HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٩٢١

أَخْبَرَنَا الْجَارُودُ بْنُ مُعَاذٍ التِّرْمِذِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «إِنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ؛ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:حسن صحيح
  • الألباني:حسن صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص305
  • زبير علي زئي:صحيح
ج ٢ ص ١٤١

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١١ ص٦٧٠
٩٢١ - أَخْبَرَنَا الْجَارُودُ بْنُ مُعَاذٍ التِّرْمِذِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ الأَحْمَرُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إِنَّمَا جُعِلَ الإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا، وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا، وَإِذَا قَالَ: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُولُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ». رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (الجارود بن معاذ) السلمي أبو داود، ويقال: أبو معاذ الترمذي، ثقة رمي بالإرجاء، من [١٠]. روى عن الوليد بن مسلم، وابن عيينة، وجرير، وأبي أسامة، وأبي سفيان المعمري، وأبي خالد الأحمر، وأبي ضمرة، والفضل بن موسى، ووكيع وغيرهم. وعنه الترمذي، والنسائي، وأحمد بن علي الأبّار، وابنه أبو عَمْرو محمد بن الجارود، ومحمد بن علي الحكيم الترمذي، ومحمد بن الليث المروزي، ومحمد بن صالح التميمي، وغيرهم. قال النسائي: ثقة، وقال في أسامي شيوخه: ثقة، إلا أنه يميل إلى الإرجاء، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال: مستقيم الحديث. وقال مسلمة بن القاسم الأندلسي في كتاب «الصلة»: كان يميل إلى الإرجاء، وليس بذاك. قال أبو القاسم بن عساكر: مات سنة ٢٤٤. انفرد به الترمذي، والنسائي. تنبيه: «الترمذي» بكسر أوله، أو فتحه، أو ضمه، أقوال، وكسر الميم، أو ضمه، قولان، وذاله معجمة، نسبة إلى مدينة قديمة على طرف نهر بَلْخَ الذي يقال له: جيحون. انتهى «لب اللباب» بزيادة جـ ١ ص ١٦٩. ٢ - (أبو خَالِدٍ الأحمرُ) سليمان بن حيان الأزدي الكوفي الجَعْفَري، نزل فيهم، وُلِدَ بجرجان، صدوق يخطئ، من [٨]. روى عن سليمان التيمي، وحميد الطويل، ومحمد بن عجلان، وغيرهم. وعنه أحمد، وإسحاق، وابنا أبي شيبة، والجارود بن معاذ، وغيرهم. قال إسحاق بن راهويه: سألت وكيعًا عن أبي خالد؟ فقال: وأبو خالد ممن يسأل عنه؟ وقال أحمد بن سعيد بن أبي مريم، عن ابن معين: ثقة، وكذا قال ابن المديني. وقال عثمان الدارمي، عن ابن معين: ليس به بأس، وكذا قال النسائي. وقال عباس الدّوري، عن ابن معين: صدوق، وليس بحجة. وقال أبو هشام الرفاعي: ثنا أبو خالد الأحمر الثقة الأمين. وقال أبو حاتم: صدوق. وقال الخطيب: كان سفيان يعيب أبا خالد، لخروجه مع إبراهيم بن عبد الله بن حسن، وأما أمر الحديث فلم يكن يطعن عليه فيه. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، وإنما أتي من سوء حفظه، فيغلط، ويخطىء، وهو في الأصل، كما قال ابن معين: صدوق، وليس بحجة. وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال العجلي: ثقة ثبت صاحب سنة، وكان مُحْتَرِفًا يؤاجر نفسه من التجار، وكان أصله شاميًا، إلا أنه نشأ بالكوفة، وقال أبو بكر البزار في «كتاب السنن»: ليس ممن تُلْزِمُ زيادتُهُ حُجَّةً، لاتفاق أهل العلم بالنقل أنه لم يكن حافظًا، وأنه قد روى أحاديث عن الأعمش، وغيره، لم يتابع عليها. قال هارون بن حاتم: سألت أبا خالد متى ولدت؟ قال: سنة ١١٤ قال هارون: ومات سنة ١٩٠ وقال ابن سعد، وخليفة: مات سنة ١٨٩. قال الخطيب: حدث عنه محمد بن إسحاق بن يسار، وحميد بن الربيع، وبين وفاتيهما ١٠٦، وقيل: ١٠٨. اهـ. أخرج له الجماعة . ٣ - (محمد بن عجلان) مولى فاطمة بنت الوليد بن عتبة المدنيُّ، صدوق اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة، مات سنة ١٤٨، من [٥]، أخرج له البخاري تعليقًا، ومسلم والأربعة، تقدم في ٣٦/ ٤٠. ٤ - (زيد بن أسلم) العدوي، مَوْلَى عمر، أبو عبد الله، أو أبو أسامة المدني، ثقة عالم، وكان يرسل، مات سنة ١٣٦، من [٣]، أخرج له الجماعة، تقدم في ٦٤/ ٨٠. ٥ - (أبو صالح) ذكوان السمّان الزيّات المدني، ثقة ثبت، كان