فالحق كما قال الحافظ الذهبي: هو عند الأكثرين صدوق لا بأس به. فهو صالح للاحتجاج به، ويشهد له ما أخرجه أحمد، والبيهقي من رواية سليمان بن صرد، عن أبي بن كعب، ﵄، كما سيأتي قريبًا، إن شاء الله تعالى، فالحديث صحيح.
وهو من أفراد المصنف رحمه الله تعالى، أخرجه هنا -٣٧/ ٩٤٠ - وفي «الكبرى» ٣٧/ ١٠١٢ بالإسناد المذكور. والله تعالى أعلم
بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو حسبنا، ونعم الوكيل.
٩٤١ - أَخْبَرَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أُبَيٍّ، قَالَ: مَا حَاكَ فِي صَدْرِي مُنْذُ أَسْلَمْتُ، إِلاَّ أَنِّي قَرَأْتُ آيَةً، وَقَرَأَهَا آخَرُ غَيْرَ قِرَاءَتِي، فَقُلْتُ: أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، وَقَالَ الآخَرُ: أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَقْرَأْتَنِي آيَةَ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: «نَعَمْ». وَقَالَ الآخَرُ: أَلَمْ تُقْرِئْنِي آيَةَ كَذَا وَكَذَا؟، قَالَ: «نَعَمْ، إِنَّ جِبْرِيلَ، وَمِيكَائِيلَ -﵉- أَتَيَانِي، فَقَعَدَ جِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِي، وَمِيكَائِيلُ عَنْ يَسَارِي، فَقَالَ جِبْرِيلُ
- ﵇ -: اقْرَإِ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ، قَالَ مِيكَائِيلُ: اسْتَزِدْهُ، اسْتَزِدْهُ، حَتَّى بَلَغَ سَبْعَةَ أَحْرُفٍ، فَكُلُّ حَرْفٍ شَافٍ كَافٍ».
رجال هذا الإسناد: خمسة
١ - (يعقوب بن إِبراهيم) الدَّوْرَقي، أبو يوسف البغدادي، ثقة حافظ من [١٠]، مات سنة ٢٥٢، أخرج له الجماعة، تقدم في ٢١/ ٢٢.
٢ - (يحيى) بن سعيد بن فَرُّوخ القطان أبو سعيد البصري الإمام الحافظ الحجة من [٩]، مات سنة ١٩٨، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤/ ٤.
٣ - (حميد) بن أبي حميد الطويل، أبو عبيدة البصري، ثقة عابد مدلس من [٥]، مات سنة ١٤٢، أخرج له الجماعة، تقدم في
٨٧/ ١٠٨.
٤ - (أنس) بن مالك، أبو حمزة الصحابي الشهير ﵁، تقدم في ٦/ ٦.
٥ - (أُبَيّ) بن كعب ﵁، تقدم قريبًا. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من خماسيات المصنف ﵀، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة.
ومنها: أن شيخه هو أحد مشايخ الأئمة الستة أصحاب الأصول بدون واسطة، وقد تقدموا غير مرة.
ومنها: أن فيه رواية صحابي، عن صحابي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي) بن كعب ﵁.
ولفظ «الكبرى» في «فضائل القرآن» -٧٩٨٦ - من طريق يزيد بن هارون، عن حميد، عن أنس: أن أبي بن كعب، قال: ما حاك في صدري منذ أسلمت، إلا أني قرأت آية، فقرأها رجل على غير قراءتي، فقال: أقرأنيها رسول الله - ﷺ - هكذا، فقلت: أقرأني النبي - ﷺ - هكذا، فأتينا رسول الله - ﷺ -، فقلت: أقرأتني آية كذا وكذا؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «نعم»، فقال الرجل: أقرأتني آية كذا وكذا؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «نعم»، فقال رسول الله - ﷺ -: «إن جبريل وميكائيل ﵉ أتياني، فَعَمَدَ جبريلُ، فقعد عن يميني، وقعد ميكائيل عن شمالي، فقال جبريل: اقرأ على حرف، فقال ميكائيل: استزده، فقلت زدني، فزادني، فقال جبريل: اقرأ القرآن على حرفين، فقال ميكائيل: استزده، فقلت: زدني، فزادني، فمال جبريل: اقرأ القرآن على ثلاثة أحرف، حتى بلغ على سبعة أحرف، فقال ميكائيل: استزده، فقال. اقرإ القرآن على سبعة أحرف، كلها شاف كاف».
