HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٩٢٠

أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ صَدَقَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَاقِدٍ ، عَنْ حَرَامِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ رَبِيعَةَ ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: «صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بَعْضَ الصَّلَوَاتِ، الَّتِي يُجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ، فَقَالَ: لَا يَقْرَأَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِذَا جَهَرْتُ بِالْقِرَاءَةِ، إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:ضعيف
  • الألباني:ضعيفضعيف سنن النسائي ج1 ص33
  • زبير علي زئي:إسناده صحيح
ج ٢ ص ١٤١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٧ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١١ ص٦٣٩
٢٩ - قِرَاءَة أمّ القُرْآنِ خَلْفَ الإِمَامِ فِيماَ جَهَرَ بهِ أي هذا باب ذكر الحديث الدَّال على وجوب قراءة الفاتحة على المأموم خلف إمامه في الصلاة الجهرية. أراد المصنف رحمه الله تعالى أن ما تقدم في حديث الباب الماضي من إنكاره - ﷺ - على من نازعه القرآن محمول على ما عدا أم القرآن، لحديث الباب، فإنه خاص، فيقدم على العام، وهذا كما ذكرناه في الباب الماضي هو المذهب الحقّ الذي لا مرية فيه. والله تعالى أعلم. ٩٢٠ - أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ صَدَقَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ حَرَامِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بَعْضَ الصَّلَوَاتِ الَّتِي يُجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ، فَقَالَ: «لَا يَقْرَأَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِذَا جَهَرْتُ بِالْقِرَاءَةِ، إِلاَّ بِأُمِّ الْقُرْآنِ». رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (هشام بن عمار) بن نُصَير السلمي الدمشقي الخطيب، صدوق مقرئ، كبر فصار يتلقن، فحديثه القديم أصح، مات سنة ٢٤٥، من كبار [١٠]، أخرج له البخاري، والأربعة، تقدم في ١٣٤/ ٢٠٢. ٢ - (صدقة) بن خالد القرشي الأموي، أبو العباس الدمشقي، مولى أم البنين أخت معاوية بن أبي سفيان، قاله البخاري، وأبو حاتم، وقيل: أخت عمر بن عبد العزيز، قاله هشام بن عمار، ثقة من [٨]. ذكره ابن سعد في الطبقة الخامسة، وذكره خليفة بن خياط في الطبقة السادسة. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ثقة ثقة ليس به بأس، أثبت من الوليد بن مسلم، صالح الحديث. وقال ابن معين، ودُحَيم، وابن نمير، والعجلي، ومحمد بن سعد، وأبو زرعة، وأبو حاتم: ثقة. زاد ابن نمير: وهو أوثق من صدقة بن عبد الله، وصدقة بن يزيد. وقال ابن معين: كان صدقة أحب إلى أبي مسهر من الوليد، وكان يحيى بن حمزة قَدَريًّا، وصدقة أحب إليّ منه. وقال أبو زرعة الدمشقي: سمعت أبا مسهر يقول: صدقة صحيح الأخذ، صحيح الإعطاء. وقال الآجري، عن أبي داود: من الثقات، هو أثبت من الوليد بن مسلم، روى الوليد عن مالك عشرة أحاديث ليس لها أصل، منها عن نافع أربعة. قال دُحيم، وغيره: مولده سنة ١١٨، وقال معاوية بن صالح، عن ابن معين: ثقة توفي سنة ١٧٠ أو ١٧١، وقال هشام بن عمار، وغيره: مات سنة ١٨٠ وقال دحيم: مات سنة ١٨٤، وكان كاتبًا لشعيب. وذكره ابن حبان، وهو مولى أم البنين أخت معاوية بن يزيد بن معاوية ابن أبي سفيان، وقال النسائي في الكنى، وابن عمار: ثقة. أخرج له الجماعة، إلا مسلمًا، والترمذي . ٣ - (زيد بن واقد) القرشي أبو عُمَر، ويقال: أبو عمرو الشامي الدمشقي، ثقة، من [٦]. قال أحمد، وابن معين، ودحيم، والعجلي، والدارقطني: ثقة. وقال يعقوب بن سفيان: سألت عبد الرحمن بن إبراهيم -يعني دُحَيما -أيُّ أصحاب مكحول أعلى، فذكر جماعة، ثم قال: لكن زيد بن واقد من كبارهم. وقال أبو حاتم: لا باس به، محله الصدق. وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال عبد الله بن يوسف التنيسي: كان يتهم بالقدر. قال الحسن بن محمد بن بكار: مات في سنة ١٣٨. له في صحيح البخاري حديث واحد في فضل أبي بكر ﵁. وقال ابن حبان في «الثقات»: يعتبر حديثه من غير رواية ابنه عبد الخالق. وقال أبو بكر البزار: ليس به بأس، يجمع حديثه. أخرج له الجماعة، إلا مسلمًا، والترمذي . ٤ - (حرام بن حكيم) -بمهملتين مفتوحتين- بن خالد بن سعد ابن الحكم الأنصاري، ويقال: الْعَبْثَمِيُّ، ويقال: العنسي -بالنون- الدمشقي، وهو حرام بن معاوية، كان معاوية بن صالح يقوله على الوجهين، ووَهِمَ من جعلهما اثنين، وهو ثقة، من [٣]. روَى عن عمه عبد الله بن سعد، وله صحبة، وأبي ذرّ، ونافع بن محمود بن ربيع، وقيل: ربيعة الأنصاري، وأنس، وأبي مسلم الخولاني. وعنه العلاء بن الحارث، وزيد بن واقد، وعبد الله بن العلاء ابن زَبْر، وزيد بن رفيع، وعدّة. قال دُحَيم، والعجلي: ثقة. وقال البخاري: حرام بن حكيم عن عمه عبد الله بن سعد، وغيره، وعنه زيد بن واقد وغيره، ثم ذكر بعد