HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٨٨٩

أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، عَنْ زَائِدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ وَائِلَ بْنَ حُجْرٍ أَخْبَرَهُ قَالَ: قُلْتُ: «لَأَنْظُرَنَّ إِلَى صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كَيْفَ يُصَلِّي، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ، فَقَامَ فَكَبَّرَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى حَاذَتَا بِأُذُنَيْهِ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى كَفِّهِ الْيُسْرَى وَالرُّسْغِ وَالسَّاعِدِ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ مِثْلَهَا، قَالَ: وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ لَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ رَفَعَ يَدَيْهِ مِثْلَهَا، ثُمَّ سَجَدَ فَجَعَلَ كَفَّيْهِ بِحِذَاءِ أُذُنَيْهِ، ثُمَّ قَعَدَ وَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ كَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ، وَرُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَجَعَلَ حَدَّ مِرْفَقِهِ الْأَيْمَنِ عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ قَبَضَ اثْنَتَيْنِ مِنْ أَصَابِعِهِ، وَحَلَّقَ حَلْقَةً، ثُمَّ رَفَعَ إِصْبَعَهُ، فَرَأَيْتُهُ يُحَرِّكُهَا يَدْعُو بِهَا».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص295
  • زبير علي زئي:إسناده صحيح
ج ٢ ص ١٢٦

