HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٩٣٤

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ (وَاللَّفْظُ لَهُ) عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ سَأَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ: كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: أَحْيَانًا يَأْتِينِي فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيَفْصِمُ عَنِّي، وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلًا، فَيُكَلِّمُنِي، فَأَعِي مَا يَقُولُ. قَالَتْ عَائِشَةُ: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ، وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص309
  • زبير علي زئي:صحيح البخاري
ج ٢ ص ١٤٧

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٥ مصادر جامع الترمذي, صحيح البخاري, صحيح مسلم, مسند أحمد وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٢ ص١٠٧
مثل غُرْفَة وغُرَف، وتَصوّرت الشيءَ: مَثَّلْتُ صورته، وشَكْلَه في الذهن، فتصور هو، وقد تطلق الصور، ويراد بها الصفة، كقولهم: صورة الأمر كذا، أي صفته، ومنه قولهم: صورة المسألة كذا، أي صفتها. قاله في المصباح . و«الفتى» -بفتحتين مقصورًا-: الشاب الحدث، ويستعار للعبد، وإن كان شيخًا مجازًا، تسمية باسم ما كان عليه. وجمعه في القلة فتْيَةُ، وفي الكثرة فِتْيَانٌ، والأنثى فَتَاة، وجمعها فَتَيَات. أفاده في المصباح . والمعنى هنا: أي يأتيني في بعض الأوقات في مثال رجل شابّ. (فيَنْبِذُه إِلي) من باب ضرب: أي يُلقي ذلك الملك الوحي الذي أتى به إلي. وفي الرواية التالية: «وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا، فيكلمني فأعي ما يقول». وسيأتي شرحه هناك، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. ومسائل هذا الحديث ستأتي بعد شرح الحديث التالي، إن شاء الله تعالى. ٩٣٤ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ، وَأَنَا أَسْمَعُ، وَاللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ، سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ -، كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «أَحْيَانًا يَأْتِينِي فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيَفْصِمُ عَنِّي، وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجُلًا، فَيُكَلِّمُنِي، فَأَعِي مَا يَقُولُ». قَالَتْ عَائِشَةُ: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ، فَيَفْصِمُ عَنْهُ، وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا. رجال هذا الإسناد: سبعه ١ - (محمد بن سلمة) بن أبي فاطمة المرادي الْجَمَليّ، أبو الحارث المصري، ثقة ثبت [١١]، مات سنة ٢٤٨، أخرج له مسلَم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، تقدم في ١٩/ ٢٠. ٢ - (الحارث بن مسكين) بن محمد ين يوسف مولى بني أمية، أبو عمرو المصري، قاضيها، ثقة فقيه [١٠] مات سنة ٢٥٠ أخرج له أبو داود، والنسائي، تقدم في ٩/ ٩. ٣ - (عبد الرحمن بن القاسم) بن خالد بن جُنَادة الْعُتَقِيّ، أبو عبد الله المصري الفقيه، صاحب مالك، ثقة من كبار [١٠]، مات سنة ١٩١، أخرج له البخاري، وأبو داود في «مراسيله»، والنسائي، تقدم في ١٩/ ٢٠. ٤ - (مالك) بن أنس الإمام المدني الثبت الحجة [٧]، مات سنة ١٧٩، أخرج له الجماعة، تقدم في ٧/ ٧. والباقون تقدموا في السند الماضي. ومن لطائف هذا الإسناد أنه مسلسل بالفقهاء الثقات الأثبات. (قال الجامع عفا الله عنه): شرح الحديث تقدم في الذي قبله، وأشرح هنا ما لم يسبق شرحه: قوله: (يتمثل لي الملك رجلًا) التمثل مشتق من المثل، أي يتصور، «وأل» في «الملك» للعهد، والمعهود هو جبريل، وقد وقع التصريح به في رواية ابن سعد من طريق أبي سلمة الماجشون، ولفظه: «كان الوحي يأتيني على نحوين: يأتيني به جبريل، فيلقيه علي، كما يلقي الرجل على الرجل …» الحديث. وهو مرسل تقدم الكلام عليه في الحديث الماضي. وفيه دليل على أن الملك يتشكل بشكل البشر، قال المتكلمون: الملائكة أجسام علوية لطيفة، تتشكل أيَّ شكل أرادوا، وزعم بعض الفلاسفة أنها جواهر روحانية. ذكره في الفتح . وقوله: (رجلًا) منصوب على أنه مفعول مطلق على النيابة، والأصل تَمَثُّلَ رجلٍ، وقيل: منصوب على الحال، أي