تَرْجَمَةٍ: حَرَامُ بنُ معاويةَ، عن النبي - ﷺ - مُرْسَلٌ، قاله معمر، عن زيد ابن رفيع. قال الخطيب: وهم البخاري في فصله بين حرام بن حكيم، وبين حرام بن معاوية؛ لأنه رجل واحد، اختلف على معاوية بن صالح في اسم أبيه، ثم قال الخطيب: وقيل: إنه يرسل الرواية عن أبي ذرّ، وعن أبي هريرة، وذكره الدارقطني في «المؤتلف والمختلف» كما ذكره البخاري، وكأنه اعتمد على قوله، ونَقَلَه من تاريخه. وقد تبع البخاري ابنُ أبي حاتم، وابن ماكولا، وأبو أحمد العسكري، وغيرهم. وفي «الثقات» لابن حبان: حرام بن حكيم المذكور في التابعين، وذكر أبو موسى المديني حرامَ بن معاوية في الصحابة، وأورد له حديثه المرسل، ونقل بعض الحفاظ عن الدارقطني أنه وثق حرام بن حكيم، وقد ضعفه ابن حزم في «المحلى» بغير مستند، وقال عبد الحق عقب حديثه: لا يصح هذا، وقال في موضع آخر: حرام ضعيف، فكأنه تبع ابن حزم، وأنكر عليه ذلك ابن القطان الفاسي، فقال: بل مجهول الحال، وليس كما قالوا: ثقة، كما قال العجلي وغيره. أخرج له البخاري في «جزء القراءة»، والباقون إلا مسلمًا . ٥ - (نافع بن محمود بن ربيعة) ويقال: اسم جده ربيع الأنصاري المدني، نزيل بيت المقدس، ثقة من [٣]. روى عن عبادة بن الصامت في القراءة خلف الإمام. وعنه مكحول الشامي، وحرام بن حكيم، ذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: متن خبره في القراءة خلف الإمام يخالف متن خبر محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، كأنهما حديثان، وعند مكحول الخبران جميعًا عن محمود بن الربيع، وعن نافع بن محمود بن ربيعة، وعند الزهري الخبر عن محمود بن الربيع مختصر غير مستقصى. انتهى . وقال الدارقطني لمَّا أخرج الحديثَ: هذا حديث حسن، ورجاله ثقات. وقال ابن عبد البر: نافع مجهول. اهـ. وقال الحافظ الذهبي في «الكاشف»: ثقة. اهـ. جـ ٣ ص ١٩٧. وقال في «الميزان»: ذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: حديثه معلل اهـ. جـ ٤ ص ٢٤٢. قال الجامع عفا الله عنه: قوله: وقال: حديثه معلل. فيه نظر، فإن ابن حبان لم يقل: حديثه معلل. وعبارته في «الثقات»، كما مر آنفًا: «متن خبره يخالف متن خبر محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، كأنهما حديثان». وهذا لا يدلّ على التعليل، وإنما يدلّ على عكسه، فإن قوله: كأنهما حديثان إشارة إلى كونهما محفوظين، وقد صرح الحافظ بأن ابن حبان قال: إن الطريقين محفوظان. وسيأتي تمام البحث في ذلك في المسألة الأولى، إن شاء الله تعالى. أخرج له البخاري في «جزء القراءة»، وأبو داود، والنسائي . ٦ - (عبادة بن الصامت) بن قيس الأنصاري الخزرجي، أبو الوليد المدني، أحد النقباء ليلة العقبة، بدري مشهور، مات بالرملة سنة ٣٤، وله ٧٢ سنة، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢٤/ ٩١٠. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، على الراجح، وفيه رواية تابعي، عن تابعي، وفيه من صيغ الأداء الإخبار، والعنعنة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن عبادة بن الصامت) ﵁، أنه (قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ - بعض الصلوات) ورواية الصنف لهذا الحديث مختصرة، وقد أخرجه أبو داود في سننه مُطَوَّلًا، فقال: حدثنا الربيع بن سليمان الأزدي، نا عبد الله بن يوسف، نا الهيثم ابن حميد، أخبرني زيد بن واقد، عن مكحول، عن نافع بن محمود بن الربيع الأنصاري، قال نافع: أبطأ عبادة بن الصامت، عن صلاة الصبح، فأقام أبو نعيم المؤذن الصلاة، فصلى أبو نعيم بالناس، وأقبل عبادة بن الصامت، وأنا معه، حتى صففنا خلف أبي نعيم، وأبو نعيم يجهر بالقراءة، فجعل عبادة يقرأ بأم القرآن، فلما انصرف قلت لعبادة: سمعتك تقرأ بأم القرآن، وأبو نعيم يجهر، قال: أجل، صلى بنا رسول الله - ﷺ - بعض الصلوات التي يُجهَر فيها بالقراءة، قال: فالتبست عليه القراءة، فلما انصرف أقبل علينا بوجهه، فقال: «هل تقرؤون إذا جهرت بالقراءة؟»، فقال بعضنا: إنا نصنع ذلك، قال: «فلا، وأنا أقول: مالي يُنازَعُني القرآن، فلا تقرءوا بشيء من القرآن إذا جهرت، إلا بأم القرآن». انتهى . (التي يجهر فيها بالقراءة) ببناء الفعل للمفعول، والجار والمجرور الأول نائب الفاعل، والثاني متعلق به (فقال) - ﷺ - (لا يقرأنّ أحد منكم) «لا» ناهية، والفعل مبني لأجل نون التوكيد (إذا جهرت بالقراءة) هذا القيد يفيد أن المأموم يقرأ غير الفاتحة معها في الصلاة السرية (إِلا بأم القرآن) أي سورة الفاتحة، وتقدم سبب تسميتها بـ «أم القرآن». وفيه أن المأموم يقرأ أم القرآن، وإن كانت الصلاة جهرية، وقد تقدم أن هذا هو المذهب الراجح. وقال الشيخ الألباني في تعليقه على «المشكاة» عند قوله: «لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب»، ما نصه: هذا لا يدلّ على وجوب الفاتحة وراء الإمام، كما يُظَنّ، بل على الجواز؛ لأن الاستثناء جاء بعد النهي، وذلك لا يفيد إلا الجواز، وله أمثلة في الاستعمال القرآني، وتفصيل ذلك لا يتسع له المقام، فمن شاء التحقيق، فليرجع إلى كتاب: «فيض القدير» للشيخ أنور الكشميري، ويشهد لذلك ما في رواية ثابتة في الحديث بلفظ: «لا تفعلوا إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب»، فهذا كالنص على عدم الوجوب. فتأمل. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا عجيب من الشيخ، فإن الأحاديث الصحيحة صريحة في الوجوب، ففي حديث عبادة ﵁: «فلا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها». صححه ابن خزيمة جـ ٣ ص ٣٦ - ٣٧، وابن حبان جـ ٥ ص ٨٦. فإن هذا نص صريح الدلالة على الوجوب. وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الأولى، إن شاء الله تعالى. والحاصل أن وجوب قراءة الفاتحة على المأموم مطلقًا هو الحق. فتبصر والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث عبادة بن الصامت ﵁ هذا صحيح، وسيأتي الكلام على تضعيف الشيخ الألباني له، إن شاء الله تعالى. اعلم أن هذا الحديث قد صححه ابن خزيمة، انظر «صحيحه» جـ ٣ ص ٣٦ - ٣٧، وابن حبان؛ انظر «صحيحه» جـ ٥ ص ٨٦ - ٨٧ و٩٥ و١٥٦ - ١٥٧. وحسنه الترمذي، وقال الدارقطني بعد إخراجه: هذا إسناد حسن، ورجاله كلهم ثقات. وقال البيهقي: هذا إسناد صحيح، ورواته ثقات. وقال الحافظ في «التلخيص»: رواه أحمد، والبخاري في «جزء القراءة»، وصححه أبو داود، والترمذي، والدارقطني، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي من طريق ابن إسحاق، حدثني مكحول، عن محمود ابن ربيعة، عن عبادة. وتابعه زيد بن واقد وغيره، عن مكحول. ومن شواهده ما رواه أحمد من طريق خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة، عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لعلكم تقرءون، والإمام يقرأ؟» قالوا: إنا لنفعل، قال: «لا، إلا أن يقرأ أحدكم بفاتحة الكتاب». إسناده حسن. ورواه ابن حبان من طريق أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس. وزعم أن الطريقين محفوظان، وخالفه البيهقي، فقال: إن طريق أبي قلابة عن أنس ليست محفوظة. انتهى . وأخرج في أمالي «الأذكار» بسنده عن الإمام أحمد، ثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا أبي، ثنا ابن إسحاق، حدثني مكحول، عن محمود بن ربيعة الأنصاري، عن عبادة بن الصامت، ﵁، قال: صلى بنا النبي - ﷺ - الصبح، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف من الصلاة أقبل علينا بوجهه، فقال: «إني لأراكم تقرءون خلف إمامكم إذا جهر؟» قالوا: إنا لنفعل ذلك قال: «لا تفعلوا إلا بأم القرآن، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها». قال: هذا حديث حسن، أخرجه أبو داود عن عبد الله بن محمد النفيلي، عن محمد بن سلمة، وأخرجه الترمذي من رواية عبدة بن سليمان، وأخرجه ابن خزيمة في «صحيحه»، من رواية عبد الأعلى، والدارقطني من رواية إسماعيل بن عُليّة، ثلاثتهم عن محمد بن إسحاق. ولم ينفرد به محمد بن إسحاق، بل تابعه عليه زيد بن واقد، أحد الثقات من أهل الشام. ثم أخرجه من طريق النسائي لحديث الباب. قال: وله شاهد من حديث أنس، أخرجه ابن حبان في «صحيحه» عن أبي يعلى، وهو في مسنده من رواية أيوب، عن أبي قلابة، عنه. وهو في «مسند أحمد»، و«جزء القراءة خلف الإمام» للبخاري من رواية خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن محمد بن أبي عائشة، عمن شهد النبي - ﷺ -. فذكر ابن حبان أن الطريقين محفوظان. وقال البيهقي: رواية خالد الحذاء هي المحفوظة ، وهكذا قال غيره. والله أعلم. انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى باختصار . قال الجامع عفا الله عنه: فظهر بما ذكر أن حديث عبادة بن الصامت ﵁ من طريق ابن إسحاق صحيح أيضًا، فمحمد ابن إسحاق صرح بالتحديث، وتابعه زيد بن واقد، -كما هو عند المصنف هنا -وهو ثقة، ومكحول تابعه حَرَام بن حكيم- كما هو عند المصنف أيضًا- وهو أيضًا ثقة، وقد تقدم عن ابن حبان أنه أشار إلى أن مكحولًا أخذ الحديث عن محمود بن الربيع، ونافع بن محمود بن ربيعة. وقال أبو محمد بن حزم ﵀ في الرد على من ضعف الحديث ما حاصله: وقد مَوَّهَ قوم بأن قالوا: هذا خبر من رواية ابن إسحاق، ورواه مكحول مرة عن محمود بن الربيع، عن عبادة، ومرة عن نافع ابن محمود بن الربيع، عن عبادة. قال: وهذا ليس بشيء؛ لأن محمد بن إسحاق أحد الأئمة. ثم ذكر أبو محمد من وثق ابن إسحاق من الأئمة. وقد تقدم نقله بتمامه في المسألة الرابعة من الباب الماضي. ثم قال: وأما رواية مكحول هذا الخبر مرة عن محمود، ومرة عن نافع بن محمود، فهذا قوة للحديث، لا وَهْن، لأن كليهما ثقتان. انتهى. المقصود من كلام ابن حزم رحمه الله تعالى . قال الجامع عفا الله عنه: إذا تحقق ما تقدم من كون حديث الباب صحيحًا دون شك، فلنذكر أن الشيخ الألباني ضعف حديث الباب من رواية نافع بن محمود التي عند المصنف، وغيره، ومن رواية مكحول التي عند أبي داود وغيره، فأما تضعيفه لرواية نافع، ففي ضعيف النسائي ٣٩، وضعيف أبي داود ١٧٧. وقال في تعليقه على «المشكاة»، ما نصه: هذه الرواية لا تصح؛ لأن في سندها نافع بن محمود بن الربيع، قال الذهبي: لا يعرف. اهـ. جـ ١ ص ٢٧٠. والجواب عن هذا: أن عبارة