١٦ - نَوْعٌ آخَرُ مِن الدُّعَاءِ بَيْن التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ
أي هذا باب في ذكر الحديث المبين لنوع آخر من الدعاء الذي يقرأ بين تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة، وهذا ثالث الأنواع.
٨٩٦ - أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ يَزِيدَ الْحَضْرَمِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا اسْتَفْتَحَ الصَّلَاةَ كَبَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ صَلَاتِي، وَنُسُكِي، وَمَحْيَايَ، وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَا شَرِيكَ لَهُ، وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ، وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ اهْدِنِي لأَحْسَنِ الأَعْمَالِ، وَأَحْسَنِ الأَخْلَاقِ، لَا يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ، وَقِنِي سَيِّئَ الأَعْمَال، وَسَيِّئَ الأَخْلَاقِ، لَا يَقِى سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ».
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (عمرو بن عثمان بن سعيد) بن كثير بن دينار القرشي مولاهم، أبو حفص الحمصي، مات سنة ٢٥٠، صدوق، من [١٠]،
أخرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، تقدم في ٢١/ ٥٣٥.
٢ - (شريح بن يزيد الحَضْرَمِيّ) أبو حيوة الحمصي المؤذن، مات سنة ٢٠٣، من [٩].
قال الذهبي في «الكاشف»: ثقة. وقال في «صه»: وثقه ابن حبان. انفرد به أبو داود، والمصنف.
٣ - (شعيب بن أبي حمزة) دينار الأموي مولاهم، أبو بشر الحمصي، مات سنة ١٦٢ أو بعدها، ثقة عابد، من [٧]، أخرج له
الجماعة، تقدم في ٦٩/ ٨٥.
٤ - (محمد بن المنكدر) بن عبد الله بن الهُدَير التيمي المدني، مات سنة ١٣٠ أو بعدها، ثقة فاضل، من [٣]، تقدم في ١٠٣/ ١٣٨.
٥ - (جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاري السَّلَمِي ﵄، تقدم في ٣١/ ٣٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف، وأن رواته كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا شيخه، فما أخرج له الشيخان، والترمذي، وإلا شريحًا، فانفرد به هو، وأبو داود، وأن الثلاثة الأولين حمصيون، وابن المنكدر مدني، وجابر مدني، وقد سكن مكة أيضًا، ولذا قال المصنف ﵀ في «الكبرى» عقب هذا الحديث- ما نصه:
قال أبو عبد الرحمن: هو حديث حمصي، رجع إلى المدينة، ثم
إلى مكة. انتهى .
قال الجامع عفا الله عنه: أراد بذلك أنه حديث رواه ثلاثة من الحمصيين، وهم: عمرو بن عثمان، وشريح بن يزيد، وشعيب بن أبي
حمزة، ثم انتقل إلى المدينة حيث رواه محمد بن المنكدر، وجابر، ثم إلى مكة، حيث رواه جابر ﵁، فإنه سكن مكة، كما صرح بذلك البخاري، ففي «شرح علل الترمذي» للحافظ ابن رجب ﵀- ما نصه: وقال -يعني البخاري- في تاريخه: قال لنا مسدد، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان: جاورت جابرًا بمكة ستة أشهر. انتهى. جـ٢ ص ٨٥٢.
ومنها: أن جابرًا ﵁ أحد المكثرين السبعة، روى ١٥٤٠ حديثًا. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن جابر بن عبد الله) ﵄ أنه (قال: كان النبي - ﷺ - إِذا استفتح الصلاة) أي ابتدأها، وليست السين والتاء للطلب، وفي نسخة: «إذا افتتح الصلاة» (كبر) أي قال: «الله أكبر» (ثم قال: «إِن صلاتي) قال الأزهري: الصلاة اسم جامع للتكبير، والقراءة، والركوع، والسجود، والدعاء، والتشهد، وغيرها،
(ونسكي) بضمتين - وهو كما قال الأزهري: العبادة، والناسك الذي يخلص عبادته لله تعالى، وأصله من النسيكة، وهي النقرة الخالصة المذَابة المُصَفَّاة من كل خلط، والنسيكة أيضًا القربان الذي يتقرب به إلى الله تعالى. وقيل: النسك ما أمر به الشرع.
