HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٩٣١

أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا رِفَاعَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ ، عَنْ عَمِّ أَبِيهِ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ، فَعَطَسْتُ، فَقُلْتُ: الْحَمْدُ لِلهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا، مُبَارَكًا فِيهِ، مُبَارَكًا عَلَيْهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا، وَيَرْضَى، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ ﷺ انْصَرَفَ فَقَالَ: مَنِ الْمُتَكَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ؟ فَلَمْ يُكَلِّمْهُ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ: مَنِ الْمُتَكَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعِ بْنِ عَفْرَاءَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: كَيْفَ قُلْتَ؟ قَالَ: قُلْتُ: الْحَمْدُ لِلهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا، مُبَارَكًا فِيهِ، مُبَارَكًا عَلَيْهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا، وَيَرْضَى، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدِ ابْتَدَرَهَا بِضْعَةٌ وَثَلَاثُونَ مَلَكًا، أَيُّهُمْ يَصْعَدُ بِهَا».
  • عبد الفتاح أبو غدة:حسن
  • الألباني:حسنصحيح سنن النسائي ج1 ص308
  • زبير علي زئي:إسناده حسن
ج ٢ ص ١٤٥

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في مصدر واحد سنن أبي داود
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٢ ص٦٣
٣٦ - قَوْلُ الْمَأمُومِ إِذَا عَطَسَ خَلْفَ الإِمَامِ أي هذا باب ذكر الحديثين الدالين على الذكر الذي ينبغي أن يقوله المأموم خلف إمامه وقت العطاس. فالقول بمعنى القول، من إطلاق المصدر، وإرادة اسم المفعول. والله تعالى أعلم. ٩٣١ - أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا رِفَاعَةُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَمِّ أَبِيهِ، مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَعَطَسْتُ، فَقُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، مُبَارَكًا عَلَيْهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا، وَيَرْضَى، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - انْصَرَفَ، فَقَالَ: «مَنِ الْمُتَكَلِّمُ فِى الصَّلَاةِ؟»، فَلَمْ يُكَلِّمْهُ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَهَا الثَّانِيَةَ: «مَنِ الْمُتَكَلِّمُ فِي الصَّلَاةِ؟»، فَقَالَ رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعِ بْنِ عَفْرَاءَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «كَيْفَ قُلْتَ؟». قَالَ: قُلْتُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا، طَيِّبًا، مُبَارَكًا فِيهِ مُبَارَكًا عَلَيْهِ، كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا، وَيَرْضَى، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدِ ابْتَدَرَهَا بِضْعَةٌ وَثَلَاثُونَ مَلَكًا أَيُّهُمْ يَصْعَدُ بِهَا؟». رجال هذا الإسناد: أربعة ١ - (قتيبة) بن سعيد البغلاني، ثقة ثبت، مات سنة ٢٤٠، من [١٠]، أخرج له الجماعة، تقدم في ١/ ١. ٢ - (رفاعة بن رافع بن يحيى بن عبد الله بن رفاعة بن رافع) ابن مالك بن العجلان الأنصاري الزرقي، إمام مسجد بني زريق، صدوق من [٨]. روي عن عم أبيه معاذ بن رفاعة بن رافع. وعنه بشر بن عمر الزهراني، وسعيد بن عبد الجبار الكرابيسي، وقتيبة، وعبد العزيز بن أبي ثابت. ذكره ابن حبان في الثقات. وقال