يجلب الزيت إلى الكوفة، مات سنة ١٠١، من [٣]، تقدم في ٣٦/ ٤٠. ٦ - (أبو هريرة) الدَّوْسِيُ الصحابي الشهير ﵁، تقدم في ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه، فانفرد به هو، والترمذي، وأنهم مدنيون، إلا شيخه، فترمذي، وأبا خالد، فكوفي، وفيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض؛ محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، وفيه أبو هريرة أكثر الصحابة حديثًا؛ روى ٥٣٧٤ حديثًا، وفيه الإخبار، والتحديث، والعنعنة. والله تعالى ولي التوفيق. شرح الحديث (عن أبي هريرة) ﵁، أنه (قال: قال رسول الله - ﷺ -: إِنما جعل الإِمام ليؤتم به، فإِذا كبر فكبروا) أي إذا كبر للإحرام بالصلاة، فاتبعوه فيه. زاد في رواية أبي داود: «ولا تكبروا حتى يكبر». وهو توضيح وتأكيد لمعنى «إذا كبر فكبروا». وفيه تصريح بوجوب تأخير تكبير المأموم للإحرام عن تكبير الإمام. وبهذا قالت المالكية، والشافعية، والحنابلة، وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، من الحنفية، رحمهم الله تعالى، قالوا: فلو أحرم معه، أو قبله بطلت صلاته؛ لأنه ائتم بمن لم تنعقد صلاته، واستدلوا بقوله في هذا الحديث: «فإذا كبر، فكبروا»، قالوا: إن الفاء فيه للتعقيب، فيكون أمرًا بالتكبير بعد تكبير الإمام، فإذا أتى به مقارنًا، فقد أتى به قبل أوانه، فلا يجوز كالصلاة قبل وقتها؛ ولأن الاقتداء بناء صلاته على صلاة الإمام، فلابد من شروع الإمام في الصلاة حتى يتحقق البناء على صلاته، وإلا لزم البناء على المعدوم، وهو لا يجوز. وقال أبو حنيفة ﵀: يكبر المأموم للإحرام، مقارنًا لتكبير الإمام، لا يتقدم، ولا يتأخر عنه. وهذا الحديث يرد عليه؛ لأن قوله - ﷺ -: «إذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر» صريح في وجوب تأخير تكبير المأموم عن تكبير الإمام . (وإِذا قرأ الإِمام فأنصتوا) أي إذا قرأ الإمام جهرًا، فاستمعوا لقراءته، وفيه وجوب الاستماع لقراءة الإمام، وهو محمول على ما عدا الفاتحة، كما مر تحقيقه. ثم إن هذه الجملة زادها محمد بن عجلان، واختلف الحفاظ فيها، وسنحققه في المسألة الرابعة، إن شاء الله تعالى. (وإِذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد) فيه أن المأموم لا يجمع بين التسميع، والتحميد، بل يكتفي بالتحميد فقط، وهو القول الراجح من أقوال العلماء، وسيأتي تحقيقه بأدلته في [باب ما يقول المأموم] ٢٢/ ١٠٦١ إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة ﵁ هذا صحيح. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ٣٠/ ٩٢١، وفي «الكبرى» ٣٠/ ٩٩٤، عن الجارود بن معاذ الترمذي، عن أبي خالد الأحمر، عن محمد بن عجلان، عن أبي صالح، عنه. وفي ٩٢٢، و«الكبرى» ٩٩٥، عن محمد بن عبد الله بن المبارك، عن محمد بن سعد الأنصاري، عن ابن عجلان به، بلفظ: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا». قال أبو عبد الرحمن: لا نعلم أن أحدًا تابع ابن عجلان على قوله: «وإذا قرأ فأنصتوا». وفي «الملائكة» من «الكبرى» كما في «تحفة الأشراف» جـ ٩ ص ٣٦٧، عن محمد بن المثنى، عن محمد بن عبيد، عن الأعمش، عن أبي صالح عنه، «كان رسول الله - ﷺ - يعلمنا أن لا تبادروا الإمام بالركوع، فإذا كبر فكبروا …» الحديث. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه أبو داود في «الصلاة» عن محمد بن آدم المصيصي، عن أبي خالد، له. وزاد: قال أبو داود: وهذه الزيادة: «وإذا قرأ فأنصتوا» ليست بمحفوظة، والوهم عندنا من أبي خالد. انتهى. وابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر، به. وأخرجه بدون هذه الزيادة مسلم في «الصلاة» عن إسحاق بن إبراهيم، وعلي بن خشرم، كلاهما عن عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عنه، بلفظ: كان رسول الله - ﷺ - يعلمنا، يقول: «لا تبادروا الإمام، إذا كبر فكبروا، وإذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد». وعن قتيبة، عن عبد العزيز الدَّرَاوَرْديِّ، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عنه بنحوه إلا قوله: «﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين»، وزاد: «ولا ترفعوا قبله». وأبو داود فيه عن سليمان بن حرب، ومسلم بن إبراهيم، كلاهما عن وهُيب بن خالد، عن مصعب بن محمد، عن أبي صالح، عنه، ولفظه: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى يكبر، وإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع، فإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، ولا تسجدوا حتى يسجد، وإن صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون». وابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن محمد بن عبيد، عن الأعمش به مختصرًا. وأخرجه أحمد جـ ٢ ص ٣٢٠ و٣٤١ و٤٤٠. وابن خزيمة رقم ١٥٧٥ و١٥٧٦ و١٥٨٢. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: اختلف الحفاظ في قوله: «وإذا قرأ فأنصتوا». قال البيهقي رحمه الله تعالى في «المعرفة»: وروينا عن أبي موسى الأشعري، وأبي هريرة عن النبي - ﷺ -: «إذا كبر الإمام فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا». وقد أجمع الحفاظ على خطأ هذه اللفظة في الحديث، أنها ليست بمحفوظة: يحيى بن معين، وأبو داود السجستاني، وأبو حاتم الرازي، وأبو علي الحافظ، وعلي بن عمر الحافظ، وأبو عبد الله الحافظ. وفي الحديث الثابت عن أبي زرعة، عن أبي هريرة، قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا كبر سكت هنيئة قبل أن يقرأ، فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة، ما تقول؟ قال: «أقول: اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض الدنس». ففي هذا دلالة على أن من ترك الجهر بالقراءة خلف الإمام سمي ساكتًا منصتًا لقراءة الإمام، وإن كان يقرأ في نفسه. انتهى. وقال الحافظ الزيلعي ﵀ في «نصب الراية»: روي: «وإذا قرأ فأنصتوا» من حديث أبي موسى، ومن حديث أبي هريرة رضي الله عنهما. أما حديث أبي موسى فرواه مسلم في «صحيحه»، فقال: حدثنا أبو غسان المِسْمَعي، ثنا معاذ بن هشام، ثنا أبي، ثنا إسحاق بن إبراهيم، ثنا جرير، عن سليمان التيمي، عن قتادة بهذا الإسناد مثله. يعني حديث قتادة، عن يونس بن جبير، عن حِطَّان بن عبد الله الرقاشي، عن أبي موسى الأشعري، عن النبي - ﷺ -، فذكر حديث: «إذا كبر الإمام فكبروا»، وفيه قصة. قال مسلم: وفي حديث جرير من الزيادة: «وإذا قرأ فأنصتوا»، ثم قال: قال أبو إسحاق -يعني صاحب مسلم-: قال أبو بكر ابن أخت أبي النضر في هذا الحديث -أي طعن فيه- فقال مسلم: تريد أحفظ من سليمان التيمي؟ فقال له أبو بكر: فحديث أبي هريرة -يعني «وإذا قرأ فأنصتوا»؟ فقال مسلم: هو عندي صحيح، فقال: لمَ لم تضعه ها هنا؟ فقال: ليس كل شيء صحيح عندي وضعته ها هنا، إنَما وضعت ها هنا ما أجمعوا عليه. انتهى كلام مسلم. وأخرجه أبو داود في «سننه» عن سليمان التيمي، ثنا قتادة، عن أبي غلاب، عن حطان بن عبد الله الرقاشي بهذا الحديث، وزاد: «وإذا قرأ فأنصتوا». قال أبو داود: «وإذا قرأ فأنصتوا» ليس بشيء. انتهى. ورواه ابن ماجه في «سننه» بسند أبي داود قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا قرأ الإمام فأنصتوا، فإذا كان عند القعدة، فليكن أول ذكر أحدكم التشهد». انتهى. وأخرجه البزار في «مسنده» كذلك، وقال: لا نعلم أحدًا قال فيه: «وإذا قرأ فأنصتوا»، إلا سليمان التيمي إلا ما حدثناه محمد بن يحيى القطيعي، ثنا سالم بن نوح، عن عمر بن عامر، عن قتادة، عن يونس ابن جبير، عن حطان بن عبد الله، عن أبي موسى، عن النبي - ﷺ - بنحو حديث سليمان التيمي: «وإذا قرأ فأنصتوا». انتهى. وبهذا السند رواه ابن عدي في «الكامل» عن سالم بن نوح العطار، عن عمر بن عامر، وسعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، به، ولم يعله، وإنما قال: وهذا الحديث سليمان التيمي أشهر من عمر بن عامر، وابن أبي عروبة. انتهى. وأما حديث أبي هريرة ﵁، فرواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه من حديث أبي خالد الأحمر، عن محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد». انتهى. قال: وهذه الزيادة: «وإذا قرأ فأنصتوا» ليست بمحفوظة، والوهم عندنا من أبي خالد. انتهى. وتعقبه المنذري في مختصره، فقال: وهذا فيه نظر، فإن أبا خالد الأحمر هذا هو سليمان بن حيان، وهو من الثقات الذين احتج بهم البخاري، ومسلم، ومع هذا فلم ينفرد بهذه الزيادة، بل تابعه عليها أبو سعيد محمد بن سعد الأنصاري الأشهلي المدني، نزيل بغداد، وقد سمع من ابن عجلان، وهو ثقة، وثقه النسائي، وابن معين، وغيرهما. وقد أخرج مسلم هذه الزيادة في «صحيحه» في حديث أبي