(قال: ما حاك في صدري) أي ما أثّر في قلبي، وما تَخالج فيه.
وفاعل «حاك» محذوف لدلالة السياف عليه، أي «شك»، وقد جاء مصرحًا عند أحمد جـ ٥ ص ١٢٢ - ولفظه: «ما حكّ في صدري شك منذ أسلمت» … وفي لفظ: «ما دخل قلبي شيء منذ أسلمت»، وفي رواية المصنف في «عمل اليوم والليلة»: «فدخلني من الشك أشدّ مما كنت عليه في الجاهلية».
قال في «النهاية»: «ما حاك في نفسك»، أي أثر فيها، ورَسَخ، يقال: ما يحيك كلامك في فلان: أي ما يؤثّر. انتهى.
وقال ابن منظور. وحاك الشيء في صدري حَوْكًا: رَسَخَ. قال الأزهري: ما حَكَّ في صدري منه شيء، وما حَاكَ، كلٌّ يقال، فمن قال: حَكَّ، قال: يَحكُّ، ومن قال: حَاكَ، قال: يَحيكُ، ويقال: ما حاك في صدري ما قَلتَ، أي ما رسخ، قال: والحائَك: الراسخ في قلبك الذي يَهُمُّكَ.
وقال المُبَرد: وما حَكَّ في صدري شيء منه: أي ما تَخَالَجَ. انتهى.
وقال في مادّة «حيك»: وقال ابن الأعرابي: ما حَكَّ في قلبي شيء، ولا حَزَّ، ويقال: ما يَحِيك كلامُك في فلان: أي ما يؤثر، والْحَيْكُ: أخْذُ القولِ في القلب، يقال: ما يَحِيكُ فيه المَلَام. إذا لم يؤثّر فيه. انتهى ملخصًا .
قال الجامع عفا الله عنه: يستفاد مما ساقه ابن منظور ﵀ من هذه الأقوال أن هذا الفعل، فيه ثلاثَ لغات: حاك يحيِك، يائيا، وحاك يحُوك، واويًّا، وحَكَّ يَحُكُّ مضعفًا. والله تعالى أعلم.
(منذ أسلمت) من وقت إسلامي، و«منذ»: ظرف متعلق بـ«حاك»، مضاف إلى جملة «أسلمت»، ومثلها «مذ»، فإنهما إذا وليهما اسم
مرفوع، أو فعل فهما ظرفان، كما قال ابن مالك في «خلاصته»:
وَمُذْ وَمُنْذُ اسْمَان حَيْثُ رَفَعَا … أوْ أُولِيَا الْفِعْل كجِئتُ مُذْ دَعَا
وإِنْ يَجُرَّا فِي مضِيٍّ فَكمِنْ … هُمَا وَفِي الْحُضُور مَعنَى فِي استَبِنْ
(إِلا أني قرأت آيةً) بفتح همزة «أنّ» والجملة في تأويل المصدر مجرور بحرف جرّ محذوف قياسًا، كما هو مذهب الخليل والكسائي، كما أشار إليه في «الخلاصة»:
وَقَدْ يُجَرّ بِسوَى رُبَّ لَدَى … حَذفٍ وَبَعضُ ذَا يُرَى مُطَّرِدَا
أو منصوب بنزع الخافض، كما هو مذهب سيبويه، كما أشار إليه في الخلاصة أيضًا:
وَعَدِّ لَازِمًا بِحَرفِ جَرِّ … وَإِنْ حُذِفْ فَالنَّصْبُ لِلْمُنجَرِّ
نَقْلًا وَفِي «أنَّ» وَ«أنْ» يَطَّرِدُ … مَعْ أمْنِ لَبسٍ كعَجِبتُ أنْ يَدُوا
والتقدير هنا إلا في حال قراءتي آية إلخ، يعني أنه لم يقع شك في قلبه بعد إسلامه إلا في هذه الحالة.