الذهبي في «الكاشف»: ثقة أخرج له أبو داود، والترمذي، وصحح حديثه، والنسائي، وله عندهم حديث الباب فقط . ٣ - (معاذ بن رفاعة بن رافع) بن مالك بن عجلان بن عمرو بن عامر بن زريق الأنصاري الزرقي المدني، صدوق من [٤]، روى له البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي. روى عن أبيه، وجابر بن عبد الله، ورجل من بني سلمة، يقال له: سُلَيم، قصةَ معاذ بن جبل في الصلاة، مرسل، ومحمد بن عبد الرحمن ابن عمرو بن الجموح، وخولة بنت قيس. وعنه ابن أخيه رفاعة بن يحيى ابن عبد الله بن رفاعة، وحفيداه: موسى، وعيسى ابنا النعمان بن معاذ، وهشام بن هارون، وغيرهم. ذكره ابن حبان في الثقات. وقال الآجري: سألت أبا داود عن معاذ ابن رفاعة؟ فقال: ليس به بأس . وحكى أبو الفتح الأزدي، عن عباس الدوري، عن ابن معين أنه قال فيه: ضعيف، قال الأزدي: ولا يحتج بحديثه . ٤ - (رفاعة بن رافع) بن مالك بن العجلان، أبو معاذ الأنصاري، صحابي ابن صحابي، من أهل بدر، مات في أول خلافة معاوية ﵃، تقدم في ٢٧/ ٦٦٧. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من رباعيات المصنف، وهو (٦٧) من رباعيات الكتاب، وهو أعلى ما وقع له من الأسانيد. ومنها: أن فيه رواية الراوي عن أبيه، وأن صحابيه ابن صحابي، ومن أهل بدر، له عند المصنف، والبخاري، وأبي داود، والترمذي، وابن ماجه، ستة أحاديث. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن معاذ بن رفاعة بن رافع، عن أبيه) رفاعة بن رافع ﵄، أنه (قال: صليت خلف النبي - ﷺ -، فعَطَسْتُ) قال الفَيُّومي: عَطَسَ عَطْسًا، من باب ضرب، وفي لغة من باب قتل. انتهى. وفي «المعجم الوسيط»: عَطَسَ الرجلُ يَعْطِسُ عَطسًا، وعُطَاسًا: اندفع الهواء من أنفه بعُنْف لعارض، وسُمِعَ له صوت عَطْسٍ. انتهى . ووقع في الرواية الآتية للمصنف ٢٢/ ١٠٦٢، من طريق علي بن يحيى الزُّرَقِيّ، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع، قال: كنا يومًا نصلي وراء رسول الله - ﷺ -، فلما رفع رأسه من الركعة، قال «سمع الله لمن حمده»، قال رجل: ربنا، ولك الحمد، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف رسول الله - ﷺ - قال: «من المتكلم آنفًا؟»، فقال الرجل: أنا يا رسول الله، قال رسول الله - ﷺ -: «لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكًا، يبتدرونها، أيُّهُم يكتبها أولُ». فقال ابن بشكوال ﵀: هذا الرجل هو رفاعة بن رافع راوي الخبر، واستدلّ على ذلك برواية الباب حيث قال: «صليتُ خلف النبي - ﷺ -، فعطستُ، فقلت: الحمد لله …». ونوزع في قوله هذا، لاختلاف سياق السبب والقصة. وأجيب بأنه لا تعارض بينهما، بل يحمل على أن عُطَاسَهُ وقع عند رفع رأس رسول الله - ﷺ -، ولا مانع أن يكني عن نفسه، لقصد إخفاء عمله، أو كُنِيَ عنه لنسيان بعض الرواة لاسمه، وأما ما عدا ذلك من الاختلاف، فلا يتضمن إلا زيادة، لعل الراوي اختصرها. وأفاد بشر بن عمر الزهراني في روايته عن رفاعة بن يحيى أن تلك الصلاة كانت المغرب. أفاده في الفتح . (فقلت: الحمد لله حمدًا) منصوب على أنه مفعول مطلق لفعل مقدر دلّ عليه قوله: «الحمد لله» (كثيرًا طيبًا) أي خالصًا من الرياء والسمعة (مباركًا فيه) أي كثير الخير (مباركًا عليه) يحتمل أن يكون تأكيدًا للأول، وهو الظاهر، وقيل: الأول بمعنى الزيادة، والثاني بمعنى البقاء، قال الله تعالى: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [فُصِّلَت: ١٠]، فهذا يناسب الأرض؛ لأن المقصود به النماء، والزيادة، لا البقاء، لأنه بصدد التغير، وقال تعالى: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ [الصافات: ١١٣]، فهذا يناسب الأنبياء؛ لأن البركة