(ومحياي ومماتي) أي حياتي وموتي، ويجوز فيهما فتح الياء، وإسكانها، والأكثرون على فتح محياي، وإسكان مماتي.
(لله رب العالمين) الجار والمجرور خبر«إن»، و«رب»صفة لـ«لله». قال الواحدي وغيره: هذه لام الإضافة، ولها معنيان: الملك، كقولك: المال لزيد، والاستحقاق، كالسرج للفرس، وكلاهما مراد هنا.
وقال النووي ﵀: وفي معنى«رب» أربعة أقوال، حكاها الماوردي وغيره: المالك، والسيد، والمدبر، والمربي. قال: فإن وصف الله تعالى بأنه رب، أو مالك، أو سيد، فهو من صفات الذات، وإن قيل: لأنه مدبر خلقه، أو مربيهم، فهو من صفات فعله. قال: ومتى أدخلتَ عليه الألفَ واللام فهو مختص بالله تعالى، دون خلقه، وإن حذفتها كان مشتركًا، فتقولى: رب العالمين، ورب الدار.
وأما العالمون فجمع عالم، والعالم لا واحد له من لفظه. واختلف العلماء في حقيقته؛ فقال المتكلمون، وجماعات من أهل اللغة
والمفسرون: العالم كل المخلوقات. وقال جماعة: هم الملائكة، والإنس، والجن. وقيل: أربعة أنواع: الملائكة، والإنس، والجن،
والشياطين. قاله أبو عبيدة، والفراء. وقيل: بنو آدم. قاله الحسن بن الفضل، وأبو معاذ النحوي. وقال آخرون: هو الدنيا، وما فيها.
قال الواحدي: اختلفوا في اشتقاق العالم، فقيل: مشتق من العلامة، لأن كل مخلوق دلالة وعلامة على وجود صانعه، كالعالم اسم لجميع المخلوقات، ودليله استعمال الناس في قولهم: العالم محدث. وهذا قول الحسن، ومجاهد، وقتادة، ودليله من القرآن قوله ﷿: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الشعراء: ٢٣ - ٢٤]. وقيل: مشتق من العلْمِ، فالعالمون على هذا مَنْ يعقل خاصة. قاله ابن عباس، واختارهَ أبو الهيثم، والأزهري، لقول الله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] .
(لا شريك له) جملة في محل نصب على الحال من «الله»، أي حال كونه غير مشارك في الصلاة، والنسك، والمحيا والممات (وبذلك أمرت) أي أمرني الله تعالى بالتوحيد والإخلاص له (وأنا من المسلمين) أي المنقادين لأمر الله تعالى. وفي حديث علي ﵁ المذكور في الباب التالي: «وأنا أول المسلمين» أي من هذه الأمة، كما قاله قتادة ﵀.
(اللهم اهدني لأحسن الأعمال) أي أكملها وأفضلها، وهي ما كانت موافقة للكتاب والسنة، وخالصة لله تعالى (والأخلاق) جمع
خلق -بضمتين- السَّجِيّة، وأحسنها ما كانت على هدي رسول الله - ﷺ - الذي قال الله تعالى في شأنه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، والذي تخلق بمعنى قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ [الأعراف: ١٩٩]. (لا يهدي لأحسنها إِلا أنت) علة لطلب الهداية منه، أي إنما طلبت منك الهداية لأحسن الأعمال والأخلاق لأنه لا يهدي إليها غيرك (وقني) أمر من وَقَى يَقِي: إذا حفظ (سيئ الأعمال، وسيئ الأخلاق) أي احفظني من قبيحها (لا يقي سيئها إِلا أنت) أي لأنه لا يحفظ من قبيحها غيرك. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله عنه: حديث جابر بن عبد الله ﵄ هذا صحيح. وهو من أفراد الصنف ﵀، أخرجه هنا - ١٦/ ٨٩٦ - وفي «الكبرى» -١٦٩٧٠ - بالسند المذكور.
ويستفاد منه استحباب قراءة هذا الدعاء بين تكبيرة الإحرام وقراءة الفاتحة، وتقدم في المسائل المتقدمة في الباب الماضي أنه لا تنافي بين هذه الدعوات، فإن المصلي مخير فيها، أو يجمعها إن تيسر له. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.