HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٩٠٩

أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً، لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ، فَهِيَ خِدَاجٌ، هِيَ خِدَاجٌ، هِيَ خِدَاجٌ، غَيْرُ تَمَامٍ» فَقُلْتُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إِنِّي أَحْيَانًا أَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ، فَغَمَزَ ذِرَاعِي، وَقَالَ: اقْرَأْ بِهَا يَا فَارِسِيُّ فِي نَفْسِكَ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: يَقُولُ اللهُ ﷿: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ: فَنِصْفُهَا لِي، وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ. قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: اقْرَءُوا، يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يَقُولُ اللهُ ﷿: حَمِدَنِي عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، يَقُولُ اللهُ ﷿: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، يَقُولُ اللهُ ﷿: مَجَّدَنِي عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فَهَذِهِ الْآيَةُ بَيْنِي، وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ فَهَؤُلَاءِ لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ.
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص301
  • زبير علي زئي:صحيح مسلم
ج ٢ ص ١٣٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر جامع الترمذي, سنن ابن ماجه, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١١ ص٤٦١
٢٣ - تَرْكُ قِرَاءة «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» فِي فَاتِحَةِ الكتَابِ أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على جواز ترك قراءة البسملة في «الفاتحة»، ومثل الفاتحة في ذلك غيرها، إلا في وسط سورة النمل، فإنه منها بالإجماع، كما سيأتي في المسائل إن شاء الله تعالى. ٩٠٩ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ زُهْرَةَ، يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بـ»أُمِّ الْقُرْآنِ«، فَهِيَ خِدَاجٌ، هِيَ خِدَاجٌ، هِيَ خِدَاجٌ، غَيْرُ تَمَامٍ. فَقُلْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ إِنِّي أَحْيَانًا أَكُونُ وَرَاءَ الإِمَامِ؟، فَغَمَزَ ذِرَاعِي، وَقَالَ: اقْرَأْ بِهَا يَا فَارِسِيُّ فِي نَفْسِكَ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ:«يَقُولُ اللَّهُ ﷿: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، فَنِصْفُهَا لِي، وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ». قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -:«اقْرَءُوا يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، يَقُولُ اللَّهُ ﷿: حَمِدَنِي عَبْدِي. يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣)﴾ [الفاتحة: ٣]، يَقُولُ اللَّهُ ﷿: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، يَقُولُ اللَّهُ ﷿: مَجَّدَنِي عَبْدِي. يَقُولُ الْعَبْدُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، فَهَذِهِ الآيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ. يَقُولُ الْعَبْدُ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]، فَهَؤُلَاءِ لِعَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ». رجال هذا الإسناد: خمسة ١ - (قتيبة) بن سعيد الثقفي، ثقة ثبت من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١. ٢ - (مالك) بن أنس، الإمام الحجة الفقيه المدني، من [٧]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧/ ٧. ٣ - (العلاء بن عبد الرحمن) بن يعقوب الحُرَقي، أبو شِبْل المدني، مات سنة بضع وثلاثين ومائة، صدوق، ربما وهم، من [٥]، أخرج الجماعة، تقدم في ١٠٧/ ١٤٣. ٤ - (أبو السائب مولى هشام بن زُهرة) ويقال: مولى عبد الله ابن هشام بن زهرة، ويقال: مولى بني زهرة الأنصاري المدني، يقال: اسمه عبد الله بن السائب، ثقة من [٣]، روى عن أبي هريرة، وأبي سعيد، والمغيرة بن شعبة، وسعد بن أبي وقاص. وعنه العلاء بن عبد الرحمن، وصيفي مولى أفلح، وأسماء بن عبيد، وبكير بن عبد الله بن الأشج، وغيرهم. ذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ثقة مقبول النقل. أخرج له البخاري في «جزء القراءة»، والباقون . ٥ - (أبو هريرة) ﵁، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من خماسيات المصنف. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، وأنهم من رجال الجماعة، إلا أبا السائب، فما أخرج له البخاري في «صحيحه». ومنها: أنه مسلسل بالمدنيين، وقتيبة، وإن كان بغلانيًا، إلا أنه دخل المدينة، فقد روى عن مالك وغيره من علماء المدينة كثيرًا. ومنها: رواية تابعي، عن تابعي؛ العلاء، عن أبي السائب. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن العلاء بن عبد الرحمن) الْحُرَقي المدني (أنه سمع أبا السائب مولى هشام بن زُهرة) بضم الزاي، الأنصاري المدني (يقول: لسمعت أبا هريرة) ﵁ (يقول: قال رسول الله - ﷺ -: «من صلى صلاة) عام يشمل الفرض والنفل (لم يقرأ فيها بأم القرآن) أي الفاتحة، وسميت بأم القرآن لاشتمالها على مقاصده من الثناء على الله تعالى بما هو أهله، والتعبد بالأمر والنهي، والوعد والوعيد، ولاشتمالها على أحوال المعاش والمعاد، وعلى مدح المهتدين، وذم المفرطين، وغير ذلك (فهي) أي الصلاة التي لم يقرأ فيها بأم القرآن (خداج، هي خداج، هي خداج) أي ناقصة نقص فساد وبطلان. قال في»النهاية«: الخِدَاج: النقصان، وإنما قال:»فهي خداج«، والخداج مصدر على حذف المضاف، أي ذات خداج، أو يكون قد وصفها بالمصدر نفسه مبالغةً، كقوله: فإنما هي إقبالٌ وإدبارٌ. انتهى . والتكرار فيه للتأكيد. والخِدَاج -بالكسر-: النقصان. وفي«ق»: الخِدَاج، ككتاب: إلقاء الناقة ولدها قبل تمام الأيام، والفعلُ: كنصر، وضرب. انتهى . وقال ابن منظور ﵀: خَدَجَت الناقةُ، وكلّ ذات ظِلْفٍ وحافرٍ، تَخْدُجُ، وتَخْدِج خداجًا، وهي خَدُوجٌ، وخادجٌ، وخَدَجَتْ، وخَدَّجَت: ألقت ولدها قبلَ أوانه لغير تمام الأيام، وإن كان تام الخلق. قال الحسين بن مُطَير [من البسيط]: لَمَّا لَقِحْنَ لِمَاءِ الْفَحْلِ أَعْجَلَهَا … وَقْتَ النِّكَاحِ فَلَمْ يُتْمِمْنَ تَخْدِيجُ وقد يكون الخِداج لغير الناقة؛ أنشد ثَعْلَب [من الرجز]: يَوْمَ تَرَى مُرْضِعَةً خَلُوجَا … وَكُلَّ أُنْثَى حَمَلَمت خَدُوجَا أفلا تراه عم به؟. وفي الحديث: «كل صلاة، لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب، فهي خدَاجٌ»، أي ذات خداجٍ، وهو النُقْصَانُ، وهذا مذهبهم في الاختصار للكلام، كما قالواَ: عبدُ الله إِقبال وإِدبار، أي مُقبِل، ومُدبر، أحَلُّوا المصدر محل الفعل. انتهى كلام ابن منظور ﵀ باختصار . وقال الإمام الخطابي ﵀ في «المعالم»: «فهي خداج»، أي ناقصة نقص فساد وبطلان، تقول العرب: أخدجت الناقة: إذا ألقت ولدها، وهو دم لم يستبن خلقه، فهي مُخدِجٌ، والخِداج اسم مبني منه. انتهى. وقال النووي ﵀: قال الخليل بن أحمد، والأصمعي، وأبو حاتم السجستاني، والهروي رحمهم الله تعالى، وآخرون: الخداج: النقصان، يقال: خدجت الناقة: إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج، وإن كان تام الخلق، وأخدجته: إذا ولدته ناقصًا، وإن كان لتمام الولادة، ومنه قيل لذي اليُدَيَّة: مُخْدَجُ اليد، أي ناقصها. قالوا: فقوله - ﷺ -: «خداج»، أي ذات خداج. وقال جماعة من أهل اللغة: خدجت، وأخدجت: إذا ولدت لغير تمام. انتهى . وفيه فرضية قراءة الفاتحة في كل صلاة، وأن الصلاة إذا لم تقرأ فيها الفاتحة فهي ناقصة نقص فساد وبطلان؛ لأن الخداج: النقصان والفساد، ومن ذلك قولهم: أخدجت الناقة، وخدجت: إذا ولدت قبل تمام وقتها، وقبل تمام الخلق، وذلك نتاج فاسد. وقد زعمت الحنفية أن قوله: «خداج» يدل على جواز الصلاة، لأنه النقصان، والصلاة الناقصة جائزة. وهذا حكم فاسد . (غير تمام) أي غير تامة أجزاؤها، وهو بدل من «خداج»، أو عطف بيان له. وفي «المنهل»: هو من كلامه - ﷺ -، ذكره بيانًا لمعنى «الخداج»، أو تأكيدًا له. ويحتمل أن يكون من كلام الراوي قد أدرجه في الحديث. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: دعوى الإدراج بدون دليل غير صحيح. والله تعالى أعلم. وفي هذا حجة للجمهور القائلين بفرضية قراءة الفاتحة في الصلاة. وما قيل من أن النقص لا يستلزم البطلان محله ما لم تقم قرينة على أن المراد به النقصان المؤدي إلى البطلان كما هنا، وهنا القرينة قائمة، وهي ما ذ كره أبو هريرة ﵁ حجةً على عدم الإجزاء، من قوله - ﷺ -: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة …». وقال الباجي ﵀: قوله - ﷺ -: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فهي خداج» يعني ناقصة عما يجب فيها، وكذلك قال عيسى بن دينار، وابن نافع: إن الخداج الناقص الذي لا يتم، وذلك يقتضي ألا تكون مجزئة. وقد تعلق بعض من تكلم في ذلك بهذا اللفظ، وجعله دليلًا على الإجزاء؛ لأنه سماها صلاة، ووصفها بالنقصان، وذلك يقتضي أن يثبت لها حكم الصلاة، وإن نقصت فضيلتها، أو صفة من صفاتها، لا تخرج بعدمها عن كونها صلاة. وليس هذا بصحيح؛ لأن اسم الصلاة يطلق على المجزئ منها، وغير المجزئ، يقال: صلاة فاسدة، وصلاة غير مجزئة، كما يقال: صلاة صحيحة، وصلاة مجزئة، وإطلاق اسم النقصان عليها يقتضي نقصان أجزائها، والصلاة لا تتبعض، فإذا بطل بعضها بطل جميعها، ولا يجوز أن يطلق اسم النقصان على عدم الفضيلة لمن كملت أجزاؤه. انتهى . وقال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر ﵀: وقد زعم من لم يوجب قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة، وقال: هي وغيرها سواء، أن قوله: «خداج» يدل على جواز الصلاة، لأنه نقصان، والصلاة الناقصة جائزة. وهذا تحكم فاسد، والنظر يوجب في النقصان ألا تجوز معه الصلاة؛ لأنها صلاة لم تتم، ومن خرج من صلاة قبل أن يتمها فعليه إعادتها تامة كما أمر على حسب حكمها، ومن ادعى أنها تجوز مع إقراره بنقصانها فعليه الدليل، ولاسبيل إليه من وجه يلزم. والله أعلم. انتهى . قال أبو السائب: (فقلت: إِني أحيانًا أكون وراء الإِمام) أي أكون في بعض الأوقات مقتديًا بالإمام، فهل علي من حرج في عدم قراءتها؟ (فغمز ذراعي) من باب ضرب: أي عَصَرَ ساعدي، والغَمْز: العَصْرُ، قال زِيَادٌ الْعَجَمُ [من الطويل]: وَكُنْتُ إِذَا غَمَزْتُ قَنَاةَ قَوْمٍ … كَسَرْتُ كُعُوبَهَا أَوْ تَسْتَقِيمَا وغَمَزْتُ الناقة، أغْمِزُها غَمْزًا: إذا وضعت يدك على ظهرها، لتنظر أبها طِرْقٌ أم لا؟. أفاده في «اللسان» . و«الذراع»: اليد من كل حيوان، لكنها من الإنسان من المرفق إلى أطراف الأصابع، وهو أنثى، وبعض العرب يذكره، قال ابن الأنباري: وأنشدنا أبو العباس، عن سلمة، عن الفراء شاهدًا على التأنيث قولَ الشاعر [من الرجز]: أَرْمِي عَلَيْهَا وَهْي فَرْعٌ أَجْمَعُ … وَهْيَ ثَلاثُ أَذْرُعٍ وَإِصْبَعُ وعن الفراء أيضًا: الذراع أنثى، وبعض عُكْلٍ يذكر، فيقول: خمسة أذرع. قال ابن الأنباري: ولم يَعرف الأصمعيُّ التذكيرَ. وقال الزجاج: التذكير شاذ غير مختار. وجمعها: أذْرعٌ، وذُرْعَانٌ. حكاه في «العُبَاب» . وإنما غمز أبو هريرة ﵁ ذراعه على معنى التأنيس له، والتنبيه على فهم مراده، والبَعْثِ له على جمع ذهنه، وفهمِ جوابه. قاله الباجي رحمه الله تعالى. (وقال: اقرأ بها في نفسك يا فارسي) معناه: اقرأ بفاتحة الكتاب سّرًا في نفسك. وفيه حجة للمذهب الراجح أن المأموم يقرأ الفاتحة خلف الإمام مطلقًا، سرية كانت أو جهرية. وسيأتي تحقيق ذلك في موضعه، إن شاء الله تعالى. قال النووي ﵀: وأما ما حمله عليه بعض المالكية وغيرهم أن المراد تَدَبَّرْ ذلك، وتذكره، فلا يقبل، لأن القراءة لا تطلق إلا على حرجة اللسان بحيث يسمع نفسه، ولهذا اتفقوا على أن الجنب لو تدبر القرآن بقلبه من غير حركة لسانه لا يكون قارئًا مرتكبًا لقراءة الجنب المحرمة. انتهى. ولعل أبا السائب كان أصله من فارس، فلهذا قال له أبو هريرة ﵁: يا فارسي. والله تعالى أعلم. (فإِني سمعت رسول الله - ﷺ -) هذا استدلال من أبي هريرة ﵁ على أمره بقراءة الفاتحة وراء الإمام، وأنه لا يعذر المأموم بكونه وراء الإمام في ترك قراءتها، ووجه الاستدلال أن الله تعالى سمى الفاتحة صلاة، وقسمها بينه وبين عبده نصفين، فمن لم يقرأها في صلاته كان غير مصلّ، فلابد لكل مصلّ أن يقرأها، إمامًا كان، أو مأمومًا، أو منفردًا. والله تعالى أعلم. (يقول: يقول الله ﷿) ولفظ الكبرى «قال الله تعالى» بصيغة الماضي، وكذا في مسلم، ولأبي داود: «قال الله، ﷿» (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي) أراد بالصلاة الفاتحة، كما يدلّ عليه تمام الحديث، وسميت صلاة لأن الصلاة لا تصح إلا بها، ففيه إطلاق اسم الكل على الجزء، ونظيره قوله - ﷺ -: «الحج عرفة». وقال الخطابي ﵀: يريد بالصلاة القراءة. يدل على ذلك قوله عند التفسير له، والتفصيل للمراد منه: «إذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢] يقول الله: حمدني عبدي …» إلى آخر السورة. وقد تسمى القراءة صلاة لوقوعها في الصلاة، وكونها جزءًا من أجزائها، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]. قيل: معناه القراءة، وقال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] أراد صلاة الفجر، فسمى الصلاة مرة قرآنًا، والقرآن مرة صلاة، لانتظام أحدهما بالآخر. يدل على صحة ما قلناه قوله: «بيني وبين عبدي نصفين»، والصلاة خالصة لله، لا شِرْك فيها لأحد، فعُقِلَ أن المراد به القراءة. وحقيقة هذه القسمة منصرفة إلى المعنى لا إلى متلو اللفظ؛ وذلك أن السورة من جهة المعنى نصفها ثناء، ونصفها مسألة ودعاء، وقسم الثناء ينتهي إلى قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وهو تمام الشطر الأول من السورة، وباقي الآية، وهو قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ من قسم الدعاء والمسألة، ولذلك قال: «وهذه بيني وبين عبدي». ولو كان المراد به قسم الألفاظ والحروف لكان النصف الأخير يزيد على الأول زيادة بينة، فيرتفع معنى التعديل والتنصيف، وإنما هو قسمة المعاني، كما ذكرته لك، وهذا كما يقال: نصف السنة إقامة، ونصفها سفر، يريد به انقسام أيام السنة مدة للسفر، ومدة للإقامة، لا على سبيل التعديل والتسوية بينهما حتى يكونا سواء، لا يزيد أحدهما على الآخر. وقيل لشُرَيح: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت، ونصف الناس علي غضَاب. يريد أن الناس محكوم له، ومحكوم عليه، فالمحكوم عليه غَضبان عليّ لاستخراجي الحقَّ منه، وإكراهي إياه عليه. وكقول الشاعر [من الطويل]: إذَا مِتُّ كَانَ النَّاسُ نِصْفَيْنِ شَامِتٌ … بِمَوْتِي وَمُثْنٍ بِالَّذِي كُنْتُ أَفْعَلُ انتهى كلام الخطابي رحمه الله تعالى . (فنصفها لي) مبتدأ وخبر، أي نصف الفاتحة خاص بي، وهو الثلاث الآيات الأول ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٢ - ٣ - ٤]، (ونصفها لعبدي) أي خاص به، وهو من: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخر السورة. والإضافة في قوله: «عبدي» إضافة تشريف وتكريم، حيث تحقق بصفات العبودية، والقيام بحقوق الربوبية، وشهوده آثارهما، وأسرارهما في صلاته التي هي معراج الأرواح، وروح الأشباح، وغرس تجليات الأسرار التي يتخلى بها العبد عن الأغيار. ولما كان وصف العبودية غايةَ الكمال؛ إذ به ينصرف الإنسان من الخلق إلى الحق وَصَفَ به الله تعالى به نبيه - ﷺ - في مقام الكرامة، فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] الآية، وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: ١] الآية، وقال: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ١٠] . (ولعبدي ما سأل) وعد من الله ﷾ لعبده أن يجيب دعاءه. (قال رسول الله - ﷺ -: اقرؤوا) أي اقرؤوا الفاتحة، فيه إيجاب قراءتها على جميع المصلين؛ لكونها أعظم أركانها حتى سماها الله تعالى صلاة، فمن لم يقرأها لم يصل صلاة صحيحة. وليست هذه اللفظة عند مسلم. (يقول العبد): وفي رواية مسلم: «فإذا قال العبد». وهذا بيان للصلاة التي قسمها الله تعالى بينه وبين عبده، وبيان لمعنى القسمة لها، فذكر - ﷺ - ما يقوله الله تعالى عند قراءة العبد كل آية منها، وأعلم العبد أنه يسمع قراءته، وحمده، وثناءه عليه، وتمجيده إياه، ودعاءه، ورغبته إليه، حَضًّا للعبد على الخشوع عند قراءة هذه السورة المختصة بهذه المعاني الجليلة التي لا تكاد تجتمع في غيرها من السور. وفيه حجة لمن قال: إن البسملة ليست من الفاتحة، ولو كانت منها لبدأ بها، وذكر فضلها كما ذكر فضل كل آية منها . (﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾) القراء السبعة على ضم الدال، وهو مبتدأ وخبر، وروي عن سفيان بن عيينة، ورؤبة بن العجاج، أنهما قرءا بالنصب، وهو على إضمار فعل، وقرأ ابن أبي عبلة بضم الدال واللام، إتباعًا للثاني الأول، وله شواهد، لكنه شاذ، وعن الحسن، وزيد بن علي بكسر الدال، إتباعا للأول الثاني. قال الإمام أبو جعفر ابن جرير ﵀: معنى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ الشكر لله خالصًا، دون سائر ما يعبد من دونه، ودون كل ما برأ من خلقه، بما أنعم على عباده من النعم التي لا يحصيها العدد، ولا يحيط بعددها غيره أحد، في تصحيح الآلات لطاعته، وتمكين جوارح أجسام المكلفين لأداء فرائضه، مع ما بسط لهم في دنياهم من الرزق، وغذّاهم به من نعيم العيش، من غير استحقاق منهم ذلك عليه، ومع ما نبههم عليه، ودعاهم إليه، من الأسباب المؤدية إلى دوام الخلود في دار المقام في النعيم المقيم، فلربنا الحمد على ذلك كله، أولًا وآخرًا. قال ﵀: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ثنأء أثنى به على نفسه، وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه، فكأنه قال: قولوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. قال: وقد قيل: إن قول القائل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ ثناء عليه بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، وقوله: «الشكر لله» ثناء عليه بنعمه، وأياديه. ثم شرع في رد ذلك بما حاصله أن جميع أهل المعرفة بلسان العرب يوقعون كلًا من الحمد والشكر مكان الآخر. وقد نقل السلمي هذا المذهب أنهما سواء عن جعفر الصادق، وابن عطاء من الصوفية، وقال ابن عباس ﵄: «الحمد لله» كلمة كل شاكر. وقد استدل له القرطبي بصحة قول القائل: «الحمد لله شكرًا». واعترض الحافظ ابن كثير على قول ابن جرير، بأنه اشتهر عند كثير من العلماء من المتأخرين، أن الحمد هو الثناء بالقول على المحمود بصفاته اللازمة والمتعدية، والشكر لا يكون إلا على المتعدية، ويكون بالجنان، واللسان، والأركان، إلى آخر كلامه . قال الجامع عفا الله عنه: عندي في رد ابن كثير هذا نظر؛ لأن ابن جرير ﵀ نقل عن التقدمين، كابن عباس، وجعفر الصادق، فكيف يرد عليه بما اشتهر عند المتأخرين؟ فتبصر. (﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾) أي مالك الخلائق أجمعين، الواحد عالم، وهو اسم يجمع أشياء مختلفة، ومن جعل «العالمين» الجن والإنس جعل العالم جمعًا لأشياء متفقة. قاله الأزهري رحمه الله تعالى . وقال الحافظ ابن كثير ﵀: والرب هو المالك المتصرف، ويطلق في اللغة على السيد، وعلى المتصرف للإصلاح، وكل ذلك صحيح في حق الله تعالى، ولا يستعمل الرب لغير الله، بل بالإضافة، تقول: رب الدار كذا، وأما الرب فلا يقال إلا لله ﷿. وقد قيل: إنه الاسم الأعظم. «والعالمين» جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله ﷿، والعالم جمع لا واحد له من لفظه، والعوالم أصناف المخلوقات في السموات، وفي البر، والبحر، وكل قرن منها وجيل يسمى عالمًا أيضا. انتهى. يقول الله تعالى: حمدني عبدي أي أثنى عليّ بما أنا أهله (يقول العبد: (﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾) صفتان من صفات الله ﷿، ولا يوصف بـ «الرحمن» غير الله تعالى، وأما «الرحيم» فجائز أن يقال: فلان رحيم، وهو أبلغ من الراحم. قاله الأزهري ﵀. وقال ابن كثير ﵀: هما اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، و«رحمن» أشد مبالغة من «رحيم»، وفي كلام ابن جرير ما يفهم منه حكاية الاتفاق على هذا، وفي تفسير بعض السلف ما يدل على ذلك. وزعم بعضهم أنه غير مشتق. وقال القرطبي: والدليل على أنه مشتق ما أخرجه الترمذي، وصححه عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «قال الله تعالى: أنا الرحمن خلقت الرحم، وشققت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته». قال: وهذا نص في الاشتقاق، فلا معنى للمخالفة والشقاق، قال: وإنكار العرب لاسم الرحمن لجهلهم بالله، وبما وجب له. وقال أيضًا: ثم قيل: هما بمعنى واحد، كَنَدْمان ونَديم، قاله أبو عبيد. وقيل: ليس بناء فعلان كفعيل، فإن فعلان لا يقعَ إلا على مبالغة الفعل، نحو رجل غضبان، للرجل الممتلىء غضبًا، وفعيل قد يكون بمعنى الفاعل والمفعول. قال أبو علي الفارسي: «الرحمن» عام في جميع أنواع الرحمة، يختص به الله تعالى، و«الرحيم» إنما هو من جهة المؤمنين، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] . وقال أيضا: وصف نفسه تعالى بعد ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ بأنه ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ لأنه لما كان في اتصافه بـ ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ترهيب قَرَنَه بـ ﴿الرَّحْمَنِ الرَحِيمِ﴾ لما تضمن من الترغيب، ليجمع في صفته بين الرهبة منه، والرغبة إليه، فيكون أعون على طاعته، وأمنع، كما قال: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ [الحجر: ٤٩ - ٥٠]، وقال: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ [غافر: ٣]. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: «لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة ما طمع بجنته أحد، ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قَنِطَ من جنته أحد». انتهى كلام القرطبي بنوع تصرف . (يقول الله ﷿: أثنى علي عبدي) حيث اعترف لي بعموم الإنعام على خلقي. (يقول العبد: (﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾) أي يوم الجزاء بالثواب للطائعين، والعقاب للعاصين، وهو يوم القيامة، وخص يوم الدين بالذكر، لأنه لا ملك ظاهر فيه لأحد إلا الله تعالى. و«مالك» اسم فاعل، صفة لله تعالى، ولا يقال: إن اسم الفاعل إضافته لفظية، فلا تفيده التعريف، فكيف توصف المعرفة بالنكرة؛ لأن محل كون إضافته لفظية إذا كان للحال، أو الاستقبال، فإن قصد به المضي، أو الدوام كما هنا، فإضافته حقيقية، فتوصف به المعرفة. قال الحافظ ابن كثير ﵀: قرأ بعض القراء «ملك»، وقرأ آخرون «مالك»، وكلاهما صحيح متواتر في السبع. انتهى. وقال العلامة القرطبي ﵀: اختلف العلماء أيما أبلغ، «ملك»، أو «مالك»؟ والقراءتان مرويتان عن النبي - ﷺ -، وأبي بكر، وعمر، ذكرهما الترمذي، فقيل: «ملك» أعم، وأبلغ من «مالك»؛ إذ كل ملك مالك، وليس كل مالك ملكًا، ولأن أمر الملك نافذ على المالك في ملكه حتى لا يتصرف إلا عن تدبير الملك. قاله أبو عبيدة، والمبرد. وَقيل: «مالك» أبلغ، لأنه يكون مالكًا للناس وغيرهم، فالمالك أبلغ تصرفًا، وأعظم؛ إذ إليه إجراء قوانين الشرع، ثم عنده زيادة التملك. إلى آخر ما ذكره القرطبي ﵀ من الأقوال في تفسيره. (يقول الله ﷿: مجدني عبدي) أي عظمني، وأثنى علي بصفات الجلال. قال النووي ﵀: وقوله تعالى: «حمدني عبدي»، و«أثنى علي»، و«مجدني»، إنما قاله لأن التحميد: الثناء بجميل الفعال، والتمجيد: الثناء بصفات الجلال، ويقال: أثنى عليه في ذلك كله، ولهذا جاء جوابًا لـ«الرحمن الرحيم»، لاشتمال اللفظين على الصفات الذاتية والفعلية. وفي رواية مسلم: «وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال:»مجدني عبدي«، وقال مرة:»فوَّضَ إلي عبدي«. وقوله:»فوض إليّ عبدي« وجه مطابقة هذا لقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ أن الله تعالى هو المنفرد بالملك ذلك اليوم، وبجزاء العباد وحسابهم، والدين: الحساب، وقيل: الجزاء، ولا دعوى لأحد ذلك اليوم، ولو مجازًا، وأما في الدنيا فلبعض العباد ملك مجازي، ويَدَّعِي بعضهم دعوى باطلة، وهذا كله ينقطع في ذلك اليوم، هذا معناه، وإلا فالله ﷾ هو المالك، والملك على الحقيقة للدارين، وما فيهما، ومن فيهما، وكل من سواه مربوب له، عبد مسخر، ثم في هذا الاعتراف من التعظيم والتمجيد، وتفويض الأمر، ما لا يخفى. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى . (يقول العبد: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾) قرأ السبعة بتشديد الياء، من «إياك»، وقرأ عمرو بن فائد بتخفيفها مع الكسر، وهي قراءة شاذة مردودة، لأن «إيا» ضوء الشمس. وقرأ بعضهم «أياك» بفتح الهمزة، وتشديد الياء، وقرأ بعضهم «هياك» بالهاء بدل الهمزة. قال العلامة القرطبي ﵀: رجع من الغيبة إلى الخطاب على التلوين؛ لأنه من أول السورة إلى هنا خبر عن الله تعالى، وثناء عليه. و«نعبد»: معناه نطيع، والعبادة: الطاعة والتذلل، وطريق معبد إذا كان مذللًا للسالكين. قاله الهروي. ونطقُ المكلف به إقرار بالربوبية، وتحقيق لعبادة الله تعالى؛ إذ سائر الناس يعبدون سواه من أصنام وغير ذلك. انتهى. وقال الحافظ ابن كثير ﵀: والعبادة في اللغة من الذل، يقال: طريق معبد، أي مذلل، وفي الشرع: عبارة عما يجمع كمال المحبة والخضوع والخوف. انتهى. (﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾) بفتح النون في قراءة الجميع إلا يحيى بن وثّاب، والأعمش، فإنهما كسراها، وهي لغة بني أسد، وربيعة، وبني تميم. أي نطلب العون والتأييد والتوفيق. وقدم المفعول، وهو «إياك»، وكرر للاهتمام والحصر، أي لا نعبد إلا إياك، ولا نتوكل إلا عليك، وهذا كمال الطاعة، والدينُ كله يرجع إلى هذين المعنيين، وهذا كما قال بعض السلف: الفاتحة سر القرآن، وسرها هذه الكلمة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، فالأول تبرؤ من الشرك، والثاني تبرؤ من الحول والقوة، وتفويض إلى الله ﷿. قاله ابن كثير رحمه الله تعالى. وقال الإمام أبو جعفر الطبري ﵀: تأويل قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾: لك اللهم نخشع، ونذل، ونستكين، إقرار لك يا ربنا بالربوبية، لا لغيرك. ومعنى قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: وإياك ربنا نستعين على عبادتنا إياك، وطاعتنا لك، وفي أمورنا كلها، لا أحد سواك، إذ كان من يكفر بك يستعين في أموره معبوده الذي يعبده من الأوثان دونك، ونحن بك نستعين في جميع أمورنا مخلصين لك العبادة. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: في هذه الآية التفات من الغيبة إلى الخطاب، ووجه حسنه فيها أن الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان أحسن تجديدًا لنشاط السامع، وكان أكثر إيقاظًا للإصغاء إليه. وألطفُ من ذلك أن العبد إذا ذكر الحقيقَ بالحمد عن قلب حاضر يجد من نفسه محركًا للإقبال عليه، وكلما أجرَى عليه صفةً من تلك الصفات العظام قَويَ ذلك المحرك إلى أن يؤول الأمر إلى خاتمة تلك الصفات المفيدة أنه مالك الأمر كله يوم الجزاء، فحينئذ يوجب الإقبال عليه، والخطاب بتخصيصه بغاية الخضوع، والاستعانة في المهمات. أفاده بعض المحققين . (فهذه الآية بيني وبين عبدي) وفي رواية مسلم: «هذا بيني وبين عبدي»، ولأبي داود: «فهذه بيني وبين عبدي»، وإنما كانت بين الله ﷿ وبين عبده، لأن بعضها تعظيم لله، وهو: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾، وبعضها استعانة للعبد بربه على أموره، وهو: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. (ولعبدي ما سأل) هذا وعد من الله تعالى لعبده أن يعطيه ما سأله من العون على أموره. (يقول العبد: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قراءة الجمهور بالصاد، وقرئ «السراط» بالسين، وقرئ بالزاي. قال الفراء: وهي لغة بني عُذْرةَ، وبني كَلْب . قال العلامة القرطبي ﵀: «اهدنا»: دعاء ورغبة من المربوب إلى الرب، والمعنى: دُلَّنا على الصراط المستقيم، وأرشدنا إليه، وأرنا طريق هدايتك الموصلة إلى أنسك وقربك. قال بعض العلماء: فجعل الله جل وعز عُظْم الدعاء، وجملته موضوعًا في هذه السورة، نصفها فيه مجمع الثناء، ونصفها فيه مجمع الحاجات، وجعل هذا الدعاء الذي في هذه السورة أفضل من الذي يدعو به الداعي، لأن هذا الكلام قد تكلم به رب العالمين، فأنت تدعو بدعاء هو كلامه الذي تكلم به. وفي الحديث: «ليس شيء أكرم على الله من الدعاء» . وقيل: المعنى: أرشدنا باستعمال السنن في أداء فرائضك. وقيل: الأصل فيه الإمالة، منه قوله تعالى: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] أي ملْنا. و«خرج - ﷺ - في مرضه، يهادي بين رجلين»، أي يتمايل. ومنه الهَدَيَّة؛ لأنها تُمال من مِلْك إلى مِلْك. ومنه الهَدْي للحيوان الذي يساق إلى الحرم، فالمعنى: مِلْ بقلوبنا إلى الحق. وقال الفضيل بن عياض: الصراط المستقيم طريق الحج، وهذا خاص، والعموم أولى. وقال محمد ابن الحنفية: هو دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره. وقال عاصم الأحول، عن أبي العالية: «الصراط المستقيم»: هو رسول الله - ﷺ -، وصاحباه من بعده، قال عاصم: فذكرت للحسن، فقال: صدق، ونصح. انتهى كلام القرطبي ببعض اختصار . وقال الإمام ابن جرير ﵀: الذي هو أولى بتأويل هذه الآية عندي أن يكون معنيًا به وَفِّقْنا للثبات على ما ارتضيته، ووفقت له من أنعمت عليه من عبادك من قول، وعمل، وذلك هو الصراط المستقيم؛ لأن من وُفِّقَ لما وفق له من أنعم الله عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، فقد وفق للإسلام، وتصديق الرسل، والتمسك بالكتاب، والعمل بما أمره الله به، والانزجار عما زجر عنه، واتباع منهاج النبي - ﷺ -، ومنهاج الخلفاء الأربعة، وكل عبد صالح، وكل ذلك من الصراط المستقيم. انتهى. وقال الحافظ ابن كثير ﵀: لما تقدم الثناء على المسؤول ﵎ ناسب أن يعقب بالسؤال، كما قال: «فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل»، وهذا أكمل أحوال السائل أن يمدح مسؤوله، ثم يسأل حاجته، وحاجة إخوانه المؤمنين بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] لأنه أنجح للحاجة، وأنجع للإجابة، ولهذا أرشد الله إليه؛ لأنه الأكمل، وقد يكون السؤال بالإخبار عن حال السائل، واحتياجه، كما قال موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤]، وقد يتقدمه مع ذلك وصف مسؤول، كقول ذي النون: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]، وقد يكون بمجرد الثناء على السؤول، كقول الشاعر [من الطويل]: أَأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي … حِبَاؤُكَ إن شِيمَتَكَ الْحِبَاءُ إذَا أَثْنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْمَا … كفَاهُ مِنْ تَعَرُّضكَ الثَّنَاءُ والهداية ها هنا الإرشاد والتوفيق، وقد تعدى الهداية بنفسها، كما هنا، وقد تعدى بـ«إلى»، كقوله تعالى: ﴿اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ١٢١]، وقد تعدى باللام، كقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]. وأما الصراط المستقيم، فقال أبو جعفر بن جرير: أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعًا على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، وذلك في لغة جميع العرب، فمن ذلك قول جرير بن عطية الخطفي [من الوافر]: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى صِراطِ … إذَا اعْوَجَّ المَوَارِدُ مُسْتَقِيمِ قال: والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصر، قال: ثم تستعير العرب الصراط، فتستعمله في كل قول، وعمل، وُصِفَ باستقامة، أو اعوجاج، فتصف المستقيم باستقامته، والمعوج باعوجاجه. ثم اختلفت عبارات المفسرين من السلف والخلف في تفسير الصراط، وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد، وهو المتابعة لله، وللرسول - ﷺ - فقيل: إنه كتاب الله. وقيل: الإسلام. وقيل: الحق. وذكر ما تقدم في كلام القرطبي، إلا قول فضيل: «إنه طريق الحج»، ثم قال: وكل هذه الأقوال صحيحة، وهي متلازمة، فإن من اتبع النبي - ﷺ -، واقتدى باللذين من بعده، أبي بكر، وعمر، فقد اتبع الحق، ومن اتبع الحق، فقد اتبع الإسلام، ومن اتبع الإسلام، فقد اتبع القرآن، وهو كتاب الله، وحبله المتين، وصراطه المستقيم، فكلها صحيحة، يصدق بعضها بعضًا، ولله الحمد. فإن قيل: فكيف يسأل المؤمن الهداية في كل وقت من صلاة وغيرها، وهو متصف بذلك؟ فهل هذا من باب تحصيل الحاصل، أم لا؟. فالجواب: أن لا، ولولا احتياجه ليلًا ونهارًا إلى سؤال الهداية لما أرشده الله تعالى إلى ذلك، فإن العبد مفتقر في كل ساعة وحالة إلى الله تعالى في تثبيته على الهداية، ورسوخه فيها، وتبصره، وازدياده منها، واستمراره عليها. فإن العبد لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًا إلا ما شاء الله، فأرشده تعالى إلى أن يسأله في كل وقت أن يمده بالمعونة والثبات والتوفيق، فالسعيد من وفقه الله تعالى لسؤاله، فإنه تعالى قد تكفل بإجابة الداعي إذا دعاه، ولا سيما المضطر المحتاج المفتقر إليه آناء الليل، وأطراف النهار، وقد قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: ١٣٦] الآية. فقد أمر الذين آمنوا بالإيمان، وليس ذلك من باب تحصيل الحاصل؛ لأن المراد الثبات، والاستمرار، والمداومة على الأعمال المعينة على ذلك. والله أعلم. وقال تعالى آمرًا لعباده المؤمنين أن يقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]. فمعنى قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ استمرَّ بنا عليه، ولا تعدل بنا إلى غيره. انتهى كلام ابن كثير رحمه الله تعالى . (﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾) مفسر للصراط المستقيم، وهو بدل منه بدل الشيء من الشيء، ويجوز أن يكون عطف بيان. ومعناه: أدمْ هدايتنا، فإن الإنسان قد يُهدَى إلى الطريق، ثم يقطع به. والله أعلم. واختلف في المراد بهم، فقال الجمهور من المفسرين: أنه أراد صراط النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين. وانتزعوا ذلك من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]. فالآية تقتضي أن هؤلاء على صراط مستقيم، وهو المطلوب في آية الحمد، وجميع ما قيل فيه يرجع إلى هذا، فلا معنى لتعديد الأقوال. وفي هذه الآية ردّ على القدرية، والمعتزلة، والإمامية؛ لأنهم يعتقدون أن إرادة الإنسان كافية في صدور أفعاله منه، طاعة كانت، أو معصية؛ لأن الإنسان عندهم خالق لأفعاله، فهو غير محتاج في صدورها عنه إلى ربه، وقد أكذبهم الله تعالى في هذه الآية، إذ سألوه الهداية إلى الصراط المستقيم. فلو كان الأمر إليهم، والاختيار بيدهم دون ربهم لا سألوه الهداية، ولا كرر السؤال في كل صلاة، وكذلك تضرعهم إليه في دفع المكروه، وهو ما يناقض الهداية، حيث قالوا: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾. فكما سألوه أن يهديهم سألوه ألا يضلهم، وكذلك يدعون، فيقولون: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨]. قاله القرطبي رحمه الله تعالى . ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم﴾ قرأ الجمهور «غيرِ» بالجر على النعت، قال الزمخشري: وقرئ بالنصب على الحال، وهي قراءة رسول الله - ﷺ -، وعمر بن الخطاب، ورويت عن ابن كثير، وذو الحال الضمير في «عليهم»، والعامل «أنعمت عليهم» ممن تقدم وصفهم ونعتهم، وهم أهل الهداية، والاستقامة، والطاعة لله ورسله، وامتثال أمره، وترك نواهيه، غير صراط المغضوب عليهم، وهم الذين فسدت إرادتهم، فعلموا الحق، وعدلوا عنه، ولا صراط الضالين، وهم الذين فقدوا العلم، فهم هائمون في الضلالة، لا يهتدون إلى الحق، وأكد الكلام بـ «لا» ليدل على أن ثَمَّ مسلكين قاصدين، وهما طريقة اليهود والنصارى. وقد زعم بعض النحاة أن «غير» هنا استثنائية، فيكون هذا منقطعًا لاستثنائهم من المنعم عليهم، وليسوا منهم، وما تقدم أولى. وزعم بعضهم أن «لا» في قوله تعالى: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ زائدة، والصحيح ما تقدم. أفاده ابن كثير رحمه الله تعالى. اختلف في «المغضوب عليهم» و«الضالين» من هم؟