لاقية لهم، ولما كان الحمد يناسبه المعنيان جمعهما . (كما يحب ربنا، ويرضى) أي حمدًا موصوفًا بما ذكر، وبأنه مماثل للحمد الذي يحبه الله سبحانه، ويرضاه، فالجار والمجرور متعلق بمحذوف، حال من «حمدًا». قال في «الفتح»: وأما قوله: «كما يحب ربنا، ويرضى»، ففيه من حسن التفويض إلى الله تعالى ما هو الغاية في القصد. انتهى. (فلما صلى سول الله - ﷺ - انصرف) أي سلم من الصلاة، وأقبل على الناس (فقال: «من التكلم في الصلاة؟») «من» اسم استفهام في محل رفع بالابتداء، و«المتكلم» خبره، و«في الصلاة» متعلق به، أي من هو الشخص الذي تكلم بهؤلاء الكلمات (فلم يكلمه أحد) أي لم يُجِبِ النبيَّ - ﷺ - أحد من الصحابة الحاضرين تلك الصلاة، خوفًا على المتَكلَم لظنهم أنه أتى بما لا ينبغي، وأن استفهام النبي - ﷺ - للإنكار عليه (ثم قالها الثانية) أي قال الجملة المذكورة المرة الثانية ثم بَيَّنَ الضمير بقوله: (مَنِ التكلمُ في الصلاة) فهذه الجملة بدل من الضمير المنصوب في «قالها»، وهو مما عاد الضمير فيه على متأخر لفظا ورتبة، وهي ست مسائل جمعتها بقولي: وَعَوْدُ مُضْمَرٍ عَلَى مَا أُخِّرَا … لَفْظًا وَرتبَةً أَتَى مُغتَفَراَ فِي مُضْمَرِ الشَّأنِ وَنِعْمَ رَجُلَا … وَرُبَّهُ فَتًى كَذَا مَا أُبْدِلَا مَا بَعْدَهُ عَنْهُ وَمَا قَدْ فُسِّرَا … بِخَبَرٍ وَفِي التَّنَازُعِ جَرَى فَتلْكَ سِتٌّ وَسِوَاهَا أَوجَبُوا … تَقَدُّمَ الْمَرجِعِ نِعمَ الْمَطْلَبُ و«الثانية» منصوب على الظرفية، أي المرةَ الثانيةَ، أو مفعول مطلق على النيابة، أي قالها القولةَ الثانية. زاد الترمذي في روايته عن قتيبة شيخ المصنف: «ثم قالها الثالثة مَنِ المتكَلمُ في الصلاة؟». (فقال رفاعة بن رافع بن عَفْرَاء) هكذا وقع عند المصنف، والترمذي في نسبه هنا: «ابن عفراء». فلعل اسم أم رافع، أو جدته عفراء، كما يفيده كلام الحافظ ﵀ في «الإصابة» جـ ٣ ص ٢٨١. (أنا يا رسول الله) أي أنا المتكلم بهؤلاء الكليات. قال في الفتح: وقد استشكل تأخير رفاعة، إجابة النبي - ﷺ - حين كرر سؤاله ثلاثًا، مع أن إجابته واجبة عليه، بل وعلى كل من سمع رفاعة، فإنه لم يسأل المتكلم وحده. وأجيب بأنه لا لم يعين واحدًا بعينه لم تتعين المبادرة بالجواب من المتكلم، ولا من واحد بعينه، فكأنهم انتظروا بعضَهم ليجيب، وحملهم على ذلك خشية أن يبدو في حقه شيء، ظنًا منهم أنه أخطأ فيما فعل، ورَجَوْا أن يقع العفو عنه، وكأنه - ﷺ - لمَّا رأى سكوتهم فَهِمَ ذلك، فَعَرَّفَهم أنه لم يقل بأسًا. ويدل على ذلك أن في رواية سعيد بن عبد الجبار، عن رفاعة بن يحيى عند ابن قانع، قال رفاعة: «فَوَدِدْتُ أني خرجت من مالي، وأني لم أشهد مع النبي - ﷺ - تلك الصلاة». ولأبي داود من حديث عامر بن ربيعة، قال: «من القائل الكلمة؟ فإنه لم يقل بأسًا»، فقال: أنا قلتها، لم أرد بها إلا خيرًا. وللطبراني من حديث أبي أيوب: «فسكت الرجل، ورأى أنه قد هجم من رسول الله - ﷺ - على شيء كرهه، فقال:»من هو؟ فإنه لم يقل إلا صوابًا«، فقال الرجل: أنا يا رسول الله، قلتها، أرجو بها الخير. ويحتمل أيضًا أن يكون المصلون لم يعرفوه بعينه، إما لإقبالهم على صلاتهم، وإما لكونه في آخر الصفوف، فلا يرد السؤال في حقهم، والعذر عنه هو ما قدمناه. والحكمة في سؤاله - ﷺ - عمن قال أن يتعلم السامعون كلامه، فيقولون مثله. انتهى ما في الفتح . (قال) - ﷺ - (»كيف قلت؟ «) استفهمه استحسانًا لقوله، وتعجبًا مما ترتب عليها من الفضل العظيم (قال) رفاعة ﵁ (قلت: الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا، مباركًا فيه، مباركًا عليه، كما يحب ربنا، ويرضى، فقال النبي - ﷺ -: والذي نفسي بيده لقد ابتدرها) أي سارعوا إليها، وسابق بعضهم بعضًا. يقال: بدَرتُ إلى الشيء أبْدُر بُدُورًا من باب دخل: أسرعت، وكذلك بادَرتُ إليه، وتبادَر القومُ: أسرعوا، وابتدروا السلاح: تبادرا إلى أخذه، وبادرَ الشيءَ مُبَادرةً، وبِدَارًا، وابتدَرُهُ، وبَدَرَ غيره إليه يَبْدُرُهُ: عاجله. أفاده في اللسان . (بضعة وثلاثون ملكًا) قال في الفتح: فيه ردّ على من زعم، كالجوهري أن البضع يختص بما دون العشرين. انتهى. وعبارة ابن منظور ﵀: البَضْعُ، والبِضْعُ -بالفتح، والكسر-: ما بين الثلاث إلى العشر، وبالهاء من الثلاثة إلى العشرة، يضاف إلى ما تضاف إليه الآحاد، لأنه قطعة من العدد، كقوله تعالى: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٤]، وتبنى مع العشرة، كما تبنى سائر الآحاد، وذلك من ثلاثة إلى تسعة، فيقال: بضعةَ عشر رجلًا، وبضع عشرة جارية. قال ابن سيدَه: ولم نسمع بضعة عشر، ولا بضع عشرة، ولا يمتنع ذلك. وقيل: البضع من الثلاث إلى التسع. وقيل: من أربع إلى تسع. وفي التنزيل: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢]. قال الفرّاء: البضع ما بين الثلاثة إلى ما دون العشرة. وقال شَمِرٌ: البضع لايكون أقلّ من ثلاثة، ولا أكثر من عشرة. وقال أبو زيد: أقمت عنده بضع سنين -أي بالكسر-. وقال بعضهم: بَضْع سنين- أي بالفتح. وقال أبو عبيدة: البضع ما لم يبلغ العِقْدَ، ولا نصفه، يريد ما بين الواحد إلى أربعة. وقال: البضع سبعة، وإذا جاوزت لفظ العشر ذهب البضع، ولا تقول: بضع وعشرون رجلًا، وله بضع وعشرون امرأة. قال ابن بَرِّيٍّ: وحكي عن الفراء في قوله: ﴿بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢] أن البضع لا يذكر إلا العشر والعشرين إلى التسعين، ولا يقال فيما بعد ذلك. يعني أنه يقال: مائة ونَيِّفٌ، وأنشد أبو تمَّام في باب الهجاء من الحَمَاسة لبعض العرب [من البسيط]: أَقُولُ حِينَ أَرَى كَعْبًا وَلِحْيَتَهُ … لَا بَارَكَ اللهُ فِي بِضْعٍ وَسِتِّيِنِ مِنَ السِّنِينَ تَمَلاَّها بِلا حَسَبٍ … وَلَا حَيَاءٍ وَلَا قَدْرٍ وَلا دِينِ وقد جاء في الحديث: «بضعًا وثلاثين ملكًا»، و«صلاة الجماعة تفضل صلاة الواحد ببضع وعشرين درجة» انتهى كلام ابن منظور رحمه الله تعالى . قال الجامع عفا الله عنه: فتبيّنَ بما ذكر أن الراجح من أقوال أهل اللغة أن البضع -بالكسر، والفتح- يطلق على ما بين الثلاث والتسع، ويستعمل بدون عشرة، كما في قوله تعالى: ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٤]، وقوله: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢]، ومع العشرة، والعشرين، والثلاثين، إلى التسعين، كما في الحديثين المذكورين. والله تعالى أعلم. قال فى الفتح: والظاهر أن هؤلاء الملائكة غير الحفظة، ويؤيده ما في الصحيّحين عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا: «إن لله ملائكة يطوفون في الطُّرُق، يلتمسون أهل الذكر …» الحديث. واستدل به على أن بعض الطاعات قد يكتبها غير الحفظة. انتهى . (أيهم يصعد بها) قال الفيومي ﵀: صَعدَ في السلمِ والدرجة يَصْعَد، من باب تَعِبَ، صُعُودًا، وصَعِدت السطَحَ، وإليه، وصَعَّدت في الجبل -بالتثقيل-: إذا علوته، وصَعِدت في الجبل، من باب تَعِبَ لغة قليلة. انتهى . والمعنى هنا: يتسابق هؤلاء الملائكة أيهم يعرُج بتلك الكلمات إلى الله ﷿. وفي الرواية الَاتية ٢٢/ ١٠٦٢، «أيهم يكتبها أوّلًا»، وعند البخاري: «أيهم يكتبها أولُ»، وللطبراني من حديث أبي أيوب: «أيهم يرفعها». و«أوَّلُ» روي بالضم على البناء؛ لأنه من الظروف التي تقطع عن الإضافة، ويُنوَى معناها، كما قال ابن مالك في «الخلاصة»: وَاضْمُمْ بِنَاءً غَيْرًا انْ عَدِمْتَ مَا … لَهُ أُضِيفَ نَاوِيًا