الذهبي هذه وإن ذكرها في «ميزان الاعتدال» إلا أنها غير محررة، فلا تصلح لتضعيف الحديث الصحيح، وسيأتي تمام الكلام عليها في كلام العلامة المباركفوري ﵀، إن شاء الله تعالى. وقد صح أن الذهبي وثقه، فقال في «الكاشف» جـ ٣ ص ١٩٧: نافع ابن محمود المقدسي، عن عبادة بن الصامت، وعنه مكحول، وحرام ابن حكيم: ثقة. اهـ. وقد تقدم أنه وثقه الدارقطني، وابن حبان، وابن حزم،. وقد تابعه على روايته عن عبادة هذا الحديث محمود بن الربيع، فتضعيفه الحديث بما في عبارة «الميزان» التي ليست محررة غير صحيح. ولقد أحسن العلامة المباركفوري ﵀ حيث فَنَّد الإعلال بنافع ابن محمود، المذكور، فأجاد، وأفاد، وأسهب، وأعاد، وهاك خلاصة عبارته: قال: وقال بعض الحنفية: إن هذا الحديث لا يصح، فإن في إسناده نافع بن محمود، وقال ابن حجر فيه: «مستور». والجواب عنه: أن نافع بن محمود وثقه الذهبي الذي قال فيه ابن حجر في «شرح نخبة الفكر»: وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال، مقد قال في «الكاشف»: نافع بن محمود المقدسي، عن عبادة ابن الصامت، وعنه مكحول، وحرام بن حكيم: ثقة. ووثقه ابن حبان، والدارقطني أيضًا، وابن حزم، فلما اتفق الدارقطني، وابن حبان، وابن حزم، والذهبي على توثيقه، فلا يكون مستورًا أبدًا، فإن المستور يطلقونه على من روى عنه اثنان فصاعدًا، ولم يوثقه أحد. وقال الشيخ عبد الحي في «غيث الغمام» ما خلاصته: ومن وجوه الإيراد والجواب عن حديث عبادة أن من رواة ذلك الحديث في بعض الأسانيد المخرجة في «سق أبي داود» وغيره، نافع بن محمود بن الربيع الأنصاري، وهو مجهول، كما نقله في تهذيب التهذيب عن ابن عبد البر. وجوابه أن هذا الحديث قد أخرجه الدارقطني، وقال: حديث حسن، ورجاله ثقات، وذكره ابن حبان في الثقات. انتهى باختصار . زد على ذلك أن حديث نافع ورد من طرق عِدَّة، فلو فرضنا أن نافعًا مستور، فحديثه مقبول لكثرة طرقه، ولا يقدح كونه مستورًا في قبول حديثه في شيء. قال بعض علماء الحنفية: إن نافع بن محمود، وإن وثقه الدارقطني، إلا أن توثيقه لم يثبت لدى الجمهور، فإن نافعًا مجهول الوصف، لا مجهول العين؛ لأنه روى عنه اثنان: حرام بن حكيم، ومكحول، ومذهب الدارقطني -كما قال السخاوي في «فتح المغيث»-: أن من روى عنه ثقتان، فقد ارتفعت جهالته، وثبتت عدالته . فيمكن أن نافعًا وثقه الدارقطني على مذهبه هذا. والجواب عنه: قد مر آنفًا أن الدارقطني لم يتفرد بتوثيقه، بل وافقه عليه ابن حبان، وابن حزم والذهبي أيضًا. فالقول باحتمال أن الدارقطني وثقه على مذهبه في توثيق مجهول الوصف لا يلتفت إليه. زد على ذلك أن الدارقطني قال فيه: ثقة، وكلمة «ثقة» تطلق على من كان عدلًا ضابطًا، فمن كان عدلًا غير ضابط، أو ضابطًا غير عدل لا يقال له ثقة. فإن قيل: قال بعض العلماء الحنفية: إن ابن حبان متساهل في التوثيق، وقد تساهل في كتاب الثقات كثيرًا، وأدخل فيه كثيرًا من الضعفاء، فلا اعتداد بما ذكره في الثقات، فلا ترتفع جهالة نافع بن محمود بتوثيق ابن حبان . فالجواب عنه: أن قائل هذا القول غافل عن علم الحديث، وجعله كتاب الثقات غير معتبر دليل على جهله وغفلته. ولا شك أن ابن حبان متساهل، لكن توثيقه الذي لم يتكلم فيه أيُّ ناقدٍ معتبرٌ، ومقبولٌ بلا ريب، وترتفع به جهالة الراوي. كيف، وقد وافقه هنا الدارقطني، وابن حزم والذهبي؟ والحاصل أنه لا شك في كون رواية نافع بن محمود المذكورة صحيحة مقبولة. فإن قيل: قال في «ميزان الاعتدال»: قال ابن حبان في ترجمة نافع ابن محمود في كتاب «الثقات»: وحديثه معلل. قلنا: لا شك أن ترجمة نافع بن محمود في «ميزان الاعتدال» المطبوع بمطبعة الأنوار المحمدية هكذا: ذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: حديثه معلل، وروى عنه مكحول أيضًا. لكن ينبغي أن يعلم أن جملة «وحديثه معلل» لا وجود لها في أصل كتاب الثقات لابن حبان، ودونك نص كتابه: نافع بن محمود بن ربيعة من أهل إيلياء، يروي عن عبادة بن الصامت، روى عنه حرام بن حكيم، ومكحود، متنُ خبره في القراءة خلف الإمام يخالف متن خبر محمود بن الربيع، عن عبادة، كأنهما حديثان، أحدهما أتم من الاخر، وعند مكحول الخبران جميعًا عن محمود بن الربيع، ونافع بن محمود بن ربيعة، وعند الزهري الخبر عن محمود بن الربَيع، عَنَ عبادة، مختصر غير مستقصى. انتهى كلام ابن حبان . فانظر أنه لا وجود لهذه الجملة فيه. وقد نقل ترجمته الحافظ ابن حجر في «تهذيب التهذيب»، وبرهان الدين سبط ابن العجمي في «نهاية السول في رواة الستة الأصول»، والشيخ عبد الحي اللكنوي في «غيث الغمام» من «كتاب الثقات»، فلم توجد عند أحد منهم هذه الجملة. وخلاصة القول أنه لا وجود لهذه الجملة في كتاب ابن حبان البتة، فإن كانت في نسخ الميزان المخطوطة المصححة، فهو وهم من الذهبي، وإن لم تكن موجودة فيها، فهو خطأ مطبعي بدون شك، فذكر هذه اللفظة في تضعيف حديث نافع بن محمود غفلة، وقصور نظر. انتهى المقصود من كلام المباركفوري رحمه الله تعالى بتصرف واختصار، وزيادة يسيرة . قال الجامع عفا الله عنه: فقد تبين بهذا أن ما ضعيف به الشيخ الألباني حديث