HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٨٩٥

أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ سَكَتَ هُنَيْهَةً، فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، مَا تَقُولُ فِي سُكُوتِكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ؟ قَالَ: أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص296
  • زبير علي زئي:صحيح
ج ٢ ص ١٢٨

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي, صحيح البخاري وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١١ ص٣٣٢
١٥ - بَابُ الدُّعَاءِ بَيْنِ التَّكْبِيرَةِ وَالْقِرَاءَةِ أي هذا باب مشروعية الدعاء بين تكبيرة الإحرم وبين قراءة الفاتحة، وقد ذكر ﵀ في هذا الكتاب سبعة أنواع من الذكر الذي يقال بين التكبير والقراءة، فقد تقدم له في ٨/ ٨٨٥ وهذا ثاني الأنواع، و«الدعاء»: الابتهال. يقال: دعوت الله أدعوه دُعاءً: ابْتَهَلْتُ إليه بالسؤال، ورَغِبْتُ فيما عنده من الخير. قاله الفيومي . والله تعالى أعلم. ٨٩٥ - أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ، قَالَ: أَنْبَأَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - إِذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ سَكَتَ هُنَيْهَةً، فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَقُولُ فِي سُكُوتِكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ؟ قَالَ: «أَقُولُ اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْني وَبَيْنَ خَطَايَايَ، كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ». رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (علي بن حجر) السعدي المروزي، نزيل بغداد، ثم مرو، مات سنة ٢٤٤، ثقة حافظ، من صغار [٩]، أخرج له البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، تقدم في ١٣/ ١٣. ٢ - (جرير) بن عبد الحميد الضبي الكوفي نزيل الرَّيِّ، مات سنة ١٨٨، ثقة، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢/ ٢. والباقون تقدموا في الباب الماضي. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن أبي هريرة) ﵁ أنه (قال: كان رسول الله - ﷺ - إِذا افتتح الصلاة) أي ابتدأها بالتكبير (سكت هنيهة) أي ساعة لطيفة، وهي تصغير هَنْت. وفيه أوجه: الأول: «هُنَيْهَةٌ» -بضم الهاء، وفتح النون، وسكون الياء، بعدها هاء مفتوحة. والثاني: «هُنَيَّةٌ» -بضم الهاء، وفتح النون، وتشديد الياء. وأصلها هَنْوَة، فلما صغرت صارت هُنَيْوَةً، فاجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء، ثم أدغمت. كما قال ابن مالك ﵀ في «خلاصته»: إِنْ يَسْكُنِ السَّابِقُ مِنْ وَاوٍ وَيَا … وَاتَّصَلَا وَمِن عُرُوضٍ عَرِيَا فَيَاءً الْوَاوَ اقْلِبَنَّ مُدْغِمًا … وَشَذَّ مُعْطًى غَيْرَ مَا قَدْ رُسِمَا والثالث: «هُنَيْئَة» -بالهمز بدل الهاء الثانية، قال القاضي عياض، والقرطبي: إن أكثر رواة مسلم قالوه بالهمزة، وأما النووي فقال: الهمز خطأ. وقال غيره: لا يمنع، فقد تقلب الياء همزة. وقد تقدم تمام البحث في أوائل الكتاب، في شرح الحديث ٤٨/ ٦٠ فراجعه تزدد علمًا. والمراد بالسكوت هنا عدم الجهر، لا