موسى الأشعري من حديث سليمان التيمي، عن قتادة، وضعفها أبو داود، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم، لتفرد سليمان التيمي بها. قال الدارقطني: وقد رواه أصحاب قتادة الحفاظ عنه: منهم هشام الدستوائي، وسعيد، وشعبة، وهمام، وأبو عوانة، وأبان، وعدي بن أبي عمارة، فلم يقل أحد منهم: «وإذا قرأ فأنصتوا»، قال: وإجماعهم يدل على وَهَم. انتهى. ولم يؤثر عند مسلم تفرده بها، لثقته، وحفظه، وصححها من حديث أبي موسى، وأبي هريرة. انتهى كلامه. ومتابعة محمد بن سعد لأبي خالد الأحمر التي أشار إليها المنذري أخرجها النسائي في «سننه»، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك، ثنا محمد بن سعد الأنصاري، حدثني محمد بن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا». قال أبو عبد الرحمن: كان المخَرِّمي يقول: هو ثقة - يعني محمد بن سعد الأنصاري. انتهى. ولسليمان التيمي متابعان آخران غير محمد بن سعد، أخرج الدارقطني في «سننه» حديثهما، وضعفهما، أحدهما: إسماعيل بن أبان الغنوي، ثنا محمد بن عجلان، والآخر محمد بن ميسر أبو سعد الصغاني ثنا ابن عجلان به، قال: وإسماعيل بن أبان، ومحمد بن ميسر ضعيفان. انتهى. انتهى كلام الحافظ الزيلعي رحمه الله تعالى ببعض تصرف . قال الجامع عفا الله عنه: قد تلخص مما تقدم أن أكثر الحفاظ ﵏ على أن زيادة: «وإذا قرأ فأنصتوا» زيادة لا تصح، لكن الذي يظهر أن من قال بصحتها، كمسلم، هو الذي يرجح قوله؛ لأنها ثبتت من حديث أبي موسى الأشعري، من رواية سليمان التيمي، وهو ثقة، وتابعه عمر بن عامر، وسعيد بن أبي عروبة، أخرجه الدارقطني، من طريق سالم بن نوح، وأعله، فقال: سالم بن نوح ليس بالقوي. انتهى. قلت: الظاهر أن مثله يصلح للمتابعة، فإنه صدوق له أوهام، كما في «ت». ومن حديث أبي هريرة كما في رواية المصنف، وأعلوه بمحمد بن عجلان، لكنه لم ينفرد به، فقد تابعه عليه محمد بن سعد الأنصاري- كما في الرواية الآتية، وهو ثقة، فلا وجه للإعلال به. والحاصل أنها زيادة مقبولة، وليست منافية للأحاديث التي توجب الفاتحة على المأموم، لأنها تحمل على ما عداها، كما تقدم تحقيقه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: في ذكر ملخص كلام الإمام البخاري رحمه الله تعالى في «الجزء الذي وضعه في القراءة خلف الإمام»: قال ﵀: واحتج هذا القائل -يعني الإمام أبا حنيفة ﵀- بقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ ثم قال: وهذا معترض بالثناء مع أنه تطوع، والقراءة فرض، فأوجب عليه الإنصات بترك فرض، ولم يوجبه بترك سنة، فحينئذ يكون الفرض عنده أهون من التطوع. واعترضه أيضًا بفرع، وهو أن المصلي لو جاء، والإمام في الركعة الأولى من الفجر، فإنه يصلي عنده ركعتي الفجر، ويترك الاستماع والإنصات، مع أنه ﵊، قال: «إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة». قال: ويقال له: أرأيت إذا لم يجهر الإمام أيقرأ خلفه؟ فإن قال: لا، فقد بطل دعواه؛ لأن الاستماع إنما يكون لما يجهر به. ثم ذكر عن ابن عباس من غير سند: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ قال: في الخطبة. ثم قال: ولو أريد به في الصلاة، فنحن نقول: إنما يقرأ خلف الإمام عند سكوته، وقد رَوَى سمرةُ، قال: «كان للنبي - ﷺ - سكتتان، سكتة حين يكبر، وسكتة حين يفرغ من قراءته». قال: وكان أبو سلمة بن عبد الرحمن، وميمون بن مهران، وسعيد ابن جبير، وغيرهم يرون القراءةَ عند سكوت الإمام، عملًا بقوله - ﷺ -: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب». والإنصاتَ إذا قرأ الإمام، عملًا بالآية. واحتج أيضًا بقول - ﷺ -: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة». قال: وهذا حديث لم يثبت عند أهل العلم، من أهل الحجاز، والعراق، لإرساله، وانقطاعه. أما إرساله، فرواه عبد الله بن شداد، عن النبي - ﷺ -، وأما انقطاعه، فرواه الحسن بن صالح، عن جابر الجعفي، عن أبي الزبير، عن جابر، ولا يدرى أسمع جابر من أبي الزبير، أم لا؟ قال: ولو ثبت، فتكون الفاتحة مستثناة منه، أي من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة بعد الفاتحة، كما قال - ﷺ -: «جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا». وقال في حديث آخر: «إلا المقبرة»، مع انقطاعه. قال: نظير هذا قوله ﵇ لسُلَيك الغَطَفَاني، حين جاء، وهو يخطب: «قم، فاركع»، مع أنه أمر بالإنصات للخطبة، فقال: «إذا قلت لصاحبك: أنصت، والإمام يخطب يوم الجمعة، فقد لغوت»، ولكنه أخرج الصلاة من هذا الإطلاق. قال: واحتج أيضًا بخبر روي عن داود بن قيس، عن ابن نجاد -رجل من ولد سعد- عن سعد، قال: «وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام في فيه جمرة»، قال: وهذا مرسل، فإن ابن نجاد لم يعرف، ولا سُمِّي. قال: واحتج أيضًا بحديث رواه أبو حباب، عن سلمة بن كهيل، عن إبراهيم، قال: قال عبد الله: «وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام مُلِئَ فُوهُ نتنًا». قال: وهذا مرسل، لا يحتج به، وخالفه ابن عون، عن إبراهيم، عن الأسود، وقال: «رَضْفًا». وهذا كله ليس من كلام أهل العلم، لوجهين: أحدهما: قول النبي - ﷺ -: «لا تَلاعَنُوا بلعنة الله، ولا بالنار، ولا تعذبوا بعذاب الله»، فكيف يجوز لأحد أن يقول: في فيِّ الذي يقرأ خلف الإمام جمرة، والجمرة من عذاب الله؟! الثاني: أنه لا يحلّ لأحد أن يتمنى أن تملأ أفواه أصحاب رسول الله - ﷺ -، مثل عمر بن الخطاب، وأبي بن كعب، وحذيفة، وعلي بن أبي طالب، وأبي هريرة، وعائشة، وعبادة بن الصامت، وأبي سعيد الخدري، وعبد الله بن عمر، وفي جماعة آخرين ممن روي عنهم القراءة خلف الإمام رَضْفًا، ولا نتنًا، ولا ترابًا. ثم روى أحاديث هؤلاء في مواضع متفرقة من الجزء المذكور. قال: واحتج أيضًا بخبر رواه عمر بن موسى بن سعد، عن زيد بن ثابت، قال: «من قرأ خلف الإمام فلا صلاة له». قال: ولا يعرف لهذا الإسناد سماع بعضهم من بعض، ولا يصح مثله. قال: وروى سليمان التيمي، وعُمَرُ بن عامر، عن قتادة، عن يونس بن جبير، عن حِطَّان عن أبي موسى -في حديثه الطويل- عن النبي - ﷺ -، وفيه: «وإذا قرأ فأنصتوا»، ولم يذكر سليمان في هذه الزيادة سماعًا من قتادة، ولا قتادة من يونس بن جبير، وروى هشام، وسعيد، وأبو عوانة، وهمام، وأبان بن يزيد، وغيرهم عن قتادة، فلم يقولوا فيه: «وإذا قرأ فأنصتوا»، ولو صح لحمل على ما سوى الفاتحة. وروى أبو خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، وغيره، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -: «إنما جعل الإمام ليؤتم به»، وزاد فيه: «وإذا قرأ فأنصتوا»، ولا يعرف هذا من صحيح حديث أبي خالد الأحمر. قال أحمد: أراه كان يدلس، وقد رواه الليث، وبكير، عن ابن عجلان، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة. ورواه الليث أيضًا عن ابن عجلان، عن سعيد، عن أبي هريرة، وعن ابن عجلان، عن مصعب بن محمد، وزيد بن أسلم، والقعقاع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، فلم يقولوا: «وإذا قرأ فأنصتوا». ورواه سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، ولم يُتَابَعْ أبو خالد في زيادته. قال: ويقال لهذا القائل: قد أجمع أهل العلم، وأنت، على أن الإمام لا يتحمل عن القوم فرضًا، ثم قلت: إن الإمام يتحمل عن القوم هذا الفرض، مع أنك قلت: إنه لا يتحمل عنهم شيئًا من السنن، كالثناء، والتسبيح، ونحو ذلك، فثبت أن الفرض عندك أهون حالًا من التطوع. انتهى كلام الإمام البخاري ملخصًا محررًا، منقولًا من «نصب الراية» للحافظ الزيلعي رحمه الله تعالى . والله ﷾ ولي التوفيق. المسألة السادسة: في ذكر ما كتبه العلامة محمد بن عبد الرحمن المباركفوري رحمه الله تعالى في الرد على من استدل بالآية المذكورة على منع القراءة خلف الإمام في كتابه «تحفة الأحوذي»، فلقد حقق، وأجاد، وأسهب، وأعاد، وأمعن، وأفاد، حيث قال: اعلم أن مذهب الإمام أبي حنيفة أن لا يقرأ خلف الإمام مطلقًا، جهر الإمام، أو أسرّ، قال محمد في موطئه: لا قراءة خلف الإمام فيما جهر فيه، ولا فيما لم يجهر، وهو قول أبي حنيفة ﵀. انتهى. هذا هو مذهب أبي حنيفة ﵀، وأما أكثر الحنفية، فيقولون: إن القراءة خلف الإمام مكروهة كراهة تحريم، ويستدلون على مذهبهم بدلائل، لا يثبت بواحد منها مطلوبهم، وكان أعلى دلائلهم، وأجلها عند أجلة علمائهم، كالشيخ ابن الهمام، وغيره هو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. فكانوا يحتجون بقوله: ﴿فَاسْتَمِعُوا﴾ على منع القراءة خلف الإمام في الصلوات الجهرية، وبقوله: ﴿وَأَنْصِتُوا﴾ على المنع في الصلوات السرية. والآن حصحص الحق لهم، فاعترفوا: بما في هذا الاستدلال من الاختلال. فقال