، فالجمهور أن «المغضوب عليهم» هم اليهود، و«الضالين» هم النصارى. وجاء ذلك مفسرًا عن النبي - ﷺ - في حديث صحيح من حديث عدي بن حاتم ﵁، أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده، والترمذي في جامعه، ويشهد لهذا التفسير قوله سبحانه في اليهود: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١]، وقوله: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾. وقال في النصارى: ﴿قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]. وقيل: «المغضوب عليهم»: المشركون. و«الضالين»: المنافقون. وقيل غير ذلك . قال الجامع عفا الله عنه: القول الأول هو الأصح الأحق بالاتباع؛ لأنه تفسير ممن قال الله تعالى له: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]- ﷺ -، ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤]. والله تَعَالَى أعلم بالصواب. (فهؤلاء لعبدي) أي هذه الآيات مختصة بالعبد؛ لأنها دعاء بالتوفيق إلى صراط من أنعم الله عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، والعصمة من صراط من غَضبَ الله عليهم، ولعنهم، وجعل منهم القردة والخنازير، وصراط منَ أضلوا كثيرًا، وضلوا عن سواء السبيل. (ولعبدي مما سأل) وعد من الله الكريم ﷾ أن يجيب عبده بإعطاء ما سأله، وقد قال ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ٩]، فهنيئا للعبد الموفق لهذا الفضل ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥]. اللهم اجعلنا هداة مهديين، غير ضالين، ولا مضلين. آمين. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا أخرجه مسلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٢٣/ ٩٠٩ - وفي «الكبرى» -٢٣/ ٩٨١ - وفي «فضائل القرآن» منه ١٦/ ٨٠١٢ - عن قتيبة، عن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي السائب مولى هشام بن زهرة، عنه. و-٨٠١٣ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن سفيان بن عيينة، عن العلاء بن عبد الرحمن، به. قال سفيان: دخلت على العلاء بن عبد الرحمن في بيته، وهو مريض، فسألته عن هذا الحديث، فحدثني به. وفي «التفسير» ١٠٩٨٢ - عن سويد بن نصر، عن عبد الله بن المبارك - وعن الحارث بن مسكين، عن ابن القاسم - كلاهما عن مالك به. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه مسلم في «الصلاة» عن قتيبة، عن مالك -وعن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج- كلاهما عن العلاء بن عبد الرحمن به. وعن أحمد بن جعفر الْمَعْقِري، عن النَّضْرِ بن محمد، عن أبي أويس، عن العلاء بن عبد الرحمن، قال: سمعت من أبي، ومن أبي السائب، وكانا جليسين لأبي هريرة، عن أبي هريرة. وأبو داود فيه عن القعنبي، عن مالك به. والترمذي في «التفسير» عن محمد بن يحيى، ويعقوب بن سفيان الفارسي، كلاهما عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أبيه به عنهما مختصرا. وقال: حسن، وسألت أبا زرعة عن هذا الحديث؟ فقال: كلا الحديثين صحيح - يعني حديث من قال: عن العلاء عن أبيه، عن أبي هريرة، وحديث من قال: عن العلاء، عن أبي السائب، عن أبي هريرة. وابن ماجه في «الصلاة» عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن إسماعيل ابن علية، عن ابن جريج به. وأخرجه مالك في «الموطأ» ١/ ٨٤ - ٨٥. وأحمد ٢/ ٤٦٠. والطيالسي رقم ٢٥٦١. وابن خزيمة رقم ٥٠٢. والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٢١٥. و«مشكل الآثار» ٢/ ٢٣. وأبو عوانة ٢/ ١٢٦ و١٢٧. والبيهقي ٢/ ١٦٦ و١٦٧. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو ترك قراءة «بسم الله الرحمن الرحيم» في فاتحة الكتاب، وهذا كما تقدم من الأمور الواسعة التي وسع الشرع فيها. وقد بوب المصنف ﵀ ثلاثة أبواب: باب للقراءة بها جهرًا، وباب لترك الجهر بها، وباب لترك قراءتها أصلًا، فبين أن كل ذلك جائز لصحة الأدلة بذلك. ومنها: وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة مطلقًا، وسيأتي تمام البحث فيه في الباب الآتي، إن شاء الله تعالى. ومنها: عظم شأن الفاتحة حتى سماها الله تعالى صلاةً. ومنها: بيان عناية الله تعالى بعبده حيث مدحه بسبب حمده، وثنائه، وتمجيده، ووعده أن يعطيه ما سأله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: في بيان مذاهب أهل العلم في حكم البسملة: قال الحافظ أبو عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى: اختلف علماء السلف والخلف في قراءة: «بسم الله الرحمن الرحيم» في أول فاتحة الكتاب، وهل هي آية منها: فذهب مالك، وأصحابه إلى أنها لا تقرأ في أول فاتحة الكتاب في شيء من الصلوات المكتوبات سرًّا، ولا جهرًا، وليست عندهم آية من أم القرآن، ولا من غيرها من سور القرآن إلا في النمل في قوله ﷿: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] وأن الله لم ينزلها في كتابه في غير هذا الموضع من سورة النمل، وروي مثل قول مالك في ذلك كله عن الأوزاعي، وبذلك قال أبو جعفر محمد بن جرير ابن يزيد الطبري. وأجاز مالك، وأصحابه قراءة: «بسم الله الرحمن الرحيم» في الصلاة النافلة في أول فاتحة الكتاب، وفي سائر سور القرآن للمتهجدين، ولمن يعرض القرآن عرضًا على المقرئين، وأم القرآن عندهم سبع آيات، يعدون ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ آية، وهو عدّ أهل المدينة من القراء، وأهل الشام، وأهل البصرة. وقال أهل العراق، والمشرق، وسفيان الثوري، وابن أبي ليلى، والحسن بن حي، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه، وأبو عبيد القاسم بن سلام: يقرأ الإمام في أول فاتحة الكتاب «بسم الله الرحمن الرحيم»، ويخفيها عمن خلفه. وروي ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي ﵃، على اختلاف في ذلك عن عمر، وعلي، ولم يختلف عن ابن مسعود في أنه كان يخفيها، وهو قول إبراهيم النخعي، والحكم بن عتيبة، وحماد بن أبي سليمان، وغيرهم. وهي آية من أول فاتحة الكتاب عند جماعة قرّاء الكوفيين، وجمهور فقهائهم إلا أن السنة عندهم فيها إخفاؤها في صلاة الجهر تسليمًا، واتباعًا للآثار المرفوعة في ذلك. وقال الكرخي، وغيره من أصحاب أبي حنيفة: إنه لا يحفظ عنه، هل هي آية من فاتحة الكتاب، أو لا؟ قالوا: ومذهبه يقتضي أنها ليست آية من فاتحة الكتاب؛ لأنه يسر بها في صلاة الجهر. وقال داود بن علي: هي آية من القرآن منفردة في كل موضع كتبت فيه في المصحف في أول فاتحة الكتاب، وفي أول كل سورة من القرآن، وليست من شيء من السور إلا في سورة النمل، وإنما هي آية مفردة غير لاحقة بالسورة. وزعم الرازي أن مذهب أبي حنيفة يقتضي عنده ما قال داود. وذهب الشافعي، وأصحابه إلى قراءة «بسم الله الرحمن الرحيم» في أول فاتحة الكتاب جهرًا في صلاة الجهر، وسرًّا في صلاة السر، وقال: هي آية من فاتحة الكتاب أول آياتها، ولا تتم سبع آيات إلا بها، ولا تجزئ صلاة لمن لم يقرأها، لقول رسول الله - ﷺ -: يعني: «لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب»، وقوله ﵊: «كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خِدَاجَ»، ومن لم يقرأها كلها فلم يقرأها. وقول أبي ثور في ذلك كله كقوَل الشافعي. وروي الجهر بها عن عمر، وعلي ﵄ على اختلاف عنهما. وروي ذلك عن عمار، وأبي هريرة، وابن عباس، وابن الزبير، ولم يختلف في الجهر بـ «بسم الله الرحمن الرحيم» عن ابن عمر، وهو الصحيح عن ابن عباس أيضًا. وعليه جماعة أصحاب سعيد ابن جبير، وعطاء، ومجاهد، وطاوس، وهو مذهب ابن شهاب الزهري، وعمرو بن دينار، وابن جريج، ومسلم بن خالد، وسائر أهل مكة. واختلف قول الشافعي، وكذلك اختلف أصحابه في «بسم الله الرحمن الرحيم» في غير فاتحة الكتاب، هل هي من أوائل السور مضافة إلى كل سورة أو لا؟ ومحصل مذهبه أنها آية من أول كل سورة على قول ابن عباس: «ما كنا نعلم انقضاء السورة إلا بنزول»بسم الله الرحمن الرحيم«في أول غيرها». وهو قول ابن عباس، وابن عمر، وابن الزبير، وعطاء، وطاوس، ومكحول. وإليه ذهب ابن المبارك، وطائفة، ووافق الشافعيَّ على أنها آية من فاتحة الكتاب - أحمدُ، وإسحاق، وأبو عبيد، وجماعة من أهل الكوفة، وأهل مكة، وأكثر أهل العراق، إلا أن أحمد، وإسحاق، وأبا عبيد يخفونها في صلاة الجهر، فذهب سفيان، وابن أبي ليلى، والحسن بن حي، وابن شُبْرُمَة، وجماعة أهل الكوفة على ما ذكرنا عنهم، والحمد لله. قال أبو عمر: لكل فرقة من فرق الفقهاء المذكورين آثار رووها، وصاروا إليها فيما ذهبوا إليه من ذلك عن النبي - ﷺ -، وعن أصحابه، والتابعين، ثم ذكر أدلة كل فريق، وما لها وما عليها، فأفاد، وأجاد. انتهى كلام الحافظ ابن عبد البر باختصار . قال الحافظ الزيلعي رحمه الله تعالى في كتابه «نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية»؛ ما ملخصه: والذاهب في كونها من القرآن ثلاثة: طرفان، ووسط: فالطرف الأول: قوله من يقول: إنها ليست من القرآن، إلا في سورة النمل، كما قاله مالك، وطائفة من الحنفية، وقاله بعض أصحاب أحمد مدعيًا أنه مذهبه، أو ناقلًا لذلك رواية عنه. والطرف الثاني: المقابل له قول من يقول: إنها آية من كل سورة، أو بعض آية، كما هو المشهور عن الشافعي، ومن وافقه، فقد نقل عن الشافعي أنها ليست من أوائل السور غير الفاتحة، وإنما يستفتح بها في