(وقرأها) أي تلك الآية (آخر) أي رجل آخر (غير قراءتي) أي غير قراءتي التي قرأت بها (فقلت: أقرأنيها رسول الله - ﷺ -، وقال الآخر) أي الرّجل الآخر الذي قرأ خلاف قراءته (أقرأنيها رسول الله - ﷺ -، فأتيت النبي - ﷺ -، فقلت: يا نبي الله أقرأتني آية كذا وكذا) يحتمل أن يكون الكلام إخبارًا، ويحتمل أن يكون استفهامًا للتقرير، كما يدل عليه قول الرجل الآخر: «ألم تقرئني» إلخ (قال) - ﷺ - (نعم) تصديق لقوله: «أقرأتني»، لأن «نعم» تُبْقِي الكلام على ما هو عليه، من إيجاب أو نفي، لأنها وضعت لتصديق ما تقدم من غير أن ترفع النفي، وتبطله، فإذا قال القائل: ما جاء زيد، ولم يكن جاء، قلت في جوابه: نعم، وكان التقدير نعم ما جاء، فصدقت الكلام على نفيه، ولم تبطل النفي، وإن كان قد جاء قلت: «بلى»، لأنها للإبطال، فـ «نعم» تبقي الكلام على حاله، و«بلى» تبطله، فلذا لو قالوا في جواب قوله تعالى: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢]: نعم لكان كفرًا، لأن معناه: لست بربنا . وقد تقدم تمام البحث في هذا غير مرة، وإنما أعدته لطول العهد به.
والمعنى هنا: نعم أقرأتك الآية (وقال الآخر: ألم تقرئني آية كذا وكذا؟ قال: نعم) أي نعم أقرأتك إياها، ثم قال - ﷺ - مبينًا سبب اختلافهما (إِن جبريل وميكائيل﵉-) بكسر همزة
«إن»، والجملة ذُكِرت تعليلًا لبيان تصويب كل من القراءتين، ويحتمل أن تكون «أن» بفتح الهمزة، بتقدير حرف جر، أي لأن جبريل إلخ (أتياني، فقعد جبريل عن يميني) وفي رواية يزيد بن هارون المتقدمة: «فعمد، جبريل، فقعد عن يميني» (و) قعد (ميكائيل عن يساري) وفي رواية يزيد «عن شمالي» (فقال جبريل ﵇: اقرإِ القرآن) أمر من القراءة ثلاثيًا، فهمزته همزة وصل (على حرف، فقال ميكائيل: استزده، استزده) أي اطلب من الله، أو من جبريل، لأنه واسطة، أن يزيدك في الحروف، تسهيلًا على أمتك، وإنما كرره تأكيدًا (حتى بلغ سبعة أحرف) يحتمل أن يكون الفاعل ضمير ميكائيل، أي استمر قوله: «استزده» إلى أن بلغ سبعة أحرف، ويحتمل أن يكون ضمير جبريل، أي استمر قوله: «اقرإ القرآن» إلى أن بلغ سبعة أحرف.
وفي رواية يزيد بن هارون المتقدمة: «فقال ميكائيل: استزده، فقلت: زدني، فزادني، فقال جبريل: اقرإ القرآن على حرفين، فقال ميكائيل: استزده، فقلت: زدني، فقال جبريل: اقرإ القرآن على ثلاثة أحرف، حتى بلغ على سبعة أحرف».
وفي حديث ابن عباس ﵄ عند مسلم: «أقرأني جبريل ﵇ على حرف، فراجعته، فلم أزل أستزيده، فيزيدني
حتى انتهى إلى سبعة أحرف».
(فكل حرف شاف كاف) أي كل حرف من تلك الأحرف السبعة شاف للأمة من جميع الأدواء، وكاف لها عن طلب غيره. والله
﷾ أعلم، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديتْ أُبيّ ﵁ هذا صحيح.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -٣٧/ ٩٤١ - وفي «الكبرى» -٣٧/ ١٠١٣ - عن يعقوب بن إبراهيم، عن يحيى بن سعيد القطان، عن حميد، عن أنس، عنه وفي «فضائل القرآن» من «الكبرى» عن إسحاق بن إبراهيم، عن يزيد بن هارون، من حميد، نحوه.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
اعلم: أنه لم يخرج هذا الحديث من أصحاب الأصول غير المصنف، كما أشار إليه الحافظ أبو الحجاج المزي في «تحفته» جـ ١
ص ١١.
وأخرجه (أحمد في مسنده) جـ ٥ ص ١١٤، ١١٢، (وعبد بن حميد) رقم ١٦٤، (وعبد الله بن أحمد) في زوائد المسند جـ ٥
ص ١٢٢.