عن مطلق القول، أو عن قراءة القرآن، لا عن الذكر، وإلا فالسكوت الحقيقي ينافي القول، فلا يتأتى السؤال بقوله: ما تقول في سكوتك؟. (فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله) الجار والمجرور متعلق بمحذوف، إما اسمٍ، فيكون تقديره: أنت مَفْديّ بأبي وأمي، وإما فعلٍ، فالتقدير: فديتك بأبي، وحذف تخفيفًا لكَثرة الاستعمال، وعلمِ المخاطب به، فلما حذف الفعل انفصل الضمير. وفيه تفدية النبي - ﷺ - بالآباء والأمهات، ويجوز تفدية غيره أيضًا، وليس خاصًا به، وفيه خلاف تقدم بيانه في الباب المذكور. (ما تقول في سكوتك بين التكبير والقراءة) «ما» استفهامية؛ أي أيَّ شيء تقول في حال سكوتك بين التكبير وقراءة الفاتحة. قال الإمام ابن دقيق العيد ﵀: قوله: «ما تقول» يشعر بأنه فهم أن هناك قولًا، فإن السؤال وقع بقوله: «ما تقول»، ولم يقع بقوله: «هل تقول»، والسؤال بـ«هل» مقدم على السؤال بـ «ما» هنا، ولعله استدل على أصل القول بحركة الفم، كما ورد في استدلالهم على القراءة في السر باضطراب لحيته. انتهى كلام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى . (قال:) - ﷺ - (أقول) بينهما (اللهم) أي يا الله (باعد) أي أبعد، قال الكرماني ﵀: أخرجه إلى صيغة المفاعلة للمبالغة (بيني وبين خطاياي) جمع خطيئة، كالعطايا جمع عطية، يقال: خطأ في دينه خَطَأ: إذا أثم فيه. والخِطْأ بالكسر الذنب. وقد تقدم بيان تصريف هذه الكلمة في الباب المذكور، فراجعه. وإنما كرر «بين» في قوله: «بيني وبين خطاياي»، ولم يكرره في قوله الآتي: «بين المشرق والمغرب» لأنه إذا عطف على الضمير المجرور يلزم إعادة الجار عند جمهور النحاة، خلافًا لابن مالك ﵀ كما قال في «خلاصته»: وَعَوْدُ خَافِضٍ لَدَى عَطْفٍ عَلَى … ضَمِيرِ خَفْضٍ لازِمًا قَدْ جُعِلَا وَلَيْسَ عِنْدِي لازِمًا إِذْ قَدْ أَتَى … فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ الصَّحِيحِ مُثْبَتَا (كما باعدت بين الشرق والمغرب) «ما» مصدرية، أي كمباعدتك بين المشرق والمغرب، ووجه التشبيه أن التقاء المشرق والمغرب لما كان مستحيلًا شبه أن يكون اقترابه من الذنب كاقتراب المشرق من المغرب. قال ابن دقيق العيد ﵀: قوله: «اللهم باعد بيني إلخ» عبارة: إما عن محوها، وترك المؤاخذة بها، وإما عن المنع من وقوعها، والعصمة منها. وفيه مجازان: أحدهما: استعمال المباعدة في ترك المؤاخذة، أو في العصمة منها، والمباعدة في الزمان، أو في المكان في الأصل. والثاني: استعمال المباعدة في الإزالة الكلية، فإن أصلها لا يقتضي الزوال. وليس المراد ها هنا البقاء مع البعد، ولا ما يطابقه من المجاز، وإنما المراد الإزالة بالكلية، وكذلك التشبيه بالمباعدة بين المشرق والمغرب المقصود منه ترك المؤاخذة، أو العصمة. انتهى . (اللهم نقني) بتشديد القاف، أمر من التنقية، كناية عن الإزالة والمحو (من خطاياي) وفي رواية البخاري «من الحطايا» (كما ينقى الثوب الأبيض) أي طهرني من خطاياي، وأزلها عني، كما يطهر الثوب الأبيض من (الدنس) بفتحتين- أي الوَسَخْ. وهو مجاز عن زوال الذنوب وأثرها، ولما كان ذلك أظهر في الثوب الأبيض من غيره من الألوان وقع التشبيه به. قاله ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى. (اللهم