الباب، بما نقله عن الذهبي غير صحيح، فتبصر بالإنصاف، ولا تتحير بالاعتساف. وأما تضعيفه لرواية مكحول: فقال في تعليقه على صحيح ابن خزيمة: إسناده ضعيف، فيه عِلَل، منها عنعنة مكحول، والاضطراب في إسناده. اهـ. وقد أحسن العلامة المباركفوري رحمه الله تعالى في الجواب عن الإعلال بما ذكر، فأجاد، وأفاد، وأسهب، وأعاد، وهاك خلاصة ما قاله رحمه الله تعالى: قال بعض العلماء الحنفية: إن حديث عُبادة معلول بثلاثة وجوه: أحدها: أن فيه مكحولًا، وهو يدلس، ورواه معنعنًا. الثاني: أن في إسناده اضطرابًا، فقد رواه مرة عن عبادة بن الصامت مرسلًا، وأخرى عن نافع بن محمود، عن عبادة، وتارة عن محمود، عن عبادة، وآونة عن محمود، عن أبي نعيم أنه سمع عبادة ابن الصامت، فأدخل بين محمود، وعبادة رجلًا آخر، وهو أبو نعيم، فاضطرب إسناده، والاضطراب مورث للضعف. الثالث: أنه تفرد بذكر محمود بن الربيع، عن عبادة في طريق مكحول محمد بن إسحاق، وهو لا يحتج بما انفرد به. قال ابن حجر في «الدراية» في كتاب الحج: وابن إسحاق لا يحتج بما انفرد به من الأحكام، فضلًا عما إذا خالفه من هو أثبت منه. اهـ. وخالفه زيد بن واقد من أصحاب مكحول، فرواه عن مكحول، عن نافع، عن عبادة، وهو أثبت منه، فصارت طريقته شاذة غير محفوظة. فالجواب عليه: أن حديث عبادة هذا صحيح، كما شهد على صحته أئمة الحديث، ومن أعله بالوجوه المذكورة، فقد تعصب، أو جهل علم الحديث، وإليكم الجواب مفصلًا: والجواب عن الوجه الأول: أن محمود بن الربيع الذي روى عنه مكحول هذا الحديث صحابي صغير، ومكحول لا يدلس عن صغار الصحابة، فلا تضر عنعنته هنا في شيء. قال الحافظ في «ت»: محمود بن الربيع بن سراقة بن عمرو الخزرجي، أبو نعيم، أو أبو محمد المدني صحابي صغير، وجلّ روايته عن الصحابة. اهـ. وقال الذهبي في «تذكرة الحفاظ» في ترجمة مكحول: إنه يرسل كثيرًا، ويدلس عن أبي بن كعب، وعبادة بن الصامت، وعائشة، والكبار. وروى عن أبي أمامة الباهلي، وواثلة بن الأسقع، وأنس بن مالك، ومحمود بن الربيع، وعبد الرحمن بن غَنْم، وأبي إدريس الخولاني، وأبي سَلاّم ممطور، وخلق. انتهى . على أن عبد الله بن عمرو بن الحارث تابع مكحولًا، قال البيهقي في «كتاب القراءة» ص ٤٨: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، نا أحمد بن عبيد الصفار، نا الحسن بن علي الحميرىِ، نا عمرو بن عثمان، نا محمد بن حمير، نا شعيب بن أبي حمزة، عن عبد الله بن عمرو بن الحارث، عن محمود بن الربيع، عن عبادة، فذكر نحوه. وأشار البخاري إلى أنه تابع مكحولًا حرامُ بن معاوية، ورجاءُ بن حيوة أيضًا . والجواب عن الوجه الثاني: أن الاضطراب في الحديث هو الذي تختلف الرواة فيه، فيروية بعضهم على وجه، وبعضهم على وجه آخر، أو يرويه راو واحد تارة من وجه، وتارة من وجه آخر، ولا يمكن ترجيح أحد الوجوه على الأخرى، ولا التوفيق بينهما على قواعد المحدثين. وهذا النوع من الاضطراب هو الذي يورث ضعف الحديث، والحديث الذي وقع فيه هذا الاضطراب يسمى مضطربًا. ولَمَّا تقرر هذا، فليعلم أن زيادة «أبي نعيم» في رواية مكحول التي وردت من طريق محمود، عن أبي نعيم، عن عبادة غير محفوظة، ففي سنن الدارقطني: وقال ابن صاعد: قوله: عن أبي نعيم إنما كان أبو نعيم المؤذن، وليس هو كما قال الوليد: عن أبي نعيم، عن عبادة. اهـ. ورواية مكحول التي رواها مرسلة عن عبادة مرجوحة بالروايتين المذكورتين، فإن في إسنادها بقية، قال فيه أبو مسعود الغساني: بقية ليست أحاديثه نقية، فكن منها على تقية. وأما الروايتان الأخريان، أي التي جاءت عن محمود، عن عبادة، والتي جاءت عن نافع بن محمود، عن عبادة، فهما قصتان مختلفتان، وليستا بواحدة، فروى مكحول إحداهما بواسطة محمود، وأخراهما بواسطة نافع بن محمود، إلا أن قصة رواية محمود ذكرت استشهادًا في آخر رواية نافع بن محمود، فلما لم تتحد القصتان لم يحصل الاضطراب بينهما. وإن سلمنا اتحاد قصتهما، فمع ذلك لا يكون هذا الحديث مضطربًا، فإن التوفيق بينهما ممكن، ووجه التوفيق ظاهر، وهو أن مكحولًا سمع هذا الحديث من محمود، ومن ابنه نافع كِليهِما، وهما سمعاه من عبادة ﵁. قال البيهقي في «معرفة السنن والآثار»: ورواه أيضًا الهيثم بن حميد، عن زيد بن واقد، عن مكحول، ومكحول سمع هذا الحديث من محمود بن الربيع، ومن ابنه نافع بن محمود، ونافع وأبوه محمود بن الربيع سمعا عبادة بن الصامت. انتهى . وقال ابن حبان في «الثقات»: نافع بن محمود بن ربيعة من أهل إيلياء، يروي عن عبادة بن الصامت، روى عن حرام بن حكيم، ومكحول، متنُ خبره في القراءة خلف الإمام يخالف متن خبر محمود ابن الربيع، عن عبادة، كأنهما حديثان؛ أحدهما أتم من الآخر، وعند مكحول الخبران جميعًا، عن محمود بن الربيع، ونافع بن محمود بن ربيعة. وعند الزهري الخبر عن محمود بن الربيع مختصر غير مستقصى. انتهى . = يأتي من كلامه، وذكره الحافظ في «الإصابة» احتمالًا، حيث قال بعد ترجمة محمود ابن الربيع ما نصه: محمود بن ربيعة، رجل من الأنصار، مُخرّج حديثه عن أهل مصر، وخراسان في كالىء المرأة، والدَّين الذي لا يؤدى، هكذا ذكره ابن عبد