مَا عُدِمَا قَبْلُ كغَيْرُ بَعْدُ حَسْبُ أَوَّلُ … وَدُونُ وَالجِهَاتُ أَيْضًا وَعَلُ وروي بالنصب على الحال، كما أفاده السهيلي رحمه الله تعالى. انتهى. قال الجوهري ﵀: أصل «أول» أوْ أل، على وزن أفعل، مهموز الوسط، فقلبت الهمزة واوًا، وأدغمت الواو في الواو، وقيل: أصله «وَوَّلٌ» على فَوْعَلٍ، فقلبت الواو الأولى همزة، وإذا جعلته صفة لم تصرفَه، تقول: لقيته عامًا أوّلَ، وإذا لم تجعله صفة صرفته، نحو رأيته عاما أوّلًا . وأما «أيهم» فروي بالرفع، وهو مبتدأ، وخبره «يصعد بها»، أفاده الطيبي وغيره تبعًا لأبي البقاء في إعراب قوله تعالى: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، قال: وهو في موضع نصب، والعامل فيه ما دل عليه: ﴿يُلْقُونَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، و«أيُّ» استفهامية، والتقدير مقول فيهم: أيهم يصعد بها. ويجوز في أيهم النصب بأن يقدر المحذوف، «فينظرون أيَّهم». وعند سيبويه: أيّ موصولة، والتقدير: يبتدرون الذي يصعد بها أولى، وأنكر جماعة من البصريين ذلك. ولا تعارض بين روايتي: «يصعد بها»، و«يكتبها»؛ لأنه يحمل على أنهم يكتبونها، ثم يصعدون بها إلى الله ﷿. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث السألة الأولى: في درجته: حديث رفاعة بن رافع ﵄ هذا صحيح. قال الجامع عفا الله عنه: الراجح أن حديث رفاعة هذا هو الحديث الذي يأتي للمصنف ﵀ ٢٢/ ١٠٦٢، من طريق علي بن يحيى بن خلاّد، وهو حديث أخرجه البخاري ﵀ في صحيحه، كما سيأتي قريبًا، فقد أشار إلى اتحادهما الحافظ أبو الحجاج المزي ﵀ في «تحفة الأشراف» جـ ٣ ص ١٧٠ - حيث قال بعد إيراده حديث الباب إثر الحديث المذكور ما نصه: وهو في معنى الذي قبله. وقد تقدم ما قاله الحافظ في تأييده اتحاد القصتين. والله تعالى أعلم. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ٣٦/ ٩٣١، وفي الكبرى ٣٠/ ١٠٠٣، عن قتيبة، عن رفاعة بن يحيى بن عبد الله بن رفاعة بن رافع، عن عم أبيه معاذ بن رفاعة أبن رافع، عن أبيه. وأخرجه هنا ٢٢/ ١٠٦٢، والكبرى ٢١/ ٦٤٩، عن محمد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك، عن نعيم بن عبد الله، عن علي بن يحيى الزرقي، عن أبيه، عن رفاعة بن رافع ﵁، قال: كنا يومًا، نصلي وراء رسول الله - ﷺ -، فلما رفع رأسه من الركعة، قال: «سمع الله لمن حمده»، قال رجل وراءه: ربنا ولك الحمد، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف رسول الله - ﷺ -: «من المتكلم آنفًا؟»، فقال الرجل: أنا يا رسول الله، قال رسول الله - ﷺ -: «لقد رأيت بضعة وثلاثين ملكًا، يبتدرونها، أيهم يكتبها أوّلًا». والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أما رواية معاذ بن رفاعة فأخرجها أبو داود عن قتيبة بن سعيد -وسعيد بن عبد الجبار- كلاهما عن رفاعة بن يحيى به. والترمذي عن قتيبة، عن رفاعة، به. وأما رواية يحيى بن خلاد، فأخرجها البخاري عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك، به. وأبو داود عن القعنبي، به. ومالك في الموطأ رقم ١٤٨. وأحمد جـ ٤ ص ٣٤٠. وابن خزيمة رقم ٦١٤. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في فوائده: منها: ما ترجم له المصنف، وهو مشروعية الذكر المذكور للمأموم إذا عطس خلف الإمام، وهذا ليس خاصًا بالمأموم، بل هو لكل مصل، وإنما ترجم عليه لكونه المذكور في الحديث، وسيأتي في المسألة التالية بيان اختلاف العلماء فيه، إن شاء الله تعالى. ومنها: ما قاله في «الفتح»: استدل به على جواز إحداث ذكر في الصلاة غير مأثور، إذا كانت غير مخالف للمأثور. اهـ. قال الجامع عفا الله عنه: في هذا الاستنباط نظر، إذ الصلاة عبادة قولية