مُتَصَوِّرًا بصورة رجل، وقيل: منصوب على التمييز. ولا يخفى بُعْدُه. قال الحافظ السيوطي ﵀: قال المتكلمون: الملائكة أجسام علوية لطيفة، تتشكل أيَّ شكل أرادواه. وقد سأل عبد الحق الصَّقَلِيُّ إمامَ الحرمين حين اجتمع به بمكة عن هذه، وكيف كان جبريل يجيء مرّة في صورة دحية، وجاء مرة في هيئة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، وصورته الأصلية له ستمائة جناح، وكل جناح منها يسد الأفق؟. فقال. مِنْ قائل: إنه سبحانه يُفنيِ الرْائدَ من خلقه، ثم يعيده، ومن قائل: إن ذلك إنما هو تمثيل في عين الرائي، لا في جسم جبريل، وهو الذي يعطيه قوله. «يتمثل لي». قال: وتحقيقه أن جبريل عمارة عن الحقيقة الملكية الخاصة، والملك لا يتغير بالصورة والقوالب، كما أن حقيقتنا لا تتغير بها، ألا ترى أن الجسم يتغير، ويفنى مع أن الأوواح لا تتغير، كما أنها في الجنة تركب على أجسام لطيفة نورانية ملكية، تنعكس الأبدان الآدمية الكثيفة هناك إلى عالم الكمال الجسماني على نحو الأجسام الملكية الآن، فحقيقة جبريل كانت معلومة عند النبي - ﷺ - مجعولة في أيّ قَالَب كان. قلت : ولهذا وود في حديث مجيئه، وسؤاله عن الإيمان: «ما جاءني قط، إلا وأنا أعرفه، إلا أن يكون هذه المرة». انتهى المقصود من كلام السيوطي رحمه الله تعالى . وقال في الفتح: قال إمام الحرمين: تمثل جبريل معناه أن الله أفنى الزائد من خلقه، أو أزاله عنه، ثم يعيده إليه بَعْدُ. وجزم ابن عبد السلام بالإزالة دون الفناء، وقرر ذلك بأنه لا يلزم أن يكون انتقالها موجبًا لموته، بل يجوز أن يبقى الجسد حيًا، لأن موت الجسد بمفارقة الروح ليس بواجب عقلًا، بل بعادة أجراها الله تعالى في بعض خلقه، ونظيره انتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طيور خضر تَسْرَحُ في الجنة. وقال شيخنا شيخ الإسلام -يعني البلقيني-: ما ذكره إمام الحرمين لا ينحصر الحال فيه، بل يجوز أن يكون الآتي هو جبريل بشكله الأصلي، إلا أنه انضم، فصار على قدر هيئة الرجل، وإذا ترك ذلك عاد إلى هيئته. ومثال ذلك القطن إذا جمع بعد أن كان منتفشًا، فإنه بالنفش يحصل له صورة كبيرة، وذاته لم تتغير، وهذا على سبيل التقريب. والحق أن تمثل الملك رجلًا ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلًا، بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيسًا لمن يخاطبه، والظاهر أيضًا أن القدر الزائد لا يزول، ولا يفنى، بل يخفى على الرائي فقط. والله أعلم. انتهى كلام الحافظ . (قال الجامع عفا الله عنه): مثل هذا الاختلاف، ومثله الاختلاف السابق في حقيقة الملائكة من فضول الكلام، ومن الخوض فيما لا يعني، لأمور: (الأول): أنه مما لم يكلف الشرع أحدًا بالخوض فيه. (الثاني): أنه من القول بلا علم، لأنه ليس عليه أثارة من علم، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]. (الثالث): أنه مما لم يخض فيه السلف، ولو كان فيه خير لكانوا أسبق الناس إليه. فالواجب على العاقل أن لا يخوض في مثل هذا إلا بدليل، فما جاءنا من النبي - ﷺ - بيانه من كون الملائكة خلقوا من نور، وأن لهم أجنحة، وأنهم يتشكلون بشكل البشر، وأن جبريل يأتيه بصورة رجل، ونحو ذلك آمنا به، وتكلمنا بتفاصيله، وما لا فلا. والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. (فيكلمني) كذا للأكثر، ووقع في رواية البيهقي من طريق القعنبي، عن مالك. «فيعلمني» بالعين بدل الكاف. والظاهر أنه تصحيف، فقد وقع في الموطأ روايةِ القعنبي بالكاف، وكذا للدارقطني في حديث مالك من طريق القعنبي وغيره. قاله في الفتح. (فأعي ما يقول) زاد أبو عوانة في صحيحه: «وهو أهونه عليّ». وقد وقع التغاير في الحالتين، حيث قال في الأول: «وقد وعَيتُ» بلفظ الماضي، وهنا بلفظ الاستقبال، لأن الوعي حصل في الأول قبل الفصم، وفي الثاني حصل بعد المكالمة، أو أنه في الأول قد تلبس بالصفات الملكية، فإذا عاد إلى حالته الجبلّية كان حافظًا لما قيل له، فعبر عنه بالماضي، بخلاف الثاني، فإنه علَىَ حالته المعهودة . (قالت عائشة) ﵂. قال في الفتح: هو بالإسناد الذي قبله، وإن كان بغير حرف العطف، كما يستعمله البخاري وغيره كثيرًا، وحيث يريد التعليق يأتي بحرف العطف. وقد أخرجه الدارقطني في حديث مالك من طريق عتيق بن يعقوب، عن مالك، مفصولًا عن الحديث، وكذا فصلهما مسلم من طريق أبي أسامة، عن