اغسلني من خطاياي بالماء، والثلج) -بفتح فسكون-: ماء ينزل من السماء، ثم ينعقد على وجه الأرض، ثم يذوب بعد جموده، (والبرد) -بفتحتين-: حَبُّ الغَمَام، ماء ينزل من السماء جامد كالملح، ثم يذوب على الأرض. أي طهرني من ذنوبي بأنواع المغفرة التي هي في تمحيص الذنوب بمثابة هذه الأنواع الثلاثة في إزالة الوسخ. وقال ابن دقيق العيد ﵀: وقوله: «اللهم اغسلني … إلخ» يحتمل أمرين- بعد كونه مجازًا عما ذكرناه: أحدهما: أن يراد بذلك التعبير عن غاية المحو، أعني بالمجموع، فإنا الثوب الذي تتكرر عليه التنقية بثلاثة أشياء يكون في غاية النقاء. الوجه الثاني: أن يكون كل واحد من هذا الأشياء مجازًا عن صفة يقع بها التكفير والمحو، ولعل ذلك كقوله تعالى: ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. فكل واحدة من هذه الصفات -أعني العفو، والمغفرة، والرحمة- لها أثرها في محو الذنب، فعلى هذا الوجه ينظر إلى الأفراد، ويجعل كل فرد من أفراد الحقيقة دالًا على معنى فرد مجازي، وفي الوجه الأول لا ينظر إلى أفراد الألفاظ، بل تجعل جملة اللفظ دالة على غاية المحو للذنب. انتهى . وقد تقدم البحث في هذا مطولًا برقم -٤٨/ ٦٠ - فراجعه تستفد. وبالله تعالى التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -١٥/ ٨٩٥ - و٤٨/ ٦٠ - وفي «الكبرى» -١٥/ ٩٦٩ - و٤٢/ ٦٠ - عن علي بن حجر، عن جرير بن عبد الحميد، عن عمارة ابن القعقاع، عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير، عنه. وفي ١٤/ ٨٩٤ - و«الكبرى» -١٤/ ٩٦٨ - عن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن سفيان، عن عمارة به. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري في «الصلاة» عن موسى بن إسماعيل، عن عبد الواحد بن زياد، عن عمارة به. ومسلم فيه عن زهير بن حرب، عن جرير به. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، وابن نمير، كلاهما عن محمد ابن فضيل - وعن أبي كامل، عن عبد الواحد بن زياد كلاهما عن عمارة به. وأبو داود فيه عن أحمد بن أبي شعيب، عن محمد بن فضيل به. وعن أبي كامل به. وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعلي ابن محمد كلاهما عن محمد بن فضيل به. وأحمد جـ ٢ ص ٢٣١ و٤٤٨ و٤٤٩، والدارمي رقم ١٢٤٧، وابن خ زيمة ٤٦٥ و١٥٧٩ و١٦٣٠.والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، مشروعية الدعاء بين التكبير والقراءة، وفيه خلاف سيأتي الكلام عليه في المسألة التالية. ومنها: جواز الدعاء في الصلاة بما ليس في القرآن، خلافًا للحنفية. ومنها: ما قيل: إن هذا الدعاء صدر منه - ﷺ - على سبيل المبالغة في إظهار العبودية. وقيل: قاله على سبيل التعليم لأمته. واعترض بكونه لو أراد ذلك لجهر به، وأجيب بورود الأمر بذلك في حديث سمرة عند البزار. ومنها: ما كان عليه الصحابة ﵃ من المحافظة على تتبع أحوال النبي - ﷺ - في حركاته، وسكناته، وإسراره، وإعلانه حتى حفظ الله بهم الدين. ومنها: أنه يدل على جواز الطهارة بماء الثلج والبرد، وقد تقدم هذا للمصنف في الباب الذي مر ذكره، قال في الفتح: واستبعده ابن عبد السلام. وأبعد منه استدلال بعض الحنفية به على نجاسة الماء المستعمل. انتهى . والله تعالى أعلم. المسألة الخامسة: في بيان اختلاف أهل العلم في دعاء الاستفتاح: قال الإمام النووي ﵀ في «شرح مسلم»: وفي حديث أبي هريرة ﵁ هذا دليل للشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد، والجمهور رحمهم الله تعالى أنه يستحب دعاء الافتتاح، وجاءت فيه أحاديث كثيرة في الصحيح. وقال مالك ﵁: لا يستحب دعاء الافتتاح بعد تكبيرة الإحرام، ودليل الجمهور هذه الأحاديث الصحيحة. انتهى . وفي «شرح المهذب»: فيستحب لكل مصلّ، من إمام، ومأموم، ومنفرد، وامرأة، وصبي، ومسافر، ومفترض، ومتنفل، وقاعد، ومضطجع، وغيرهم أن يأتي بدعاء الاستفتاح، وقال أيضًا: أما الاستفتاح فقال باستحبابه جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم، ولا يُعرف من خالف فيه إلا مالك ﵀، فقال: لا يأتي بدعاء الاستفتاح، ولا بشيء بين القراءة والتكبير أصلًا، بل يقول: الله أكبر ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] إلى آخر الفاتحة. واحتُجَّ له بحديث المسيء صلاته، فإنه ليس فيه استفتاح، وقد يُحتَجّ له بحديث أنس «كان رسول الله - ﷺ -، وأبو بكر، وعمر ﵄ يفتتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾» [الفاتحة: ٢] متفق عليه، ويأتي للمصنف -٢٠/ ٩٠٣. ودليلنا الأحاديث الصحيحة، ولا جواب له عن واحد منها، والجواب عن حديث المسيء صلاته أن النبي - ﷺ - إنما علمه الفرائض فقط، وليس هذا منها، والجواب عن حديث أنس ﵁ أن المراد يفتتحون القراءة، كما في رواية مسلم، ومعناه أنهم يقرأون الفاتحة قبل السورة، وليس المقصود أنه لا يأتي بدعاء الاستفتاح، وقد بَيَّنَه حديث عائشة ﵂ «كان رسول الله - ﷺ - يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، متفق عليه. وكيف كان فليس فيه تصريح بنفي دعاء الاستفتاح، ولو صرح بنفيه كانت الأحاديث الصحيحة التظاهرة بإثباته مقدمة، لأنها زيادة ثقات، ولأنها إثبات، وهو مقدم على النفي. والله أعلم. وأما ما يستفتح به فيستفتح بـ«وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض»إلخ. الآتي -١٧/ ٨٩٧ - وبه قال علي بن أبي طالب، وقال عمر بن الخطاب، وابن مسعود، والأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، وإسحاق، وداود: يستفتح بـ«سبحانك اللهم وبحمدك»إلخ الآتي ١٨/ ٨٩٩ - ولا يأتي بـ«وجهت وجهي». وقال أبو يوسف: يجمع بينهما، ويبدأ بأيهما شاء، وهو قول أبي إسحاق المروزيّ، والقاضي أبي حامد من أصحاب الشافعي. قال ابن المنذر: أيّ ذلك قال أجزأه، وأنا إلى حديث«وجهت وجهي»أميل. قال النووي: دليلنا أنه لم يثبت عن النبي - ﷺ - في الاستفتاح بـ«سبحانك اللهم شيء ، وثبت »وجهت وجهي«، فتعين اعتماده، والعمل به. والله أعلم. انتهى كلام النووي ﵀ ببعض تصرف . وقال الإمام أبو بكر ابن المنذر ﵀: بعد ذكره أنواعًا من دعاء الاستفتاح - ما نصه: قد اختلف أهل العلم في هذا الباب، فكان سفيان الثوري، وأحمد، وإسحاق، وأصحاب الرأي يقولون بالذي رويناه عن عمر، وابن مسعود ﵃. وكان الشافعي يقول: بحديث عبيد الله بن أبي رافع، عن علي. وكان أبو ثور يقول: أيّ ذلك قال يجزيه، مثل قوله: «سبحانك اللهم وبحمدك»، ومثل «وجهت وجهي»، ومثل قوله: «الله أكبر كبيرًا»، وما أشبه