وفعلية مبنية على التعليم النبوي، لا يجوز إحداث شيء سن القول والفعل فيها، بل يقتصر فيها على ما نقل عنه - ﷺ -، وأما هذا الذكر، فقد ثبتت مشروعيته بالنص، حيث أقر - ﷺ - قائله، وأخبره بفضله، فلا يكون دليلًا لما ادعاه. ولا يعترض هذا بالدعاء عقب التشهد، لأنه لا يتعين له شيء غير التعوذ من الأربع التي ورد الأمر بالتعوذ منها، لأن ذلك جاء التخيير فيه، بقوله - ﷺ -: عقب تعليمه التشهد: «ثم ليتخير بعدُ من الدعاء ما شاء»، وفي لفظ: «وليتخير أحدكم من الدعاء أعجبه إليه، فليدع الله عز وجل». وسيأتي تمام البحث فيه في محله، إن شاء الله تعالى. ومنها: جواز رفع الصوت بالذكر ما لم يشوش على غيره. ومنها: أن العاطس في الصلاة يحمد الله تعالى بغير كراهة. ومنها: أن العاطس في الصلاة لا يستحق التشميت، وإن حمد الله؛ لأنه - ﷺ - ما شمته، ولا أحد من أصحابه، فدل على أن التشميت من كلام الناس الذي يبطل الصلاة. ومنها: مشروعية تطويل الاعتدال بالذكر، خلافًا لمن قال: إنه لا يشرع ذلك، إذ هو ركن قصير، وسيأتي الكلام عليه في محله، إن شاء الله تعالى. ومنها: أن ابن بطال استنبط منه جواز رفع الصوت بالتبليغ خلف الإمام. وتعقبه الزين ابن المنير بأن سماعه - ﷺ - لصوت الرجل لا يستلزم رفعه لصوته، كرفع صوت المبلغ. قال الحافظ: وفي هذا التعقب نظر؛ لأن غرض ابن بطال إثبات جواز الرفع في الجملة، وقد سبقه إليه ابن عبد البر، واستدل له بإجماعهم على أن الكلام الأجنبي يبطل عمده الصلاة، ولو كان سرًا، قال: وكذلك الكلام المشروع في الصلاة لا يبطلها، ولو كان جهرًا. انتهى . ومنها: بيان فضيلة هذا الذكر. ومنها: أن بعض الأعمال يكتبها غير الحفظة. والله تعالى أعلم. السألة الخامسة: في بيان اختلاف أهل العلم في الحمد للعاطس: قال الإمام أبو بكر ابن المنذر ﵀: اختلف أهل العلم في العاطس يحمد الله، وهو في الصلاة، فقالت طائفة: يحمد الله. كذلك قال النخعي، ومكحول، وأحمد بن حنبل، وروينا عن ابن عمر أنه قال: العاطس في الصلاة يجهر بالحمد، فإن عطس رجل، فشمته، وهو ذاكر أنه في الصلاة، فسدت على المصلي صلاته. قال: وعلى هذا مذهب الشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى . وقال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى في «جامعه» بعد إخراج حديث رفاعة المذكور في هذا الباب، ما نصه: وكأن هذا الحديث عند بعض أهل العلم أنه في التطوع، لأن غير واحد من التابعين قالوا: إذا عطس الرجل في الصلاة المكتوبة إنما يحمد الله في نفسه، ولم يوسعوا بأكثر من ذلك. انتهى . قال الجامع عفا الله عنه: قد تقدم من رواية بشر بن عمر الزهراني، عن رفاعة بن يحيى أن تلك الصلاة التي عطس فيها الرجل خلف النبي - ﷺ -، فحمد الله تعالى كانت المغربَ، فيرد قول من حمل الحديث على التطوع. وقال القاري في «المرقاة»: قال ابن الملك: يدل الحديث على جواز الحمد للعاطس في الصلاة. يعني على الصحيح المعتمد، بخلاف رواية البطلان، فإنها شاذة، لكن الأولى أن يحمد في نفسه، أو يسكت خروجًا من الخلاف، على ما في شرح «المنية». انتهى. فتعقبه العلامة المباركفوري ﵀، قائلًا: لو سكت القاري عن قوله: أو يسكت- لكان خيرًا له، فإن حديث الباب يدل على جواز الحمد للعاطس بلا مرية، انتهى . قال الجامع: وأنا أقول: لو سكت القاري عن قوله: لكن الأولى أن يحمد في نفسه إلى آخر كلامه لكان عاملًا بما وجب عليه؛ لأن عدم معارضة النص بقول فلان وفلان من واجب كل مؤمن ومؤمنة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] الآية. وحديث الباب نص في الجهر بالحمد المذكور، والخروجُ من الخلاف المعارضِ للنص مرفوضٌ ومهجور، ولقد أحسن من قال، وأجاد في
مصادر المؤلف (١٧)