هشام، ونكتة الاقتطاع هنا اختلاف التحمل، لأنها في الأول أخبرت عن مسألة الحارث، وفي الثاني أخبرت عما شاهدت تأييدًا للخبر الأول. انتهى. (ولقد رأيته) الواو للقسم، واللام للتأكيد، و«قد» للتحقيق، «رأيت» بمعنى أبصرت، فلذلك اكتفى بمفعول واحد. وفيه من المؤكدات واو القسم، ولام التأكيد، و«قد» التي وَضْعُهَا للتحقيق في مثل هذا الموضع، كما في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾ [الشمس: ٩]. أكدت به عائشة ﵂ ما تقدم من قوله - ﷺ -: «وهو أشده عليّ». (ينزل عليه) الفاعل ضمير الوحي، وقد صرح به في رواية البخاري، ولفظه: «ولقد رأيته ينزل عليه الوحي». ويحتمل أن يكون بالبناء للمفعول، والجار والمجرور نائب فاعله. والجملة في محل نصب على الحال من المفعول به، أي والله لقد رأيت رسول الله - ﷺ - حال كونه نازلًا عليه الوحي (في اليوم الشديد البرد) من إضافة الصفة المشبهة إلى فاعلها، وهي صفة جرت على غير صاحبها، لأنها صفة للبرد، لا لليوم. وفيه دلالة على معاناته - ﷺ - التعبَ والكربَ عند نزول الوحي، لما فيه من مخالفة العادة، وهو كثرة العرق في شدة البرد، فإنه يشعر بوجود أمر طارئ زائد على الطباع البشريه. قاله مي الفتح . (فيفصم عنه) أي ينفرج، ويذهب عنه. وتقدم ضبطه ومعناه في الحديث الماضي، (وإِن جبينه) بفتح الجيم، وكسر الباء. قال ابن منظور: الجَبِين: فوق الصُّدْغ، وهما جبينان عن: يمين الجبهة، وشمالها، وقال ابن سيدَهْ: والجبينان حرفان مُكتنفا الجبهةِ من جانبيها فيما بين الحاجبْين، مُصْعِدًا إلى قُصَاصِ الشعرِ. وقيل: هما ما بين القُصاص إلى الحاجبين. وقيلَ: حروف الجبهة ما بين الصُّدْغَين متصلًا عدا الناصيةَ كلُّ ذلك جَبِينٌ واحد. قال. وبعضٌ يقول: هما جبينان. والجمع أجْبُنٌ، وأجْبِنَةٌ، وجُبُنٌ. انتهى . (ليَتفصد) بالفاء، وتشديد المهملة: أي يسيل، مأخوذ من الفَصْد، وهو قطع العِرْقِ لإسالة الدم، شُبهَ جبينُهُ بالعِرْقِ المفصودِ، مبالغةً في كثرة العَرَق. (عَرَقًا) منصوب على التمييز، وهو تمييز محول عن الفاعل، قال ابن منظور ﵀: تفصَّدَ جبينه عرقًا، أي تفصّدَ عرقُ جبينه، وكذلك هذا الضرب من التمييز إنما هو في نية الفاعل، وانفصد الشيءُ، وتفصد. سال. انتهى . زاد ابن أبي الزناد عن هشام بهذا الإسناد عند البيهقي في الدلائل: «وإن كان لَيوُحَى إليه، وهو على ناقته، فيضرب حِزَامَهَا، من ثِقَلِ ما يوحَى إليه» . وأرادت عائشة ﵂ بهذا الإشارةَ إلى كثرة معاناته ﵊ التعَبَ والكربَ عند نزول الوحي، وذلك لأنه ﵊ كان إذا ورد عليه الوحي يجد له مشقة، ويغشاه الكرب، لثقل ما يُلقَى عليه، قال تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]، ولذلك كان يعتريه مثل حال المحموم، كما روي «أنه كان يأخذه عند الوحي الرُّحَضَاء» . أي البُهْرُ والعرق من الشدة، وأكثر ما يسمى به عرق الحُمَّى، ولذلك كان جبينه يتفصد عَرَقا، وإنما كان ذلك ليبلو صبره، ويحسن تأديبه، فيرتاض لاحتمال ما كلفه من أعباء النبوة. وقد ذكر البخاري ﵀ في حديث يعلى بن أمية: «فأدخل رأسه، فإذا رسول الله - ﷺ - مُحْمَرٌّ وجهه، وهو يغطّ، ثم سُري عنه». ومنه في حديث عبادة بن الصامت ﵁، قال: «كان نبي الله - ﷺ - إذا نزل عليه كُرِب لذلك، وتَرَبَّدَ وجهه». وفي حديث الإفك، «قالت عائشة ﵂: فأخذه ما كان يأخذه من البُرَحَاء عند الوحي، حتى إنه لينحدر منه مثل الجُمَان من العرق في اليوم الشَّاتِي، من ثقل الوحي الذي ينزل عليه». أفاده العيني ﵀ تعالى . تنبيه: حكى العسكري في التصحيف عن بعض شيوخه أنه قرأ: «ليتقصد» بالقاف، تم قال العسكري: إن ثبت فهو من قولهم: تَقَصَّدَ الشيءُ: إذا تكسر، وتقطع، ولا يخفى بُعده. انتهى. قالط الحافظ: وقد وقع في هذا التصحيف أبو الفضل ابن طاهر، فرده عليه المؤتمن الساجي بالفاء، قال: فأصرّ على القاف. وذكر الذهبي في ترجمة ابن طاهر عن ابن ناصر أنه رد على ابن طاهر لما قرأها بالقاف، قال: فكابرني. قال الحافظ: ولعل ابن طاهر وجّهَهَا بما أشار إليه العسكري . والله تعالى أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث (المسألة الأولى): في درجته: حديث عائشة ﵂ هذا متفق عليه. (المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٣٧/ ٩٣٣ - وفي «الكبرى» -٣٧/ ١٠٠٥ - وفي فضائل القرآن جـ ٥ ص ٣ رقم -٧٩٧٩ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه عنها. و-٩٣٤ - و«الكبرى» ١٠٠٦ - عن محمد بن سلمة، والحارث بن مسكين، كلاهما عن عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك، عن هشام به، والله تعالى أعلم. (المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه: أخرجه البخاري عن عبد الله بن يوسف، عن مالك به. وفي «بدء الخلق» عن فَرْوَة بن أبي المَغْرَاء، عن علي بن مسهر، عن هشام به. ومسلم عن أبي كريب، عن أبي أسامة ح. وعن أبي بكر بن أبي شيبة، عن ابن عيينة ح. وعن أبي كريب، عن أبي أسامة، ومحمد بن بشر ح. وعن محمد بن عبد الله نمير، عن محمد بن بشر كلهم عن هشام به. والترمذي عن إسحاق بن موسى الأنصاري، عن معن، عن مالك به. وأخرجه مالك في «الموطأ» رقم ١٤٣، والحميدي ٢٥٦ وأحمد جـ ٦ ص ٥٨ و٢٠٢ و١٥٨ و١٦٣ و٢٥٦ و٢٥٧، وعبد بن حميد رقم ١٤٩٠. والله تعالى أعلم. (المسألة الرابعة): في فوائده: منها: أن فيه دليلًا على أن أصحاب رسول الله - ﷺ - كانوا يسألونه - ﷺ - عن كثير من المعاني، وكان رسول الله - ﷺ - يجيبهم، ويعلمهم، وكانت طائفة منهم تسأل، وطائفة تحفظ، وكلهم أدّى، وبلّغ ما علم، ولم يكتم حتى أكمل الله دينه، والحمد لله . ومنها: أن السؤال عن الكيفية لطلب الطمأنينة لا يقدح في اليقين. ومنها: جواز السؤال عن أحوال الأنبياء من الوحي وغيره. وممْها: أن المسؤول عنه إذا كان ذا أقسام يذكر المجيب في أول جوابه ما يقتضي التفصيل . ومنها: ما قاله الحافظ أبو عمر ﵀: وفي هذا الحديث: نوعان أو ثلاثة من أنواع نزول الوحي. وقد ورد في غير ما حديث من نزول الوحي أنواع، حتى الرؤيا الصالحة جعلها جزءًا من أجزاء النبوة، ولكنه أراد بهذا الحديث نزول ما يتلى، والله أعلم. وقد روى حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان الوحي إذا نزل سمعت الملائكة صوتًا كإمرار السلسلة على الصَّفَا . وفي حديث يوم حنين أنهم سمعوا صلصلة بين السماء والأرض كإمرار الحديد على الطست الجديد. وقالت عائشة: كان أول ما بدئ به رسول الله - ﷺ - من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. متفق عليه. وقد كان - ﷺ - يتبدى له جبريل بين السماء والأرض، وذلك بُيّنَ في حديث جابر بن عبد الله الذي أخرجه الشيخان. وأحيانًا يأتيه جبريل في هيئة إنسان، فيكلمه مشافهة كما يكلم المرء أخاه، وذلك بُيّن في حديتْ عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عمر في الإيمان، والإسلام، وحديثه حين جاء جبريل في صفة دحية الكلبي. وفي حديث عمر بن الخطاب، ويعلى بن أمية إذا نزل عليه الوحي يحمرّ وجهه، ويَغطّ غَطيط البكر، وينفخ. إلى غير ذلك من أنواع الوحي الكثيرة. وروى ابن وهب عن يوثس بن يزيد، عن ابن شهاب أنه سئل عن هذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١]. قال: نرى هذه الَاية تعم مَنْ أوحَى الله إليه من البشر كلهم، والكلام ما كلم الله موسى ﵇ من وراء حجاب. والوحي ما يوحي الله إلى النبي من أنبيائه، فيثبت الله ما أراد من الوحي في قلب النبي، فيتكلم به النبي، ويكتبه، فهو كلام الله ووحيه. ومنه ما يكون بين الله ورسله لا يكلم به أحد من الأنبياء أحدًا من الناس، ولكن يكون سر غيب بين الله وبين رسله. ومنه ما يتكلم به الأنبياء، ولا يكتمونه أحدا، ولا يؤمرون بكتمانه، ولكنهم يحدثون به الناس حديثًا، ويبينون لهم أن الله ﷿ أمرهم أن يبينوه للناس، ويبلغوهم إياه. ومن الوحي ما يرسل الله من يشاء من ملائكته، فيوحيه وحيًا في قلوب من يشاء من أنبيائه ورسله. وقد بين في كتابه أنه كان يرسل جبريل إلى محمد عليهما الصلاة والسلام، فقال في كتابه: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [البقرة: ٩٧] الآية. وقال ﷿: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢ - ١٩٥]. وروي عن مجاهد في قول الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ [الشورى: ٥١] قال: أن ينفث في نفسه ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] قال: موسى حين كلمه الله. ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١] قال: جبريل إلى محمد، وأشباهه من الرسل، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. انتهى كلام الحافظ ابن عبد البر رحمه الله تعالى ببعض تصرف . والله ﷾ أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
مصادر المؤلف (٢٠)