السور تبركا بها. والقول الوسط: إنها من القرآن حيث كتبت، وإنها مع ذلك ليست من السور، بل كتبت آية في كل سورة، وكذلك تتلى آية مفردة في أول كل سورة، كما تلاها النبي - ﷺ - حين أنزلت عليه: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] رواه مسلم. وكما في قوله: «إن سورة من القرآن، هي ثلاثون آية، شفعت لرجل حتى غفر له، وهي: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١]». وهذا قول ابن المبارك، وداود، وأتباعه، وهو المنصوص عن أحمد بن حنبل، وبه قال جماعة من الحنفية، وذكر أبو بكر الرازي أنه مقتضى مذهب أبي حنيفة، وهذا قول المحققين من أهل العلم، فإن في هذا القول الجمع بين الأدلة، وكتابتها سطرًا مفصلًا عن السورة يؤيد ذلك. وعن ابن عباس ﵄: كان النبي - ﷺ - لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه «بسم الله الرحمن الرحيم». وفي رواية: «لا يعرف انقضاء السورة»، رواه أبو داود، والحاكم، وقال: إنه صحيح على شرط الشيخين. ثم لأصحاب هذا القول في «الفاتحة» قولان، هما روايتان عن أحمد: أحدهما: أنها من الفاتحة، دون غيرها، تجب قراءتها حيث تجب قراءة الفاتحة. والثاني: -وهو الأصح- أنه لا فرق بين الفاتحة وغيرها في ذلك، وأن قراءتها قي أول الفاتحة كقراءتها في أول السور، والأحاديث الصحيحة توافق هذا القول. وحينئذ الأقوال في قراءتها في الصلاة أيضا ثلاثة: أحدها: أنها واجبة وجوب الفاتحة، كمذهب الشافعي، وإحدى الروايتين عن أحمد، وطائفة من أهل الحديث، بناء على أنها من الفاتحة. والثاني: أنها مكروهة سرًّا وجهرًا، وهو المشهور عن مالك. والثالث: أنها جائزة، بل مستحبة، وهو مذهب أبي حنيفة، والمشهور عن أحمد، وأكثر أهل الحديث. ثم مع قراءتها هل يسن الجهر بها، أولا؟ فيه ثلاثة أقوال: أحدهما: يسن الجهر، وبه قال الشافعي، ومن وافقه. والثاني: لا يسن، وبه قال أبو حنيفة، وجمهور أهل الحديث، والرأي، وفقهاء الأمصار، وجماعة من أصحاب الشافعي. وقيل: يتخير بينهما، وهو قول إسحاق بن راهويه، وابن حزم، وكان بعض العلماء يقول بالجهر سدًّا للذريعة، قال: ويسوغ للإنسان أن يترك الأفضل لأجل تأليف القلوب، واجتماع الكلمة، خوفًا من التنفير، كما ترك النبي - ﷺ - بناء البيت على قواعد إبراهيم، لكون قريش كانوا حديثي عهد بالجاهلية، وخشي تنفيرهم بذلك، ورأى تقديم مصلحة الاجتماع على ذلك، ولما أنكر الربيع على ابن مسعود إكماله الصلاة خلف عثمان، قال: الخلاف شر. وقد نص أحمد وغيره على ذلك في البسملة، وفي وصل الوتر، وغير ذلك، مما فيه العدول عن الأفضل إلى الجائز المفضول، مراعاة لائتلاف المأمومين، أو لتعريفهم السنة، وأمثال ذلك، وهذا أصل كبير في سد الذرائع، هذا تحرير أقوال العلماء في هذه المسألة. انتهى كلام الحافظ الزيلعي رحمه الله تعالى . واحتج القائلون بالإسرار بها بحديث أنس، وحديث عبد الله بن مغفل السابقين في الباب الماضي، وغيرهما. واحتج القائلون بالجهر بها في الصلاة بأحاديث: منها -وهو أقواها-: حديث أبي هريرة المذكور في الباب: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي» وقد صححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، قال: وله شواهد، وقال أبو بكر الخطيب: ثابت صحيح لا يتوجه إليه تعليل. ومنها: حديث ابن عباس عند الترمذي، والدارقطني بلفظ: «كان النبي - ﷺ - يفتتح الصلاة بـ»بسم الله الرحمن الرحيم«قال الترمذي: هذا حديث وليس إسناده بذاك، وفي إسناده إسماعيل بن حماد، قال البزار: إسماعيل لم يكن بالقوي. وقال العقيلي: غير محفوظ. وقد وثق إسماعيل يحيى بن معين. وقال أبو حاتم: يكتب حديثه. وفي إسناده أبو خالد الوالبي، اسمه هرمز، وقيل: هرم، قال الحافظ: مجهول، وقال أبو زرعة: لا أعرف من هو؟. وقالى أبو حاتم: صالح الحديث. وقد ضعف أبو داود هذا الحديث، وروى ذلك عنه الحافظ في«التلخيص». وللحديث طريق أخرى عن ابن عباس، رواها الحاكم بلفظ:«كان يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم». وصَحَّحَ الحاكم هذا الطريق، وخطأه الحافظ في ذلك؛ لأن في إسنادها عبد الله ابن عمرو بن حسان، وقد نسبه ابن المديني إلى الوضع للحديث، وقد رواه إسحاق بن راهويه في مسنده عن يحيى بن آدم، عن شريك، ولم يذكر ابن عباس في إسناده، بل أرسله، وهو الصواب من هذا الوجه. قاله الحافظ. وقال أبو عمر: الصحيح في هذا الحديث أنه روي عن ابن عباس من فعله، لا مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -. ومنها: ما أخرجه الدارقطني عن ابن عباس:«أن النبي - ﷺ - لم يزل يجهر في السورتين ببسم الله الرحمن الرحيم». وفي إسناده عمر بن حفص المكي، وهو ضعيف. وأخرجه أيضًا عنه من طريق أخرى وفيها أحمد بن رشد بن خثيم، عن عمه سعيد بن خثيم، وهما ضعيفان. ومنها: ما أخرجه الدارقطني، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -:«كان إذا قرأ، وهو يؤم الناس افتتح ببسم الله الرحمن الرحيم». قال الدارقطني: رجال إسناده كلهم ثقات. انتهى. وفي إسناده عبد الله بن عبد الله أبو أويس الأصبحي، روي عن ابن معين توثيقه، وتضعيفه. وقال ابن المديني: كان عند أصحابنا ضعيفًا، وقد تكلم فيه غير واحد. ومنها: حديث أبي هريرة ﵁ عند الدارقطني أيضًا قال: قال رسول الله - ﷺ -:«إذا قرأتم الحمد، فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم، إنها أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني، وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آيها». قال اليعمري: وجميع رواته ثقات، إلا أن نوح بن أبي بلال الراوي له عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة تردد فيه، فرفعه تارة، ووقفه أخرى. وقال الحافظ: هذا الإسناد رجاله ثقات، وصحح غير واحد من الأئمة وقفه على رفعه، وأعله ابن القطان بتردد نوح المذكور، وتكلم فيه ابن الجوزي من أجل عبد الحميد بن جعفر، فإن فيه مقالًا، ولكن متابعة نوح له مما تقويه. ومنها: عن علي بن أبي طالب، وعمار بن ياسر:«أن النبي - ﷺ - كان يجهر في المكتوبات ببسم الله الرحمن الرحيم». أخرجه الدارقطني، وفي إسناده جابر الجعفي، وإبراهيم بن الحكم بن ظهير، وغيرهما ممن لا يعول عليه. ومنها: عن علي بلفظ:«أن النبي - ﷺ - كان يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في صلاته». أخرجه الدارقطني، وقال: هذا إسناد علوي، لا بأس به. وله طريق أخرى عنده بلفظ:«أنه سئل عن السبع المثاني؟ فقال: «الحمد لله رب العالمين»، قيل: إنما هي ست؟ فقال: «بسم الله الرحمن الرحيم». وإسناده كلهم ثقات. وقال الحافظ: في الحديث الأول الذي قال: «إنه لا بأس به»: إنه بين ضعيف ومجهول. ومنها: عن عمر ﵁: «أن النبي - ﷺ - كان إذا قام إلى الصلاة، فأراد أن يقرأ قال: بسم الله الرحمن الرحيم». رواه ابن عبد البر، قال: ولا يثبت فيه إلا أنه موقوف. ومنها: عن جابر ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «كيف تقرأ إذا قمت في الصلاة؟» قلت: أقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال: قل: «بسم الله الرحمن الرحيم». رواه الشيخ أبو الحسن، وفي إسناده الجهم بن عثمان، قال أبو حاتم: مجهول. ومنها: عن سمرة ﵁، قال: «كان للنبي - ﷺ - سكتتان؛ سكتة إذا قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، وسكتة إذا فرغ من القراءة» فأنكر ذلك عمران بن الحصين، فكتبوا إلى أُبَيّ بن كعب، فكتب أن صدق سمرة«. أخرجه الدارقطني، وإسناده جيد، غير أن الحديث أخرجه أبو داود والترمذي، وغيرهما بلفظ:»سكتة حين يفتتح، وسكتة إذا فرغ من السورة«. ومنها: عن أنس ﵁، قال:«كان النبي - ﷺ - يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم». أخرجه الدارقطني أيضًا. وله طريق أخرى عن أنس عند الدارقطني، والحكم بمعناه. ومنها: عن أنس أيضًا بلفظ:«سمعت رسول الله - ﷺ - يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم». أخرجه الحاكم، قال: ورواته كلهم ثقات. ومنها: عن عائشة ﵂:«أن رسول الله - ﷺ - كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم». ذكره ابن سيد الناس في شرح الترمذي، وفي إسناده الحكم بن عبد الله بن سعد، وقد تكلم فيه غير واحد. ومنها: عن بريدة بن الحصيب ﵁ بنحو حديث عائشة ﵂، وفيه جابر الجعفي، وليس بشيء، وله طريق أخرى فيها سلمة بن صالح، وهو ذاهب الحديث. ومنها: عن الحكم بن عمرو وغيره من طرق لا يعول عليها. ومنها: عن ابن عمر ﵄، قال:«صليت خلف رسول الله - ﷺ -، وأبي بكر، وعمر، فكانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم». أخرجه الدارقطني. قال الحافظ: وفيه أبو طاهر أحمد بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي العلوي، وقد كذبه أبو حاتم وغيره، ومن دونه أيضًا ضعيف ومجهول، ورواه الخطيب عن ابن عمر من وجه آخر، وفيه مسلم بن حبان، وهو مجهول، قال: والصواب أن ذلك عن ابن عمر غير مرفوع. قال الشوكاني ﵀: فهذه الأحاديث فيها القوي ، والضعيف كما عرفت، وقد عارضتها الأحاديث الدالة على ترك البسملة التي قدمناها، وقد حملت روايات حديث أنس السابقة على ترك الجهر، لا ترك البسملة مطلقًا، لما في تلك الرواية التي قدمناها في حديثه بلفظ: «فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم»، وكذلك حملت رواية حديث عبد الله بن مغفل، وغيرهما حملًا لما أطلقته أحاديث نفي قراءة البسملة على تلك الرواية المقيدة بنفي الجهر فقط، وإذا كان محصل أحاديث نفي البسملة هو نفي الجهر بها، فمتى وجدت رواية فيها إثبات الجهر قدمت على نفيه. قال الحافظ: لا بمجرد تقديم رواية المثبت على النافي، لأن أنسًا يبعد جدّا أن يصحب النبي - ﷺ - مدة عشر سنين، ويصحب أبا بكر، وعمر، وعثمان خمسًا وعشرين سنة، فلا يسمع منهم الجهر بها في صلاة واحدة، بل لكون أنس اعترف بأنه لا يحفظ هذا الحكم، كأنه لبعد عهده به لم يذكر منه الجزم بالافتتاح بالحمد لله جهرًا، فلم يستحضر الجهر بالبسملة، فيتعين الأخذ بحديث من أثبت الجهر. اهـ. ويؤيد ما قاله الحافظ من عدم استحضار أنس لذلك ما أخرجه الدارقطني عن أبي سلمة، قال: سألت أنس بن مالك: «أكان رسول الله - ﷺ - يستفتح بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، أو بـ»بسم الله الرحمن الرحيم«؟ فقال: إنك سألتني عن شيء ما أحفظه، وما سألني عنه أحد قبلك، فقلت: أكان رسول الله - ﷺ - يصلي في النعلين؟ قال: نعم». قال الدارقطني: هذا إسناد صحيح. قال الجامع عفا الله عنه: فيما قاله الحافظ من تقديم أحاديث الجهر نظر، وقد تقدم الكلام عليه. والله تعالى أعلم. وقال الحازمي ﵀ بعد ذكر الاختلاف في أحاديث أنس ﵁، وأنها كلها صحيحة مخرجة في كتب الأئمة، ما نصه: وغير مستبعد وقوع الاختلاف في مثل ذلك، وكم من شخص يتغافل عن أمر هو من لوازمه حتى لا يلقي إليه بالًا البتة، ويتنبه لأمر ليس من لوازمه، ويلقي إليه باله بالكلية، ومن أعجب ما اتفق لي أني دخلت جامعًا في بعض البلاد لقراءة شيء من الحديث، فحضر إليّ جماعة من أهل العلم، من المواظبين على الجماعة في الجامع، وكان إمامهم صَيّتًا يملأ الجامع صوته، فسألتهم عنه، هل كان يجهر بـ «بسم الله الرحمن الرحيم» أو يخفيها؟، فاختلفوا عليّ في ذلك، فقال بعضهم: يجهر بها، وقال بعضهم: يخفيها، وتوقف آخرون. قال: والحق أن كل من ذهب إلى أي من هذه الروايات فهو متمسك بالسنة. والله أعلم انتهى . وقال الشوكاني ﵀: ولكنه لا يخفى عليك أن هذه الأحاديث التي استدل بها القائلون بالجهر، منها ما لا يدل على المطلوب، وهو ما كان فيه ذكر أنها آية من الفاتحة، أو ذكر القراءة لها، أو ذكر الأمر بقراءتها من دون تقييد بالجهر بها في الصلاة؛ لأنه لا ملازمة بين ذلك وبين المطلوب، وهو الجهر بها في الصلاة، وكذا ما كان مقيدًا بالجهر بها دون ذكر الصلاة؛ لأنه لا نزاع في الجهر بهما خارج الصلاة. فإن قلت: أما ذكر أنها آية، أو ذكر الأمر بقراءتها بدون تقييد بالجهر، فعدم الاستلزام مسلم، وأما ذكر قراءته - ﷺ - في الصلاة لها فالظاهر أنه يستلزم الجهر، لأن الطريق إلى نقله إنما هو السماع، وما يسمع جهر، وهو المطلوب. قلت: يمكن أن يكون الطريق إلى ذلك إخباره - ﷺ - أنه قرأ بها في الصلاة، فلا ملازمة، والذي يدل على المطلوب منها هو ما صرح فيه بالجهر بها في الصلاة، وهي أحاديث لا ينتهض الاحتجاج بها كما عرفت، ولهذا قال الدارقطني: إنه لم يصح في الجهر بها حديث. ولو سلمنا أن ذكر القراءة في الصلاة يستلزم الجهر بها لم يثبت بذلك مطلوب القائلين بالجهر؛ لأن أنهض الأحاديث الواردة بذلك حديث أبي هريرة المتقدم، وقد تعقب باحتمال أن يكون أبو هريرة أشبههم صلاة برسول الله - ﷺ - في معظم الصلاة، لا في جميع أجزائها، على أنه قد رواه جماعة عن نعيم، عن أبي هريرة، بدون ذكر البسملة، كما قال الحافظ في «الفتح». وقد جمع القرطبي بما حاصله: أن المشركين كانوا يحضرون المسجد، فإذا قرأ رسول الله - ﷺ - قالوا: إنه يذكر رحمن اليمامة -يعنون مسيلمة- فأمر أن يخافت ببسم الله الرحمن الرحيم، ونزلت: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠] قال الحكيم الترمذي: فبقي ذلك إلى يومنا هذا على ذ كر الرسم، وإن زالت العلة، وقد روى هذا الحديثَ الطبرانيُّ في «الكبير»، و«الأوسط». وعن سعيد بن جبير قال: كان رسول الله - ﷺ - يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وكان المشركون يهزءون بمكاء وتصدية، ويقولون: محمد يذكر إله اليمامة، وكان مسيلمة الكذاب يسمى رَحْمَانًا، فأنزل الله: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ فتسمع المشركين، فيهزءوا بك، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عن أصحابك، فلا تسمعهم. رواه ابن جبير، عن ابن عباس، ذكره النيسابوري في «التيسير». وهذا جمع حسن إن صح أن هذا كان سببًا في ترك الجهر، وقد قال في «مجمع الزوائد»: إن رجاله موثقون. وقد ذكر ابن القيم ﵀ في «زاد المعاد» وكان -أي النبي - ﷺ -- يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم تارة، ويخفيها أكثر مما جهر بها، ولا ريب أنه لم يكن يجهر بها دائمًا في كل يوم وليلة خمس مرات أبدًا حضرًا وسفرًا، ويخفى ذلك على خلفائه الراشدين، وعلى جمهور أصحابه، وأهل بلده في الأعصار الفاضلة، هذا من أمحل المحال حتى يحتاج إلى التشبث فيه بألفاظ مجملة، وأحاديث واهية، فصحيح تلك الأحاديث غير صريح، وصريحها غير صحيح. انتهى . وقال الشوكاني ﵀: وأكثر ما في المقام الاختلاف في مستحب أو مسنون، فليس شيء من الجهر وتركه يقدح في الصلاة ببطلان بالإجماع، فلا يهولنك تعظيم جماعة من العلماء لشأن هذه المسألة، والخلاف فيها، ولقد بالغ بعضهم حتى عدها من مسائل الاعتقاد. انتهى المقصود من كلام الشوكاني رحمه الله تعالى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تلخص مما تقدم من أقوال هؤلاء الأئمة من النظر في أدلة الفريقين أن الأرجح الإسرار بالبسملة لقوة أدلته، وأما أحاديث الجهر فصريحها غير صحيح، وصحيحها غير صريح، فلا تعارض بها الأحاديث الصحيحة الصريحة، لكن مجموعها يفيد قوة، فتصلح للاحتجاج بها، لتحمل على بعض الأوقات، وبهذا تجتمع الأدلة. وخلاصة ذلك أن الإسرار بالبسملة هو الأولى، ولكن يستحسن الجهر بها أحيانًا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. وإن أردت تحقيق الكلام على أدلة الفريقين فراجع «الفتاوى الكبرى» لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى جـ ١ ص ٧٧ - ٨٧. فلقد حقق المسألة حق التحقيق، ودقق نظره فيها غاية التدقيق. وكتاب «نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية» للحافظ الزيلعي رحمه الله تعالى جـ ١ ص ٣٢٣ - ٣٦٣. فلقد جمع، وأفاد، وأحسن، وأجاد. والله تعالى أعلم. تنبيه: قال الإمام أبو محمد بن حزم ﵀: ومن كان يقرأ برواية من عدّ «بسم الله الرحمن الرحيم» آية من القرآن لم تجزه الصلاة إلا بالبسملة، وهم عاصم بن أبي النجود، وحمزة، والكسائي، وعبد الله ابن كثير، وغيرهم من الصحابة والتابعين ﵃. ومن كان يقرأ برواية من لا يعدها آية من القرآن فهو مخير بين أن يبسمل، وبين أن لا يبسمل، وهم ابن عامر، وأبو عمرو، ويعقوب، وفي بعض الروايات عن نافع. انتهى. واعترض عليه المحقق أحمد محمد شاكر ﵀، فقال: هكذا أطلق المؤلف الرواية في البسملة عن القراء، وهو خطأ، فإن الذين قرؤوا منهم بترك البسملة إنما قرؤوا بذلك عند الوصل فقط، أي إذا وصل القارىء سورة بالتي قبلها، على أن كل من روي عنه تركها منهم روي عنه إثباتها، ولم يرد عن واحد منهم في حذفها رواية واحدة قط. ثم إن هذا الخلاف بينهم إنما هو في غير الفاتحة. قال إمام القرّاء أبو الخير بن الجزري في كتاب «النشر في القراءات العشر» جـ ١ ص ٢٦٢: «إن كلًا من الفاصلين بالبسملة والواصلين والساكتين إذا ابتدؤوا سورة من السور بسمل بلا خلاف عن واحد منهم، إلا إذا ابتدأ براءة». ثم قال: «لم يكن بينهم خلاف في إثبات البسملة أول الفاتحة، سواء وصلت بسورة الناس قبلها، أو ابتدئ بها، لأنها ولو وصلت لفظًا، فإنها مبتدأ بها حكمًا، ولذلك كان الواصل هنا حالًا مُرْتَحِلًا». والحق أن قراءة من قرأ بحذفها في الوصل قراءة شاذة غير صحيحة، وإن كانت من السبعة أو العشرة؛ لأن من شرط صحة القراءة موافقة رسم المصحف، كما اتفق عليه عامة القراء بغير خلاف، بل هو اتفاق جميع العلماء، وما كان الصحابة ﵃ ليزيدوا في المصاحف مائة وعشرين بسملة من غير أن تكون نزلت في المواضع التي كتبت فيها ولو شككنا في هذا لفتحنا بابًا عريضًا للملاحدة اللاعبين بالنار، وقد كان الصحابة أحرص على كتاب الله من أن يتطرق إليه شك أو وهم، ولذلك جردوا المصاحف من أسماء السور، ولم يكتبوا «آمين»، وامتنع عمر من كتابة شهادته هو وبعض كبار الصحابة بالرجم خشية أن يتوهم أنها زيادة على الكتاب، وصدع بذلك على المنبر. وأما من أجاز قراءة الفاتحة في الصلاة بدون بسملة فإنه لا دليل له أصلًا، والأحاديث التي استدلوا بها بعضها ضعيف، وبعضها لا يدل صراحة على ذلك، ولا تعارض اتفاق القراء من غير خلاف على البسملة في أول الفاتحة مع تأيد هذا برسم المصحف، وهو الحجة الأولى القاطعة لكل النزاع. وقد حققنا هذا الموضوع في شرحنا على التحقيق لابن الجوزي بما لا تجده في كتاب آخر، والحمد لله رب العالمين. انتهى كلام المحقق أحمد شاكر رحمه الله تعالى . وبالله تعالى التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
مصادر المؤلف (٣٦)