١. «الكاشف» ج ١ ص ٣١١.

٢. «تك» جـ ٩ ص ٢١٠ - ٢١١. «تت» ج ٣ ص ٢٨٣.

٣. من هامش «تهذيب الكمال» جـ ٢٨ ص ١٢٢.

٤. «تك» جـ ٢٨ ص ١٢١ - ١٢٢ - «تت» جـ ١٠ ص ١٩٠.

٥. جـ ٢ ص ٦٠٨.

٦. جـ ٢ ص ٥٤٣.

٧. ذكره في الفتح، وقال: كذا قرره بعض الشراح، ولا يخفى ما فيه. اهـ. قلت: بل هو تقرير مناسب فيما يظهر لي، وليس فيه خفاء. والله تعالى أعلم.

٨. جـ ٢ ص ٥٤٤.

٩. لسان العرب جـ ١ ص ٢٢٨.

١٠. لسان العرب جـ ١ ص ٢٩٨.

١١. فتح جـ ٢ ص ٥٤٤.

١٢. المصباح جـ ١ ص ٣٤٠.

١٣. راجع عمدة القاري جـ ٦ ص ٧٦.

١٤. «الفتح» جـ ٢ ص ٥٤٤ - ٥٤٥.

١٥. «الأوسط» جـ ٣ ص ٢٧٢.

١٦. «جامع الترمذي» جـ ١ ص ٢٥١.

١٧. تحفة الأحوذي جـ ٢ ص ٤٣٩.