١. المصباح جـ ١ ص ٣٥٠.

٢. جـ ٢ ص ٤٦٢.

٣. جـ ١ ص ٣١.

٤. القائل هو السيوطي.

٥. زهر الربى جـ ٢ ص ١٤٨.

٦. فتح جـ ١ ص ٣١.

٧. فتح جـ ١ ص ٣٢.

٨. فتح جـ ١ ص ٣٢.

٩. لسان العرب جـ ١ ص ٥٤٠.

١٠. المصدر نفسه جـ ٥ ص ٣٤٢١.

١١. فتح جـ ١ ص ٣٢.

١٢. الرُّحَضاء: بضم الراء، وفتح الحاء المهملة وبالضاد العجمة الممدودة: العَرَق في إثر الحمى. اهـ عمدة القاري جـ ١ ص ٤٣.

١٣. البُهْر بالضم: تتابع النَّفَسِ، وبالفتح: المصدر. اهـ عمدة القاري جـ ١ ص ٤٣.

١٤. بضم الموحدة، وفتح الراء، والحاء: شدة الكرب، وشدة الحمى.

١٥. «عمدة القاري» جـ ١ ص ٤٣.

١٦. «فتح» جـ ١ ص ٣٢.

١٧. التمهيد جـ ٢٢ ص ١١٣. الاستذكار جـ ٨ ص ٦٠.

١٨. فتح جـ ١ ص ٣٢.

١٩. أخرجه أبو داود، وابن خزيمة في التوحيد، والبيهقي في الأسماء والصفات بإسناد صحيح.

٢٠. التمهيد جـ ٢٢ ص ١١٣ - ١١٤. والاستذكار جـ ٨ ص ٦٠ - ٦٧.