١. «تت» جـ ١٢ ص ١٠٤.

٢. «نهاية ابن الأثير»جـ ٢ ص ١٢.

٣. «ق» بزيادة يسيرة ص ٢٣٧.

٤. لسان العرب جـ ٢ ص ١١٠٨.

٥. شرح مسلم جـ ٤ ص ١٠١.

٦. عون المعبود جـ ٣ ص ٣٨ - ٣٩.

٧. المنهل جـ ٥ ص ٢٤٧.

٨. المنهل العذب المورود جـ ٥ ص ٢٤٧.

٩. الاستذكار جـ ٤ ص ١٩٣.

١٠. «الطِّرق» بالكسر: الشحم، والقوة، والسِّمَن. قاله في «ق» ص ١١٦٦.

١١. لسان باختصار، وزيادة جـ ٥ ص ٣٢٩٦.

١٢. «المصباح المنير» جـ ١ ص ٢٠٧ - ٢٠٨.

١٣. «معالم السنن» جـ ١ ص ٣٨٨ - ٣٨٩.

١٤. «المنهل العذب المورود» بتصرف جـ ٥ ص ٢٤٨.

١٥. أفاده في المنهل جـ ٥ ص ٢٤٨.

١٦. راجع تفسير ابن كثير جـ ١ ص ٢٤.

١٧. شرح غريب ألفاظ الشافعي ص ٢٢٨.

١٨. تفسير القرطبي باختصار جـ ١ ص ١٠٦.

١٩. المصدر السابق جـ ١ ص ١٣٩.

٢٠. شرح مسلم جـ ٤ ص ١٠٤.

٢١. تفسير ابن جرير الطبري جـ ١ ص ٦٩.

٢٢. وهو العلامة محمد بن عبد الرحمن القزويني، صاحب «تلخيص المفتاح» في علوم البلاغة جـ ١ ص ٤٧١ - ٤٧٥. بنسخة حاشية الدسوقي.

٢٣. «تفسير ابن كثير» جـ ١ ص ٢٨.

٢٤. حديث حسن، أخرجه أحمد، والترمذي، والحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.

٢٥. جامع الأحكام جـ ١ ص ١٤٧.

٢٦. «تفسير ابن كثير» جـ ١ ص ٣٠.

٢٧. «الجامع لأحكام القرآن» جـ ١ ص ١٤٨ - ١٤٩.

٢٨. المصدر السابق.

٢٩. «الإنصاف فيما بين علماء المسلمين في قراءة»بسم الله الرحمن الرحيم«من الاختلاف». وهي رسالة مطبوعة ضمن مجموعة الرسائل المنيرية التي عنيت بنشرها، وتصحيحها إدارة الطباعة المنيرية، سنة ١٣٤٣ هـ لصاحبها ومديرها محمد منير عبده أغا الدمشقي بمصر بشارع الكحكيين نمرة ١.

٣٠. هو شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما في «الفتاوى الكبرى» جـ ١ ص ٨٦ - ٨٧.

٣١. «نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية»جـ ١ ص ٣٢٧ - ٣٢٨.

٣٢. قلت: بل كلها فيها مقال، غير حديث أبي هريرة المذكور في الباب، فلا يعارض بها ما ثبت من الأحاديث الصحاح في عدم الجهر، فتأمل.

٣٣. اهـ كلام الحازمي في «الناسخ والمنسوخ» منقولًا عن «نصب الراية» جـ ١ ص ٣٦٣.

٣٤. «زاد المعاد»جـ ١ ص ٢٠٦ - ٢٠٧.

٣٥. «نيل الأوطار»جـ ٣ ص ٤٢ - ٤٨.

٣٦. راجع «المحلى» جـ ٣ ص ٢٥١ - ٢٣٢.