قائل منهم في رسالته «إمام الكلام»: الإنصاف الذي لا يقبله من يميل إلى الاعتساف أن الآية التي استدل بها أصحابنا على مذهبهم لا تدل على عدم جواز القراءة في السرية، ولا على عدم جواز القراءة في الجهرية حال السكتة. انتهى. وقال قائل منهم في رسالته «الفرقان»: إن كثيرًا من العلماء الحنفية قد ادعوا أن قراءة المقتدي منسوخة بقوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾، واجتهدوا في إثبات النسخ به، والحق أن هذا ادعاء محض، لا يساعده الدليل. والعجب من أكابر العلماء -يعني الحنفية- الذين كانوا في العلوم الدينية كالبحر الزخّار، كيف تَصَدَّوا لإثبات النسخ بهذه الآية. انتهى كلامه مترجمًا. وقال قائل منهم بعد ذكر وجوه عديدة تخدش الاستدلال بهذه الآية، ما لفظه: غاية ما في الباب أن الآية لما احتملت هذه الوجوه كان الاستدلال بقوله - ﷺ -: «من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة»، كما تمسك به صاحب «الهداية» أوضح من الاستدلال بهذه الآية. انتهى. ثم ذكر المباركفوري ﵀ خمسة أوجه لإبطال الاستدلال بهذه الآية، فقال: الأول: أن هذه الآية ساقطة عن الاستدلال عند الفقهاء الحنفية، لا يجوز الاستدلال بها، وقد صُرِّحَ بذلك في كتب أصولهم، قال في «التلويح» في باب المعارضة والترجيح: مثال المصير إلى السنة عند تعارض الآيتين قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، تعارضا، فصرنا إلى قول النبي - ﷺ -: «من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة». انتهى. وكذا في «نور الأنوار»، وزاد فيه: فالأول بعمومه يوجب القراءة على المقتدي، والثاني بخصوصه ينفيه، وقد وردا في الصلاة جميعًا، فتساقطا فيصار إلى حديث بعده، وهو قوله ﵇: «من كان له إمام … إلخ». فالعجب من العلماء الحنفية أنهم مع وجود هذا التصريح في كتب أصولهم كيف استدلوا بهذه الآية. والثاني: أن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ إنما ينفي القراءة خلف الإمام جهرًا، وبرفع صوت، فإنها تشغل عن استماع القرآن، وأما القراءة خلفه في النفس، وبالسر فلا ينفيها، فإنها لا تشغل عن الاستماع، فنحن نقرأ الفاتحة خلف الإمام عملًا بأحاديث القراءة خلف الإمام في النفس، وسرًّا، ونستمع عملًا بقوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾، والاشتغال بأحدهما لا يفوت الآخر. ألا ترى أن الفقهاء الحنفية يقولون: استماع الخطبة يوم الجمعة واجب، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ ومع هذا يقولون: إذا قرأ الخطيب: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، فيصلي السامع سرًا في نفسه، قال في «الهداية»: إلا أن يقرأ الخطيب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ الآية، فيصلي السامع في نفسه. انتهى. وقال العيني في «البناية»: فإن قلت: توجه عليه أمران: أحدهما: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا﴾، والآخر قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾، قال مجاهد: نزلت في الخطبة، والاشتغال بأحدهما يفَوِّتُ الآخر. قلت: إذا صلى في نفسه، وأنصت، وسكت يكون آتيًا بموجب الأمرين. انتهى. وقال الشيخ ابن الهمام في «فتح القدير»: وعن أبي يوسف ينبغي أن يصلي في نفسه؛ لأن ذلك مما لا يشغله عن سماع الخطبة، فكان إحرازًا للفضيلتين. انتهى. والثالث: قال الرازي في تفسيره: السؤال الثالث: وهو المعتمد أن نقول: الفقهاء أجمعوا على أنه يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، فَهَبْ أن عموم قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ يوجب سكوت المأموم عند قراءة الإمام، إلا أن قوله ﵇: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، وقوله: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»، أخص من ذلك العموم، وثبت أن تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد لازم، فوجب المصير إلى تخصيص هذه الآية بهذا الخبر، وهذا السؤال حسن. انتهى. وفي تفسير النيسابوري: وقد سَلَّمَ كثير من الفقهاء عموم اللفظ، إلا أنهم جوزوا تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد، وذلك ها هنا قوله - ﷺ -: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» انتهى. وقال صاحب «غيث الغمام حاشية إمام الكلام»: ذكر ابن الحاجب في