة لمن صلاها في جماعة، وبه قال حماد بن زيد، وسليمان بن حرب. واتفق أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه على أن معنى حديث اين عمر ﵄، عن النبي -ﷺ- قال: «لا تصلوا صلاة في يوم واحد مرتين»، قالا: إنما ذلك أن يصلي الإنسان الفريضة، ثم يقوم، فيصليها ثانية. ينوي بها الفرض مرة أخرى يعتقد ذلك، فأما إذا صلاها مع الإِمام على أنها سنة تطوع، فليس بإعادة للصلاة. قال أبو عمر: قد علمنا أن رسول الله -ﷺ- إنما أمر الذي صلى في أهله وحده أن يعيد في جماعة من أجل فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ، ليتلافى ما فاته من فضل الجماعة، إذا كان قد صلى منفردًا، والمصلي في جماعة قد حصل له الفرض والفضل، فلم يكثر لإعادته الصلاة وجه، إلا أن يتطوع بها، وسنة التطوع أن يصلي ركعتين؛ لحديث: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى». وللنهي عن القصد إلى التطوع بعد العصر والصبح. انتهى كلام أبي عمر ﵀ باختصار . قال الجامع عفا الله عنه: فيما قاله أبو عمر نظر، بل الظاهر إطلاق الإعادة للجميع، سواء صلى وحده، أو مع الجماعة عملًا بظاهر النص؛ لأن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال. فإنه -ﷺ- ما استفصل محجنًا، لما قال له: قد صليت في أهلي. هل صلى وحده، أم صلى مع الجماعة؟ بل قال له: «إذا جئت، فصل مع الناس». وكذا ما استفصل الرجلين في الحديث الآتي، في الباب التالي، هل صليا وحدهما، أم صليا مع جماعة، بل قال لهما: «فصليا معهم». والحاصل أن الراجح قول أحمد، وإسحاق، ومن قال بقولهما من إعادة من صلى إذا وجد جماعة مطلقًا، سواء صلى وحده، أو مع جماعة. والله تعالى أعلم. المسألة السادسة: في اختلاف العلماء، هل تعاد جميع الصلوت، أم لا؟: قال أبو عمر ﵀: واختلف الفقهاء فيما يعاد من الصلوات مع الإِمام لمن صلاها في بيته، فقال مالك ﵀: تعاد الصلوات كلها مع الإِمام، إلا المغرب وحدها، فإنه لا يعيدها؛ لأنها تصير شنفعًا. قال: ومن صلى في جماعة، ولو مع واحد، فإنه لا يعيد تلك الصلاة إلا آن يعيدها في مسجد النبي -ﷺ- أو المسجد الحرام، أو المسجد الأقصى. وقال: إنه لا يدري أيّ صلاتيه فريضته، وإنما ذلك إلى الله، يجعلها أيتها شاء، ولا يقول: إنها نافلة ونقل مثل ذلك عن ابن عمر، وابن المسيب رحمهما الله تعالى. قال الجامع عفا الله عنه: لكن هذا معارض للنص؛ حيث جعل الثانية هي النافلة، وتأويلهم بأن النافلة بمعنى فضيلة، وزيادة خير، وليس بمعنى التطوع، كما في قوله تعالى: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] تأويل بعيد؛ إذ لا دليل عليه، والله أعلم. وقال أبو حنيفة وأصحابه ﵏: لا يعيد المصلي وحده العصر مع الإِمام، ولا الفجر ولا المغرب، ويصلي معه الظهر والعشاء، ويجعل صلاته مع الإِمام نافلة. قال محمد بن الحسن ﵀: لأن النافلة بعد العصر والصبح لا تجوز، ولا تعاد المغرب؛ لأن النافلة لا تكون وترًا في غير الوتر. وقال الأوزاعي ﵀: يعيد جميع الصلوات، إلا المغرب والفجر، وهو قول عبد الله بن عمر ﵄؛ لحديث: «لا وتران في ليلة»، وحديث «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس». وأما العصر فقد ثبت جواز الصلاة بعدها ما كانت الشمس بيضاء نقية، والنهي الوارد محمول على ما بعد ذلك. وهذا مذهب جماعة من السلف، كابن عمر ﵄، وقد تقدم تمام البحث في ذلك في [باب الرخصة في الصلاة بعد العصر] برقم ٣٦/ ٥٧٣. وقال الشافعي ﵀: تعاد الصلوات كلها، لحديث محجن المذكور في الباب، حيث لم يخص له -ﷺ- صلاة من صلاة، بل قال له: «فصل مع الناس، وإن كنت قد صليت»، قال: والأولى هي الفريضة، والثانية سنة، وهو قول داود بن علي ﵀، إلا أنه يرى الإعادة في الجماعة على من صلى وحده فرضًا، ولا يحتسب عنه بما صلى وحده، وأما من صلى في جماعة، ثم أدرك جماعة أخرى، فالإعادة هاهنا استحباب. واختلف عن الثوري ﵀، فروي عنه: يعيد الصلوات كلها، كقول الشافعي، وروي عنه مثل قول مالك، ولا خلاف عنه أن الثانية تطوع. وقال أبو ثور ﵀: يعيدها كلها إلا الفجر والعصر، إلا أن يكون في مسجد، فتقام الصلاة، فلا يخرج حتى يصليها، وحجته النهي عن صلاة النافلة بعد العصر، وبعد الصبح. انتهى كلام ابن عبد البر ﵀ بالاختصار . قال الجامع عفا الله عنه: الراجح عندي ما ذهب إليه الشافعي، وداود رحمهما الله من إعادة جميع الصلوات، عن غير استثناء شيء من الصلوات، لقوة دليله؛ حيث عمم النبي -ﷺ- بقوله: «فَصَلِّ مع الناس، وإن كنت قد صليت» من غير استثناء شيء. بل حديث يزيد بن الأسود الآتي، نص في أن ذلك كان بعد الصبح. والله تعالى أعلم. المسألة السادسة: في بيان اختلاف العلماء في أن الفريضة هي الأولى، أم الثانية: ذهبت طائفة من أهل العلم إلى أن الفريضة هي الأولى، وبه قال الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، والشافعي، وداود، وذهبت طائفة إلى أن الفريضة هي الثانية، إن كانت الأولى صليت بلا جماعة. وعزا هذا القول العلامة الشوكاني ﵀ إلى الأوزاعي، والهادي، وبعض أصحاب الشافعي، قال: وهو قول الشافعي القديم. وذهبت طائفة إلى أنه لا يُدْرَى أيّ الصلاتين هي الفريضة، وإنما ذلك إلى الله تعالى، وعزا هذا القول ابن عبد البر إلى مالك، قال: وروي عن ابن عمر، وسعيد بن المسيب مثل قوله. وحجة الأولين حديث يزيد بن الأسود الآتي في الباب التالي: «فصليا معهم، فإنها لكما نافلة». وما رواه أبو ذر، وابن مسعود، وأبو هريرة، ﵃، عن النبي -ﷺ-، أنه قال: «سيكون عليكم بعدي أمراء، يؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فصلوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم سبحة» . وقد تقدم حديث أبي ذرّ، وابن مسعود ﵄ برقم ٢/ ٧٧٨ و٧٧٩. واحتج أصحاب القول الثاني: بما أخرجه أبو داود عن يزيد بن عامر ﵁، قال: جئت، والنبي -ﷺ- في الصلاة، فجلست، ولم أدخل معهم في الصلاة، فانصرف علينا رسول الله -ﷺ-، فرآني جالسًا، فقال. ألم تسلم يا يزيد؟ قال: بلى يا رسول الله، قد أسلمت، قال: «فما منعك أن تدخل مع الناس في صلاتهم؟» قال: إني كنت قد صليت في منزلي، وأنا أحسب أنكم قد صليتم، فقال: «إذا جئت إلى الصلاة، فوجدت الناس، فصل معهم، وإن كنت قد صليت، تكن لك نافلة، وهذه مكتوبة». ولكنه ضعيف؛ لأن في سنده نوح بن صعصعة المكي، قال الدارقطني: مجهول الحال . ومع هذا فقد خالف حديثه أحاديث الأثبات، فلا يصلح للاحتجاج به. قال الشوكاني ﵀: وعلى فرض صلاحية حديث يزيد بن عامر للاحتجاج به، فالجمع بينه وبين حديث الباب ممكن، يحمل حديث الباب على من صلى الصلاة الأولى في جماعة، وحمل هذا على من صلى منفردًا، كما هو الظاهر من سياق الحديثين. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: لا داعي لهذا الجمع، إذ الحديث ضعيف مخالف للأحاديث الصحيحة، فلا ينبغي أن يتكلف له. فقد تبين مما ذكر من الأقوال وأدلتها أن الراجح قول من قال: إن الفريضة هي الأولى، وإن الثانية نافلة، كما هو النص الصريح في الأحاديث المذكورة. والله ﷾ أعلم، وهو الهادي إلى الصراط الأقوم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. …
مصادر المؤلف (١٥)