البر، ولم يزد، وهذا أظنه محمود بن الربيع، فإن الدارقطني أخرج في بعض طرق حديث مكحول، عن نافع، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، في القراءة خلف الإمام رواية، قال الراوي فيها: عن مكحول، عن نافع بن محمود بن الربيع عن عبادة بن الصامت. وفي رواية أخرى: عن نافع بن محمود بن ربيعة، فإن يكن كذلك فهو الذي قبله، كما يحتمل أن يكون غيره. انتهى الإصابة جـ ٩ ص ١٣٧ - ١٣٨. وأما الوجه الثالث: فالجواب عنه أنه لم يتفرد ابن إسحاق بذكر محمود في طريق مكحول، عن محمود، عن عبادة، بل تابعه على ذلك سعيد بن عبد العزيز وغيره، فقد روى الدارقطني، قال: حدثنا أبو محمد بن صاعد، ثنا أبو زرعة عبد الرحمن بن عمرو بدمشق، ثنا الوليد بن عتبة، ثنا الوليد بن مسلم، حدثني غير واحد، منهم سعيد بن عبد العزيز، عن مكحول، عن محمود، عن أبي نعيم أنه سمع عبادة ابن الصامت، فذكره . وتابع الزهري مكحولًا، روى البخاري، قال: حدثنا علي بن عبد الله، قال: حدثنا سفيان، حدثنا الزهري، عن محمود بن الربيع، عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». ورواه مسلم، والأربعة. فلما تابع الزهري مكحولًا في ذكر محمود، وتابع سعيد بن عبد العزيز، وغيره محمد بن إسحاق، فكيف يبقى طريق مكحول شاذًا، أو غير محفوظ؟! وذكر الحافظ ابن حجر في «نتائج الأفكار» حديث عبادة بهذا الطريق، وقال: هذا حديث حسن . فلو كان طريق مكحول هذا شاذًا غير محفوظ، تفرد به ابن إسحاق بذكر محمود لما قال فيه ابن حجر: هذا حديث حسن، وهو القائل في ابن إسحاق: لا يحتج بما انفرد به من الأحكام . فالحاصل أن الوجوه الثلاثة المذكورة لتعليل حديث عبادة باطلة. انتهى خلاصة كلام العلامة المباركفوري رحمه الله تعالى بتصرف . قال الجامع عفا الله عنه: فتحصل مما حرره العلامة المذكور أن حديث عبادة بن الصامت ﵁ من طريق مكحول صحيح أيضًا، ومن قال بضعفه فقد أغرب. ومن الغريب أن الشيخ ضعف حديث عبادة هذا مع وضوح صحته، وحاول تحسين حديث: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة»، مع اعترافه بأن طرقه كلها لا تخلو من ضعف، وجعله صالحًا للاحتجاج به . وخلاصة القول أن الصواب تصحيح حديث الباب، وصحة الاحتجاج به على وجوب القراءة خلف الإمام مطلقًا، سواء كانت الصلاة جهرية، أم سرية. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ٢٩/ ٩٢٠، وفي «الكبرى» ٢٩/ ٩٩٢، عن هشام بن عمار، عن صدقة، عن زيد بن واقد، عن نافع بن محمود بن ربيعة، عن عبادة بن الصامت ﵁. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه أبو داود في «الصلاة» عن الربيع بن سليمان الأزدي، عن عبد الله بن يوسف، عن الهيثم بن حميد، عن زيد بن واقد، به. وأخرجه البخاري في «خلق أفعال العباد» رقم ٦٧، وفي «جزء القراءة» ص ٦٥. وأخرجه الدارقطني جـ ١ ص ٣١٩ و٣٢٠. وأخرجه البيهقي في «القراءة خلف الإمام» ص ٣٦ و٣٧، وفي «السنن الكبرى» ٢/ ١٦٤. والله تعالى ولي التوفيق. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب. ٣٠ - تَأوِيلُ قَوْلِهِ ﷿: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ أي هذا باب ذكر الحديث الدالّ على بيان المراد من هذه الآية الكريمة. أراد المصنف رحمه الله تعالى بهذه الترجمة الإشارة إلى أن حديث الباب بيان للمعنى المراد من هذه الآية، فيحمل عموم قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ على خصوص قراءة الإمام. ثم إنه لابد من تقييده بما عدا الفاتحة، فإنها مستثناة من العموم بالحديث المتقدم في الباب الماضي. وقد اختلف أهل العلم في المعنى المراد من هذه الآية على أقوال، وسأذكرها قريبًا إن شاء الله تعالى. معنى الآية الكريمة قال الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ﵀: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به، المصدقين بكتابه، الذين القرآن لهم هدى ورحمة: ﴿وَإِذَا قُرِئَ﴾ عليكم أيها المؤمنون ﴿الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾، يقول: أصغوا له سمعكم، لتتفهّموا آياته، وتعتبروا لمواعظه، ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ إليه لتعقلوه، وتتدبروه، ولا تَلْغَوْا فيه، فلا تعقلوه ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ يقول: ليرحمكم ربكم باتعاظكم بمواعظه، واعتباركم بعِبَره، واستعمالكم ما بينه لكم ربكم من فرائضه في آيِهِ . بيان اختلاف أهل العلم في المعنى المراد بهذه الآية الكريمة قال العلامة أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره: قيل: نزلت في الصلاة، روي عن ابن مسعود، وأبي هريرة، وجابر، والزهري، وعبيد بن عمير، وعطاء بن أبي رباح، وسعيد بن المسيب. قال سعيد: كان المشركون يأتون رسول الله - ﷺ - إذا صلى، فيقول بعضهم لبعض بمكة: لا تسمعوا لهذا القرآن، والغوا فيه. فأنزل الله جل وعزّ جوابًا لهم: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾. وقيل: نزلت في الخطبة، قاله سعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، وعمرو بن دينار، وزيد بن أسلم، والقاسم