مختصره الأصول، والعضد في شرحه: أن تخصيص عام القرآن بالمتواتر جائز، وأما بخبر الواحد، فقال بجوازه الأئمة الأربعة، وقال ابن أبان من الحنفية: إنما يجوز إذا كان العام قد خص من قبل بدليل قطعي، منفصلًا كان، أو متصلًا. وقال الكرخي: إنما يجوز إذا كان العام قد خص من قبل بدليل منفصل قطعيًا كان، أو ظنيًا. انتهى. والرابع: أنه لو سلم أن هذه الآية تدل على منع القراءة خلف الإمام، فإنما تدل على المنع إذا جهر الإمام، فإن الاستماع والإنصات لا يمكن إلا إذا جهر، وقد اعترف به العلماء الحنفية أيضًا. فنحن نقرأ خلف الإمام في الصلوات السرية، وفي الجهرية أيضًا عند سكتات الإمام، فإن الآية لا تدل على المنع إلا إذا جهر. قال الإمام البخاري في «جزء القراءة»: قيل له: احتجاجك بقول الله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ أرأيت إذا لم يجهر الإمام يقرأ مَن خلفه؟ فإن قال: لا، بطل دعواه، لأن الله تعالى قال: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ وإنما يستمع لما يجهر، مع أنا نستعمل قول الله تعالى: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ نقول: نقرأ خلف الإمام عند السكتات. انتهى. الخامس: أن هذه الآية لا تعلق لها بالقراءة خلف الإمام، فإنه ليس فيها خطاب المسلمين، بل فيها خطاب مع الكفار في ابتداء التبليغ. قال الرازي في تفسيره: وللناس فيه أقوال: الأول: قول الحسن، وهو قول أهل الظاهر أنا نجري هذه الآية على عمومها، ففي أيّ موضع قرأ الإنسان وجب على كل أحد استماعه. والقول الثاني: أنها نزلت في تحريم الكلام في الصلاة. والقول الثالث: أنها نزلت في ترك الجهر بالقراءة وراء الإمام، وهو قول أبي حنيف وأصحابه. والقول الرابع: أنها نزلت في السكوت عند الخطبة. وفي الآية قول خامس: وهو أنه خطاب مع الكفار في ابتداء التبليغ، وليس خطابًا مع المسلمين، وهذا قول حسن مناسب. وتقريره أن الله تعالى حكى قبل هذه الآية أن أقوامًا من الكفار يطلبون آيات مخصوصة، ومعجزات مخصوصة، فإذا كان النبي - ﷺ - لا يأتيهم بها قالوا: لولا اجتبيتها، فأمر الله رسوله - ﷺ - أن يقول جوابًا عن كلامهم: إنه ليس لي أن أقترح على ربي، وليس لي إلا أن أنتظر الوحي، ثم بين أن النبي - ﷺ - إنما ترك الإتيان بتلك المعجزات التي اقترحوها في صحة النبوة، لأن القرآن معجزة تامة كافية في إتيان النبوة، وعَبَّرَ الله تعالى عن هذا المعنى بقوله: ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾. فلو قلنا: إن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ المراد منه قراءة المأموم خلف الإمام لم يحصل بين هذه الآية، وبين ما قبلها تعلق بوجه من الوجوه، وانقطع النظم، وحصل فساد التركيب، وذلك لا يليق بكلام الله تعالى، فوجب أن يكون المراد منه شيئًا آخر سوى هذا الوجه. وتقريره أنّه لما ادعى كون القرآن بصائر وهدى ورحمة من حيث إنه معجزة دالة على صدق محمد - ﷺ -، وكونه كذلك، لا يظهر إلا بشرط خصوص، وهو أن النبي - ﷺ - إذا قرأ القرآن على أولئك الكفار استمعوا له، وأنصتوا، حتى يقفوا على فصاحته، ويحيطوا بما فيه من العلوم الكثيرة، فحينئذ يظهر لهم كونه معجزًا دالًا على صدق محمد - ﷺ -، فيستغنوا بهذا القرآن عن طلب سائر المعجزات، ويظهر لهم صدق قوله تعالى في صفة القرآن: ﴿بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾، فثبت أنا إذا حملنا الآية على هذا الوجه استقام النظم، وحصل الترتيب، فثبت أن حمله على ما ذكرناه أولى. وإذا ثبت هذا ظهر أن قوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ خطاب مع الكفار عند قراءة الرسول عليهم القرآن في معرض الاحتجاج، وبكونه معجزات على صدق نبوته، وعند هذا يسقط استدلال الخصوم بهذه الآية من كل الوجوه. ومما يقوي أن حمل الآية على ما ذكرناه أولى، وجوه: الأول: أنه تعالى حكى عن الكفار أنهم قالوا: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾، فلما حكى عنهم ذلك ناسب أن يأمرهم بالاستماع، والسكوت حتى يمكنهم الوقوف على ما في القرآن من الوجوه الكثيرة البالغة إلى حد الإعجاز. الوجه الثاني: أنه قال قبل هذه الآية: ﴿هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ فحكم بكون هذا القرآن رحمة للمؤمنين على سبيل القطع والجزم، ثم قال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾ الآية. ولو كان المخاطبون بقوله: ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ هم المؤمنين لما قال: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾؛ لأنه جزم قبل هذه الآية بكون القرآن رحمة للمؤمنين قطعًا، فكيف يقول بعده من غير فصل: لعله يكون القرآن رحمة للمؤمنين، أما إذا قلنا إن المخاطبين به هم الكافرون صح حينئذ قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ انتهى كلام الرازي ملخصًا. تنبيه: علق الشيخ عبد الحي اللكنوي على تقرير الرازي هذا بقوله: «وذلك لأنه وإن كان في الظاهر تأويلًا لطيفًا، لكنه ليس بمنقول عن أئمة المسلمين». ورد عليه العلامة المباركفوري ﵀ قائلًا: ما مراد الشيخ بأئمة المسلمين؟ إن كان يريد الصحابة والتابعين فهذا أمر مُسَلَّم، لم ينقل عن أحد منهم هذا التأويل، ولكن مادام نظم القرآن يدل عليه، ووافقته لغة العرب، ويرتفع به التعارض بين الآيتين، فلا وجه لرد مثل هذا التأويل. وانظر إلى تأويل ابن الهمام للآية نفسها، فإنه ليس بمنقول عن الصحابة والتابعين، ولكن قبله العلماء الحنفية، مع أنه لا يدل عليه نظم القرآن، ولا لغة العرب، فلا يقبل قول الشيخ عبد الحي في رد تأويل الرازي. وإن كان يرى به غير الصحابة والتابعين، فليس بصحيح؛ لأنه قول من جملة أقوال الأئمة المنقولة في تأويل الآية. انتهى . فإِن قلت: قال الزيلعي: قد أخرج البيهقي عن الإمام أحمد، قال: أجمع الناس على أن هذه الآية في الصلاة. انتهى. فمع إجماع الناس على أن هذه الآية في الصلاة كيف يصح قول من قال: إن فيها خطابًا مع الكفار، وليس فيها خطاب مع المسلمين. قلت: لم يذكر الزيلعي إسناد قول أحمد هذا، ولم يبين أن البيهقي في أيّ كتاب أخرجه، وقد طالعت «كتاب القراءة» له من أوله إلى آخره، فلم أجد فيه قول أحمد هذا، وكذا طالعت (باب القراءة خلف الإمام) في كتاب «معرفة السنن» ولم أجد فيه أيضًا هذا القول، فالله أعلم أن البيهقي في أيّ كتاب أخرجه؟، وكيف إسناده؟. ثم هذا القول ليس بصحيح في نفسه، فإن في شأن نزول هذه الآية أقوالًا: منها: أنها نزلت في السكوت عند الخطبة، وأيضًا يدل على عدم صحته قول ابن المبارك: أنا أقرأ خلف الإمام، والناس يقرأون، إلا قومًا من الكوفيين. وأيضًا يدل على عدم صحته أن الإمام أحمد اختار القراءة خلف الإمام، وأن لا يترك الرجل فاتحة الكتاب، وإن كان خلف الإمام، كما ذكره الترمذي، فتفكر. وأيضًا يدل على عدم صحته أن الصحابة ﵃ قد اختلفوا في القراءة خلف الإمام، وقد قال بها أكثر أهل العلم، كما صرح به الترمذي. فتفكر. فإِن قلت: الخطاب في هذه الآية، وإن كان مع الكفار لكن قد تقرر في مقره أن العبرة لعموم اللفظ، لا لخصوص السبب. قلت: لا شك في أن العبرة لعموم اللفظ، لا لخصوص السبب، لكن قد تقرر أيضًا في مقره أن اللفظ لو يحمل على عمومه يلزم التعارض والتناقض، ولو يحمل على خصوص السبب يندفع التعارض، فحينئذ يحمل على خصوص السبب. قال الشيخ ابن الهمام في «فتح القدير»: وما روي في الصحيحين أنه ﵊ كان في سفر، فرأى زحامًا، ورجل قد ظلل عليه، قال: «ما هذا؟» فقالوا: صائم، فقال: «ليس من البر الصيام في السفر» محمول على أنهم استضروا به، بدليل ما ورد في صحيح مسلم بلفظ: إن الناس قد شق عليهم الصوم، والعبرة، وإن كان لعموم اللفظ، لا لخصوص السبب، لكن يحمل عليه، دفعًا للمعارضة بين الأحاديث … إلخ. فإذا عرفت هذا، فاعلم أنه لو يحمل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾ على عمومه لزم التعارض، والتناقض بينه وبين قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾، وأحاديث القراءة خلف الإمام، ولو حمل على خصوص السبب يندفع التعارض، فحينئذ يحمل على خصوص السبب. هذا، وإن شئت الوقوف على الوجوه الأخرى فارجع إلى كتابنا «تحقيق الكلام». انتهى كلام العلامة المباركفوري رحمه الله تعالى . قال الجامع عفا الله عنه: لقد أجاد العلامة المباركفوري ﵀
مصادر المؤلف (٧)

١. «تك» جـ ١١ ص ٣٩٤ - ٣٩٨. «تت» جـ ٤ ص ١٨١ - ١٨٢.

٢. راجع المنهل جـ ٤ ص ٣٣١.

٣. نصب الراية جـ ٢ ص ١١٤ - ١١٧.

٤. «نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية» جـ ٢ ص ١٩ - ٢١.

٥. هكذا العبارة «ادّعى»، ولو قال «أخبر» لكان أنسب، والله تعالى أعلم.

٦. تحقيق الكلام ص ٣٠٢ - ٣٠٣.

٧. تحفة الأحوذي جـ ٢ ص ٢٤٣ - ٢٤٧.