١. بكسر الدال، بعدها مثناة تحتانية ساكنة: نسبة إلى الديل، قبيلة من عبد قيس. أفاده في «اللباب» جـ ١ ص ٥١٤ - ٥١٥، و«الإنساب» جـ ٨ ص ٥٠٨ - ٥٠٩.

٢. «تت» جـ ١ ص ٤٣٨ - ٤٣٩.

٣. حِسْمَى -بالكسر- والقصر: أرض بالبادية أفاده في «ق».

٤. «تت» جـ ١٠ ص ٥٤.

٥. «التمهيد» جـ ٤ ص ٢٢٢ - ٢٢٤.

٦. فأين دلالة الحديث على أن المجلس كان في غير السجد، أو في المسجد؟ ومن أين استنبط «إن سمع النداء يعيد الصلاة»؟ فهل من جاء دون أن يسمع الأذان لا يعيد مع الناس؟ وأي معنى لقوله: «وهو الأظهر الأوفق بالروايات»؟ فهل هناك روايات نصت على أن قضية محجن مع النبي -ﷺ- كانت في المسجد حتى توافقها هذه الرواية؟ سبحان الله!.

٧. «المصباح» جـ ١ ص ٦٢.

٨. مسند أحمد جـ ٤ ص ٣٤.

٩. مسند أحمد جـ ٤ ص ٣٣٨.

١٠. الاستذكار جـ ٥ ص ٣٥٥.

١١. التمهيد جـ ٤ ص ٢٤٣ - ٢٤٧.

١٢. «التمهيد» جـ ٤ ص ٢٤٩ - ٢٥٦.

١٣. التمهيد جـ ٤ ص ٢٥٧ - ٢٥٩.

١٤. انظر «تت» جـ ١٠ ص ٤٨٥.

١٥. نيل الأوطار جـ ٣ ص ٣٨٣ - ٣٨٤.