بن مخيمرة، ومسلم بن يسار، وشهر بن حوشب، وعبد الله بن المبارك. وهذا ضعيف؛ لأن القرآن فيها قليل، والإنصات يجب في جميعها. قاله ابن العربي، والنقاش : والآية مكية، ولم يكن بمكة خطبة، ولا جمعة. وذكر الطبري عن سعيد بن جبير أيضًا أن هذا في الإنصات يوم الأضحى، ويوم الفطر، ويوم الجمعة، وفيما يجهر به الإمام، فهو عامّ، وهو الصحيح؛ لأنه يجمع جميع ما أوجبته هذه الآية، وغيرها من السنة في الإنصات. قال النقاش: أجمع أهل التفسير أن هذا الاستماع في الصلاة المكتوبة، وغير المكتوبة. النحاس: وفي اللغة يجب أن يكون في كل شيء، إلا أن يدل على اختصاص شيء. وقال الزجاج: يجوز أن يكون: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ اعملوا بما فيه، ولا تجاوزوه. والإنصات السكوت للاستماع، والإصغاء والمراعاة. أنصت يُنصت إنصاتًا، ونَصَتَ أيضًا، قال الشاعر [من الطويل]: قَالَ الإمَامُ عَلَيْكُمْ أَمْرَ سيِّدِكمْ … فَلَمْ نُخَالِفْ وَأَنْصَتْنَا كَمَا قَالا ويقال: أنصتوه، وأنصتوا له؛ قال الشاعر [من الوافر]: إذا قَالَتْ حَذَامِ فَأنْصِتُوهَا … فَإِن الْقَوْلَ مَا قَالَتْ حَذَامِ وقال بعضهم في قوله: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾: كان لرسول الله - ﷺ - خاصًا، ليعيه أصحابه. قال القرطبي ﵀: هذا فيه بُعد، والصحيح القول بالعموم؛ لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، والتخصيص يحتاج إلى دليل. قال عبد الجبار بن أحمد في فوائد القرآن له: إن المشركين كانوا يكثرون اللغط والشذب تعنتًا وعنادًا؛ على ما حكاه الله عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦]، فأمر الله المسلمين حالة أداء الوحي أن يكونوا على خلاف هذه الحالة، وأن يستمعوا، ومدح الجن على ذلك، فقال: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] الآية. وقال محمد بن كعب القرظي: كان رسول الله - ﷺ - إذا قرأ في الصلاة أجابه مَنْ وراءه، إذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم، قالوا مثل قوله، حتى يقضي فاتحة الكتاب والسورة، فلبث بذلك ما شاء الله أن يلبث؛ فنزل: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، فأنصَتُوا. وهذا يدلّ على أن المعنى بالإنصات ترك الجهر على ما كانوا يفعلون من مجاوبة رسول الله - ﷺ -. وقال قتادة في هذه الآية: كان الرجل يأتي، وهم في الصلاة، فيسألهم كم صليتم؟ كم بقي؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾. وعن مجاهد أيضًا: كانوا يتكلمون في الصلاة بحاجتهم، فنزل قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ انتهى كلام القرطبي رحمه الله تعالى . وقال الإمام أبو جعفر الطبري ﵀ بعد إخراج هذه الآثار بأسانيدها، ما نصه: قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: أمروا باستماع القرآن في الصلاة إذا قرأ الإمام، وكان من خلفه ممن يأتم به يسمعه، وفي الخطبة. وإنما قلنا: ذلك أولى بالصواب، لصحة الخبر عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «إذا قرأ الإمام فأنصتوا»، وإجماع الجميع على أن من سمع خطبة الإمام ممن عليه الجمعة الاستماع ، والإنصات لها، مع تتابع الأخبار بذلك عن رسول الله - ﷺ -، وأنه لا وقت يجب على أحد استماع القرآن، والإنصات لسامعه من قارئه إلا في هاتين الحالتين، على خلاف في إحداهما، وهي حالة أن يكون خلف إمام مؤتم به. وقد صح الخبر عن رسول الله - ﷺ - بما ذكرنا من قوله: «إذا قرأ الإمام فأنصتوا»، فالإنصات خلفه لقراءته واجب على من كان به مؤتمًا سامعًا قراءته بعموم ظاهر القرآن، والخبر عن رسول الله - ﷺ -. انتهى كلام ابن جرير رحمه الله تعالى . قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الإمام ابن جرير رحمه الله تعالى من ترجيح حمل الآية الكريمة على القراءة في الصلاة حسن جدًّا. وأما الخطبة، فمحل نظر، إذ ما ادعاه من الإجماع على وجوب الاستماع غير صحيح، بل الخلاف فيه موجود، كما سيأتي في محله، إن شاء الله تعالى. وحاصله أنه لا يجب استماع قراءة القارئ في غير الصلاة، ويدل على ذلك ما أخرجه أبو داود جـ ٢ ص ٣٨، والمصنف في «فضائل القرآن» من «الكبرى» جـ ٥ ص ٣٢، بإسناد صحيح عن أبي سعيد الخدري ﵁، قال: اعتكف رسول الله - ﷺ - في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر، وقال: «ألا إن كلكم مُناجٍ ربه، فلا يؤذين بعضكم بعضًا، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة». فهذا الحديث دليل على أنه لا يجب الاستماع لقراءة القارئ؛ لأنه - ﷺ - أقرّ الصحابة على قراءة كل واحد لنفسه، وعدم استماع بعضهم لبعض، وإنما أنكر عليهم رفع الصوت المؤدي لتشويش بعضهم على بعض، فصح تخصيص الآية بحالة الصلاة بحديث: «وإذا قرأ فأنصتوا»، وبقي ما عداها على الاستحباب. لكن لابد من تقييد ذلك بالنسبة للمأموم بما عدا فاتحة الكتاب، جمعًا بين الأدلة، حيث صحت الأخبار بوجوبها عليه كما تقدم تحقيقه، فتبصر بإنصاف، ولا تتحير بالاعتساف. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مصادر المؤلف (٣٧)