ذلك. فأما مالك بن أنس، فإنه كان لا يرى أن يقال شيء من ذلك، ولا يستعمل منها شيء، إنما يكبر، ويقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]. قال أبو بكر: والذي ذكرناه هو من الاختلاف المباح الذي من عمل به بشيء منه أجزأه، ولو ترك ذلك كله ما كانت عليه إعادة، ولا سجود سهو، وأصح ذلك إسنادًا حديث علي، فإن لم يقله فكالذي روي عن عمر، وابن مسعود - يعني «سبحانك اللهم وبحمدك». انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى . قال الجامع عفا الله عنه: بل الأصح في دعاء الاستفتاح ما جاء في حديث أبي هريرة المذكور في الباب، وهو «اللهم باعد بيني وبين خطاياي … إلخ» المتفق عليه، وأما «وجهت وجهي» الذي في حديث علي ﵁، فأخرجه مسلم فقط. فتبصر. والله تعالى أعلم. وقال الحافظ ﵀: ونقل الساجي عن الشافعي استحباب الجمع بين التوجيه والتسبيح، وهو اختيار ابن خزيمة، وجماعة من الشافعية، وحديث أبي هريرة ﵁ أصح ما ورد في ذلك انتهى . وقال المجد ابن تيمية ﵀ في «المنتقى»: واختيار هؤلاء الصحابة- يعني الذين ذكر أنهم يستفتحون بـ «سبحانك اللهم»، وجهرُ عمر به أحيانًا بمحضر من الصحابة ليتعلمه الناس، مع أن السنة إخفاؤه يدل على أنه الأفضل، وأنه الذي كان النبي - ﷺ - يداوم عليه غالبًا، وإن استفتح بما رواه علي، أو أبو هريرة فحسن، لصحة الرواية انتهى. قال العلامة الشوكاني ﵀: ولا يخفى أن ما صح عن النبي - ﷺ - أولى بالإيثار والاختيار، وأصح ما روي في الاستفتاح حديث أبي هريرة -يعني حديث الباب- ثم حديث علي -يعني الآتي بعد باب -١٧/ ٨٩٧ - وأما حديث عائشة -يعني حديثها في استفتاح النبي - ﷺ - بـ«سبحانك اللهم» ففيه مقال. وكذا حديث أبي سعيد الآتي ١٨/ ٨٩٩ - فيه مقال أيضًا. قال الإمام أحمد ﵀: أما أنا فأذهب إلى ما روي عن عمر، ولو أن رجلًا استفتح ببعض ما روي كان حسنًا. وقال ابن خزيمة ﵀: لا أعلم في الافتتاح بـ«سبحانك اللهم» خبرًا ثابتًا، وأحسن أسانيده حديث أبي سعيد، ثم قال: لا نعلم أحدًا، ولا سمعنا به استعمل هذا الحديث على وجهه. انتهى كلام الشوكاني رحمه الله تعالى ببعض تصرف . قال الجامع عفا الله عنه: حاصل ما تقدم أن دعوات الاستفتاح التي ثبتت عن رسول الله - ﷺ - كما في حديث الباب، وأحاديث الأبواب الآتية ١٦ و١٧ و١٨ و١٩ وغيرها، يستحب استعمالها في الفرائض والنوافل، فإن تيسر للمصلي الجمع بينهما فحسن، وإن اقتصر على بعضها فحسن، وأصحها ما في حديث الباب، ويليه حديث علي «وجهت وجهي» الآتي ١٧/ ٨٩٧، ويليه «سبحانك اللهم» الآتي ١٨/ ٨٩٩. وأما قول مالك ﵀ بعدم مشروعية ذلك فقد عرفت الرد عليه في كلام النووي رحمه الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
مصادر المؤلف (١١)

١. المصباح المنير جـ ١ ص ١٩٤.

٢. إحكام الأحكام جـ ٢ ص ٢٦٨ - ٢٦٩. نسخة الحاشية.

٣. «المصدر السابق» جـ ٢ ص ٢٦٩ - ٢٧٠.

٤. المصدر السابق جـ ٢ ص ٢٧٠ - ٢٧١.

٥. فتح جـ ٢ ص ٤٧٢.

٦. شرح مسلم جـ ٥ ص ٩٦ - ٩٧.

٧. سيأتي الكلام على الحديث، وأنه صحيح بمجموع طرقه، راجع حديث أبي سعيد الخدري ﵁ الآتي برقم ١٨/ ٨٩٩.

٨. «المجموع» جـ ٣ ص ٣٢١ - ٣٢٢.

٩. الأوسط جـ ٣ ص ٨٥ - ٨٦.

١٠. فتح جـ ٢ ص ٤٧٢.

١١. «نيل الأوطار» جـ ٣ ص ٣٦.