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٦ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١١ ص١٨٢
المثنى، عن ابن أبي عدي -كلاهما عن شعبة، عن قتادة، عن نصر بن عاصم عنه. وفي ٤/ ٨٨١ - و«الكبرى» ٤/ ٩٥٥ - عن يعقوب بن إبراهيم، عن إسماعيل ابن علية -و٨٥/ ١٠٢٤ - و«الكبرى» ٣٢/ ١٠٩٧ - عن علي بن حجر، عن ابن علية -و١٧/ ١٠٥٥ - عن إسماعيل بن مسعود، عن يزيد بن زريع -و٣٦/ ١٠٨٦ - عن محمد ابن المثنى، عن عبد الأعلى -كلهم عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة به. و٣٦/ ١٠٨٧ - عن محمد بن المثنى، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، به. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (مسلم) عن محمد بن المثنى، عن ابن أبي عدي، به. وعن أبي كامل الجحدري، عن أبي عوانة، عن قتادة، به. و(أبو داود) عن حفص بن عمر، عن شعبة، به. و(ابن ماجه) عن حميد بن مسعدة، عن يزيد بن زريع، به. و(أحمد) ٣/ ٤٣٦ و٤٣٧ و٥/ ٥٣. و(الدارمي) رقم ١٢٥٤، و(البخاري في جزء رفع اليدين) ٧ و٥٣ و٩٨. والله تعالى أعلم وهو حسبنا ونعم الوكيل. ٨٨٩ - أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ نَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ، وَحِينَ رَكَعَ، وَحِينَ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ حَتَّى حَاذَتَا فُرُوعَ أُذُنَيْهِ. رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (يعقوب بن إِبراهيم) الدَّوْرَقِيُّ، أبو يوسف البغدادي، ثقة، من [١٠]، تقدم في ٢١/ ٢٢. ٢ - (ابن علية) هو إسماعيل بن إبراهيم البصري، ثقة حافظ، من [٨]، تقدم في ١٨/ ١٩. ٣ - (ابن أبي عروبة) هو سعيد بن مِهْران البصري، ثقة ثبت يدلس واختلط، من [٦]، تقدم في ٣٤/ ٣٨. والباقون تقدموا في السند السابق. قال الجامع عفا الله عنه: أما شرح الحديث فواضح يعلم مما تقدم، وكذا مسائله. وقوله: «فروع أذنيه»: أي أعاليهما، وفرع كل شيء أعلاه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. *** ٥ - باب مَوْضِعِ الإِبْهَامَيْنِ عِنْدَ الرَّفْعِ أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على محل إبهامي الأصابع عند رفع اليدين في الصلاة. و«الإبهامان»: تثنية إبهام -بالكسر-: الأصبع العُظْمَى، وهي مؤنثة، وجمعها إبهامات، وأباهيم . ٨٨٠ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا فِطْرُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ -ﷺ- إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى تَكَادَ إِبْهَامَاهُ تُحَاذِي شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ. رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (محمد بن رافع) القشيري النيسابوري، ثقة عابد، مات سنة ٢٤٥، من [١١]، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، تقدم في ٩٢/ ١١٤. ٢ - (محمد بن بشر) بن الفَرافِصَة بن المختار الحافظ العبدي، أبو عبد الله الكوفي، ثقة حافظ، من [٩]. قال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ثقة. وقال الآجري، عن أبي داود: هو أحفظ من كان بالكوفة. وقال الكديمي، عن أبي نعيم: لما خرجنا في جنازة مِسعر جعلت أتطاول، فقلت: يجيئوني، فيسألوني عن حديث مسعر، فذاكرني محمد بن بشر العبدي بحديث مسعر، فأغرب علي سبعين حديثًا، لم يكن عندي منها إلا حديث واحد. وقال النسائي، وابن قانع: ثقة. وقال ابن الجنيد، عن ابن معين: لم يكن به بأس، وقيل له: هو أحب إليك، أو أبو أسامة؟ فقال: أبو أسامة. وقال ابن شاهين في «الثقات»: قال عثمان بن أبي شيبة: محمد بن بشر ثقة ثبت إذا حدث من كتابه. وفي «المراسيل»: قال ابن معين: والله ما سمع محمد ابن بشر من مجاهد بن رومي شيئًا، ولكنه مرسل. قال البخاري، وابن حبان: مات سنة ٢٠٣، وفيها أرخه يعقوب بن شيبة، ومحمد بن سعد، وزادا: في جمادى الأولى، وقالا: وكان ثقة كثير الحديث. أخرج له الجماعة . ٣ - (فطر بن خَلِيفة) القرشي المخزومي مولاهم، أبو بكر الحناط الكوفي صدوق رمي بالتشيع من [٥]. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: ثقة صالح الحديث، قال: وقال أبي: كان عند يحيى بن سعيد ثقة. وقال ابن أبي خيثمة، عن ابن معين: ثقة. وقال العجلي: كوفي ثقة حسن الحديث، وكان فيه تشيع قليل. وقال أبو حاتم: صالح الحديث، كان يحيى بن سعيد يرضاه، ويحسن القول فيه، ويحدث عنه. وقال أبو داود، عن أحمد بن يونس: كنا نمر على فطر، وهو مطروح، لا نكتب عنه. وقال النسائي: لا بأس به، وقال في موضع آخر: ثقة حافظ كَيِّس. وقال ابن سعد: كان ثقة إن شاء الله تعالى، ومن الناس من يستضعفه، وكان لا يدع أحدًا يكتب عنه، وكانت له سن عالية، ولقاء. وقال الساجي: صدوق ثقة، ليس بمتقن، كان أحمد ابن حنبل يقول: هو خَشَبي مُفْرِط، قال الساجي: وكان يقدم عليًا على عثمان، وكان يحيى بن سعيد يقول: حدث عن عطاء، ولم يسمع منه، وقال الساجي: وقد حكى وكيع أن فطرًا سأل عطاء، وروى أيضًا عن رجل، يقال له: عطاء رأى النبي -ﷺ-. وقال السعدي: زائغ غير ثقة. وقالط الدارقطني: فطر زائغ، ولم يحتج به البخاري. وقال أبو بكر بن عياش: ما تركت الرواية عنه إلا لسوء مذهبه. وقال أبو زرعة الدمشقي: سمعت أبا نعيم يرفع من فطر ويوثقه، ويذكر أنه كان ثبتًا في الحديث. وقال ابن أبي خيثمة: سمعت قطبة بن العلاء يقول: تركت فطرًا لأنه يروي أحاديث فيها إزراء على عثمان. وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: وقد قيل: إنه سمع من أبي الطفيل، فإن صح فهو من التابعين. وقال النسائي في الكنى: حدثنا يعقوب بن سفيان، عن ابن نمير، قال: فطر حافظ كيس. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة عند الكوفيين، وهو متماسك، وأرجو أنه لا بأس به. وقال محمد بن عبد الله الحضرمي: مات سنة ٥، ويقال: سنة ١٥٣، روى له البخاري مقرونًا بغيره، والباقون، إلا مسلمًا . وأما عبد الجبار وأبوه فتقدما في الباب الماضي. قال الجامع عفا الله عنه: حديث وائل بن حجر ﵁ هذا فيه انقطاع، لكن المصنف ﵀ صححه في «الكبرى»، ونصه فيها: قال أبو عبد الرحمن: عبد الجبار بن وائل لم يسمع من أبيه، والحديث في نفسه صحيح. انتهى كلامه في «الكبرى» جـ ١ ص ٣٠٨ رقم - ٥/ ٩٥٦. قال الجامع عفا الله عنه: أراد أنه صحيح لشواهده. والله أعلم. وقوله: «شَحْمَتَيْ أذنيه»: تثنية شَحْمَة -بفتح الشين المعجمة، وسكون الحاء المهملة، بعدها ميم-: وهو ما لان في أسفل الأذن، وهو مُعَلَّقُ القُرْط. أفاده الفيومي رحمه الله تعالى . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. ٦ - رَفْعِ الْيَدَيْنِ مَدًّا أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على استحباب رفع اليدين في الصلاة رفعًا بليغًا. والمراد رفعهما إلى المنكبين، أو الأذنين، لا فوق رأسه كما توهم بعضهم، لأن حديث الباب لم يحدد محل الرفع، فيحمل على الأحاديث المفسرة المتقدمة، وسيأتي تمام البحث فيه قريبًا إن شاء الله تعالى. ٨٨٣ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ سَمْعَانَ، قَالَ: جَاءَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ، فَقَالَ: ثَلَاثٌ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَعْمَلُ بِهِنَّ، تَرَكَهُنَّ النَّاسُ، كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الصَّلَاةِ مَدًّا، وَيَسْكُتُ هُنَيْهَةً، وَيُكَبِّرُ إِذَا سَجَدَ، وَإِذَا رَفَعَ. رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (عمرو بن علي) الفَلاَّس الصيرفي، أبو حفص البصري، ثقة حافظ، مات سنة ٢٤٩، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤/ ٤. ٢ - (يحيى) بن سيعد القطان، الإمام الحجة الثبت، مات سنة ١٩٨، من كبار [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤/ ٤. ٣ - (ابن أبي ذئب) هو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب القرشي العامري، أبو الحارث المدني، ثقة فقيه فاضل، مات سنة ١٥٨، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤١/ ٦٨٥. ٤ - (سعيد بن سمعان ) الأنصاري الزُّرَقي مولاهم المدني، ثقة، من [٣]، أخرج له أبو داود والترمذي والنسائي. روى عن أبي هريرة، وابن حَسَنَة. وعنه ابن أبي داود، وسابق بن عبد الله الرّقّيّ، ومحمد بن أبي ذئب. قال النسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال البرقي عن الدارقطني: ثقة. وقال الحاكم: تابعي معروف. وقال الأزدي: ضعيف. قال في «ت»: لم يصب الأزدي في تضعيفه . ٥ - (أبو هريرة) ﵁، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا سعيد بن سمعان، فانفرد به هو، وأبو داود، والترمذي. ومنها: أن شيخه هو أحد مشايخ الأئمة الستة الذين رووا عنهم بدون واسطة، وتقدموا غير مرة، وأن فيه أبا هريرة أحد المكثرين السبعة، وفيه الإخبار، والتحديث، والقول. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (قال) سعيد بن سمعان (جاء أبو هريرة) ﵁ (إِلى مسجد بني زُرَيق) بضم الزاي المعجمة، وفتح الراء، وسكون الياء آخر الحروف، وآخره قاف، وبنو زريق بن عامر بن حارثة بن غضب بن جشم بن الخزرج. أفاده العيني . (فقال: ثلاث) أي ثلاث خصال من خصال الصلاة (كان رسول الله -ﷺ- يعمل بهن تركهن الناس) أي تركوا العمل بهن، جهلًا، أو لاعتقادهم أن تركهن لا يضر بالصلاة، ثم أشار إلى الخصلة الأولى بقوله: (كان يرفع يديه في الصلاة مَدًّا) أي رفعًا بليغًا، أو رفعًا، وهو مصدر من غير لفظ الفعل، كقعدت جلوسًا، إلا أنه على الأول للنوع، وعلى الثاني للتأكيد. قاله السندي رحمه الله تعالى. وقال ابن سيد الناس ﵀: يجوز أن يكون مَدًّا مصدرًا مختصًا، كقعد القُرْفُصَاء، أو مصدرًا من المعنى، كقعدت جلوسًا، أو حالًا من رفع. انتهى. وقال العلامة الشوكاني ﵀: يجوز أن يكون منتصبًا على المصدرية بفعل مقدر، وهو يمدّهما مدًا، ويجوز أن يكون منتصبًا على الحالية، أي رفع يديه في حال كونه مادًا لهما إلى رأسه، ويجوز أن يكون مصدرًا منتصبًا بقوله: «رفع»، لأن الرفع بمعنى المدّ، وأصل المدّ في اللغة الجرّ -قاله الراغب- والارتفاع؛ قال الجوهري: ومَدُّ النهارِ ارتفاعُهُ، وله معان أخر، ذكرها صاحب القاموس وغيره. وقد فسر ابن عبد البرّ المدَّ المذكور في الحديث بمد اليدين فوق الأذنين مع الرأس. انتهى كلام الشوكاني . قال العلامة المباركفوري ﵀: لم يبين في هذا الحديث غاية المدّ، فهو مجمل فيها، فلابدّ من أن يحمل على الأحاديث التي بينت فيها غايته، هذا ما عندي، والله تعالى أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله المباركفوري ﵀ حسن جدًا. وحاصله: أن معنى قول أبي هريرة ﵁: «رفع يديه مدًّا» بمعنى حديث ابن عمر، ووائل بن حجر، ومالك بن الحويرث ﵃ أنه رفع يديه حَذْوَ المنكبين، وحيال الأذنين، وأما ما فسر به ابن عبد البر فلا أراه صحيحا؛ إذ حديث أبي هريرة ﵁ مجمل، حيث لم يبين فيه حد الرفع، ولابد من حمل المجمل على المفسر. والحاصل أن أبا هريرة ﵁ إنما أنكر على الناس تركهم الرفع أصلًا، أو اقتصارَهم على ما دون المنكبين. والله تعالى أعلم. ثم أشار إلى الخصلة الثانية بقوله: (ويسكت هنيهة) أي زمنًا يسيرًا، وهو بضم الهاء، وفتح النون، مصغر «هَنَةٍ». قال الفيومي ﵀: الْهَنُ خفيف النون كناية عن كل اسم جنسً، والأنثى هَنَة، ولامها محذوفة، ففي لغة هي هاء، فيصغر على هُنَيهَة، ومنه يقال: سكت هُنَيْهَة، أي ساعة لطيفة، وفي لغة هي واو، فيصغر في المؤنث على هُنَيَّة، والهمز خطأ، إذ لا وجه، وجمعها هَنَوَات، وربما جُمِعَت هَنَاتٍ على لفظها، مثل عِدَات. انتهى . قال السندي ﵀: والمراد السكوت قبل القراءة، أو بعد الفاتحة، والحديث يدلّ على أن الناس تركوا بعض السنن وقتَ الصحابة، فينبغي الاعتماد على الأحاديث. والله تعالى أعلم. انتهى. وقال الجامع عفا الله عنه: الصواب كون المراد بالسكوت السكوتَ الذي بين التكبير وقراءة الفاتحة، كما بينه أحمد ﵀ في روايته: قال عبد الله بن أحمد ﵀: حدثني أبي، ثنا يحيى، عن ابن أبي ذئب -ويزيد بن هارون، قال: أنا ابن أبي ذئب المعنى، قال: ثنا سعيد بن سمعان، قال: أتانا أبو هريرة في مسجد بني زريق، قال: ثلاث كان رسول الله -ﷺ- يعمل بهن، قد تركهن الناس، كان يرفع يديه مدًّا إذا دخل في الصلاة، ويكبر كلما ركع، ورفع، والسكوت قبل القراءة، يسأل الله من فضله. قال يزيد: يدعو، ويسأل الله من فضله. راجع «المسند» جـ ٢ ص ٤٣٤. وقال عبد الله أيضًا: حدثني أبي، ثنا محمد بن عبد الله، ثنا ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة، قال: ترك الناس ثلاثة مما كان يعمل بهن رسول الله -ﷺ-،كان -ﷺ- إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدًّا، ثم سكت قبل القراءة هُنَيَّةً، يسأل الله من فضله، فيكبر كلما خفض، ورفع. راجع «المسند» جـ ٢ ص ٥٠٠. ويأتي للمصنف ﵀١٥/ ٨٩٥ - حديث أبي هريرة ﵁، قال: كان رسول الله -ﷺ- إذا افتتح الصلاة سكت هنيهة، فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما تقول في سكوتك بين التكبير والقراءة؟ … الحديث. والله تعالى أعلم. فتبين بهذا كله أن المراد بالسكوت هنا هو السكوت بين التكبير وقراءة الفاتحة. والله تعالى أعلم. ثم المراد بالسكوت هنا ما قابل الجهر، لا ما قابل الكلام، بدليل أنه كان يقرأ دعاء الاستفتاح فيه، ففي رواية أبي هريرة المذكورة قال: فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، إسكاتك بين التكبير والقراءة ما تقول فيه؟ قال: أقول: «اللهم باعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب» … الحديث. وفي رواية أحمد المذكورة: «ثم سكت قبل القراءة هنيّة يسأل الله من فضله». والحاصل أن سكوته هو عدم جهره بدعاء الاستفتاح، كما يجهر بالقراءة، لا عدم نطقه أصلًا. والله أعلم. ثم أشار إلى الخصلة الثالثة بقوله: (ويكبر إِذا سجد، وإِذا رفع) ورواية أحمد: «كلما خفض، ورفع»، وهي أعم، أي أنه يكبر في خفض الركوع، وخفض السجود، ورفع السجود، ورفع القيام، فيعم بالتكبير كل انتقالاته، إلا ما استثني بالنص، وهو الرفع من الركوع، فإن المشروع فيه هو التسميع، والتحميد. وقد أخرج البخاري عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، أنه كان يصلي بهم، فيكبر كلما خفض ورفع، فإذا انصرف قال: إني لأشبهكم صلاة برسول الله -ﷺ-. ويأتي للمصنف ﵀ مطولًا برقم ٨٤/ ١٠٢٣. وأخرج عن مطرف بن عبد الله، عن عمران بن حُصَين رضي الله عنه، قال: صلى مع علي ﵁ بالبصرة، فقال: ذكّرنا هذا الرجل صلاةً كنا نصليها مع رسول الله -ﷺ-، فذكر أنه كان يكبر كلما رفع، وكلما خفض. ويأتي للمصنف برقم ٣٤/ ١٠٨٢. وقال الحافظ ﵀: فيه إشارة إلى أن التكبير الذي ذكره كان قد ترك، وقد روى أحمد، والطحاوي بإسناد صحيح عن أبي موسى الأشعري قال: ذكّرنا علي صلاة كنا نصليها مع رسول الله -ﷺ- إما نسيناها، وإما تركناها عمدًا. ولأحمد من وجه آخر عن مطرف قال: قلنا: -يعني لعمران بن حصين- يا أبا نُجَيد -هو بالنون، والجيم مصغرًا- مَنْ أولُ من ترك التكبير؟ قال: عثمان بن عفان حين كبر، وضعف صوته. وهذا يحتمل إرادة ترك الجهر. وروى الطبراني عن أبي هريرة ﵁: أن أول من ترك التكبير معاوية. وروى أبو عبيد أن أول من تركه زياد. وهذا لا ينافي الذي قبله، لأن زيادًا تركه بترك معاوية، وكأن معاوية تركه بترك عثمان. وقد حمل ذلك جماعة من أهل العلم على الإخفاء، ويرجِّحُهُ ما أخرجه البخاري في صحيحه عن سعيد بن الحارث، قال: صلى لنا أبو سعيد، فجهر بالتكبير حين رفع رأسه من السجود، وحين سجد، وحين رفع، وحين قام من الركعتين، وقال: هكذا رأيت النبي -ﷺ-. لكن حكى الطحاوي أن قومًا كانوا يتركون التكبير في الخفض دون الرفع، قال: وكذلك كانت بنو أمية تفعل. وروى ابن المنذر نحوه عن ابن عمر. وعن بعض السلف أنه كان لا يكبر سوى تكبيرة الإحرام. وفرق بعضهم بين المنفرد وغيره، ووَجَّهَه بأن التكبير شرع للإيذان بحركة الإمام، فلا يحتاج إليه المنفرد. لكن استقر الأمر على مشروعية التكبير في الخفض والرفع لكل مصلّ، فالجمهور على ندبية ما عدا تكبيرة الإحرام. وعن أحمد، وبعض أهل الظاهر يجب كله. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى بتصرف . والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق هذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٦/ ٨٨٣ - وفي «الكبرى» -٦/ ٩٥٧ - عن عمرو بن علي، عن يحيى القطان، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، عنه. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (أبو داود) في «الصلاة» عن مسدد، عن يحيى، به. و(الترمذي) فيه عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، عن ابن أبي ذئب به. و(أحمد) جـ ٢/ ٤٣٤ و٥٠٠. و(البخاري في جزء رفع اليدين) رقم ٢٧٩. و(ابن خزيمة) رقم ٤٥٦ و٤٦٠ و٤٧٣. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو المبالغة في رفع اليدين، وقد تقدم أن الأرجح أن يفسر بما في الروايات الأخرى، وهو المدّ إلى المنكبين، أو الأذنين، لا كما توهم أنه يرفعه فوق رأسه. والله أعلم. ومنها: مشروعية السكوت بين الإحرام للصلاة، وقراءة الفاتحة، مشتغلًا بدعاء الاستفتاح، وسيأتي في بابه إن شاء الله تعالى. ومنها: مشروعية التكبير في كل خفض ورفع، إلا الرفع من الركوع، فيقول: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد». ومنها: ما كان عليه الصحابة من شدة حرصهم على بيان سنة رسوله الله -ﷺ-، وتبليغها للناس، فإن أبا هريرة ﵁ صلى بالناس، وأعلن لهم أنه أشبههم برسول الله -ﷺ- صلاةً حيث رآهم تركوا السن جهلًا، فنبههم عليها، وأرشدهم إليها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: أخرج الترمذي ﵀ في جامعه حديث الباب عن قتيبة، وأبي سعيد الأشج، قالا: حدثنا يحيى بن يمان، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة ﵁، قال: كان رسول الله -ﷺ- إذا كبر للصلاة نشر أصابعه. قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة قد رواه غير واحد عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، عن أبي هريرة: أن النبي -ﷺ- كان إذا دخل في الصلاة رفع يديه مدًّا. وهو أصح من رواية يحيى بن يمان، وأخطأ ابن يمان في هذا الحديث. حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن، حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي، حدثنا ابن أبي ذئب، عن سعيد بن سمعان، قال: سمعت أبا هريرة يقول: كان رسول الله -ﷺ- إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدًّا. قال أبو عيسى: قال عبد الله: وهذا أصح من حديث يحيى بن يمان، وحديث يحيى بن يمان خطأ. انتهى. وقال ابن أبي حاتم: قال أبي: وَهِمَ يحيى، إنما أراد: كان إذا قام إلى الصلاة رفع يديه مدًّا. كذا رواه الثقات من أصحاب ابن أبي ذئب. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: يحيى بن يمان العجلي الكوفي، قال عنه الحافظ في «ت»: صدوق عابد يخطىء كثيرًا، وقد تغير، من كبار التاسعة مات سنة ١٨٩. وقد ظهر هنا خطؤه حيث خالف الحفاظ من أصحاب ابن أبي ذئب، وهم يحيى القطان -كما عند المصنف، وأحمد، وأبي داود- ويزيد بن هارون، ومحمد بن عبد الله -كما عند أحمد- وعبيد الله ابن عبد المجيد -كما عند الترمذي- فصارت روايته منكرة. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. *** ٧ - فَرْضِ التَّكْبِيرَةِ الأُولَى أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على إيجاب التكبيرة الأولى في الصلاة. يقال: فَرَضَ الله الأحكام فَرْضًا: أوجبها. قاله الفيومي. فإضافة الفرض إلى التكبيرة من إضافة المصدر إلى مفعوله. وموضع الاستدلال قوله: «فكبر»؛ حيث أمره بالتكبير، والأمر للإيجاب. والله تعالى أعلم. ٨٨٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ، فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ، فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَرَدَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَالَ: «ارْجِعْ، فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، فَرَجَعَ، فَصَلَّى كَمَا صَلَّى، ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، ارْجِعْ، فَصَلِّ، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»، فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ الرَّجُلُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا، فَعَلِّمْنِي، قَالَ: «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ، فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا، ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا». رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (محمد بن المثنى) أبو موسى العَنَزي البصري، ثقة ثبت، مات سنة ٢٥٢ هـ، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٦٤/ ٨٠. ٢ - (يحيى) بن سعيد القطان، تقدم في الباب الماضي. ٣ - (عبيد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العُمَري أبو عثمان المدني، ثقة ثبت، قدمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، وقدمه ابن معين في القاسم عن عائشة على الزهري، عن عروة، عنها. مات سنة بضع وأربعين ومائة، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٥/ ١٥. ٤ - (سعيد بن أبي سعيد) كيسان المقبري، أبو سَعْد المدني، ثقة تغير قبل موته بأربع سنين، مات في حدود ١٢٠، وقيل: قبلها، وقيل: بعدها، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٩٥/ ١١٧. ٥ - (أبو سعيد) كَيْسان المقبري المدني، مولى أم شريك، صاحب العَبَاء، ثقة ثبت، مات سنة مائة، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٦٣/ ٨٧٢. ٦ - (أبو هريرة) الدَّوْسِيُّ الصحابي ﵁، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وكلهم من رجال الجماعة، وأنهم مدنيون، إلا شيخه، وشيخ شيخه، فبصريان. ومنها: أن شيخه هو أحد التسعة الذين يروي عنهم أصحاب الأصول الستة بدون واسطة وهم المجموعون في قولي: اشْتَرَكَ الأئمَةُ الْهُداةُ … ذَوُوا الأصُولِ السِّتَّةِ الْوُعَاه فِي تِسْعَةٍ مِنَ الشُّيوخِ الْمَهَرَهْ … الْحَافِظِينَ النَّاقِدِينَ الْبَرَرَهْ أولَئِكَ الأشَجُّ وَابْنُ مَعْمَرِ … نَصْرٌ وَيَعْقُوبُ وَعَمْرٌو السَّرِي وَابْنُ الْعَلاءِ وَابْنَ بَشَّارٍ كَذَا … ابْنُ الْمُثَنَّى وَزِيادٌ يُحْتَذَى وقد تقدموا غير مرة، وإنما أعدتهم تذكيرًا، لطول العهد بهم. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، عبيد الله، عن سعيد. ومنها: أن فيه رواية الابن، عن أبيه، سعيد، عن كيسان. ومنها: أن فيه أبا هريرة ﵁، أكثر الصحابة حديثًا، روى ٥٣٧٤ حديثًا. والله تعالى أعلم. تنبيه: قوله: «عن أبيه»، قال الدارقطني ﵀: خالف يحيى القطان أصحاب عبيد الله كلهم في هذا الإسناد، فإنهم لم يقولوا: «عن أبيه»؛ ويحيى حافظ، قال: ويشبه أن يكون عبيد الله حدث به على الوجهين. وقال البزار ﵀: لم يتابع يحيى عليه. ورجح الترمذي ﵀ رواية يحيى. قال الحافظ ﵀: قلت: لكل من الروايتين وجه مرجح، أما رواية يحيى فللزيادة من الحافظ، وأما الرواية الأخرى فللكثرة، ولأن سعيدا لم يوصف بالتدليس، وقد ثبت سماعه من أبي هريرة ﵁، ومن ثم أخرج الشيخان الطريقين، فأخرج البخاري طريقي يحيى في «باب أمر النبي -ﷺ- الذي لا يتم ركوعه بالإعادة»، وفي «باب وجوب القراءة»، وأخرج في «الاستئذان» طريق عبد الله بن نمير، وفي «الأيمان والنذور» طريق أبي أسامة كلاهما عن عبيد الله، ليس فيه «عن أبيه». وأخرجه مسلم من رواية الثلاثة. وللحديث طريق أخرى من غير رواية أبي هريرة ﵁، أخرجها أبو داود، والنسائي، من رواية إسحاق بن أبي طلحة -ومحمد ابن إسحاق - ومحمد بن عمرو - ومحمد بن عجلان - وداود بن قيس- كلهم عن علي بن يحيى بن خلاد بن رافع الزرقي، عن أبيه، عن عمه رفاعة بن رافع. فمنهم من لم يسم رفاعة، قال: «عن عم له بدري»، ومنهم من لم يقل: «عن أبيه». ورواه النسائي، والترمذي من طريق يحيى بن علي بن يحيى، عن أبيه، عن جده، عن رفاعة، لكن لم يقل الترمذي: «عن أبيه». وفيه اختلاف آخر نذكره قريبًا. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى . والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله -ﷺ- دخل المسجد) النبوي (فدخل رجل). في رواية ابن نمير: «ورسول الله -ﷺ- جالس في ناحية المسجد». وللنسائى من رواية إسحاق بن أبي طلحة: «بينما رسول الله -ﷺ- جالس، ونحن حوله». وهذا الرجل هو خلاد بن رافع جد علي بن يحيى راوي الخبر، بينه ابن أبي شيبة عن عباد بن العوّام، عن محمد بن عمرو، عن علي بن يحيى، عن رفاعة أن خلادًا دخل المسجد. وروى أبو موسى في الذيل من جهة ابن عيينة، عن ابن عجلان، عن علي بن يحيى بن عبد الله بن خلاد، عن أبيه، عن جده أنه دخل المسجد اهـ. قال الحافظ ﵀: وفيه أمران: زيادة عبد الله في نسب علي بن يحيى، وجعل الحديث من رواية خلاد جد علي. فأما الأول فَوَهَمٌ من الراوي عن ابن عيينة. وأما الثاني فمن ابن عيينة، لأن سعيد بن منصور قد رواه عنه كذلك، لكن بإسقاط «عبد الله». والمحفوظ أنه من حديث رفاعة، كذلك أخرجه أحمد عن يحيى بن سعيد القطان، وابن عيينة، وابن أبي شيبة عن أبي خالد الأحمر، كلاهما عن محمد بن عجلان. وأما ما وقع عند الترمذي «إذ جاء رجل كالبدوي، فصلى فأخفّ صلاته»، فهذا لا يمنع تفسيره بخلاد، لأن رفاعة شبهه بالبدوي، لكونه أخف الصلاة، أو لغير ذلك. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى . (فصلى) زاد الصنف من طريق داود بن قيس -٦٧/ ١٣١٤ -: «ركعتين»، وفيه إشعار بأنه صلى نفلًا، والأقرب أنه تحية المسجد، وفي الرواية المذكورة، «وقد كان النبي -ﷺ- يَرْمُقُهُ في صلاته»، زاد في رواية إسحاق بن أبي طلحة: «ولا ندري ما يعيب منها»، وعند ابن أبي شيبة من رواية أبي خالد: «يرمقُهُ، ونحن لا نشعر»، وهذا محمول على حالهم في المرة الأولى، وهو مختصر من الذي قبله، كأنه قال: ولا نشعر بما يعيب منها. قاله في «الفتح». (ثم جاء فسلم على رسول الله -ﷺ-)، وفي رواية أبي أسامة «فجاء فسلم»، وهي أولى، لأنه لم يكن بين صلاته ومجيئه تراخ (فرد عليه رسول الله -ﷺ-)، وفي رواية للبخاري، ومسلم. «فقال: وعليك السلام». قال في «الفتح»: وفيه ردّ على ابن المُنَيِّر حيث قال: فيه أن الموعظة في وقت الحاجة أهم من ردّ السلام، ولأَنه لعله لم يرد ﵇ تأديبًا على جهله، فيؤخذ منه التأديب بالهجر وترك السلام. اهـ. قال الحافظ: والذي وقفنا عليه من نسخ الصحيحين ثبوت الرد في هذا الموضع وغيره، إلا الذي في الأيمان والنذور، وقد ساق الحديث صاحب «العمدة» بلفظ الباب إلا أنه حذف منه «فرد النبي -ﷺ-»، فلعل ابن المنير اعتمد على النسخة التي اعتمد عليها صاحب «العمدة». انتهى. (وقال: ارجع) وفي رواية ابن عجلان «أعد صلاتك»، (فإِنك لم تصلّ) الفاء للتعليل؛ أي لأنك لم تصل، أي لم تُوجِدْ حقيقة الصلاة، فهو نفي للحقيقة، لانتفاء الطمأنينة التي هي ركن من أركانها، أو أن المراد لم تصح صلاتك، فيكون النفي راجعًا للصفة، خلافًا لمن قال: إنه نفي للكمال، لأن النفي يتوجه للحقيقة إن أمكن، كما هنا، وإلا يتوجه لأقرب صفة للحقيقة، كالصحة، لا الكمال . وقال القاضي عياض ﵀: فيه أن أفعال الجاهل في العبادة على غير علم لا تجزىء، وهو مبني على أن المراد بالنفي نفي الإجزاء، وهو الظاهر، ومن حمله على نفي الكمال تمسك بأنه -ﷺ- لم يأمره بعد التعليم بالإعادة، فدلّ على إجزائها، وإلا لزم تأخير البيان. كذا قاله بعض المالكية، وهو المهلب، ومن تبعه، وفيه نظر، لأنه -ﷺ- قد أمره في المرة الأخيرة بالإعادة، فسأله التعليم، فعلمه، فكأنه قال له: أعد صلاتك على هذه الكيفية. قاله في «الفتح». (فرجع) الرجل (فصلى كما صلى) أي مثل صلاته الأولى بلا طمأنينة، ولا اعتدال، (ثم جاء إِلى النبي -ﷺ-، فسلم عليه، فقال له رسول الله -ﷺ-: «وعليك السلام، ارجع، فصل، فإِنك لم تصل»، فعل ذلك ثلاث مرات)، وفي رواية رفاعة بن رافع الآتية ١٥/ ١٠٥٣: «قال: لا أدري في الثانية، أو في الثالثة»، وفي ٦٧/ ١٣١٣: «فإنك لم تصل، مرتين، أو ثلاثًا»، وفي ٧٦/ ١٣١٤: «حتى كان عند الثالثة، أو الرابعة». وتترجح ما في الباب -كما قال الحافظ- لعدم وقوع الشك فيها، ولكونه -ﷺ- كان من عادته استعمال الثلاث في تعليمه غالبًا. واستشكل تقريره -ﷺ- على صلاته، وهي فاسدة على القول بأنه أخل ببعض الواجبات، وأجاب المازري بأن أراد استدراجه بفعل ما يجهله مرات، لاحتمال أن يكون فعله ناسيًا أو غافلًا، فيتذكره، فيفعله من غير تعليم، وليس ذلك من باب التقرير على الخطأ، بل من باب تحقق الخطأ. وقال النووي: نحوه، قال: وإنما لم يعلمه أوّلًا ليكون أبلغ في تعريفه، وتعريف غيره بصفة الصلاة المجزئة. وقال ابن الجوزي: يحتمل أن يكون ترديده لتفخيم الأمر، وتعظيمه عليه، ورأى أن الوقت لم يفته، فرأى إيقاظ الفطنة للمتروك. وقال ابن دقيق العيد: ليس التقرير بدليل على الجواز مطلقًا، بل لابد من انتفاء الموانع، ولا شك أن في زيادة قبول المتعلم لما يلقى إليه بعد تكرار فعله، واستجماع نفسه، وتوجه سؤاله، مصلحة مانعة من وجوب المبادرة إلى التعليم، لاسيما مع عدم خوف الفوات، إما بناء على ظاهر الحال، أو بوحي خاص. وقال التوربشتي: إنما سكت عن تعليمه أوّلًا لأنه لما رجع لم يستكشف الحال من مورد الوحي، وكأنه اغترّ بما عنده من العلم، فسكت عن تعليمه زجرًا له، وتأديبًا، وإرشادًا إلى استكشاف ما استبهم عليه، فلما طلب كشف الحال من مورده أرشد إليه. انتهى. قال الحافظ: لكن فيه مناقشة، لأنه إن تم له في الصلاة الثانية والثالثة لم يتم له في الأولى، لأنه -ﷺ- بدأه لما جاء أول مرة بقوله: «ارجع فصل، فإنك لم تصل»، فالسؤال وارد على تقريره له على الصلاة الأولى، كيف لم ينكر عليه في أثنائها، لكن الجواب صحيح بيانًا للحكمة في تأخير البيان بعد ذلك، والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أنه إنما لم ينكر عليه أثناء الصلاة، بل أخره إلى أن انتهى ليتبين له جميع ما يخطىء فيه؛ إذ لو أنكر عليه في الوسط وعلمه وأعاد، ربما أخطأ في غيره فيحتاج إلى تعليمه ويتسلسل، ولا يقال: إن تبين له ذلك في المرة الأولى، فلماذا رده ثانيًا وثالثًا، لأننا نقول: إن ذلك زجر له حيث أقدم على الإعادة من غير أن يتعلم منه -ﷺ- فعاقبه. والله تعالى أعلم. (فقال الرجل: والذي بعثك بالحق ما أحسن غير هذا فعلمني)، وفي حديث رفاعة ﵁: «والذي أنزل عليك الكتاب لقد جهدت، فعلمني، وأرني»، وفي لفظ: «لقد جهدت، وحَرَصتُ، فأرني، وعلمني»، وفي رواية: «والذي أكرمك يا رسول الله، لقد جهدت، فعلمني»، وفي رواية: «فقال الرجل: فأرني وعلمني، فإنما أَنا بشر أصيب وأخطىء. فقال: أجل». (قال) -ﷺ- معلمًا له (اذا قمت إِلى الصلاة، فكبر) وفي حديث رفاعة: «إذا أردت الصلاة، فتوضأ، فأحسن الوضوء، ثم قم، فاستقبل القبلة، ثم كبر»، وفي رواية: «فتوضأ كما أمرك الله، ثم تشهد، وأقم»، وفي رواية: «إنها لم تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله، فيغسل وجهه، ويديه إلى المرفقين، ويمسح رأسه، ورجليه إلى الكعبين، ثم يكبر الله، ويحمده، ويمجده». وهذا محل الترجمة وهو أنه يدل على فرضية تكبيرة الإحرام، وسيأتي أقوال أهل العلم فيه مستوفى في «المسألة الخامسة»، إن شاء الله تعالى. (ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن) قال في «الفتح»: لم تختلف الرواية في هذا عن أبي هريرة ﵁، وأما رفاعة، ففي رواية إسحاق بن أبي طلحة: «ويقرأ ما تيسر من القرآن مما علمه الله»، وفي رواية يحيى بن علي: «فإن كان معك قرآن، فاقرأ، وإلا فاحمد الله، وكبره، وهلله»، وفي رواية محمد بن عمرو عند أبي داود: «ثم اقرأ بأم القرآن، أو بما شاء الله»، ولأحمد، وابن حبان من هذا الوجه: «ثم اقرأ بأم القرآن، ثم اقرأ بما شئت»، ترجم له ابن حبان بـ[باب فرض المصلي قراءة فاتحة الكتاب في كل ركعة]. انتهى ما في «الفتح» . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين بهذه الروايات أن معنى ما تيسر هي الفاتحة، فلا متمسك لمن استدل به على عدم فرضية الفاتحة. فتبصر. والله تعالى أعلم. (ثم اركع حتى تطمئن راكعًا)، وفي رواية أحمد المذكورة: «فإذا ركعت، فاجعل راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك، وتمكن لركوعك». وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة: «ثم يكبر، فيركع حتى تطمئن مفاصله، ويسترخي». (ثم ارفع) أي رأسك من الركوع (حتى تعتدل قائمًا)، وفي رواية ابن نمير عند ابن ماجه: «حتى تطمئن قائمًا»، أخرجه ابن أبي شيبة عنه، وقد أخرج مسلم إسناده بعينه في هذا الحديث لكن لم يسق لفظه، فهو على شرطه، وكذا أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده، عن أبي أسامة، وهو في «مستخرج أبي نعيم» من طريقه، وكذا أخرجه السرّاج عن يوسف بن موسى أحد شيوخ البخاري عن أبي أسامة. قال الحافظ ﵀ بعد ذكر ما تقدم: فثبت ذكر الطمأنينة في الاعتدال على شرط الشيخين، ومثله في حديث رفاعة عند أحمد، وابن حبان، وفي لفظ لأحمد: «فأقم صلبك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها»، وعرف بهذا أن قول إمام الحرمين: في القلب من إيجابها -أي الطمأنينة في الرفع من الركوع- شيء لأنها لم تذكر في حديث المسيء صلاته، دالّ على أنه لم يقف على هذه الطرق الصحيحة. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى . (ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا)، وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة: «ثم يكبر، فيسجد حتى يمكن وجهه، أو جبهته حتى تطمئن مفاصله، وتسترخي». (ثم ارفع) أي رأسك من السجود (حتى تطمئن جالسًا)، وفي رواية إسحاق المذكورة: «ثم يكبر، فيرفع حتى يستوي قاعدًا على مقعدته، ويقيم صلبه»، وفي رواية محمد بن عمرو: «فإذا رفعت رأسك، فاجلس على فخذك اليسرى»، وفي رواية إسحاق: «فإذا جلست في وسط الصلاة، فاطمئن جالسًا، ثم افترش فخذك اليسرى، ثم تشهد». (ثم افعل ذلك في صلاتك كلها) بالجر توكيد لـ«صلاتك». وفي رواية محمد بن عمرو: «ثم اصنع ذلك في كل ركعة وسجدة». وفي حديث رفاعة ﵁ الآتي -١٥/ ١٠٥٣ -: «فإذا صنعت ذلك، فقد قضيت صلاتك، وما انتقصت من ذلك، فإنما تنقصه من صلاتك». وفي رواية -٦٧/ ١٣١٤ -: «فإذا أتممت صلاتك على هذا، فقد تمت، وما انتقصت من هذا فإنما تنتقصه من صلاتك». تنبيه: وقع في رواية ابن نمير عند البخاري في «الاستئذان» بعد ذكر السجود الثاني: «ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا». وقد قال بعضهم: هذا يدلّ على إيجاب جلسة الاستراحة، ولم يقل به أحد. وأشار البخاري إلى أن هذه اللفظة وَهَم، فإنه عَقَّبَه، بأن قال: قال أبو أسامة في الأخير: «حتى تستوي قائمًا». قال الحافظ: ويمكن أن يحمل إن كان محفوظًا على الجلوس للتشهد، ويقويه رواية إسحاق المذكورة قريبًا، وكلام البخاري ظاهر في أن أبا أسامة خالف ابن نمير، لكن رواهُ إسحاقُ بن راهويه في «مسنده» عن أبي أسامة كما قال ابن نمير بلفظ: «ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم اقعد حتى تطمئن قاعدًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم اقعد حتى تطمئن قاعدًا، ثم افعل ذلك في كل ركعة». وأخرجه البيهقي من طريقه، وقال: كذا قال إسحاق بن راهويه، عن أبي أسامة، والصحيح رواية عبد الله بن سعيد أبي قُدامة، ويوسف بن موسى عن أبي أسامة بلفظ: «ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، ثم ارفع حتى تستوي قائمًا»، ثم ساقه من طريق يوسف بن موسى كذلك. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: عندي أن تضعيف رواية إسحاق غير صحيح، لأنه تابعه ابن نمير كما مر آنفًا، فالحديث صحيح، وأما دلالته على وجوب جلسة الاستراحة فظاهر، إلا أن له صارفًا، وهو ما صح عنه -ﷺ- من تركه جلسة الاستراحة في بعض الأحيان، كما يأتي البحث عنه في موضعه، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٧/ ٨٨٤ - وفي «الكبرى» -٧/ ٩٥٧ - عن محمد بن المثنى، عن يحيى القطان، عن عبيد الله بن عمر العمري، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عنه. أخرجه هنا -٧/ ٨٨٤ - وفي «الكبرى» -٧/ ٩٥٧ - عن محمد ابن المثنى، عن يحيى القطان، عن عبيد الله بن عمر العمري، عن سعيد ابن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عنه. وقال في «الكبرى» عقب إيراد الحديث: قال أبو عبد الرحمن: خولف يحيى في هذا الحديث، فقيل: عن سعيد، عن أبي هريرة، والحديث صحيح. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الظاهر أن المصنف يرى صحة الطريقين، طريق يحيى بزيادة «عن أبيه»، وطريق غيره بإسقاطه، وهو مذهب الشيخين، حيث أخرجا الحديث عن الطريقين، ومذهب الدارقطني أيضًا، حيث قال: فيشبه أن يكون عبيد الله حدث به على الوجهين. وأما الترمذي فقد رجح طريقة يحيى، حيث قال: حديث يحيى بن سعيد أصح. وقد تقدم تمام الكلام على هذا في التنبيه الذي ذكرته عقب ذكر لطائف الإسناد، فارجع إليه تزدد علمًا. والله تعالى ولي التوفيق، وهو الهادي إلى سواء الطريق. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخر جه (البخاري) في «الصلاة» عن مسدد -وفيه، وفي الاستئذان عن محمد بن بشار- (مسلم وأبو داود) في «الصلاة» عن أبي موسى محمد بن المثنى - ثلاثتهم عن يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن عمر به. و(الترمذي) فيه عن محمد بن بشار به. وقال: روى ابن نمير هذا عن عبيد الله، عن سعيد، عن أبي هريرة، ورواية يحيى أصح. وأخرجه أحمد، وابن حبان. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو إيجاب تكبيرة الإحرام، وهو مذهب الجمهور، وسيأتي تحقيق الخلاف في ذلك في المسألة التالية إن شاء الله تعالى. ومنها: وجوب الإعادة على من أخل بشيء من واجبات الصلاة. ومنها: ما قيل: إن الشروع في النافلة مُلزِم، لكن يحتمل أن تكون تلك الصلاة فريضة. ومنها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومنها: الرفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن النبي -ﷺ- عامله بالرفق فيما أمره به، وحسن التعليم بغير تعنيف، وإيضاح المسألة، وتلخيص المقاصد. ومنها: ما كان عليه النبي -ﷺ- من حسن الخلق، ولطف المعاشرة. ومنها: طلب المتعلم من العالم أن يعلمه ما يجهله من أمر دينه، ولاسيما الصلاة. ومنها: مشروعية تكرار السلام ورده، وإن لم يخرج من الموضع إذا وقعت صورة انفصال. ومنها: جلوس الإمام في المسجد، وجلوس أصحابه معه. ومنها: التسليم للعالم والانقياد له، والاعتراف بالتقصير، والتصريح بحكم البشرية في جواز الخطأ. ومنها: ما قيل: إن فرائض الوضوء مقصورة على ما ورد به القرآن، لا ما زادته السنة، فيندب. قال الجامع عفا الله عنه: هكذا قيل، وفيه نظر، بل ما دل الدليل على وجوبه مما ثبت في السنة، فهو واجب، لأنه مما أمر الله به، إذ آية الوضوء مجملة، فسرتها السنة القولية والفعلية، وقد تقدم البحث في ذلك في أبواب الوضوء مُستوفى بحمد الله تعالى، فارجع إليه تزدد علمًا. ومنها: تأخير البيان في المجلس للمصلحة. ومنها: أن فيه حجة على من أجاز القراءة بالفارسية، لكون ما ليس بلسان العرب لا يسمى قرآنًا. قاله عياض ﵀. ومنها: وجوب القراءة في كل الركعات. ومنها: أن المفتي إذا سئل عن شيء، وكان هناك شيء آخر يحتاج إليه السائل يستحب له أن يذكره له، وإن لم يسأله عنه، ويكون من باب النصيحة، لا من الكلام فيما لا يعنيه، وموضع الدلالة منه كونه قال: «علمني» أي الصلاة، فعلمه الصلاة ومقدماتها. ومنها: أنه استدل به على وجوب الطمأنينة في أركان الصلاة، وبه قال الجمهور، واشتهر عن الحنفية أن الطمأنينة سنة، وصرح بذلك كثير من مصنفيهم، لكن كلام الطحاوي كالصريح في الوجوب عندهم، فإنه ترجم «مقدار الركوع والسجود» ثم ذكر الحديث الذي أخرجه أبو داود وغيره في قوله: «سبحان ربي العظيم ثلاثًا في الركوع، وذلك أدناه». قال: فذهب قوم إلى أن هذا مقدار الركوع والسجود لا يجزىء أدنى منه، قال: وخالفهم آخرون، فقالوا: إذا استوى راكعًا واطمأن ساجدًا أجزأ، ثم قال: وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد. قاله في الفتح . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: في اختلاف أهل العلم في وجوب تكبيرة الإحرام: ذهب جمهور العلماء إلى تعين لفظ «الله أكبر» للشروع في الصلاة، دون غيره من ألفاظ التعظيم، ووافقهم أبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة، وخالف الحنفية في ذلك فقالوا: تنعقد بكل لفظ يقصد به التعظيم، كالله أعظم، والله أجلّ، ونحو ذلك. واحتج الجمهور بحديث الباب، حيث قال للمسيء صلاته: «فكبر»، ولفظ أبي داود في حديث رفاعة ﵁: «لا تتم صلاة أحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء مواضعه، ثم يكبر»، ورواه الطبراني بلفظ: «ثم يقول: الله أكبر»، وبحديث أبي حميد الساعدي ﵁، قال: كان رسول الله -ﷺ- إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائمًا، ورفع يديه، ثم قال: «الله أكبر». أخرجه ابن ماجه، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان. وهذا فيه بيان المراد بالتكبير، وهو قول: «الله أكبر». وروى البزار بإسناد صحيح على شرط مسلم عن علي ﵁: أن النبي -ﷺ- كان إذا قام إلى الصلاة قال: «الله أكبر». ولأحمد، والنسائي من طريق واسع بن حبان أنه سأل ابن عمر ﵄ عن صلاة رسول الله -ﷺ-؟ فقال: «الله أكبر» كلما وضع، ورفع . وقال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: ثابت عن نبي الله -ﷺ- أنه قال لرجل: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر»، وجاء الحديث عنه أنه قال: «مفتاح الصلاة الطهور، وإحرامها التكبير»، وجاءت الأخبار من وجوه شتى عن نبي الله -ﷺ- أنه افتتح الصلاة بالتكبير، وأجمع أهل العلم على أن من أحرم للصلاة بالتكبير أنه داخل فيها. وممن رأى أن التكبير افتتاح للصلاة عبدُ الله بن مسعود، وطاوس، وأيوب، وسفيان الثوري، ومالك بن أنس، والشافعي، وأبو ثور، وإسحاق، وعليه عوامّ أهل العلم في القديم والحديث، لا يختلفون أن السنة أن تفتتح الصلاة بالتكبير. وكان الحَكَم يقول: إذا ذَكَرَ الله مكان التكبير يجزيه. واختلف أصحاب الرأي في هذه المسألة، فحكَى يعقوب عن النعمان أنه قال في الرجل يفتتح الصلاة بـ«لا إله إلا الله» يجزيه، وإن افتتح بـ«اللهم اغفر لي» لم تجزه الصلاة، قال: وهو قول محمد بن الحسن، وقال أبو يوسف: لا تجزيه إذا كان يحسن التكبير. وفي كتاب محمد بن الحسن قال: قلت: أرأيت رجلًا افتتح بالتهليل، أو بالتحميد، أو بالتسبيح، هل يكون ذلك دخولًا في الصلاة؟ قال: نعم. قلت له: لم؟ قال: أرأيت لو افتتح الصلاة، قال: الله أجل، أو الله أعلم، أكان داخلًا في الصلاة؟ قال: نعم. قال: فهذا وذاك سواء، قال: وهذا قول أبي حنيفة، ومحمد، وإبراهيم، والحكم. وقال يعقوب: لا يجزيه إن كان يعرف أن الصلاة تُفتتح بالتكبير، وكان يحسنه، وإن كان لا يعرف أجزأه. قال أبو بكر: ولا أعلم اختلافًا في أن من أحسن القراءة، فهلل، وكبر، ولم يقرأ -أن صلاته فاسدة، فاللازم لمن كان هذا مذهبه أن يقول: لا يجزىء مكان التكبير غيرها. وقد روينا عن الزهري قولًا ثالثًا أنه سئل عن رجل افتتح الصلاة بالنية، ورفع يديه، فقال: يجزيه. قال أبو بكر: ولا أعلم أحدًا قال به غيره. قال أبو بكر: والأخبار الثابتة عن رسول الله -ﷺ- في هذا الباب مُستغنىً بها عما سواها، ولا معنى لقول أحدثَ مخالفًا للسنن الثابتة. ولِمَا كان عليه الخلفاء الراشدون المهديون، وسائر المهاجرين والأنصار، وأصحاب رسول الله -ﷺ-، وفقهاء المسلمين في القديم والحديث. وقد أجمع أهل العلم، لا اختلاف بينهم أن الرجل يكون داخلًا في الصلاة بالتكبير متبعًا للسنة إذا كبر لافتتاح الصلاة، وقد اختلفوا فيمن سبح مكان التكبير لافتتاح الصلاة، وغير جائز أن تنعقد صلاة عقدها مصليها بخلاف السنة. والله أعلم. واختلفوا في الرجل يفتتح الصلاة بالفارسية، فكان الشافعي وأصحابه يقولون: لا يجزىء أن يكبر بالفارسية إذا أحسن العربية، وهكذا قال يعقوب، ومحمد: إن ذلك لا يجزيه، إلا أن يكون ممن لا يحسن العربية. وقال النعمان: إن افتتح الصلاة بالفارسية، وقرأ بها، وهو يحسن العربية أجزأه. قال أيو بكر: لا يجزيه، لأن ذلك خلاف ما أمر الله به، وخلاف ما علّم رسول الله -ﷺ- أمته، وما عليه جماعات أهل العلم، لا نعلم أحدًا وافقه على مقالته هذه، ولا يكون قارئًا بالفارسية القرآن أبدًا، لأن الله تعالى أنزله قرآنًا عربيًا، فغير جائز أن يُقْرأ بغير ما أنزل الله. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الإمام ابن المنذر ﵀ هو الحق الحقيق بالقبول، وما عداه لا يؤيده منقول، ولا معقول، فلا تلتفت إليه إن كنت من ذوي العقول. والله تعالى أعلم. وقال الحافظ أبو عمر رحمه الله تعالى ما حاصله: ذهب مالك في أكثر الرواية عنه، والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابه -إلى أن تكبيرة الإحرام فرض واجب من فروض الصلاة. والحجة لهم حديث أبي هريرة، ورفاعة بن رافع عن النبي -ﷺ- أنه قال للرجل: «إذا أردت الصلاة، فأسبغ الوضوء، واستقبل القبلة، ثم كبر، ثم اقرأ، ثم اركع حتى تطمئن …» الحديث. فعلمه ما كان من الصلاة واجبًا، وسكت له عن كل ما كان منه مسنونًا ومستحبًا، مثل التكبير، ورفع اليدين، والتسبيح، ونحو ذلك. فبان بذلك أن تكبيرة الإحرام واجب فعلها، مع قوله ﵇: «تحريم الصلاة التكبير، وتحليلها التسليم». رواه علي بن أبي طالب عن النبي -ﷺ-، ورواه أبو سعيد الخدري . وقال عبد الرحمن بن مهدي: لو افتتح الرجل الصلاة بسبعين اسمًا من أسماء الله، ولم يكبر تكبيرة الإحرام لم يجزه، وإن أحدث قبل أن يسلم لم يجزه. وقال الزهري، والأوزاعي، وطائفة: تكبيرة الإحرام ليست بواجبة. وقد روي عن مالك في المأموم ما يدل على هذا القول، ولم يختلف قوله في الإمام والمنفرد أن تكبيرة الإحرام واجبة على كل واحد منهما، وأن الإمام إذا لم يكبر للإحرام بطلت صلاته، وصلاة من خلفه، وهذا يقتضي على قوله في المأموم. والصحيح في مذهبه إيجاب تكبيرة الإحرام، وأنها فرض، ركن من أركان الصلاة، وهو الصواب، وكل من خالف ذلك فمخطىء محجوج بما وصفنا، وبالله توفيقنا. وقال أيضًا: وأجمع جمهور العلماء على أن التكبير في افتتاح الصلاة لا يجزىء منه غيره من سائر الذكر، تهليلًا كان، أو تسبيحًا، أو تحميدًا، وعلى هذا مذهب الحجازيين: مالك، والشافعي، ومن اتبعهم، وأكثر العراقيين. وروي عن الحكم بن عتيبة، قال: إذا ذكر الله مكان التكبير أجزأه. وقال أبو حنيفة: إن افتتح بـ «لا إله إلا الله» يجزيه، وإن قال: «اللهم اغفر لي» لم يجزه. ولا يجزىء عند مالك إلا «الله أكبر»، لا غير. وكذلك الشافعي، وزاد: ويجزي «الله الأكبر»، ولا يجزي عند المالكيين «الله الأكبر». وقال أصحاب مالك، والشافعي، وأصحابه، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن: من أحسن العربية لم يجزه أن يكبر بالفارسية. وقال أبو حنيفة: يجزيه التكبير بالفارسية، وإن كان يحسن العربية، وكذلك لو قرأ بالفارسية عنده. انتهى كلام ابن عبد البر رحمه الله تعالى باختصار . وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى: عند شرح حديث «مفتاحُ الصلاة الطهور، وتحريمُهَا التكبير» ما حاصله: فيه دليل على أن افتتاح الصلاة لا يكون إلا بالتكبير دون غيره من الأذكار، وإليه ذهب الجمهور. وقال أبو حنيفة: تنعقد بكل لفظ قصد به التعظيم. والحديث يرد عليه، لأن الإضافة في قوله: «تحريمها» تقتضي الحصر، فكأنه قال: جميع تحريمها التكبير، أي انحصرت صحة تحريمها في التكبير، لا تحريم لها غير ذلك، كقولهم: مال فلان الإبل، وعلم فلان النحو. وفي الباب أحاديث كثيرة تدلّ على تعين لفظ التكبير من قوله -ﷺ- وفعله. وعلى هذا فالحديث يدل على وجوب التكبير. وقد اختلف في حكمه، فقال الحافظ: إنه ركن عند الجمهور، وقيل: شرط وهو عند الحنفية، ووجه عند الشافعي، وسنة عند الزهري. قال ابن المنذر: ولم يقل به أحد غيره. وروي عن سعيد بن المسيب، والأوزاعي، ومالك، ولم يثبت عن أحد منهم تصريحًا، وإنما قالوا فيمن أدرك الإمام راكعًا: يجزيه تكبيرة الركوع. قال الحافظ: نعم نقله الكرخي من الحنفية عن ابن علية ، وأبي بكر الأصم، ومخالفتهما للجمهور كثيرة. وذهب إلى الوجوب جماعة من السلف، قال في البحر: إنه فرض، إلا عن نفاة الأذكار، والزهريِّ. ويدل على وجوبه ما في حديث المسيء عند مسلم وغيره من حديث أبي هريرة بلفظ: «فإذا قمت إلى الصلاة، فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبر»، وعند الجماعة من حديثه بلفظ: «إذا قمت إلى الصلاة فكبر»، وقد تقرر أن حديث المسيء هو المرجع في معرفة واجبات الصلاة، وأن كل ما هو مذكور فيه واجب، وما خرج عنه، وقامت عليه أدلة تدل على وجوبه، ففيه خلاف سنذكره إن شاء الله في شرحه في الموضع الذي سيذكره فيه المصنف. ويدل على الشرطية حديث رفاعة في قصة المسيء صلاته عند أبي داود بلفظ: «لا تتم صلاة أحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء مواضعه، ثم يكبر». ورواه الطبراني بلفظ: «ثم يقول: الله أكبر». والاستدلال بهذا على الشرطية صحيح، إن كان نفي التمام يستلزم نفي الصحة، وهو الظاهر، لأنا متعبدون بصلاة لا نقصان فيها، فالناقصة غير صحيحة، ومن ادعى صحتها فعليه البيان. وقد جعل صاحب «ضوء النهار» نفيَ التمام هنا هو نفي الكمال بعينه، واستدلّ على ذلك بقوله -ﷺ- في حديث المسيء: «فإن انتقصت من ذلك شيئًا، فقد انتقصت من صلاتك». وأنت خبير بأن هذا من محل النزاع أيضًا، لأنا نقول: الانتقاص يستلزم عدم الصحة لذلك الدليل الذي أسلفناه، ولا نسلم أن ترك مندوبات الصلاة ومسنوناتها انتقاص منها، لأنها أمور خارجة عن ماهية الصلاة، فلا يرد الإلزام بها، وكونها تزيد في الثواب لا يستلزم أنها منها، كما أن الثياب الحسنة تزيد في جمال الذات، وليست منها. نعم وقع في بعض روايات الحديث بلفظ: أنه لما قال -ﷺ-: «فإنك لم تصلِّ» كبر على الناس أنه مَن أخَفَّ من صلاته لم يصلّ، حتى قال -ﷺ-: «فإن انتقصت من ذلك شيئًا، فقد انتقصت من صلاتك». فكان أهون عليهم، فكون هذه المقالة كانت أهون عليهم يدل على أن نفي التمام المذكور بمعنى نفي الكمال؛ إذ لو كان بمعنى نفي الصحة لم يكن فرق بين المقالتين، ولَمَا كانت هذه أهون عليهم. ولا يخفاك أن الحجة في الذي جاءنا عن الشارع من قوله وفعله وتقريره، لا في فهم بعض الصحابة، سلمنا أن فهمهم حجة لكونهم أعرف بمقاصد الشارع، فنحن نقول بموجب ما فهموه، ونسلم أن بين الحالتين تفاوتًا، ولكن ذلك التفاوت من جهة أن من أتى ببعض واجبات الصلاة، فقد فعل خيرًا من قيام وذكر وتلاوة، وإنما يؤمر بالإعادة لدفع عقوبة ما ترك، وترك الواجب سبب للعقاب، فإذا كان يعاقب بسبب ترك البعض لزمه أن يفعله إن أمكن فعله وحده، وإلا فعله مع غيره، والصلاة لا يمكن فعل المتروك منها إلا بفعل جميعها، وقد أجاب بمعنى هذا الجواب الحافظ ابن تيمية حفيد المصنف ، وهو حسن. ثم إنا نقول: غاية ما ينتهض له دعوى مَن قال: إن نفي التمام بمعنى نفي الكمال هو عدم الشرطية، لا عدم الوجوب، لأن المجيء بالصلاة تامة كاملة واجب، وما أحسن ما قاله ابن تيمية في المقام، ولفظه: ومن قال من الفقهاء: إن هذا لنفي الكمال. قيل: إن أردت الكمال المستحب فهذا باطل لوجهين: أحدهما: أن هذا لا يوجد قط في لفظ الشارع؛ أنه ينفي عملًا فعله العبد على الوجه الذي وجب عليه، ثم ينفيه لترك المستحبات، بل الشارع لا ينفي عملًا إلا إذا لم يفعله العبد كما وجب عليه. والثاني: لو نفى لترك مستحب لكان عامة الناس لا صلاة لهم، ولا صيام، فإن الكمال المستحب متفاوت، إذ كل من لم يكملها كتكميل رسول الله -ﷺ-. يقال: لا صلاة له. اهـ. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين مما سبق من الأدلة أن قول الجمهور هو الصحيح. والحاصل أن الدخول في الصلاة لا يصح، ولا يجزىء إلا بلفظ «الله أكبر» باللغة العربية، فتبصر، ولا تتحير، واتبع، ولا تبتدع. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة السادسة: قال العلامة ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى: تكرر من الفقهاء الاستدلال على وجوب ما ذكر في الحديث، وعدم وجوب ما لم يذكر فيه. فأما وجوب ما ذكر فيه فلتعلق الأمر به، وأما عدم وجوب غيره فليس ذلك لمجرد كون الأصل عدم الوجوب، بل لأمر زائد على ذلك، وهو أن الموضع موضع تعليم، وبيان للجاهل، وتعريف لواجبات الصلاة، وذلك يقتضي انحصار الواجبات فيما ذكر، ويقوي مرتبة الحصر أنه -ﷺ- ذكر ما تعلقت به الإساءة من هذا المصلي، وما لم تتعلق فيه إساءته من واجبات الصلاة، وهذا يدل على أنه لم يقصر المقصود على ما وقعت فيه الإساءة فقط. فإذا تقرر هذا فكل موضع اختلف الفقهاء في وجوبه، وكان مذكورًا في هذا الحديث فلنا أن نتمسك في وجوبه، وكل موضع اختلفوا في وجوبه، ولم يكن مذكورًا في هذا الحديث فلنا أن نتمسك به في عدم وجوبه، لكونه غير مذكور في هذا الحديث على ما تقدم من كونه موضع تعليم، وقد ظهرت قرينة مع ذلك على قصد ذكر الواجبات، وكل موضع اختلف في تحريمه فلنا أن نستدل بهذا الحديث على عدم تحريمه، لأنه لو حرم لوجب التلبس بضده، فإن النهي عن الشيء أمر بأحد أضداده، ولو كان التلبس بالضد واجبًا لذكر ذلك على ما قررناه. فصار من لوازم النهي الأمرُ بالضد، ومن الأمر بالضد ذكره في الحديث على ما قررناه، فإذا انتفى ذكره -أعني الأمر بالتلبس بالضد- انتفى ملزومه، وهو الأمر بالضد، وإذا انتفى الأمر بالضد انتفى ملزومه، وهو النهي عن ذلك الشيء. فهذه الثلاث الطرق يمكن الاستدلال بها على شيء كثير من المسائل المتعلقة بالصلاة، إلا أن على طالب التحقيق في هذا ثلاثَ وظائف: أحدها: أن يجمع طرق هذا الحديث، ويحصي الأمور المذكورة فيه، ويأخذ بالزائد، فالزائد، فإن الأخذ بالزائد واجب. وثانيها: إذا قام دليل على أحد أمرين، إما الوجوب، أو عدم الوجوب، فالواجب العمل به ما لم يعارضه ما هو أقوى منه، وهذا في باب النفي يجب التحرز فيه أكثر، فلينظر عند التعارض أقوى الدليلين، فيعمل به. وعندنا أنه إذا استدل على عدم وجوب شيء بعد ذكره في الحديث، وجاءت صيغة الأمر به في حديث آخر، فالمقدم صيغة الأمر، وإن كان يمكن أن يقال: الحديث دليل على عدم الوجوب، وتحمل صيغة الأمر على الندب، لكن عندنا أن ذلك أقوى، لأن عدم الوجوب متوقف على مقدمة أخرى، وهو أن عدم الذكر في الرواية يدل على عدم الذكر في نفس الأمر، وهذه غير المقدمة التي قررناها، وهو أن عدم الذكر يدل على عدم الوجوب، لأن المراد ثَمَّةَ أن عدم الذكر في نفس الأمر من الرسول -ﷺ- يدل على عدم الوجوب، فإنه موضع بيان، وعدم الذكر في نفس الأمر غير عدم الذكر في الرواية، وعدم الذكر في الرواية إنما يدل على عدم الذكر في نفس الأمر بطريق أن يقال: لو كان لذُكِرَ، أو بأن الأصل عدمه، وهذه المقدمة أضعف من دلالة الأمر على الوجوب. وأيضًا فالحديث الذي فيه الأمر إثبات لزيادة، فيعمل بها. وهذا البحث كله بناء على إعمال صيغة الأمر في الوجوب الذي هو ظاهر فيها، والمخالف يخرجها عن حقيقتها بدليل عدم الذكر، فيحتاج الناظر المحقق إلى الموازنة بين الظن المستفاد من عدم الذكر في الرواية، وبين الظن المستفاد من كون الصيغة للوجوب، والثاني عندنا أرجح. وثالثها: أن يستمر على طريقة واحدة، ولا يستعمل في مكان ما يتركه في آخر، فيتثعلب نظره، وأن يستعمل القوانين المعتبرة في ذلك استعمالًا واحدًا، فإنه قد يقع هذا الاختلاف في النظر في كلام كثير من المتناظرين. انتهى كلام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى . وكتب العلامة الصنعاني ﵀ الزيادات التي أشار إليها ابن دقيق العيد ﵀ فيما تقدم من كلامه، فقال: ولتضم ألفاظه التي تفرقت في الأمهات التي فيها زيادة على ما ذكر في «العمدة»، فأخرج أبو داود، والترمذي، والنسائي، من حديث رفاعة الحديثَ، وفيه: «فخاف الناس، وكبر عليهم أن يكون من أخف صلاته لم يصل، قال: فقال الرجل: فأرني وعلمني، فإنما أنا بشر أصيب وأخطىء، قال: أجل، إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله، ثم تشهد، فأقم، فإن كان معك قرآن، وإلا فاحمد الله، وهلله، وكبره - إلى أن قال: فإذا فعلت ذلك، فقد تمت صلاتك، وإن انتقصت منه شيئًا، فقد انتقصت من صلاتك». قال: وكان أهون عليهم من الأولى أنه إن انتقص من ذلك شيئًا انتقص من صلاته، ولم تذهب كلها. وفي لفظ من رواية أبي هريرة: «إنه لا تتم صلاة أحد من الناس حتى يتوضأ، فيضع الوضوء -يعني مواضعه- ثم يكبر، ويحمد الله ﷿، ويثني عليه، ثم يقرأ ما شاء من القرآن». ثم ذكر فيه تكبير النقل والتسميع. وفي أخرى «حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله، فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ويمسح رأسه، ويغسل رجليه إلى الكعبين، ثم يكبر الله، ويحمده، ثم يقرأ من القرآن». وفي أخرى «إذا قمت فتوجهت إلى القبلة فكبر، ثم اقرأ بأم القرآن وبما شاء الله أن تقرأ، وإذا ركعت فضع راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك، وإذا سجدت فمكن سجودك، وإذا رفعت، فاقعد على فخذك اليسرى، ثم تشهد». وفي أخرى: «فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن، وافرش فخذك اليسرى، ثم تشهد». وفي أخرى بعد ذكر الوضوء: «ثم تشهد، فأقم، ثم كبر». وفي أخرى بعد ذكر إحسان الوضوء: «ثم قم، فالشقبل القبلة، ثم كبر». قال: فهذه خلاصة الزيادات في الروايات جميعًا سقناها لنفعها فيما يأتي إن شاء الله تعالى. انتهى «العدة» جـ ٢ ص ٣٥٩. وكتب الحافظ ﵀ بعد نقل كلام ابن دقيق العيد هذا ما نصه: قد امتثلت ما أشار إليه، وجمعت طرقه القوية من رواية أبي هريرة، ورفاعة، وقد أمليت الزيادات التي اشتملت عليها، فمما لم يذكر فيه صريحًا من الواجبات المتفق عليها: النية، والقعود الأخير، ومن المختلف فيه التشهد الأخير، والصلاة على النبي -ﷺ-، والسلام في آخر الصلاة. قال النووي: وهو محمول على أن ذلك كان معلومًا عند الرجل اهـ. قال الحافظ: وهذا يحتاج إلى تكملة، وهو ثبوت الدليل على إيجاب ما ذكر كما تقدم، وفيه بعد ذلك نظر. قال: وفيه دليل على أن الإقامة والتعوذ ودعاء الافتتاح، ورفع اليدين في الإحرام وغيره، ووضع اليمنى على اليسرى، وتكبيرات الانتقالات، وتسبيحات الركوع والسجود، وهيئات الجلوس، ووضع اليد على الفخذ، ونحو ذلك مما لم يذكر في الحديث ليس بواجب اهـ. وهو في معرض المنع، لثبوت بعض ما ذكر في بعض الطرق، كما تقدم بيانه، فيحتاج من لم يقل بوجوبه إلى دليل على عدم وجوبه كما تقدم تقريره. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى . المسألة السابعة: قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀ أيضًا: قد تقدم أنه قد يستدل حيث يراد نفي الوجوب بعدم الذكر في الحديث، وقد فعلوا هذا في مسائل: منها: أن الإقامة غير واجبة، خلافًا لمن قال بوجوبها من حيث إنها لم تذكر في الحديث، وهذا على ما قررناه يحتاج إلى عدم رجحان الدليل الدال على وجوبها عند الخصم، وعلى أنها غير مذكورة في جميع طرق هذا الحديث، وقد ورد في بعض طرقه الأمر بالإقامة، فإن صح فقد عدم أحد الشرطين اللذين قررناهما. قال الجامع: قد تقدم في كتاب الأذان أدلة وجوب الإقامة، وأيضًا قد ذكر في بعض طرق هذا الحديث ذكر الإقامة، فالراجح وجوبها. فتبصر. والله تعالى أعلم. ومنها: الاستدلال على عدم وجوب دعاء الاستفتاح، حيث لم يذكر، وقد نقل عن بعض المتأخرين ممن لم يرسخ قدمه في الفقه، ممن ينسب إلى غير الشافعي أن الشافعي يقول بوجوبه، وهذا غلط قطعًا، فإن لم ينقله غيره فالوهم منه، وإن نقله غيره كالقاضي عياض ﵀، ومن هو في مرتبته من الفضلاء فالوهم منهم، لا منه. ومنها: استدلال بعض المالكية به على عدم وجوب التشهد بما ذكرناه من عدم الذكر، ولم يتعرض هذا المستدلّ للسلام، لأن للحنفية أن يستدلوا به على عدم وجوب السلام بعينه، مع أن المادة واحدة، إلا أن يريد أن الدليل المعارض لوجوب السلام أقوى من الدليل على عدم وجوبه، فلذلك تركه، بخلاف التشهد، فهذا يقال فيه أمران: أحدهما: أن دليل إيجاب التشهد هو الأمر، وهو أرجح مما ذكرناه. وبالجملة فله أن يناظر على الفريقين بين الرجحانين، ويمهد عذره، ويبقى النظر ثمة فيما يقال. الثاني: أن دلالة اللفظ على الشيء لا تنفي معارضة المانع الراجح، فإن الدلالة أمر، ويرجع إلى اللفظ، أو إلى أمر لو جرد النظر إليه لثبت الحكم، وذلك لا ينفي وجود المعارض. نعم لو استدل بلفظ يحتمل أمرين على السواء، لكانت الدلالة منتفية، وقد يطلق الدليل على الدليل التام الذي يجب به، وذلك يقتضي عدم وجود المعارض الراجح، والأولى أن يستعمل في دلالة ألفاظ الكتاب والسنة الطريق الأول، ومن ادعى العارض الراجح فعليه البيان. انتهى كلام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى. المسألة الثامنة: قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀ أيضًا: استدل بقوله: «فكبر» على وجوب التكبير بعينه، وأبو حنيفة يخالف فيه، ويقول: إذا أتى بما يقتضي التعظيم، كقوله: «الله أجل» أو «أعظم» كفى، وهذا نظر منه إلى المعنى، وأن المقصود التعظيم، فيحصل بكل ما دل عليه، وغيره اتبع اللفظ، وظاهره تعيين التكبير، ويتأيد ذلك بأن العبادات محل التعبدات، ويكثر ذلك فيها، فالاحتياط فيها الاتباع. وأيضًا فالخصوص قد يكون مطلوبًا، أعني خصوص التعظيم بلفظ «الله أكبر»، وهذا لأن رتب هذه الأذكار مختلفة، كما تدل عليه الأحاديث، فقد لا يتأدى برتبة ما يقصد من أخرى، ولا يعارض هذا أن يكون أصل المعنى مفهومًا، فقد يكودن التعبد واقعًا في التفصيل كما أنا نفهم أن المقصود من الركوع التعظيم بالخضوع، ولو أقام مقامه خضوعًا آخر لم يكتف به. ويتأيد هذا باستمرار العمل من الأمة على الدخول في الصلاة بهذه اللفظة؛ أعني «الله أكبر». وأيضًا فقد اشتهر بين أهل الأصول أن كل علة مستنبطة تعود على النص بالإبطال أو التخصيص فهي باطلة. ويخرج على هذا حكم هذه المسألة، فإنه إذا استنبط من النص أن المقصود مطلق التعظيم بطل خصوص التكبير، وهذه القاعدة الأصولية قد ذكر بعضهم فيها نظرًا وتفصيلًا، وعلى تقدير تقريرها مطلقًا يخرج ما ذكرناه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: ما قاله العلامة ابن دقيق العيد في هذه المسألة حسن جدًّا، وحاصله تعين جملة «الله أكبر» للدخول في الصلاة، كما هو مذهب الجمهور، وقد تقدم تحقيق القول في ذلك في المسألة السابقة، فراجعه تزدد علمًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة التاسعة: قوله: «ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن»، استدل به من قال: إن قراءة الفاتحة لا تتعين، قال ابن دقيق العيد: ووجهه أنه إذا تيسر فيه غير الفاتحة، فقرأه يكون ممتثلًا، فيخرج عن العهدة، قال: والذين عينوها أجابوا بأن الدليل على تعيينها تقييد للمطلق في هذا الحديث، وهو متعقب، لأنه ليس بمطلق من كل وجه، بل هو مقيد بقيد التيسير الذي يقتضي التخيير، وإنما يكون مطلقًا لو قال: اقرأ قرآنًا، ثم قال: اقرأ فاتحة الكتاب. وقال بعضهم: هو بيان للمجمل، وهو متعقب أيضًا، لأن المجمل ما لم تتضح دلالته، وقوله: «ما تيسر» متضح، لأنه ظاهر في التخيير. قال: وإنما يقرب ذلك إن جعلت «ما» موصولة، وأريد بها شيء معين، وهو الفاتحة لكثرة حفظ المسلمين لها، فهي المتيسرة. وقيل: هو محمول على أنه عَرَف من حال الرجل أنه لا يحفظ الفاتحة، ومن كان كذلك كان الواجب عليه قراءة ما تيسر. وقيل: محمول على أنه منسوخ بالدليل على تعيين الفاتحة، ولا يخفى ضعفهما، لكنه محتمل، ومع الاحتمال لا يترك الصريح، وهو قوله: «لا تجزىء صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب». وقيل: إن قوله: «ما تيسر» محمول على ما زاد على الفاتحة جمعًا بينه وبين دليل إيجاب الفاتحة، ويؤيده الرواية التي تقدمت لأحمد، وابن حبان حيث قال فيها: «اقرأ بأم القرآن، ثم اقرأ بما شئت». قاله في الفتح . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة العاشرة: استدل به على وجوب الطمأنينة في الأركان، واعتذر بعض من لم يقل به بأنه زيادة على النص، لأن المأمور به في القرآن مطلق السجود، فيصدق بغير طمأنينة، فالطمأنينة زيادة، والزيادة على المتواتر بالآحاد لا تعتبر. وعورض بأنها ليست زيادة، لكن بيان للمراد بالسجود، وأنه خالف السجود اللغوي، لأنه مجرد وضع الجبهة، فبينت السنة أن السجود الشرعي ما كان بالطمأنينة. ويؤيده أن الآية نزلت تأكيدًا لوجوب السجود، وكان النبي -ﷺ- ومن معه يصلون قبل ذلك، ولم يكن النبي -ﷺ- يصلي بغير طمأنينة. قاله في الفتح أيضًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. *** ٨ - الْقَوْلِ الَّذِي يُفْتَتَحُ بِهِ الصَّلَاةُ أي هذا باب ذكر الحديثين الدالين على الذكر الذي يفتتح المصلي صلاته به. والقول الجُمَل، أي الأذكار التي تأتي في الحديثين المذكورين، لأن القول يطلق على ما يعم الكلمة، والكلم، والكلام، كما قال ابن مالك ﵀ في «الخلاصة»: كَلامُنَا لَفْظٌ مُفِيدٌ كَاسْتَقِمْ … وَاسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفٌ الْكَلِمْ وَاحِدهُ كَلِمَةٌ وَالْقَوْلُ عَمّ … وَكَلِمَةٌ بِهَا كَلامٌ قَدْ يُؤَمّ و«يفتتح» بالبناء للمفعول، أي يُبتدأ، و«الصلاة» نائب فاعله. وفي الكبرى «تفتتح» بتاءين. والله تعالى أعلم. ٨٨٥ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدٌ -هُوَ ابْنُ أَبِي أُنَيْسَةَ- عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَامَ رَجُلٌ خَلْفَ نَبِيِّ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنْ صَاحِبُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ؟»، فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَقَالَ، «لَقَدِ ابْتَدَرَهَا اثْنَا عَشَرَ مَلَكًا». رجال هذا الإسناد: سبعة ١ - (محمد بن وهب) بن عمر بن أبي كريمة، أبو المُعَافَى الحَرَّاني، مات سنة ٢٤٣، صدوق، من [١٠]، أخرجَ له النسائي، تقدم في ١٩١/ ٣٠٦. ٢ - (محمد بن سَلَمَة) بن عبد الله الباهلي مولاهم الحرّاني، مات سنة ١٩١ على الصحيح، ثقة، من [٩]، أخرج له البخاري في جزء القراءة خلف الإمام، ومسلم، والأربعة، تقدم في ١٩١/ ٣٠٦. ٣ - (أبو عبد الرحيم) خالد بن أبي يزيد/ سماك بن رستم الأموي مولاهم الحرّاني، مات سنة ١٤٤، ثقة، من [٦]، وقيل: اسم أبيه يزيد، وقيل: اسم جده سَمَّال ، أخرج له البخاري في «الأدب المفرد»، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، تقدم في ١٩١/ ٣٠٦. ٤ - (زيد بن أبي أنيسة) الجزري، أبو أسامة الكوفي، نزيل الرُّها، مات سنة ١١٩، عن ٣٦ سنة، ثقة له أفراد، من [٦]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٩١/ ٣٠٦. ٥ - (عمرو بن مُرَّة) بن عبد الله بن طارق الجَمَلِي المرادي، أبو عبد الله الكوفي الأعمى، مات سنة ١١٨، ثقة عابد كان لا يدلس، ورمي بالإرجاء، من [٥]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٧١/ ٢٦٥. ٦ - (عون بن عبد الله) بن عُتْبَة بن مسعود الهُذَلي، أبو عبد الله الكوفي الزاهد، أخو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة الفقيه، ثقة عابد، من [٤]. قال أحمد، ويحيى بن معين، والعجلي، والنسائي: ثقة. وقال ابن المديني: قال عون: صليت خلف أبي هريرة. وذكر الدارقطني أن روايته عن ابن مسعود مرسلة. وقال ابن سعد: لَمَّا ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة رحل إليه عون بن عبد الله، وعمر بن ذَرّ، وأبو الصباح موسى بن أبي كثير، فناظروه في الإرجاء، فزعموا أنه وافقهم، وكان عون ثقة كثير الإرسال. وقال الأصمعي، عن أبي نوف الهذلي، عن أبيه: كان من آدبِ أهل المدينة، وأفقههم، وكان مرجئًا، ثم رجع عن ذلك، وقال أبياتًا في ذلك [من الوافر] منها: لأوَّلُ مَا نُفَارِقُ غَيْرَ شَكِّ … نُفَارِقُ مَا يَقُولُ الْمُرْجِئُونَا وَقَالُوا مُؤمِنٌ مِنْ أَهْلِ جَوْرِ … وَلَيْسَ الْمُؤمِنُونَ بِجَائِرِينَا وَقَالُوا مُؤْمِنٌ دَمُهُ حَلالُ … وَقَدْ حَرُمَت دِمَاءُ الْمُسْلِميِنَا ثم خرج مع ابن الأشعث، فهرب حيث هربوا، فأتى محمد بن مروان بنَصِيبين، فآمنه، وألزمه ابنه، ثم صحب عمر بن عبد العزيز في خلافته، وكانت له منه منزلة، وخرج جرير، فأقام بباب عمر بن عبد العزيز، فطال مقامه، فكتب إلى عون بن عبد الله [من البسيط]: يَا أَيُّهَا الْقَارِىءُ الْمُرْخِي عِمَامَتَهُ … هَذَا زَمَانُكَ إِنِّي قَدْ خَلا زَمَنِي أبْلِغْ خَلِيفتَنَا إِنْ كُنْتَ لاقِيَهُ … أَنِّي لَدَى الْبَابِ كَالمَشْدُودِ فِي قَرَنِ وقال ابن عيينة، عن أبي هارون موسى بن أبي عيسى: كان عون يحدثنا، ولحيته تَرْتَشُّ بالدموع. وعن المسعودي: قال عون بن عبد الله: إن من كان قبلنا كانوا يجعلون لدنياهم ما فضل عن آخرتهم، وإنكم اليوم تجعلون لآخرتكم ما فضل عن دنياكم. وعن ابن عجلان: كان عون بن عبد الله يقول: اليوم المِضْمَار، وغدًا السِّبَاق، والسُّبْقَة الجنة، والغاية النار، فبالعفو تنجون، وبالرحمة تدخلون الجنة، وبالأعمال تقتسمون المنازل. وقال العجلي: كان يرى الإرجاء، ثم تركه. وقال ابن حبان في ثقات التابعين: كان من عباد أهل الكوفة وقرائهم، يروي عن أبي هريرة، إن كان سمع منه، وقد أدرك أبا جحيفة. وقال البخاري: سمع أبا هريرة، وابن عمرو. ذكره البخاري فيمن مات بين عشر ومائة إلى عشرين ومائة. أخرج له الجماعة إلا البخاري . ٧ - (عبد الله بن عمر) بن الخطاب ﵄، تقدم في ١٢/ ١٢، والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سباعيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، وأن الثلاثة الأولين حرانيون، وزيد بن أبي أنيسة كوفي، ثُمّ رُهَاويّ، وعمرو، وعون كوفيان، وابن عمر مدني. ومنها: أن شيخه انفرد هو به. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي، عمرو، عن عون. ومنها: أن فيه قوله: «هو ابن أبي أنيسة»، وهو إشارة إلى القاعدة المشهورة لدى أهل الاصطلاح، وهي أن الراوي إذا أراد أن ينسب غير شيخه، عليه أن يأتي بفاصل بين كلامه وكلام شيخه؛ لئلا ينسب إلى شيخه ما لم يقله، وهو من باب الورع، وقد تقدمت القاعدة المذكورة غير مرة. والقائل: «هو» إلخ محمد بن سلمة، أو من دونه، فتنبه. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عبد الله بن عمر) ﵄، أنه (قال: قام رجل خلف نبي الله -ﷺ-، فقال:) وفي الرواية الآتية بعد هذه: «بينما نحن نصلي مع رسول الله -ﷺ- فقال رجل من القوم (الله أكبر) مبتدأ وخبر. قال القاري ﵀: أي أكبر من أن يعرف كنه كبريائه وعظمته، أو من أن ينسب إليه ما لا يليق بجلاله، أو من كل شيء. وفي«الغريبين»قيل: معناه الله كبير، وبَيَّنَ بعض المحققين أن«أفعل»قد يقطع عن متعلقه، قصدًا إلى نفس الزيادة، وإفادة المبالغة، ونظيره: فلان يعطي، ويمنع، أي توجد حقيقتهما فيه، وإفادة المبالغة من حيث إن الموصوف تفرد بهذا الوصف، وانتهى أمره فيه إلى ألا يتصور له من يشاركه فيه. وعلى هذا يحمل كل ما جاء من أوصاف الباري جلّ وعلا، نحو«أعلم». وقال ابن الهمام: إن أفعل وفعيلًا في صفاته تعالى سواء، لأنه لا يراد بـ«أكبر»إثبات الزيادة في صفته بالنسبة إلى غيره بعد المشاركة، لأنه لا يساويه أحد في أصل الكبرياء، فكان«أفعل»بمعنى«فعيل». لكن في«المغرب»الله أكبر من كل شيء، وتفسيرهم إياه بالكبير ضعيف. ويمكن أن يكون المراد من كون كبير وأكبر واحدًا في صفاته أن المراد من الكبير المسند إليه الكبرياء بالنسبة إلى كل ما سواه، وذلك بأن يكون كل ما سواه بالنسبة إليه ليس بكبير، وهذا المعنى هو المراد بأكبر، فتدبر، ولكن لَمّا كان هذا المعنى في أكبر أظهر لم يجوّز بعضهم في التحريمة إلا أن يقال: الله أكبر. قاله القاري في«المرقاة». (كبيرًا) منصوب بفعل محذوف، أي أكبَرُ كبيرًا، أو على أنه صفة لمحذوف، أي تكبيرًا كبيرًا، أو حال مؤكدة للجملة. قاله في«المنهل». (والحمد لله) مبتدأ وخبر أيضًا (كثيرًا) نعت لمصدر محذوف، أي حمدًا كثيرًا. (وسبحان الله) قال الأزهري رحمه الله تعالى: و«سبحان الله»معناه تنزيهًا لله من الصاحبة والولد. وقيل: تنزيهُ الله تعالى عن كل ما لا ينبغي له أن يوصف به. ونصبه أنه في موضع فعل على معنى تسبيحا له، تقول: سبحتُ الله تسبيحًا له، أي نزهته تنزيهًا . (بكرة وأصيلًا) أي في أول النهار وآخره، منصوبان على الظرفية، والعامل«سبحان»، وخص هذين الوقتين بالذكر لاجتماع ملائكة الليل والنهار فيهما. كذا ذكره الأبهري، وصاحب«المفاتيح». ويمكن أن يكون وجه التخصيص تنزيهَ الله تعالى عن التغير في أوقات تغير الكون. وقال الطيبي: الأظهر أنه يراد بهما الدوام كما في قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾. قاله القاري رحمه الله تعالى . (فقال نبي الله -ﷺ-:«من صاحب هذه الكلمة؟ ») وفي رواية مسلم:«من القائل كلمة كذا وكذا». وأراد بالكلمة الكلامَ؛ إذ الكلمة تطلق على الكلام لغة، كما في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ إشارة إلى قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ الآية. وتقدم قريبًا قول ابن مالك رحمه الله تعالى: ..................... … وَكلِمَةٌ بهَا كَلامٌ قَدْ يُؤَمّ وإنما سأله النبي -ﷺ- بيانا لعظم شأن الكلمة، وليتعلم السامعون كلامه، فيقولوا مثل قوله. والله تعالى أعلم. (فقال رجل: أنا يا نبي الله) وفي رواية مسلم: «قال رجل من القوم: أنا يا رسول الله» (فقال) -ﷺ- (لقد ابتدرها اثنا عشر ملكًا) أي تسابقوها، يريد كل منهم أن يصعد بها إلى الله تعالى. وفي الرواية الآتية: قال: «عجبت لها»، وذكر كلمة، معناها: «فُتِحَتْ لها أبواب السماء». قال ابن عمر: ما تركته منذ سمعت رسول الله -ﷺ- يقوله. ولفظ مسلم: «قال: عجبت لها، فتحت لها أبواب السماء»، قال ابن عمر: فما تركتهن منذ سمعت رسول الله -ﷺ- يقول ذلك. قال النووي ﵀: فيه دليل على أن بعض الطاعات قد يكتبها غير الحفظة أيضًا. انتهى . والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عبد الله بن عمر ﵄ هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٨/ ٨٨٥ - وفي «الكبرى» -٨/ ٩٥٩ - عن محمد بن وهب، عن محمد بن سلمة، عن أبي عبد الرحيم، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن عون بن عبد الله، عنه. وفي -٨/ ٨٨٦ - «والكبرى» -٨/ ٩٦٠ - عن محمد بن شجاع الْمَرُّوذِيّ، عن إسماعيل بن علية، عن حجاج بن أبي عثمان، عن أبي الزبير، عن عون بن عبد الله، عنه. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم في «الصلاة» عن زهير بن حرب. والترمذي في الدعوات عن أحمد بن إبراهيم الدورقي -كلاهما عن إسماعيل بن علية، عن الحجاج بن أبي عثمان، به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو بيان ما تُفْتَتَحُ به الصلاة من الأذكار. ومنها: بيان ما أكرم الله به هذا الصحابي الجليل حيث ألهمه هذا الذكر العظيم القدر. ومنها: أن بعض الأعمال يتولى كتابتها غير الحفظة أيضًا لشرفها، وعظيم منزلتها عند الله تعالى، كما تقدم عن النووي رحمه الله تعالى. ومنها: بيان أن الملائكة يتسابقون في الخيرات. ومنها: حرص عبد الله بن عمر ﵄ في التمسك بما سمعه من رسول الله -ﷺ- من الأقوال، والأفعال. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل. ٨٨٦ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ شُجَاعٍ الْمَرُّوذِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ حَجَّاجٍ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا، وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «مَنِ الْقَائِلُ: كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟» فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «عَجِبْتُ لَهَا». وَذَكَرَ كَلِمَةً مَعْنَاهَا: «فُتِحَتْ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ»، قَالَ ابْنُ عُمَرَ، مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-. رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (محمد بن شُجَاع المرّوذي) الباكندي، أبو عبد الله نزيل بغداد، ثقة، من [١٠]. قال ابن عقدة: سمعت محمد بن أحمد بن أبي خيثمة، قال: كان من الثقات. وذكره ابن حبان في الثقات. وقال هو والسرّاج: مات سنة ٢٤٤، زاد السرّاج: في شعبان، أو رمضان. وقال ابن قانع: مات سنة ٧، قال الخطيب: والأول أصح. روى عنه الترمذي، والمصنف . وقوله: «الْمَرُّوذِيُّ» -بفتح الميم، وتشديد الراء المضمومة، بعدها ذال معجمة- ويقال فيه: الْمَرْوَ الرُّوذِيّ: نسبة إلى مَرْوِ الرُّوذ موضع معروف بخراسان بين بلخ ومَرْو، افتتحها الأحنف بن قيس في خلافة عثمان ﵁، وأكثر ما يقال فيه: مَرُّوذ كسَفُّود . وقال العلامة الفيومي ﵀: والْمَرْوَان بَلَدَان بخُراسانَ، يُقَال لأحدهما: مَرْوُ الشَّاهِجَان، ويقال للآخر: مَرْوَرُوذُ، وِزَانُ عَنْكَبْوتٍ، والذال معجمة، ويقال فيها أيضا: مَرُّوذُ، وزانُ تَنُّورٍ، وقد تدخل الألف واللام، فيقال: مَرْوُ الرُّوذِ، والنسبة إلى الأول في الأنَاسِيِّ مَرْوَزِيّ بزيادة زاي على غير قياس، ونسبة الثوب مَرْوِيٌّ بسكون الراء، على لفظه، والنسبة إلى الثانية على لفظها، مَرْوَرُوذيٌّ. انتهى كلام الفيومي رحمه الله تعالى . قال الجامع عفا الله عنه: أشار بعضهم إلى أنه وقع في بعض نسخ «المجتبى»: «الْمَرْوَزِيّ» بالزاي. وكذا وقع في بعض نسخ «ت» وهو تصحيف. فتنبه. قلت: كثيرًا ما تلتبس هاتان النسبتان، ويقع في كثير من كتب الرجال تحريف أحدهما إلى الآخر، ولاسيما «المَرُّوذِيّ» بالذال المعجمة، فيكثر تصحيفه، فينبغي التنبه له. والله تعالى ولي التوفيق، وهو الهادي لأقوم طريق. ٢ - (إِسماعيل) بن إبراهيم المعروف بابن علية، ثقة حافظ، من [٨]، تقدم في ١٨/ ١٩. ٣ - (حجاج) بن أبي عثمان/ ميسرة، أو سالم الصواف أبو الصلت الكندي مولاهم البصري، مات سنة ١٤٣، من [٦]، ثقة حافظ، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٢/ ٧٩٠. ٤ - (أبو الزبير) محمد بن مسلم بن تَدْرُس الأسدي مولاهم المكي، صدوق يدلس، مات سنة ١٢٦، من [٤]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣١/ ٣٥. والباقيان تقدما في السند السابق، وكذا شرح الحديث، ومتعلقاته من المسائل، فلا حاجة إلى إطالة الكتاب بإعادتها. والله تعالى أعلم. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. *** ٩ - وَضْعِ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ فِي الصَّلَاةِ أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعية وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى في حال القيام في الصلاة. ٨٨٧ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُمَيْرٍ الْعَنْبَرِيِّ، وَقَيْسِ بْنِ سُلَيْمٍ الْعَنْبَرِيِّ، قَالَا: حَدَّثَنَا عَلْقَمَةُ بْنُ وَائِلٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا كَانَ قَائِمًا فِي الصَّلَاةِ قَبَضَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ. رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (سويد بن نصر) المروزي، ثقة، من [١٠]، روى عنه الترمذي، والنسائي، تقدم في ٤٥/ ٥٥. ٢ - (عبد الله) بن المبارك المروزي، الإمام الحجة الثبت، من [٨]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٣٢/ ٣٦. ٣ - (موسى بن عمير العنبري) هو التيمي الكوفي، ثفة، من كبار [٧]. قال ابن معين، وأبو حاتم، ومحمد بن عبد الله بن نمير، والخطيب، والعجلي، والدولابي: ثقة. وقال أبو زرعة: لا بأس به. أخرج له المصنف حديث الباب فقط . وقوله: «العَنْبَرِي» -بفتح العين، والموحدة بينهما نون ساكنة-: نسبة إلى العنبر بن عمرو بن تميم مُرّ بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر ابن نزار. اهـ «لب اللباب» جـ ٢ ص ١٢٣. بزيادة من «الأنساب». ٤ - (قيس بن سُلَيم العنبري) هو التميمي الكوفي، ثقة، من [٧]، أخرج له البخاري في رفع اليدين، ومسلم، والنسائي. قال أبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ما رفع رأسه للسماء تعظيمًا لله. له عند مسلم حديث جابر في قوم يخرجون من النار، وعند النسائي حديثان عن وائل في الصلاة . ٥ - (علقمة بن وائل) بن حُجْر الحضرمي الكوفي، صدوق، من [٣]، أخرج له البخاري في رفع اليدين وفي الأدب المفرد، ومسلم والأربعة. ذكره ابن حبان في الثقات. وذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة من أهل الكوفة، وقال: كان ثقة قليل الحديث. وحكى العسكري عن ابن معين: أنه قال: علقمة بن وائل عن أبيه مرسل . وقال الترمذي في «العلل الكبير»: سألت محمدًا عن علقمة بن وائل: هل سمع من أبيه؟ قال: إنه ولد بعد موت أبيه بستة أشهر. وقال الترمذي أيضًا في «الجامع»: سمع من أبيه، وهو أكبر من عبد الجبار ابن وائل، وعبد الجبار لم يسمع من أبيه. وقال العجلي: كوفي تابعي ثقة. وقال الذهبي في الميزان: صدوق إلا أن يحيى بن معين يقول فيه: روايته عن أبيه مرسلة. وقال في «ت»: صدوق، إلا أنه لم يسمع من أبيه . قال الجامع عفا الله عنه: وعلى كونه سمع من أبيه كما قال الترمذي ﵀ في «الجامع» مشى الإمام مسلم ﵀، حيث أخرج رواياته عن أبيه في «صحيحه». والله تعالى أعلم. ٦ - (وائل بن حُجْر) -بضم المهملة، وسكون الجيم- بن سعد بن مسروق الحضرمي، صحابي مشهور، كان من ملوك اليمن، ثم سكن الكوفة، مات في خلافة معاوية ﵄، تقدم في ٤/ ٨٧٩. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات الصنف ﵀، وأن رجاله ثقات، وأنهم كوفيون، غير شيخه، وشيخ شيخه، فمروزيان، وأن فيه رواية الابن عن أبيه، وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن وائل بن حُجْر) ﵁، أنه (قال: رأيت رسول الله -ﷺ- إِذا كان قائمًا في الصلاة) المراد القيام الذي يعقب تكبيرة الإحرام، لما في الرواية الآتية بعد باب، حيث قال: «فقام فكبر، ورفع يديه حتى حاذتا بأذنيه، ثم وضع يده اليمنى على كفه اليسرى ....» الحديث. فلا يشمل القيام الذي بعد الركوع، فاستدلال بعضهم بقوله: «إذا كان قائمًا» على القيام الذي بعد الركوع غير صحيح، وسيأتي تحقيق ذلك عند شرح الحديث المذكور إن شاء الله تعالى. (قبض بيمينه على شماله) سيأتي في الحديث الآتي بعد باب كيفية القبض، وموضعه، وهو أنه «وَضَعَ يده اليمنى على كفه اليسرى، والرسغ، والساعد». قال الحافظ ﵀: قال العلماء: الحكمة في هذه الهيئة أنه صفة السائل الذليل، وهو أمنع من العبث، وأقرب إلى الخشوع. ومن اللطائف قول بعضهم: القلب موضع النية، والعادة أن من احترز على حفظ شيء جعل يديه عليه. انتهى . والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث وائل بن حُجْر ﵁ هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضعه عند المصنف، وفيمن أخرجه معه: أخرجه هنا -٩/ ٨٨٧ - وفي «الكبرى» -٩/ ٩٦١ - بالإسناد المذكور، وهو بهذا السياق من أفراده، لم يخرجه من أصحاب الأصول غيره، وأخرجه أحمد جـ ٤ ص ٣١٦. وسيأتي له في مواضع بسياق آخر، وسنبين هناك من أخرجه معه من أصحاب الأصول، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثانية: في بيان اختلاف العلماء في وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة: قال الإمام أبو بكر بن المنذر رحمه الله تعالى: ما حاصله: قد ثبت أن النبي -ﷺ- كان يأخذ شماله بيمينه إذا دخل في الصلاة، وكذا نقول. وممن رأى أن توضع اليمنى على اليسرى في الصلاة مالك بن أنس، وأحمد، وإسحاق، وحكي ذلك عن الشافعي، وقال أصحاب الرأي: يستحب أن يعتمد بيده اليمنى على اليسرى، وهو قائم في الصلاة. وقد روينا عن غير واحد من أهل العلم أنهم كانوا يرسلون أيديهم في الصلاة إرسالًا، ولا يجوز أن يجعل إغفال من أغفل استعمال السنة، أو نسيها، أو لم يعلمها حجة على من علمها، وعمل بها. فممن روينا عنه أنه كان يرسل عبد الله بن الزبير، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وابن سيرين، وروي أن سعيد بن جبير رأى رجلًا يصلي واضعًا إحدى يديه على الأخرى، فذهب، ففرق بينهما. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى . وقال في «الفتح»: وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين، وهو الذي ذكره مالك في «الموطأ»، ولم يحك ابن المنذر وغيره عن مالك غيره. وروى ابن القاسم عن مالك الإرسال، وصار إليه أكثر أصحابه، وعنه التفرقة بين الفريضة والنافلة. ومنهم من كره الإمساك. ونقل ابن الحاجب أن ذلك حيث يمسك معتمدًا لقصد الراحة. انتهى . وقال الحافظ أبو عمر بن عبد البر ﵀: لم تختلف الآثار عن النبي -ﷺ- في هذا الباب، ولا أعلم عن أحد من الصحابة في ذلك خلافًا، إلا شيء روي عن ابن الزبير أنه كان يرسل يديه إذا صلى، وقد روي عنه خلافه. وعلى هذا جمهور التابعين، وأكثر فقهاء المسلمين من أهل الرأي والأثر، فأما اختلاف الفقهاء في هذا الباب، فذهب مالك في رواية ابن القاسم عنه، والليث بن سعد إلى سدل اليدين في الصلاة، قال مالك: وضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة إنما يفعل ذلك في النوافل من طول القيام. قال: وتركه أحب إلي. هذه رواية ابن القاسم عنه. وقال عنه غير ابن القاسم: لا بأس بذلك في الفريضة والنافلة، وهي رواية المدنيين عنه. وقال الليث: سدل اليدين في الصلاة أحب إلي، إلا أن يطيل القيام، فَيعْيَا، فلا بأس أن يضع اليمنى على اليسرى. قال عبد الرزاق: رأيت ابن جريج يصلي في إزار ورداء مسدلًا يديه. وقال الأوزاعي: من شاء فعل، ومن شاء ترك. وهو قول عطاء. وقال سفيان الثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، وأصحابهم، والحسن بن صالح، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، وداود بن علي، والطبري: يضع المصلي يمينه على شماله في الفريضة والنافلة، وقالوا كلهم: وذلك سنة مسنونة. قال الشافعي: عند الصدر، وروي عن علي بن أبي طالب أنه وضعهما على صدره. وعن طاوس قال: كان رسول الله -ﷺ- يضع يده اليمنى على يده اليسرى، ثم يشدهما على صدره، وهو في الصلاة. وقال الثوري، وأبو حنيفة، وإسحاق: أسفل السرة. وروي ذلك عن علي، وأبي هريرة، والنخعي، ولا يثبت عنهم، وهو قول أبي مِجْلز. وقال أحمد بن حنبل: فوق السرة، وهو قول سعيد بن جبير. قال أحمد بن حنبل: وإن كانت تحت السرة فلا بأس به. قال أبو عمر ﵀: قد ذكرنا أن الصحابة لم يرو عن أحد منهم في هذا الباب خلاف لما جاء عن النبي -ﷺ- فيه. وروي عن الحسن، وإبراهيم أنهما كانا يرسلان أيديهما في الصلاة، وليس هذا بخلاف، لأن الخلاف كراهية ذلك، وقد يرسل العالم يديه ليري الناس أن ليس ذلك بحتم واجب. وقد ذكر ابن أبي شيبة، عن جرير، عن مغيرة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، قال: لا بأس أن يضع اليمنى على اليسرى في الصلاة. وذكر عن عمر بن هارون، عن عبد الله بن يزيد، قال: ما رأيت سعيد بن المسيب قابضًا يمينه على شماله في الصلاة، كان يرسلهما، وهذأ أيضًا يحتمل ما ذكرنا. وذكر عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن العيزار، قال: كنت أطوف مع سعيد بن جبير، فرأى رجلًا يصلي واضعًا إحدى يديه على الأخرى، هذه على هذه، وهذه على هذه، فذهب، ففرق بينهما، ثم جاء. وهذا يحتمل أن يكون رأى يسرى يديه على يمينه، فانتزعها على نحو ما روي عن النبي -ﷺ- أنه صنعه بابن مسعود. وقد روي عن سعيد ابن جبير ما يصحح هذا التأويل لأنه ثبت عنه أنه كان يضع يده اليمنى على اليسرى في صلاته فوق السرة. فهذا ما وري عن بعض التابعين في هذا الباب، وليس بخلاف، لأنه لا يثبت عن واحد منهم كراهية، ولو ثبت ذلك ما كانت فيه حجة، لأن الحجة في السنة لمن اتبعها، ومن خالفها فهو محجوج بها، ولاسيما سنة لم يثبت عن واحد من الصحابة خلافها. انتهى كلام الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى باختصار . وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى بعد ذكر الخلاف -ما نصه: احتج الجمهور على مشروعية الوضع بأحاديث الباب التي ذكرها المصنف -يعني صاحب المنتقى- وذكرناها، وهي عشرون، عن ثمانية عشر صحابيًا وتابعيين. وحكى الحافظ عن ابن عبد البر أنه قال: لم يأت عن النبي -ﷺ- فيه خلاف. واحتج القائلون بالإرسال بحديث جابر بن سمرة المتقدم بلفظ: «ما لي أراكم رافعي أيديكم». وقد عرفت أن حديث جابر وارد على سبب خاص. فإن قلت: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. قلنا: إن صدق على الوضع مسمى الرفع، فلا أقل من صلاحية أحاديث الباب لتخصيص ذلك العموم، وإن لم يصدق عليه مسمى الرفع لم يصح الاحتجاج على عدم مشروعيته بحديث جابر المذكور. قال الجامع عفا الله عنه: ما أبعد هذا الاستدلال، فأين وضع اليمنى على اليسرى في حديث جابر بن سمرة الذي ذكروه؟ وأيُّ علم، وأيُّ فهم لمن يستدل بمثل هذا، ويترك ما صح عن رسول الله -ﷺ- من عدة طرق عن عدد كثير من الصحابة ﵃ من وضع اليد اليمنى على اليسرى؟ إن هذا لشيء عجيب!! وأعجب منه تصدي الشوكاني للجواب عنه مع وضوح بطلانه. والله المستعان. قال: واحتجوا أيضًا بأنه مناف للخشوع، وهو مأمور به في الصلاة. قال: هذه المنافاة ممنوعة. قال المهدي في البحر: ولا معنى لقول أصحابنا: ينافي الخشوع والسكون. قال الجامع عفا الله عنه: بل الأمر بالعكس، فوضع اليمنى على اليسرى أقرب إلى الخشوع؛ إذ هو صفة السائل الذليل، كما تقدم. فتبصر بالإنصاف، ولا تتحير بالاعتساف. واحتجوا أيضًا بأن النبي -ﷺ- علّم المسيء صلاته الصلاةَ، ولم يذكر وضع اليمين على الشمال. كذا حكاه ابن سيد الناس عنهم، وهو عجيب، فإن النزاع في استحباب الوضع، لا وجوبه، وترك ذكره في حديث المسيء إنما يكون حجة على القائل بالوجوب، وقد علم أن النبي -ﷺ- اقتصر على ذكر الفرائض في حديث المسيء. وأعجب من هذا الدليل قول المهدي في البحر مجيبًا عن أدلة الجمهور بلفظ: قلنا: أما فعله فلعله لعذر لاحتماله، وأما الخبر فإن صح فقوي، ويحتمل الاختصاص بالأنبياء. انتهى. اهـ كلام الشوكاني رحمه الله تعالى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين واتضح بما تقدم من أقوال الحفاظ المحققين، كابن المنذر، وابن عبد البر، وابن حجر العسقلاني، والشوكاني رحمهم الله تعالى أن المذهب الصحيح الذي جاءت الأحاديث الصحيحة تنص عليه، ووردت الآثار عن الصحابة والتابعين مؤيدة له هو ما ذهب إليه الجمهور، من مشروعية وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة. فتمسك به أيها المنصف الطالب للحق، ولا تتجمد على رأي بعض أهل العلم الذي لا أثارة عليه من الأدلة. والله ﷾ ولي التوفيق، وهو الهادي لأقوم طريق. تنبيه: أخرج البخاري ﵀ في «صحيحه» عن أبي حازم عن سهل بن حنيف، قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة. قال أبو حازم: ولا أعلمه إلا أنه ينمي ذلك إلى النبي -ﷺ-. قال العلامة الشوكاني ﵀: والحديث يصلح للاستدلال به على وجوب وضع اليد على اليد، للتصريح من سهل بن سعد بأن الناس كانوا يؤمرون، ولا يصلح لصرفه عن الوجوب ما في حديث علي بلفظ: «إن من السنة في الصلاة وضع الأكف على الأكف تحت السرة». وكذا ما في حديث ابن عباس بلفظ: «ثلاث من سنن المرسلين: تعجيل الفطر، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال»؛ لما تقرر من أن السنة في لسان أهل الشرع أعم منها في لسان أهل الأصول، على أن الحديثين ضعيفان. ويؤيد الوجوب ما روي أن عليًا فسر قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ بوضع اليمين على الشمال. رواه الدارقطني، والبيهقي، والحاكم، وقال: إنه أحسن ما روي في تأويل الآية. وعند البيهقي من حديث ابن عباس مثل تفسير علي. وروى البيهقي أيضًا أن جبريل فسر الآية لرسول الله -ﷺ- بذلك. وفي إسناده إسرائيل بن حاتم، وقد اتهمه ابن حبان به. ومع هذا فطول ملازمته -ﷺ- لهذه السنة معلوم لكل ناقل، وهو بمجرده كاف في إثبات الوجوب عند بعض أهل الأصول، فالقول بالوجوب هو المتعين، إن لم يمنع منه إجماع. على أنا لا ندين بحجية الإجماع، بل نمنع إمكانه، ونجزم بتعذر وقوعه. إلا أن من جعل حديث المسيء قرينة صارفة لجميع الأوامر الواردة بأمور خارجة عنه لم يجعل هذه الأدلة صالحة للاستدلال بها على الوجوب. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى . قال الجامع عفا الله عنه: قوله: فالقول بالوجوب هو المتعين إن لم يمنع إجماع. حسن جدًّا. وأما جعل حديث المسيء صلاته صارفًا عن الوجوب فغير صحيح، لأنه تقدم لنا أن الراجح أن ما لم يذكر فيه مما دلت القرينة على أنه للوجوب، يؤخذ به؛ إذ الزيادة في هذا الباب مقبولة. فتبصر. والله تعالى ولي التوفيق، وهو الهادي لأقوم طريق. المسألة الرابعة: في بيان اختلاف العلماء في محل وضع اليدين في الصلاة: قد حقق هذه المسألة العلامة محمد بن عبد الرحمن المباركفوري ﵀ في كتابه «تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي» تحقيقًا حسنًا، أحببت نقله هنا لنفاسته، وإفادته، قال رحمه الله تعالى: اعلم: أن مذهب الإمام أبي حنيفة أن الرجل يضع اليدين في الصلاة تحت السرة، والمرأة تضعهما على الصدر، ولم يُروَ عنه، ولا عن أصحابه شيء خلاف ذلك. وأما الإمام مالك فعنه ثلاث روايات: (إِحداها) وهي المشهورة عنه أنه يرسل يديه، كما نقله صاحب الهداية، والسرخسي في محيطه ، وغيرهما عن مالك. وقد ذكر العلامة أبو محمد عبد الله الشلسي المالكي في كتابه المسمى بـ«عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة»، والزرقاني في شرح الموطأ أن إرسال اليد رواية ابن القاسم عن مالك، وزاد الزرقاني أن هذا هو الذي صار إليه أكثر أصحابه. (الثانية) أن يضع يديه تحت الصدر فوق السرة، كذا ذكره العيني في شرح الهداية عن مالك، وفي «عقد الجواهر» أن هذه رواية مطرف، والماجشون عن مالك. (الثالثة) أنه يتخير بين الوضع والإرسال، وذكر في «عقد الجواهر» وشرح الموطأ أنه قول أصحاب مالك المدنيين. وأما الإمام الشافعي فعنه أيضًا ثلاث روايات: (إِحداها) أنه يضعهما فوق السرة، وهي التي ذكرها الشافعي في الأم، وهي المختارة المشهورة عند أصحابه المذكورة في أكثر متونهم وشروحهم. (الثانية) وضعهما على الصدر، وهي الرواية التي نقلها صاحب الهداية عن الشافعي، وقال العيني: إنها المذكورة في «الحاوي» من كتبهم. (الثالثة) وضعهما تحت السرة، وقد ذكر هذه الرواية في شرح المنهاج بلفظ: قيل. وقال في المواهب اللدنية: إنها رواية عن بعض أصحاب الشافعي. وأما الإمام أحمد ﵀، فعنه أيضًا ثلاث روايات: (إِحداها) وضعهما تحت السرة. (والثانية) وضعهما تحت الصدر. (والثالثة) التخيير بينهما، وأشهر الروايات عنه الأولى، وعليه جماهير الحنابلة. هذا كله مأخوذ من «فوز الكرام» للشيخ محمد قائم السندي، و«دراهم الصرّة» لمحمد هاشم السندي. واعلم: أن الأحاديث والآثار قد وردت مختلفة في هذا الباب، ولأجل ذلك وقع الاختلاف بين الأئمة رحمهم الله تعالى، وها أنا أذكر متمسكاتهم في ثلاث فصول مع بيان ما لها، وما عليها. (الفصل الأول): في بيان من ذهب إلى وضع اليدين تحت السرة، وقد تمسك هؤلاء على مذهبهم هذا بأحاديث: (الأول): حديث وائل بن حجر ﵁، روى ابن أبي شيبة في مصنفه، قال: حدثنا وكيع، عن موسى بن عمير، عن علقمة ابن وائل بن حجر، عن أبيه، قال: «رأيت رسول الله -ﷺ- يضع يمينه على شماله تحت السرة». قال الحافظ القاسم بن قطلوبغا في تخريج أحاديث «الاختيار شرح المختار»: هذا سند جيد. وقال الشيخ عابد السندي في «طوالع الأنوار»: رجاله ثقات. قلت : إسناد هذا الحديث وإن كان جيدًا لكنَّ في ثبوت لفظ «تحت السرة» في هذا الحديث نظرًا قويًا. قال الشيخ محمد حياة السندي في رسالته «فتح الغفور»: في زيادة «تحت السرة» نظر، بل هذا غلط منشؤه السهو، فإني راجعت نسخة صحيحة من «المصنف» فرأيت فيها هذا الحديث بهذا السند، وبهذه الألفاظ إلا أنه ليس فيها «تحت السرة» وذكر فيها بعد هذا الحديث أثر النخعي، ولفظه قريب من لفظ هذا الحديث، وفي آخره «في الصلاة تحت السرة»، فلعل بصر الكاتب زاغ من محل إلى محل آخر، فأدرج لفظ الموقوف في المرفوع. انتهى كلام الشيخ محمد حياة السندي. وقال صاحب الرسالة المسماة بـ«الدرة في إظهار غش نقد الصرّة»: وأما ما استدل به من حديث وائل الذي رواه ابن أبي شيبة، فهذا حديث فيه كلام كثير. قال: وروى هذا الحديث ابن أبي شيبة، وروى بعده أثر النخعي، ولفظهما قريب، وفي آخر الأثر لفظ: «تحت السرة» واختلف نسخه، ففي بعضها ذكر الحديث من غير تعيين محل الوضع مع وجود الأثر المذكور، وفي البعض وقع الحديث المرفوع بزيادة لفظ السرة بدون أثر النخعي، فيحتمل أن هذه الزيادة منشؤها تَرْكُ الكاتب سهوًا نحو سطر في الوسط، وإدراج لفظ الأثر في المرفوع، كما يحتمل سقوط لفظ «تحت السرة» في النسخة المتقدمة، لكن اختلاف النسختين على هذا الوجه يؤذن بإدخال لفظ الأثر في المرفوع. انتهى كلام صاحب «الدرة». وقال الشيخ محمد فاخر المحدث الإله آبادي: ما حاصله أن ما نقله القاسم بن قطلوبغا عن المصنَّف لا اعتماد عليه، ولا عبرة به، فإن الكتاب الذي رأيته أنا وجدت فيه خلاف مقصوده. قلت : ما قاله هؤلاء الأعلام يؤيده أن هذا الحديث رواه أحمد في مسنده بعين سند ابن أبي شيبة، وليست فيه هذه الزيادة، ففي مسند أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا موسى بن عمير العنبري، عن علقمة بن وائل الحضرمي، عن أبيه، قال: «رأيت رسول الله -ﷺ- واضعًا يمينه على شماله في الصلاة». انتهى. ورواه الدارقطني أيضًا بعين سند ابن أبي شيبة، وليس فيه أيضًا هذه الزيادة؛ قال في سننه: حدثنا الحسين بن إسماعيل، وعثمان بن جعفر ابن محمد الأحول، قالا: حدثنا يوسف بن موسى، نا وكيع، نا موسى ابن عمير العنبري، عن علقمة بن وائل الحضرمي، عن أبيه، قال: «رأيت رسول الله -ﷺ- واضعا يمينه على شماله في الصلاة». انتهى. ويؤيده أيضا أن ابن التركماني شيخ الحافظ الزيلعي ذكر في «الجوهر النقي» لتأييد مذهبه حديثين ضعيفين، حيث قال: قال ابن حزم: وروينا عن أبي هريرة، قال: وضع الكف على الكف في الصلاة تحت السرة. وعن أنس قال: ثلاث من أخلاق النبوة: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمنى على اليسرى في الصلاة تحت السرة. انتهى. ونقل قبل هذين الحديثين أثر أبي مِجْلَز عن مصنف ابن أبي شيبة، حيث قال: قال ابن أبي شيبة في مصنفه: ثنا يزيد بن هارون، أنا الحجاج بن حسان، سمعت أبا مجلز، أو سألته، قلت: كيف أضع؟ قال: يضع باطن كف يمينه على ظاهر كف شماله، ويجعلهما أسفل من السرة. انتهى. ولم ينقل ابن التركماني عن مصنف ابن أبي شيبة غير هذا الأثر، فالظاهر أنه لم يكن في حديث وائل الذي أخرجه ابن أبي شيبة زيادة «تحت السرة»، فإنه لو كان هذا الحديث فيه مع هذه الزيادة لنقله ابن التركماني، إذ بعيد كل البعد أن يذكر ابن التركماني لتأييد مذهبه حديثين ضعيفين، وينقل عن مصنف ابن أبي شيبة أثر أبي مجلز التابعي، ولا ينقل عنه حديث وائل المرفوع مع وجوده فيه بهذه الزيادة، ومع صحة سنده. ويؤيده أيضا ما قاله الشيخ محمد حياة السندي في رسالته «فتح الغفور» من أن غير واحد من أهل الحديث روى هذا الحديث، ولم يذكر «تحت السرة»، بل ما رأيت، ولا سمعت أحدًا من أهل العلم ذكر هذا الحديث بهذه الزيادة إلا القاسم. هذا ابن عبد البر حافظ دهره قال في «التمهيد»: وقال الثوري، وأبو حنيفة: أسفل السرة. وروي ذلك عن علي، وإبراهيم النخعي، ولا يثبت ذلك عنهم، فلو كان هذا الحديث الصحيح بهذه اللفظة في مصنف ابن أبي شيبة لذكره مع أنه قد أكثر في هذا الباب وغيره الرواية عن ابن أبي شيبة. وهذا ابن حجر حافظ عصره يقول في «فتحه»: وقد روى ابن خزيمة من حديث وائل «أنه وضعهما على صدره». وللبزار «عند صدره». وعند أحمد في حديث هُلْبٍ نحوه. ويقول في تخريح الهداية: وإسناد أثر علي ضعيف، ويعارضه حديث وائل بن حجر، قال: «صليت مع رسول الله -ﷺ-، فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره». وأشار إلى ذلك في تخريج أحاديث الرافعي، فلو كانت هذه الزيادة موجودة في «المصنف» لذكرها، وكتبه مملوءة من أحاديثه وآثاره. وقد اختصره، كما قال السيوطي في «شرح ألفيته». والظاهر أن الزيلعي الذي شمر ذيله بجمع أدلة المذهب لم يظفر بها، وإلا لذكرها، وهو من أوسع الناس اطلاعًا. وهذا السيوطي الذي هو حافظ وقته يقول في وظائف اليوم والليلة: «وكان يضع يده اليمنى على اليسرى، ثم يشدهما على صدره». وقد ذكر في «جامعه الكبير» في مسند وائل نحو تسعة أحاديث عن «المصنف»، ولفظ بعضها: «رأيت النبي -ﷺ- وضع يمينه على شماله في الصلاة». وهذا اللفظ هو الذي ذكره صاحب «نقد الصرة» إلا أنه زاد لفظ «تحت السرة» فلو كانت هذه الزيادة موجودة في «المصنف» لذكرها السيوطي. وهذا العيني الذي يجمع بين الغث والسمين في تصانيفه يقول في شرحه على البخاري: احتج الشافعي بحديث وائل بن حجر، أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، قال: «صليت مع رسول الله -ﷺ-، فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره». ويستدل علماؤنا الحنفية بدلائل غير وثيقة . فلو كانت هذه الزيادة موجودة في المصنف لذكرها، وقد ملأ تصانيفه بالنقل عنه. وهذا ابن أمير الحاج الذي بلغ شيخَه ابن الهمام في التحقيق، وسعة الاطلاع يقول في شرح «منية المصلي»: إن الثابت من السنة وضع اليمين على الشمال، ولم يثبت حديث يوجب تعيين المحل الذي يكون الوضع فيه من البدن إلا حديث وائل المذكور. وهكذا قال صاحب «البحر الرائق»، فلو كان الحديث في «المصنف» بهذه الزيادة لذكره ابن أمير الحاج مع أن شرحه محشو من النقل عنه. فهذه أمور قادحة في صحة هذه الزيادة في هذا الحديث. انتهى كلام الشيخ محمد حياة السندي. قال المباركفوري ﵀: فحديث وائل المذكور، وإن كان إسناده جيدًا، لكنَّ في ثبوت زيادة «تحت المسرة» فيه نظرًا قويًا كما عرفت، فكيف يصح الاستدلال بهذا الحديث على وضع اليدين تحت السرة؟ (والحديث الثاني): حديث علي ﵁، روى أبو داود، وأحمد، وابن أبي شيبة، والدارقطني، والبيهقي عن أبي جحيفة أن عليًا قال: «السنة وضع الكف على الكف تحت السرة». قال المباركفوري ﵀: في إسناد هذا الحديث عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي، وعليه مدار هذا الحديث، وهو ضعيف لا يصلح للاحتجاج به. قال الحافظ الزيلعي في «نصب الراية» بعد ذكر هذا الحديث: قال ابن القطان: عبد الرحمن بن إسحاق هو ابن حرب أبو شيبة الواسطي، قال فيه ابن حنبل، وأبو حاتم: منكر الحديث. وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال البخاري: فيه نظر. وقال البيهقي في المعرفة: لا يثبت إسناده، تفرد به عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي، وهو متروك. وقال النووي في الخلاصة، وشرح مسلم: هو حديث متفق على تضعيفه، فإن عبد الرحمن بن إسحاق ضعيف بالاتفاق. انتهى ما في «نصب الراية». وقال الشيخ ابن الهمام في التحرير: إذا قال البخاري للرجل: فيه نظر، فحديثه لا يحتج به، ولا يستشهد به، ولا يصلح للاعتبار. انتهى. فإذا عرفت هذا كله ظهر لك أن حديث علي هذا لا يصلح للاحتجاج، ولا للاستشهاد، ولا للاعتبار. ثم حديث علي هذا مخالف لتفسيره قَوْلَهُ تعالى: ﴿وَانْحَرْ﴾ أنه وضع يده على وسط ساعده اليسرى، ثم وضعهما على صدره في الصلاة. رواه البيهقي، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والدارقطني، وأبو الشيخ، والحاكم، وابن مردويه. كذا في الدر المنثور . قال الفاضل ملا الهداد في حاشية «الهداية»: إذا كان حديث وضع اليدين تحت السرّة ضعيفًا، ومُعارَضًا بأثر علي بأنه فسر قوله تعالى: ﴿وَانْحَرْ﴾ بوضع اليمين على الشمال على الصدر يجب أن يعمل بحديث وائل الذي ذكره النووي. ثم حديث علي منسوخ على طريق الحنفية. قال صاحب «الدرة في إظهار غش نقد الصرة» وهو حنفي المذهب: روى أبو داود عن جرير الضبي أنه قال: رأيت عليًا يمسك شماله بيمينه على الرسغ فوق السرة. وأصل علمائنا: إذا خالف الصحابي مرويه فهو يدل على نسخه، وهذا الفعل، وإن لم يكن أقوى من القول فلا أقلّ أن يكون مثله. انتهى. قال المباركفوري: إسناد أثر علي هذا -أعني الذي رواه أبو داود عن جرير الضبي- صحيح كما ستعرف. (والحديث الثالث): حديث أبي هريرة ﵁، رواه أبو داود في سننه، عن أبي وائل، قال: قال أبو هريرة: «أخذ الأكف على الأكف في الصلاة تحت السرة». وفي إسناده أيضًا عبد الرحمن بن إسحاق الواسطي، فلا يصلح للاحتجاج به، ولا للاستشهاد، ولا للاعتبار. كما عرفت آنفًا. (والحديث الرابع): حديث أنس ﵁ ذكره ابن حزم في «المحلى» تعليقًا بلفظ: «من أخلاق النبوة: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليد اليمنى على اليسرى في الصلاة تحت السرة». قال المباركفوري ﵀: لم أقف على سند هذا الحديث، والعلماء الحنفية يذكرونه في كتبهم، ويحتجون به، ولكنهم لا يذكرون إسناده، فما لم يعلم إسناده لا يصلح للاحتجاج به، ولا للاستشهاد، ولا للاعتبار. قال صاحب «الدرة»: وأما حديث أنس: «من أخلاق النبوة وضع اليمين والشمال تحت السرة» الذي قال فيه العيني إنه رواه ابن حزم، فسنده غير معلوم لينظر فيه، هل رجاله مقبولون، أم لا؟ وقد روى هذا الحديث غير واحد من المحدثين من غير زيادة «تحت السرة». والزيادة إنما تقبل من الثقة المعلوم. انتهى كلام صاحب «الدرة». وقال الشيخ هاشم السندي في رسالته «دراهم الصرة»: ومنها ما ذكره الزاهدي في «شرح القدوري»، وابن أمير الحاج، وابن نجيم في «البحر الرائق» أنه روي عن النبي -ﷺ-: «ثلاث من سنن المرسلين: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال تحت السرة في الصلاة». قال: لم أقف على سند هذا الحديث غير أن الزاهدي زاد أنه رواه علي بن أبي طالب، عن النبي -ﷺ-، لكن قال ابن أمير الحاج، وابن نجيم: إن المخرجين لم يعرفوا فيه موقوفًا ولا مرفوعًا لفظ: «تحت السرة». انتهى كلام هاشم السندي. فهذه الأحاديث هي التي استدل بها على وضع اليدين تحت السرة في الصلاة، وقد عرفت أنه لا يصلح واحد منها للاستدلال. قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين بما ساقه العلامة المباركفوري ﵀ من نصوص هؤلاء العلماء الحنفية أنهم معترفون ببطلان زيادة «تحت السرة»، وأما الحديث بدونها فصحيح، أخرجه الطبراني عن أبي الدرداء ﵁، قال: «ثلاث من أخلاق النبوة: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمين على الشمال في الصلاة». قال الحافظ أبو بكر الهيثمي ﵀: رواه الطبراني في الكبير مرفوعًا وموقوفًا على أبي الدرداء، والموقوف صحيح، والمرفوع في رجاله من لم أجد ترجمته. لكن المرفوع يشهد له ما أخرجه الطبراني في الكبير أيضًا من حديث ابن عباس ﵄ قال: سمعت نبي الله -ﷺ- يقول: «إنا معشر الأنبياء أمرنا بتعجيل فطرنا، وتأخير سحورنا، وأن نضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة». قال الهيثمي ﵀: رجاله رجال الصحيح . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه الرجع والمآب. (الفصل الثاني): في ذكر ما تمسك به من ذهب إلى وضع اليدين فوق السرة. قال المباركفوري: لم أقف على حديث مرفوع يدل على هذا المطلوب، نعم أثر علي ﵁ يدل على هذا، روى أبو داود في سننه عن جرير الضبي، قال: رأيت عليًا يمسك شماله بيمينه على الرسغ فوق السرة. قال: إسناده صحيح أو حسن، لكنه فعل علي ﵁ ليس بمرفوع، ثم الظاهر أن المراد من قوله: فوق السرة - على مكان مرتفع من السرة، أي على الصدر، أو عند الصدر، كما جاء في حديث وائل بن حجر، وحديث هُلْب الطائي، ومرسل طاوس، وستأتي الأحاديث الثلاثة، ويؤيده تفسيره ﵁ قوله تعالى: ﴿وَانْحَرْ﴾ بوضع اليدين على الصدر في الصلاة، كما تقدم. (الفصل الثالث): في ذكر متمسكات من ذهب إلى وضع اليدين على الصدر. احتج هؤلاء بأحاديث: منها: حديث وائل بن حجر ﵁، قال: «صليت مع النبي -ﷺ-، فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره». أخرجه ابن خزيمة، وهذا حديث صحيح، صححه ابن خزيمة كما صرح به ابن سيد الناس في شرح الترمذي. وقد اعترف الشيخ محمد قائم السندي الحنفي في رسالته «فوز الكرام» أن هذا الحديث على شرط ابن خزيمة، حيثما قال فيها: الذي أعتقده أن هذا الحديث على شرط ابن خزيمة، وهو المتبادر من صَنِيع الحافظ في «الإتحاف»، والظاهر من قول ابن سيد الناس بعد ذكر حديث وائل في شرح جامع الترمذي، وصححه ابن خزيمة. انتهى. وقال ابن أمير الحاج الذي بلغ شيخه ابن الهمام في التحقيق وسعة الاطلاع في شرح المنية: إن الثابت من السنة وضع اليمين على الشمال، ولم يثبت حديث يوجب تعيين المحل الذي يكون الوضع فيه من البدن إلا حديث وائل المذكور. وهكذا قال صاحب «البحر الرائق». كذا في «فتح الغفور» للشيخ محمد حياة السندي. وقال الشوكاني في «النيل»: أخرجه ابن خزيمة في صحيحه، وصححه. انتهى. وقال الحافظ في فتح الباري: ولم يذكر -أي سهل بن سعد- محلهما من الجسد، وقد روى ابن خزيمة من حديث وائل أنه وضعهما على صدره، والبزار «عند صدره»، وعند أحمد في حديث هُلْب الطائي نحوه، وفي زيادات السند من حديث علي أنه وضعهما تحت السرة، وإسناده ضعيف. انتهى. فالظاهر من كلام الحافظ هذا أن حديث وائل عنده صحيح، أو حسن، لأنه ذكر هاهنا لغرض تعيين محل وضع اليدين ثلاثة أحاديث: حديث وائل، وحديث هُلْب، وحديث علي، وضعف حديث علي، وقال: إسناده ضعيف، وسكت عن حديث وائل، وحديث هُلْب، فلو كانا هما أيضًا ضعيفين عنده لبين ضعفهما، ولأنه قال في أوائل مقدمة «الفتح»: ما لفظه: فإذا تحررت هذه الفصول، وتقررت هذه الأصول افتتحت شرح الكتاب، فأسوق الباب، وحديثه أوّلا، ثم أذكر وجه المناسبة بينهما إن كانت خفية، ثم أستخرج ثانيًا ما يتعلق به غرض صحيح في ذلك الحديث من الفوائد المتنية والإسنادية من تتمات وزيادت، وكشف غامض، وتصريح مدلس بسماع ومتابعة سامع من شيخ اختلط قبل ذلك، منتزعًا كل ذلك من أمهات المسانيد والجوامع والمستخرجات والأجزاء والفوائد بشرط الصحة، أو الحسن فيما أورده من ذلك. انتهى كلام الحافظ. فقوله: بشرط الصحة أو الحسن فيما أورده من ذلك يدل على أن حديث وائل، وكذا حديث هلب الطائي عنده صحيح أو حسن. فتفكر. وأيضًا قد صرح الحافظ في «الدراية» بعد ذكر حديث وائل: أخرجه ابن خزيمة، وهو في مسلم دون قوله: «على صدره» انتهى. فالظاهر من كلامه هذا أن حديث ابن خزيمة هذا هو الذي في «صحيح مسلم» في وضع اليمنى على اليسرى سندًا ومتنًا بدون ذكر المحل. فالحاصل أن حديث وائل بن حجر صحيح قابل للاحتجاج والاستدلال به على وضع اليدين على الصدر في الصلاة. ومنها: حديث هُلْب الطائي ﵁، رواه الإمام أحمد في مسنده، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، عن سفيان، ثنا سماك، عن قبيصة بن هلب، عن أبيه، قال: «رأيت رسول الله -ﷺ- ينصرف عن يمينه، وعن يساره، ورأيته يضع هذه على صدره -ووصف يحيى اليمنى على اليسرى- فوق المفصل». ورواة هذا الحديث كلهم ثقات، وإسناده متصل. أما يحيى بن سعيد فهو أبو سعيد القطان البصري الحافظ الحجة أحد أئمة الجرح والتعديل، قال الحافظ في التقريب: ثقة متقن حافظ إمام قدوة. وأما سفيان فهو الثوري، قال في التقريب: ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة، وربما كان يدلس. انتهى. قلت: قد صرح هاهنا بالتحديث، فانتفت تهمة التدليس. وأما سماك فهو ابن حرب بن أوس بن خالد الذهلي البكري الكوفي أبو المغيرة، صدوق، وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وكان قد تغير بآخره، فكان ربما يلقن. كذا في التقريب. وقال الذهبي: قال أحمد: سماك مضطرب، وضعفه شعبة. وقال ابن عمار: كان يغلط، وقال العجلي: ربما وصل الشيء، وكان الثوري يضعفه، وقال: روايته مضطربة، وليس من المتثبتين. وقال صالح: يضعف. وقال ابن خداش: فيه لين. ووثقه ابن معين، وأبو حاتم. انتهى. وكون سماك مضطرب الحديث لا يقدح في حديثه المذكور، لأنه رواه عن قبيصة، وروايته عن عكرمة خاصة هي المضطربة، وكذا تغيره في آخره لا يقدح أيضًا، لأن الحديث المذكور رواه عنه سفيان، وهو ممن سمع قديمًا من سماك، قال في «تهذيب الكمال»: قال يعقوب: وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وهو في غير عكرمة صالح، وليس من المتثبتين، ومن سمع قديمًا من سماك مثل شعبة وسفيان فحديثهم عنه مستقيم. انتهى. وأما قبيصة فوثقه العجلي، وابن حبان، وأما أبوه فهو صحابي، فحديث هلب الطائي هذا حسن. وقد اعترف صاحب «آثار السنن» بأن إسناده حسن، فالاستدلال به على وضع اليدين على الصدر في الصلاة صحيح. ومنها: حديث طاوس رواه أبو داود في «المراسيل»: قال: حدثنا أبو توبة، حدثنا الهيثم -يعني ابن حميد، عن ثور، عن سليمان بن موسى، عن طاوس، قال: «كان رسول الله -ﷺ- يضع يده اليمنى على يده اليسرى، ثم يشد بينهما على صدره، وهو في الصلاة». وهذا الحديث قد وجد في بعض نسخ أبي داود؛ قال الحافظ المزي في الأطراف في حرف الطاء من كتاب المراسيل: الحديث أخرجه أبو داود في كتاب «المراسيل»، وكذا قال البيهقي في «المعرفة»، فحديث طاوس هذا مرسل، لأن طاوسًا تابعي، وإسناده حسن، والحديث المرسل حجة عند الإمام أبي حنيفة، ومالك، وأحمد مطلقًا، وعند الشافعي إذا اعتضد بمجيئه من وجه آخر يباين الطريق الأولى، مسندًا كان أو مرسلًا، وقد اعتضد هذا المرسل بحديث وائل، وبحديث هُلْب الطائي المذكورين، فالاستدلال به على وضع اليدين على الصدر في الصلاة صحيح. تنبيه: قال بعض الحنفية: حديث وائل فيه اضطراب، فأخرج ابن خزيمة في هذا الحديث: «على صدره»، والبزار: «عند صدره»، وابن أبي شيبة: «تحت السرة». قال المباركفوري: قلت: لقد تقرر في أصول الحديث أن مجرد الاختلاف لا يوجب الاضطراب، بل من شرطه استواء وجوه الاختلاف، فمتى ترجح أحد الأقوال قدم، ولا يعل الصحيح بالمرجوح، ومع الاستواء يتعذر الجمع على قواعد المحدثين، وهاهنا وجوه الاختلاف ليست بمستوية، فإن في ثبوت لفظ «تحت السرة» في رواية ابن أبي شيبة نظرًا قويًا كما تقدم بيانه. قال الجامع: بل هو غلط كما تقدم تحريره. وأما رواية ابن خزيمة بلفظ: «على صدره»، ورواية البزار بلفظ «عند صدره» فالأولى راجحة، فتقدم على الأخرى، ووجه الرجحان أن لها شاهدًا حسنًا من حديث هلب، وأيضًا يشهد لها مرسل طاوس، بخلاف الأخرى، فليس لها شاهد، ولو سلم أنهما متساويتان فالجمع بينهما ليس بمتعذر، قال الشيخ أبو المحاسن محمد الملقب بالقائم السندي في رسالته «فوز الكرام»: قال العلامة الشيخ أبو الحسن في رسالته «جواز التقليد، والعمل بالحديث» بعد ذكر حديث وائل، وهلب، ومرسل طاوس، وتفسير علي، وأنس، وابن عباس: هذه الأحاديث قد أخذ بها الشافعي، لكن قال بوضع اليد على الصدر بحيث تكون آخر اليد تحت الصدر جمعًا بين هذه الأحاديث، وبين ما في بعض الروايات «عند الصدر». انتهى. وقد جمع بعض أهل العلم بينهما بالحمل على صلاتين مختلفتين، ونظير هذا الاختلاف اختلاف رفع اليدين حذو المنكبين، وحذو الأذنين في الصلاة، فقول بعض الحنفية بالاضطراب في حديث وائل مما لا يُصغَى إليه. انتهى كلام العلامة المباركفوري رحمه الله تعالى ببعض تصرف . قال الجامع عفا الله عنه: قد تبين بما تقدم من الأدلة أن الراجح في محل وضع اليدين في الصلاة هو الصدر، وأما من قال: تحت السرة فليس له دليل صحيح، وكذا من قال: فوق السرة، إلا إذا أراد الصدر. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب. … ١٠ - فِي الإِمَامِ إِذَا رَأَى الرَّجُلَ قَدْ وَضَعَ شِمَالَهُ عَلَى يَمِينِهِ أي هذا باب ذكر الحديث الدال على ما يفعله الإمام إذا رأى شخصًا خالف السنة في وضع اليد، بأن وضع يده اليسرى على اليمنى؛ وهو أن يرشده إلى السنة، فيضع يمينه على شماله. قال الجامع عفا الله عنه: ليس ذكر الإمام في هذا قيدًا، بل غيره مثله، وإنما خصه بالذكر لأنه الذي يشاهد مثل هذا غالبًا حيث إنه يتقدم أمام الجماعة، ويقبل عليهم ليرى تسويتهم للصفوف، فربما وقع بصره على ذلك. والله تعالى أعلم. ٨٨٨ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَبِي زَيْنَبَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ، يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: رَآنِى النَّبِيُّ -ﷺ-، وَقَدْ وَضَعْتُ شِمَالِي عَلَى يَمِينِي فِي الصَّلَاةِ، فَأَخَذَ بِيَمِينِي فَوَضَعَهَا عَلَى شِمَالِي. رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (عمرو بن علي) الفلاس، أبو حفص البصري، ثقة حافظ، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤/ ٤. ٢ - (عبد الرحمن) بن مهدي بن حسان، العنبري مولاهم، أبو سعيد البصري، ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث، مات سنة ١٩٨، من [٩]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٢/ ٤٩. ٣ - (هُشيم) بن بَشِير بن القاسم بن دينار السلمي، أبو معاوية بن أبي خازم الواسطي، ثقة ثبت كثير التدليس والإرسال الخفي، مات سنة ١٨٣، أخرج له الجماعة، تقدم في ٨٨/ ١٠٩. ٤ - (الحجاج بن أبي زينب) السلمي، أبو يوسف الصَّيْقَل الواسطي، صدوق يخطىء، من [٦]. قال أحمد: أخشى أن يكون ضعيف الحديث. وقال ابن معين: ليس به بأس. وقال الحسن بن شجاع البلخي، عن علي بن المديني: شيخ من أهل واسط ضعيف. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به فيما يرويه. وقال الدارقطني: ليس بقوي، ولا حافظ، وقال في موضع آخر: ثقة. وقال الآجري، عن أبي داود: ليس به بأس. وقال العقيلي: روى عن أبي عثمان النهدي حديثًا لا يتابع عليه. وذكره ابن حبان في الثقات. روى له مسلم حديثًا واحدًا «نعم الإدام الخل»، وأخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه . ٥ - (أبو عثمان النّهديّ) عبد الرحمن بن ملّ بن عمرو الكوفي، ثم البصري، مشهور بكنيته، ثقة ثبت عابد مخضرم، مات سنة ٩٥، وقيل: بعدها، عن ١٣٠ سنة، وقيل: أكثر، من كبار [٢]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١١/ ٦٤١. ٦ - (ابن مسعود) عبد الله الصحابي ﵁، تقدم في ٣٥/ ٣٩. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀، وأن رجاله ثقات نبلاء، إلا الحجاج بن أبي زينب، فمتكلم فيه، وقال في «ت»: صدوق يخطىء، وأن شيخه هو أحد التسعة الذين أخذ عنهم أصح الأصول الستة بدون واسطة، وأن هشيمًا ليس في الكتب الستة من يسمى باسمه غيره. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن ابن مسعود) ﵁، أنه (قال: رآني النبي -ﷺ-، وقد وضعت شمالي على يميني) جملة في محل نصب على الحال من المفعول به، أي حال كوني واضعا يدي اليسرى على اليمنى مخالفًا للسنة (فأخذ يميني، فوضعها على شمالي). ولأحمد، والدارقطني من حديث جابر ﵁، قال: مر رسول الله -ﷺ- برجل، وهو يصلي، وقد وضع يده اليسرى على اليمنى، فانتزعها، ووضع اليمنى على اليسرى. وفيه: مشروعية وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، دون العكس، وأن من رأى منكرًا أزاله، ولو كان فاعله في الصلاة، فلا ينتظره حتى يسلم، وأن صلاته لا تبطل بذلك. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث ابن مسعود ﵁ هذا حسن. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١٠/ ٨٨٨ - وفي «الكبرى» -١٠/ ٩٦٢ - عن عمرو ابن علي، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن هشيم، عن الحجاج بن أبي زينب، عن أبي عثمان، عنه. وقال في «الكبرى»: قال أبو عبد الرحمن: غير هشيم أرسل هذا الحديث. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هشيم ثقة ثبت حافظ، تقبل زيادته، ولا يضره مخالفة غيره له بالإرسال، وإنما يُخشى من تدليسه، وقد زالت - والحمد لله- فقد صرح بالإنباء عند ابن ماجه جـ ١ ص ٢٦٦ رقم ٨١١ - فقال: أنبأنا الحجاج بن أبي زينب السلمي، فزالت تهمة تدليسه. ثم وجدت تابعه محمد بن يزيد الواسطي، وهو ثقة ثبت عند الدارقطني في سننه جـ ١ ص ٢٨٧ - عن الحجاج بن أبي زينب، عن أبي عثمان، عن ابن مسعود، قال: «مر به النبي -ﷺ-، وهو يصلي، واضع شماله على يمينه، فأخذ بيمينه، فجعلها على شماله». والحاصل أن الحديث حسن من أجل الكلام في الحجاج بن أبي زينب، كما تقدم. وقال النووي في «الخلاصة»: إسناده صحيح على شرط مسلم . والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (أبو داود) في «الصلاة» عن محمد بن بكّار بن الرَّيَّان. وابن ماجه فيه عن أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن حاتم الهروي -كلاهما عن هشيم، به. قال الحافظ أبو الحجاج المزي ﵀ من زياداته في «الأطراف»: رواه محمد بن الحسن المزني الواسطي، عن الحجاج بن أبي زينب، عن أبي سفيان، عن جابر «مَرَّ رسول الله -ﷺ- برجل، وهو يصلي …». قال الجامع عفا الله عنه: حديث جابر أخرجه (أحمد) جـ ٣/ ص ٣٨١ - عن محمد بن الحسن المذكور بسنده. (والدارقطني) في سننه جـ ١ ص ٢٨٦ - ٢٨٧ - من طريق يحيى بن معين، عن محمد بن الحسن المذكور، ولفظه تقدم قريبًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. *** ١١ - باب مَوْضِعِ الْيَمِينِ مِنَ الشِّمَالِ فِي الصَّلَاةِ أي هذا باب ذكر موضع اليد اليمين من اليد الشمال في حال القيام للصلاة. فالمراد بقوله: «في الصلاة» حالة القيام، لأن هذه الكيفية إنما تستحب في حال القيام الذي يعقب الإحرام فقط، فلا تستحب في الاعتدال من الركوع، لعدم دليل صريح عنه -ﷺ- في ذلك. والله تعالى أعلم. بيّن المصنف رحمه الله تعالى في البابين المتقدمين مشروعية وضع اليمين على الشمال، وأراد هنا بيان المحل الذي توضع عليه اليمين من الشمال، وهو الكف، والرسغ، والساعد. وقد تقدم -٩/ ٨٨٧ - من رواية علقمة عن أبيه، قال: «رأيت رسول الله -ﷺ- إذا كان في الصلاة قبض بيمينه على شماله»، فدل على أن القبض مشروع أيضًا، ولا خلاف بين الروايتين، لإمكان العمل بهما في أوقات مختلفة، فيضع الكف والرسغ والساعد أحيانًا، ويقبض أحيانًا، فكل سنة ثابتة. وهذا هو الصحيح في كيفية العمل بالروايتين. وأما ما استحسنه بعض المتأخرين من الحنفية في الجمع بين الروايتين من أن صورته أن يضع يمينه على يساره آخذًا رسغها بخنصره وإبهامه، ويبسط الأصابع الثلاث. كما ذكره ابن عابدين في حاشيته على الدر المختار جـ ١ ص ٤٥٤ فباطل؛ إذ فيه خروج عن الصفتين المذكورتين في الحديث، وإحداث صفة ثالثة لم يرد بها دليل . والله تعالى أعلم. ٨٨٩ - أَخْبَرَنَا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ زَائِدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، أَنَّ وَائِلَ بْنَ حُجْرٍ أَخْبَرَهُ، قَالَ: قُلْتُ: لأَنْظُرَنَّ إِلَى صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- كَيْفَ يُصَلِّي، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ، فَقَامَ، فَكَبَّرَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى حَاذَتَا بِأُذُنَيْهِ، ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى كَفِّهِ الْيُسْرَى، وَالرُّسْغِ، وَالسَّاعِدِ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ مِثْلَهَا، قَالَ: وَوَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ لَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ رَفَعَ يَدَيْهِ مِثْلَهَا، ثُمَّ سَجَدَ فَجَعَلَ كَفَّيْهِ بِحِذَاءِ أُذُنَيْهِ، ثُمَّ قَعَدَ، وَافْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ كَفَّهُ الْيُسْرَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُسْرَى، وَجَعَلَ حَدَّ مِرْفَقِهِ الأَيْمَنِ عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى، ثُمَّ قَبَضَ اثْنَتَيْنِ مِنْ أَصَابِعِهِ، وَحَلَّقَ حَلْقَةً، ثُمَّ رَفَعَ إِصْبَعَهُ، فَرَأَيْتُهُ يُحَرِّكُهَا، يَدْعُو بِهَا. رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (سويد بن نصر) الروزي، ثقة، من [١٠]، تقدم قبل باب. ٢ - (عبد الله بن المبارك) المروزي، الإمام الحجة، من [٨]، تقدم قبل باب. ٣ - (زائدة) بن قُدَامَةَ الثقفي، أبو الصَّلْت الكوفي، مات سنة ١٦٠، وقيل: بعدها، ثقة ثبت صاحب سنة، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧٤/ ٩١. ٤ - (عاصم بن كُلَيب) بن شهاب بن المجنون الجرمي الكوفي، صدوق رمي بالإرجاء، من [٥]. قال الأثرم، عن أحمد: لا بأس بحديثه. وقال ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو حاتم: صالح. وقال الآجري: قلت لأبي داود: عاصمُ بنُ كليب ابنُ مَنْ؟ قال: ابن شهاب، كان من العباد، وذكر من فضله، قلت: كان مرجئًا؟ قال: لا أدري. وقال في موضع آخر: كان أفضل أهل الكوفة. وقال شريك بن عبد الله النخعي: كان مرجئًا. وقال ابن شاهين في الثقات: قال أحمد بن صالح المصري: يعدّ من وجوه الكوفيين الثقات. وقال في موضع آخر: هو ثقة مأمون. وقال ابن المديني: لا يحتج به إذا انفرد. وقال ابن سعد: كان ثقة يحتج به، وليس بكثير الحديث، توفي أول خلافة أبي جعفر. وذكره ابن حبان في «الثقات»، وأرخ وفاته سنة ١٣٧، وكذا أرخه خليفة. علق له البخاري، وأخرج له الباقون . ٥ - (كليب) بن شهاب بن المجنون الجرمي، وفي نسبه اختلاف، صدوق، من [٢]، ووهم من ذكره في الصحابة. روى عن أبيه، وخاله الفلتان بن عاصم، وعمر، وعلي، وسعد، وأبي ذرّ، ومجاشع بن مسعود، وأبي موسى، وأبي هريرة، ووائل بن حجر، وغيرهم. وعنه ابنه عاصم، وإبراهيم بن المهاجر. قال أبو زرعة: ثقة. وقال ابن سعد: كان ثقة، ورأيتهم يستحسنون حديثه، ويحتجون به. وقال النسائي: كليب هذا لا نعلم أحدًا روى عنه غير ابنه عاصم، وغير إبراهيم بن المهاجر، وإبراهيم ليس بقوي في الحديث. وقال الآجري، عن أبي داود: عاصم بن كليب، عن أبيه، عن جده ليس بشيء، الناس يغلطون، يقولون: كليب عن أبيه، ليس هو ذاك. وقال في موضع آخر: وعاصم بن كليب كان من أفضل أهل الكوفة. وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: يقال: إن له صحبة. وقال ابن أبي خيثمة، والبغوي: قد لحق النبي -ﷺ-. وذكره ابن منده، وأبو نعيم، وابن عبد البر في الصحابة، وهو وَهَم منهم. أخرج له البخاري في «جزء رفع اليدين»، والباقون إلا مسلمًا . ٦ - (وائل بن حجر) بن سعد بن مسروق الحضرمي الصحابي ﵁، تقدم في ٤/ ٨٧٩. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀، وأن رجاله موثقون، وأنهم كوفيون، إلا شيخه، وشيخ شيخه، فمروزيان، وفيه رواية الابن عن أبيه، ورواية تابعي، عن تابعي، عاصم بن كليب، عن أبيه، وفيه الإخبار والإنباء، والعنعنة، والتحديث. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (قال:) عاصم بن كليب (حدثني أبي) كليب بن شهاب (أن وائل بن حجر أخبره) أي أخبر كليبًا (قال: قلت: لأنظرن إِلى صلاة رسول الله -ﷺ- كيف يصلي) أي قلت في نفسي، وعزمت على النظر إلى صلاته -ﷺ-. واللام هي الموطئة للقسم، و«أنظر». بمعنى أبْصِرُ، يقال: نَظَرتُه أنظُرُه نَظَرًا، ونظرت إليه أيضًا: أبصرته. يتعدى بنفسه، وبـ «إلى» ، والجارّ والجرور متعلق بـ«أنظر»، و«كيف» منصوبة على الحال بـ«يصلي»، وفعلُ النظر معلق بها، والجملة في محل جر بدل من «صلاة» بدل اشتمال، والمعنى: والله لأنظرن إلى الصلاة إلى كيفية أدائِها . (فنظرت اليه، فقام، فكبر) وفي الرواية الآتية -٣٥/ ١٢٦٥ - من طريق بشر بن المفضل، عن عاصم بن كليب «فقام رسول الله -ﷺ-، فاستقبل القبلة، فرفع يديه حتى حاذتا أذنيه …» (ورفع يديه) الظاهر أن الرفع مقارن للتكبير، وقد تقدم بيان اختلاف الروايات، واختلاف أقوال أهل العلم في مقارنة الرفع للتكبير، وتقديم الرفع عليه، مع ترجيح كون المصلي مخيرًا في ذلك - ٢/ ٨٧٧ (حتى حاذتا) أي قابلتا (بأذنيه) فيه أن رفع اليدين يكون إلى محاذاة الأذنين، وقد تقدم البحث فيه مُستوفىً في ٤/ ٨٧٩ فارجع إليه تستفد (ثم وضع يده اليمنى على كفه اليسرى) «الكف»: الراحة مع الأصابع، سميت بذلك لأنها تَكُفُّ الأذى عن البدن، والجمع كُفُوف، وأكف، مثل فلس، وفلوس، وأفلس، وهو مؤنث، قال ابن الأنبَاري: وزعم من لا يوثق به أن الكف مذكر، ولا يَعرِف تذكيرها من يوثق بعلمه، وأما قولهم: كفٌّ مُخَضَّبٌ فعلى معنى ساعِدٍ مُخَضّبٍ. أفاده الفيومي . (والرسغ) -بضم، فسكون، أو بضمتين، مثل عُسْرٍ، وعُسُرٍ- قال العجَّاج [من الرجز]: فِي رُسُغٍ لا يَتَشَكَّى الْحَوْشَبَا … مُسْتَبْطِنًا مَعَ الصَّمِيمِ عَصَبَا والجمع أرْسَاغ. وهو: مَفْصِلُ ما بين الكفّ والذراع. وقال: مُجْتَمَع الساقين والقدمين. وقيل: هو مفصِلُ ما بين الساعد والكف، والساق والقدم. وقيل: هو الموضع الْمُستَدِقُّ الذي بين الحافر ومَوْصِلِ الوَظِيف من اليد والرجل، وكذلك هو من كل دابة. أفاده ابن منظور رحمه الله تعالى . (والساعد) هو من الإنسان: ما بين المرْفَق والكفّ، وهو مذكر، سمي ساعدًا لأنه يساعد الكفّ في بطشها وعملها، والساعد هو العضد، والجمع سواعد. قاله الفيومي . والمعنى أنه -ﷺ- وضع يده اليمنى على كف اليسرى، ورسغها، وساعدها، وذلك بأن يكون وسط كفه اليمنى على الرسغ، فيلزم منه أن يكون أصل الكف على الكف، والأصابع على الساعد. والله أعلم. (فلما أراد أن يركع رفع يديه مثلها) أنث الضمير -والله أعلم- على معنى الرَّفْعَةِ، أي مثل رفعته الأولى عند الإحرام، وهي الرفع إلى الأذنين، وفي رواية بشر بن المفضل عن عاصم «رفعهما مثل ذلك»؛ أي مثل ذلك الرفع المتقدم. وفيه استحباب رفع اليدين إلى الأذنين عند الركوع، وهو المذهب الراجح، خلافًا لمن قال بعدم استحباب الرفع، وسيأتي تحقيق القول فيه في محله -٨٥/ ١٠٢٤ - إن شاء الله تعالى. (قال: ووضع يديه على ركبتيه) فيه أن السنة عند الركوع وضع اليدين على الركبتين، لا التطبيق لأنه منسوخ، وهو مذهب الجمهور، خلافًا لابن مسعود ﵁؛ حيث قال بالتطبيق، وسيأتي البحث عنه مُستوفى في محله -١/ ١٠٣٢ - إن شاء الله تعالى. (ثم لما رفع رأسه) أي من الركوع (رفع يديه مثلها) أى مثل رَفْعَتِهِ السابقة. وفيه أنه لا يستحب وضع اليمين على الشمال عند القيام من الركوع، لأنه لو كان مشروعًا لما ترك ذكره وائل ﵁، ولم يرد دليل صريح في شيء من الروايات أنه -ﷺ- كان يفعله، فتبصر. والله تعالى أعلم. (ثم سجد فجعل كفيه بحذاء أذنيه) وفي رواية بشر المذكورة: «فلما سجد وضع رأسه بذلك المنزل من يديه». يعني أنه -ﷺ- وضع رأسه بين يديه محاذيتين لأذنيه مثل ما فعل عند الإحرام. وفيه أن السنة وضع الكفين محاذيتين للأذنين (ثم قعد، وافترش رجله اليسرى) أي وضعها على الأرض، وجعلها كالفراش له يجلس عليها (ووضع كفه اليسرى على فخذه، وركبته اليسرى) أي وضع بحيث صار بعض كفه على فخذه، وبعضها على ركبته اليسرى (وجعل حد مرفقه الأيمن) أي وضع طرف مرفقه الذي من جهة الكف. والمرفق -بكسر الميم، وفتح الفاء بينهما راء ساكنة، كمِنبَر، أو بفتح الميم، وكسر الفاء كمَسجد-: موصل الذار في العضد. قاله المجد اللغوي ﵀ . (على فخذه اليمنى) متعلق بـ«جعل»؛ أي جعله مستعليًا عليها مرتفعًا عنها. و«الفخذ» -بكسر الخاء المعجمة، ككتف، ويجوز تسكينها للتخفيف، مع فتح الفاء وكسرها-: ما بين الساق والورك، مؤنث. أفاده المجد . (ثم قبض اثنين من أصابعه) هما الخنصر والبنصر (وحلق حلقة) من التحليق، أي جعل الإبهام والوسطى مثل الحلقة -بسكون اللام وقد تفتح. قال الفيومي ﵀: وحَلْقة الباب، بالسكون، من حديد وغيره، وحَلْقَة القوم الذين يجتمعون مستديرين، والْحَلْقَة السلاحُ كُلُّهُ، والجمع حَلَقٌ بفتحتين على غير قياس. وقال الأصمعي: والجمع حلَق، مثل قَصْعَة وقصَع، وَبدْرَة وبدَر. وحكى يونس عن أبي عمرو ابن العلاء أن الحَلَقَة بالفتح لغة في السكون، وعلى هذا فالجمع بحذف الهاء قياس، مثل قصبة وقصب. انتهى . (ثم رفع أصبعه) أي السبابة، لما في رواية سفيان، عن عاصم بن كليب الآتية -٣٠/ ١٢٦٤ -: «وأشار بالسبابة، يدعو بها». وفي رواية بشر المذكورة: «ورأيته يقول هكذا، وأشار بشر بالسبابة من اليمنى، وحلّق الإبهام والوسطى». قال الفيومي ﵀: «الإِصبَع» مؤنثة، وكذلك سائر أسمائها، مثل الخِنْصِر والبِنْصِر، وفي كلام ابن فارس ما يدلّ على تذكير الإِصبَع، فإنه قال: الأجود في إصبع الإنسان التأنيث. وقال الصغاني أيضًا: يذكر، ويؤنث، والغالب التأنيث. قال بعضهم: وفي الإصبع عشر لغات: تثليث الهمزة مع تثليث الباء، والعاشرة: أصْبُوع وزانُ عصْفُورٍ، والمشهور من لغاتها كسر الهمزة، وفتح الباء، وهي التي ارتضاها الفصحاء. انتهى . (يحركها) أي يحرك أصبعه التي أشار بها، وهي السبابة، (يدعو بها) جملة في محل نصب على الحال من فاعل «يحرك»، أي حال كونه داعيًا الله ﷾ بها. وفيه استحباب تحريك السبابة في حال التشهد وقت الدعاء. وقال السندي ﵀ عند قوله: «وحلّق حلقة، ورفع أصبعه» ما نصه: وقد أخذ به الجمهور، وأبو حنيفة، وصاحباه، كما نص عليه محمد في موطئه، وغيره، إلا أن بعض مشايخ المذهب أنكره، ولكن أهل التحقيق من علماء المذهب نصوا على أن قولهم مخالف للرواية والدراية، فلا عبرة به، وأما تحريك الأصبع، فقد جاء في بعض الروايات، فأخذ به قوم، إلا أن الجمهور ما أخذوا به، لخلو غالب الروايات عنه. والله تعالى أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: الصحيح استحباب التحريك في حال التشهد وقت الدعاء؛ لدلالة حديث وائل بن حجر ﵁ هذا عليه، وإنما قلت: وقت الدعاء؛ لقوله: «يدعو بها». ثم إن استحباب التحريك يكون في بعض الأوقات، لا مطلقًا؛ لأن جمهور الصحابة الذين نقلوا صلاته -ﷺ- ما أثبتوها، مع دقة وصفهم لصلاته، ووائل إنما رآه في بعض الأوقات، كما يدل قوله: «لأنظرن إلى صلاة رسول الله -ﷺ-»، ثم وصف صلاته، وقال: «فرأيته يحركها»، أي في ذلك الوقت، فدل على أنه -ﷺ- عمل به في بعض الأوقات، لا مطلقًا، وهذا مثل قولنا باستحباب زيادة «وبركاته» في السلام من الصلاة، لثبوتها في حديث وائل، وغيره، كما يأتي في محله، فإنه يكون في بعض الأوقات، لا دائمًا. وسيأتي تحقيق القول في ذلك في محله -٩٩/ ١١٦١ - و-٧٠/ ١٣١٩ - إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه الرجع والمآب. وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث وائل بن حجر هذا صحيح. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١١/ ٨٨٩ - وفي «الكبرى» -١١/ ٩٦٣ - عن سويد ابن نصر، عن ابن المبارك، عن زائدة، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عنه. و٤٩/ ١١٠٢ - عن أحمد بن ناصح، عن عبد الله بن إدريس، عن عاصم، نجه مختصرا. و٩٧/ ١١٥٩ - عن محمد بن عبد الله بن يزيد المقرىء، عن سفيان، عن عاصم به. و-٢٩/ ١٢٦٣ - و«الكبرى» -٦٤/ ١١٨٦ - عن قتيبة، عن سفيان بن عيينة، عن عاصم به. و٣٠/ ١٢٦٤، و«الكبرى» -٦٥/ ١١٨٧ - عن محمد بن علي بن ميمون الرَّقِّيّ، عن محمد بن يوسف الفِرْيابي، عن سفيان الثوري به. ٣١/ ١٢٦٥ - و«الكبرى»- ٦٦/ ١١٨٨ عن إسماعيل بن مسعود، عن بشر بن المفضل، عن عاصم به. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه أبو داود في «الصلاة» عن مسدد، عن بشر بن المفضل، به. وعن الحسن بن علي، عن أبي الوليد، عن زائدة به. والترمذي فيه عن أبي كريب، عن عبد الله بن إدريس، به. وابن ماجه فيه عن علي بن محمد، عن عبد الله بن إدريس به. والحميدي رقم ٨٨٥، وأحمد جـ ٤/ ص ٣١٦ و٣١٧ و٣١٨ و٣١٩، والدارمي رقم ١٣٦٤، والبخاري في جزء رفع اليدين رقم ٢٦ و٣٠ و٧١، وابن خزيمة: ٤٧٧ و٦٤١ و٦٩٠ و٤٧٨ و٧١٤ و٤٧٩ و٤٨٥ و٧١٣ و٦٩١ و٦٩٧ و٦٩٨. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف ﵀ وهو بيان موضع اليمين من الشمال في حال القيام للصلاة، وهو الكف والرسغ والساعد، وقد ثبت في رواية أخرى مشروعية القبض أيضًا كما تقدم أول الباب، فيعمل بهما في أوقات مختلفة. ومنها: حرص الصحابة ﵃ في نقل صفة الصلاة عن النبي -ﷺ-. ومنها: مشروعية القيام للصلاة. ومنها: مشروعية التكبير في الدخول إلى الصلاة، وقد تقدم أنه لا يجزىء غيره عند جمهور أهل العلم، وخلاف ذلك مذهب باطل. ومنها: استحباب رفع اليدين عند الإحرام، وعند الركوع، وعند الرفع منه، وقد تقدم قول ابن حزم بوجوبه عند الإحرام، ولا يخالف في استحباب ما عدا ذلك. ومنها: وضع اليدين على الركبتين في الركوع، وسيأتي الكلام عليه في محله إن شاء الله تعالى. ومنها: مشروعية السجود، واستحباب وضع الكفين بحذاء الأذنين. ومنها: مشروعية القعود للتشهد، واستحباب افتراش رجله اليسرى، والجلوس عليها وهذا بالنسبة للتشهد الأول، وأما الثاني ففيه التورك، كما يأتي في محله. ومنها: استحباب وضع كفه اليسرى على فخذه اليسرى، وجعل حد المرفق الأيمن على الفخذ اليمنى، واستحباب قبض الخنصر والبنصر، وتحليق الإبهام والوسطى، والإشارة بالسبابة، وتحريكها داعيًا بها. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. ***
مصادر المؤلف (٨٢)