١. «تك» جـ ١٣ ص ١٢٨ - ١٣٢. «تت» جـ ٤ ص ٤١٤ - ٤١٥.

٢. «تك» جـ ١٠ ص ١٠٨ - ١١١. «تت» جـ ٣ ص ٤٢٦ - ٤٢٧.

٣. «تت» جـ ٢ ص ٢٢٢ - ٢٢٣. «تك» جـ ٥ ص ٥١٧ - ٥٢٥.

٤. قال عنه في «ت»: مستور. قلت: الأولى توثيقه، فقد وثقه الدارقطني، وابن حبان، وابن حزم، والذهبي في الكاشف، وإنما انفرد ابن عبد البر بقوله: مجهول. فتنبه. والله تعالى أعلم.

٥. ثقات ابن حبان جـ ٥ ص ٤٧.

٦. «تت» جـ ١٠ ص ٤١٠.

٧. «سنن أبي داود» بنسخة «المنهل العذب المورود» جـ ٥ ص ٢٥٥.

٨. انظر تعليقه على المشكاة جـ ١ ص ٢٧.

٩. تلخيص الحبير جـ ١ ص ٢٣١.

١٠. مسند أبي يعلى ١٤١/ ١ وعنه ابن حبان ١٨٣٥، ١٨٤٣.

١١. مسند أحمد جـ ٥ ص ٨١. جزء القراءة ص ١٩.

١٢. السنن الكبرى جـ ٢ ص ١٦٦ وقال: هذا إسناد جيد، وقد قيل: عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك، وليس بمحفوظ.

١٣. «نتائج الأفكار في تخريج الأذكار» جـ ١ ص ٤٣٢ - ٤٣٤.

١٤. المحلى جـ ٣ ص ٢٤١ - ٢٤٢.

١٥. ميزان الاعتدال جـ ٤ ص ٢٤٢.

١٦. غيث الغمام ص ٢٦٠.

١٧. فتح المغيث جـ ١ ص ٢٩٨.

١٨. قاله صاحب آثار السنن فيه ص١٠٠ في التعليق.

١٩. الثقات جـ ٥ ص ٤٧٠.

٢٠. تحقيق الكلام ص ١٧٧.

٢١. تذكرة الحفاظ جـ ١ ص ١٠٦.

٢٢. رواية رجاء أخرجها ابن أبي شيبة في مصنفه ١/ ٣٧٥ بإسناد صحيح، قال: حدثنا وكيع، عن ابن عون، عن رجاء، عن محمود بن ربيع، فذكرها. قاله محقق: «تحقيق الكلام» ص ١٥١.

٢٣. فيه تصريح بأن نافعًا هذا ولد محمود بن الربيع، وهذا هو الذي صرح به البيهقي فيما =

٢٤. معرفة السنن والآثار جـ ٢ ص ٥٣.

٢٥. الثقات جـ ٥ ص ٤٧.

٢٦. تقدم أن زيادة «أبي نعيم» بين محمود وعبادة وهم من الوليد، بل هو عن محمود، عن عبادة. فتنبه.

٢٧. سنن الدارقطني جـ ١ ص ٣١٩.

٢٨. نتائج الأفكار جـ ١ ص ٤٣٥ - ٤٣٦.

٢٩. الدراية جـ ٢ ص ١٩.

٣٠. تحقيق الكلام ص ١٤٨ - ١٥٥.

٣١. انظر الإرواء جـ ٢ ص ٢٦٨ - ٢٧٧.

٣٢. راجع تفسير ابن جرير جـ ٩ ص ١٦٢.

٣٣. هكذا عبارة القرطبي، وهو صحيح، والتقدير وقال النقاش … إلخ، أو وزاد النقاش … إلخ وكذا التقدير في قوله الآتي: النحاس، أي قال النحاس.

٣٤. هكذا في تفسير القرطبي، ولعل الصواب إيراد الآية بتمامها. فليتأمل.

٣٥. جامع أحكام القرآن، جـ ٧ ص ٣٥٣ - ٣٥٥.

٣٦. هكذا نسخة تفسير الطبري، ولعل الصواب «عليه الاستماع» بزيادة لفظة «عليه» فليتأمل.

٣٧. تفسير ابن جرير جـ ٩ ص ١٦٦.