١. راجع المصباح جـ ١ ص ٦٤، والمختار ص ٢٧.

٢. «تت» جـ ٩ ص ٧٣ - ٧٤. «ت» ٣٩١.

٣. «الحناط» بالمهملة، والنون.

٤. «الخشبي» بفتح الخاء، والشين المعجمتين، وفي آخره الباء الموحدة -نسبة إلى الخشبية، وهم طائفة من الشيعة، يقال لكل واحد منهم: خشبي. اهـ اللباب. جـ ١ ص ٤٤٤ - ٤٤٥.

٥. «تت» جـ ٨ ص ٣٠٠ - ٣٠٢. «ت» ٢٧٧.

٦. المصباح جـ ١ ص ٣٠٦.

٧. قال في المغني: بكسر السين وفتحها، وسكون الميم، وإهمال العين. اهـ من هامش «تت» جـ ٤ ص ٤٥.

٨. «تت» جـ ٤ ص ٤٥. «ت» جـ ٦ ص ١٢٣.

٩. عمدة القاري جـ ٤ ص ١٥٩.

١٠. نيل الأوطار جـ ٣ ص ٩.

١١. تحفة الأحوذي جـ ٢ ص ٤٤.

١٢. المصباح جـ ٢ ص ٦٤١.

١٣. فتح جـ ٢ ص ٥٢٢ - ٥٢٣.

١٤. راجع تحفة الأحوذي جـ ٢ ص ٤٢ - ٤٤.

١٥. فتح جـ ٢ ص ٥٣٢.

١٦. المصدر السابق.

١٧. راجع المنهل العذب الورود جـ ٥ ص ٣٥٠.

١٨. فتح جـ ٢ ص ٥٣٦ - ٥٣٧.

١٩. جـ ٢ ص ٥٣٤.

٢٠. فتح جـ ٢ ص ٥٣٤.

٢١. المصدر السابق جـ ٢ ص ٥٣٤ - ٥٣٥.

٢٢. راجع الكبرى جـ ١ ص ٣٠٨.

٢٣. فتح جـ ٢ ص ٥٣٥.

٢٤. راجع الفتح جـ ٢ ص ٤٥٥.

٢٥. الأوسط جـ ٣ ص ٧٥ - ٧٨.

٢٦. حديث علي وأبي سعيد ﵄ صحيحان. انظر: صحيح الترمذي للشيخ الألباني جـ ١ ص ٤ وص ٧٦.

٢٧. الاستذكار جـ ٤ ص ١٢٣ - ١٣٢.

٢٨. الظاهر أنه إبراهيم بن إسماعيل، لا إسماعيل بن علية، بل ولده، وقال عنه الذهبي في الميزان: إبراهيم بن إسماعيل بن علية، جهمي هالك، كان يناظر، ويقول بخلق القرآن. مات سنة ٢١٨.

٢٩. يعني المجد بن تيمية صاحب المنتقى.

٣٠. نيل الأوطار جـ ٣ ص ٤ - ٦.

٣١. أي في تحريم فعله في الصلاة. اهـ العدة جـ ٢ ص ٣٦١.

٣٢. «إحكام الأحكام »جـ ٢ ص ٣٥٨ - ٣٦٦ نسخة«العدة».

٣٣. فتح جـ ٢ ص ٣٥٣.

٣٤. المصدر السابق جـ ٢ ص ٥٣٦.

٣٥. بفتح أوله، وتشديد الميم، آخره لام. اهـ «ت». ص ٩١.

٣٦. «تك» جـ ٢٢ ص ٤٥٣ - ٤٦١. «تت» جـ ٨ ص ١٧١ - ١٧٣. «ت» ص ٢٦٧.

٣٧. المرقاة جـ ٢ ص ٣٣٢ - ٣٣٣.

٣٨. المنهل العذب المورود جـ ٥ ص ١٧٢ - ١٧٤.

٣٩. لسان العرب جـ ٣ ص ١٩١٤.

٤٠. مرقاة جـ ٢ ص ٥٤.

٤١. شرح مسلم جـ ٥ ص ٩٧.

٤٢. «تك» جـ ٢ ص ٣٥٨ - ٤٦٠. «تت» جـ ٩ ص ٢١٨. «ت» ص ٣٠١.

٤٣. انظر «ت» ص ٣٠١. «صه» ص ٣٤٠ - ٣٤١. «تاج العروس» جـ ٢ ص ٥٦٤.

٤٤. السَّفود كتَنُّور: حديدة يشوى بها. اهـ «ق».

٤٥. المصباح المنير في غريب الشرح الكبير جـ ٢ ص ٥٧٠.

٤٦. «عمير» بصيغة التصغير.

٤٧. «تت» جـ ١٠ ص ٣٦٤. «ت» ص ٣٥٢.

٤٨. بصيغة التصغير.

٤٩. «تت» جـ ٨ ص ٣٩٨. «ت» ص ٢٨٣.

٥٠. «تت» جـ ٧ ص ٢٨٠.

٥١. انظر هامش «تك» جـ ٢٠ ص ٣١٣.

٥٢. فتح جـ ٢ ص ٤٦٤.

٥٣. الأوسط جـ ٣ ص ٩٢ - ٩٣.

٥٤. فتح جـ ٢ ص ٤٦٤ - ٤٦٥.

٥٥. «التمهيد» جـ ٢٠ ص ٧٤ - ٧٦.

٥٦. نيل الأوطار جـ ٣ ص ٢٢ - ٢٣.

٥٧. نيل الأوطار جـ ٣ ص ٢٣ - ٢٤.

٥٨. هكذا نسخة التحفة: ولعل الصواب في مبسوطه.

٥٩. القائل المباركفوري ﵀.

٦٠. القائل المباركفوري ﵀.

٦١. قال الجامع: قوله: ويستدل علماؤنا إلى قوله: غير وثيقة. لم أر هذا الكلام للعيني في شرحه على البخاري، فليحرر.

٦٢. وقال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره: وقيل: المراد بقوله: ﴿وَانْحَرْ﴾ وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى تحت النحر. يروى هذا عن علي، ولا يصح. وعن الشعبي مثله. انتهى. تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٥٩٧.

٦٣. مجمع الزوائد جـ ٢ ص ١٠٥.

٦٤. تحفة الأحوذي جـ ٢ ص ٨٣ - ٩٣.

٦٥. «تت» جـ ٢ ص ٢٠١. «ت» ص ٦٤.

٦٦. «الكبرى» جـ ١ ص ٣١٠.

٦٧. انظر التعليق المغني على الدارقطني جـ ١ ص ٢٨٧.

٦٨. نبه على ذلك الشيخ الألباني في صفة صلاة النبي -ﷺ-. ص ٦١ الطبعة -١٤ - .

٦٩. «تت» جـ ٥ ص ٥٣ - ٥٤. «ت» ص ١٦٠.

٧٠. «تت» جـ ٨ ص ٤٤٥ - ٤٤٦.

٧١. انظر المصباح المنير جـ ٢ ص ٦١٢.

٧٢. ذكر مثل هذا الإعراب العلامة ابن هشام الأنصاري ﵀ في «مغني اللبيب» جـ ١ ص ١٧٤ بنسخة حاشية الأمير عند الكلام على إعراب قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ﴾.

٧٣. انظر: المصباح المنير جـ ٢ ص ٥٣٥.

٧٤. «الحوشب»: موصل الوظيف في رسغ الدابة، أو عظم في باطن الحافر بين العصب والوظيف، وقيل غير ذلك. راجع «ق» ص ٩٥. والصميم: العظم الذي به قوام العضو. اهـ «ق» أيضًا ص ١٤٥٩. طبعة مؤسسة الرسالة.

٧٥. «الوظيف»: مستدقّ الذراع والساق. اهـ «ق». ص ١١١١.

٧٦. لسان العرب جـ ٣ ص ١٦٤٢.

٧٧. المصباح جـ ١ ص ٢٧٧.

٧٨. «ق» ص ١١٤٥ طبعة مؤسسة الرسالة.

٧٩. المصدر السابق ص ٤٢٩.

٨٠. المصباح جـ ١ ص ١٤٦ - ١٤٧.

٨١. المصدر السابق جـ ١ ص ٣٣٢.

٨٢. شرح السندي جـ ٢ ص ١٢٧.