HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ٩٨٩

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ ، يُحَدِّثُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ «أَنَّهُ قَالَ لِمَرْوَانَ: يَا أَبَا عَبْدِ الْمَلِكِ، أَتَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ وَ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَحْلُوفَةٌ، لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقْرَأُ فِيهَا بِأَطْوَلِ الطُّولَيَيْنِ ﴿المص﴾».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص324
  • زبير علي زئي:إسناده صحيح
ج ٢ ص ١٦٩

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٣ مصادر سنن أبي داود, صحيح البخاري, مسند أحمد
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٢ ص٥١١
٦٧ - الْقِرَاءَةُ فِي الْمَغْرِبِ بِـ ﴿المص﴾ [الأعراف: ١] أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على مشروعية القراءة بسورة ﴿المص﴾ [الأعراف: ١]. ٩٨٩ - أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ، أَنَّهُ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ، يُحَدِّثُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، أَنَّهُ قَالَ لِمَرْوَانَ: «يَا أَبَا عَبْدِ الْمَلِكِ، أَتَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١] وَ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ [الكوثر: ١]؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَمَحْلُوفَةٌ، لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقْرَأُ فِيهَا بِأَطْوَلِ الطُّولَيَيْنِ، ﴿المص (١)﴾ [الأعراف: ١]». رجال هذا الإسناد: ستة ١ - (محمد بن سلمة) المرادي الجَمَلِي، أبو الحارث المصري، ثقة ثبت، من [١١]، مات سنة ٢٤٨، أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، تقدم في ١٩/ ٢٠. ٢ - (ابن وهب) عبد الله، القرشي مولاهم، أبو محمد المصري، ثقة حافظ عابد، من [٩]، مات سنة ١٩٧ وله ٧٢ سنة، أخرج له الجماعة، تقدم في ٦٣/ ٧٩. ٣ - (عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري مولاهم، أبو أيوب المصري، ثقة فقيه حافظ، من [٧]، مات قبل سنة ١٥٠، أخرج له الجماعة، تقدم في ٦٣/ ٧٩. ٤ - (أبو الأسود) محمد بن عبد الرحمن بن نوفل المدني نزيل مصر، يتيم عروة ، ثقة، من [٦]، مات سنة بضع وثلاثين ومائة، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤/ ٧٤٦. ٥ - (عروة بن الزبير) بن العوام، أبو عبد الله المدني، ثقة ثبت فقيه من [٣]، مات سنة ٩٤، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤٠/ ٤٤. ٦ - (زيد بن ثابت) بن الضحاك الأنصاري النجاري، أبو سعيد، وأبو خارجة، الصحابي المشهور كاتب الوحي، مات سنة ٤٥ أو ٤٨ وقيل: بعد سنة ٥٠، أخرج له الجماعة، تقدم في ١٢٢/ ١٧٩. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد منها: أنه من سداسيات المصنف. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاري، ولا الترمذي. ومنها: أنه مسلسل بالمصريين، سوى عروة وزيد فمدنيان. ومنها: أن فيه عروة أحد الفقهاء السبعة. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (عن زيد بن ثابت) ﵁ (أنه قال لمروان) هكذا وقع عند المصنف ﵀ في هذه الرواية من طريق أبي الأسود، عن عروة، عن زيد بن ثابت، أنه قال لمروان … ووقع في الرواية التالية من طريق ابن أبي مليكة، أن عروة أخبره، أن مروان بن الحكم أخبره، أن زيد بن ثابت قال … وهو الذي في البخاري وغيره، فشيخ عروة في هذه الرواية هو زيد بن ثابت، وفي الرواية الآتية هو مروان بن الحكم، ولا تنافي بين الروايتين لإمكان الجمع بأن عروة سمعه من مروان عن زيد، ثم لقي زيدًا فأخبره به، ويؤيد هذا الجمع ما وقع عند الطحاوي في «شرح معاني الآثار» جـ ١ ص ٢١١ - من التصريح بالإخبار بين عروة وزيد. والله تعالى أعلم. ومروان: هو ابن الحكم بن أبي العاص بن أمية، أبو عبد الملك الأموي المدني، ولي الخلافة في آخر سنة ٦٤، ومات سنة خمس في رمضان، وله ٦٣ أو ٦١ سنة، لا يثبت له صحبة من الطبقة الثانية، تقدمت ترجمته في ١١٨/ ١٦٣. (يا أبا عبد الملك) كنية مروان (أتقرأ في المغرب بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، و﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]) وفي الرواية التالية من طريق ابن أبي مليكة: «ما لي أراك تقرأ بقصار السور»، وفي رواية البخاري: «مالك تقرأ في المغرب بقصار المفصل»، (قال) مروان (نعم. قال) زيد ﵁: (فمحلوفةً) أي قَسَمًا بالله، قال ابن منظور رحمه الله تعالى: ويقولون: مَحْلُوفَةً بالله ما قال ذلك. ينصبون على إضمار «يَحْلِفُ بالله مَحْلُوفَةً»، أي قَسَمًا. وَالمَحْلُوفَةُ: هو الْقَسَمُ. انتهى . فتقدير كلام زيد ﵁: أحلف مَحلُوفةً بالله، أي أقْسِمُ قَسَمًا به، فـ«محلوفة» منصوب بالفعل المقدر. وفي رواية الطحاوي المتقدمة: «قال زيد: فوالله لقد سمعت رسول الله - ﷺ - يقرأ …». وأما ما وقع في نسخ «المجتبى» المطبوعة من ضبطه بالقلم بالرفع، فإن صحت الرواية به، يؤول على أنه مبتدأ سوغه عمله في المقدر: أي بالله، وخبره محذوف، أي حاصل، أي قسمي بالله حاصل وواقع. وأما ما أشار إليه في هامش الهندية، وكذا في هامش طبعة «دار المعرفة» من أنه وقع في بعض النسخ بدل «فمحلوفة» «فمخلوقة» بالقاف، فلا وجه له، بل هو تصحيف. والله تعالى أعلم. (لقد رأيت رسول الله - ﷺ - يقرأ فيها) أي في المغرب (بأطول الطوليين) أي بأطول السورتين الطويلتين، فـ«الطولَيين» تثنية «الطولى»، وهي تأنيث «أطول». ووقع عند البخاري في رواية الأكثر: «بطولى الطوليين»، وفي رواية كريمة «بطُوْل» بضم الطاء، وسكون الواو، ووجهه الكرماني بأنه أطلق المصدر، وأَراد الوصف، أي كان يقرأ بمقدار طول الطوليين، قال الحافظ: وفيه نظر، لأنه يلزم منه أن يكون قرأ بقدر السورتين، وليس هو المراد، كما سنوضحه. وحكى الخطابي أنه ضبطه عن بعضهم بكسر الطاء، وفتح الواو، قال: وليس بشيء، لأن الطِّوَلَ: الحبل، ولا معنى له هنا، انتهى. (﴿المص﴾ [الأعراف: ١]) في محل جر بدل من «أطول»، ويحتمل الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هي «المص»، والنصب على أنه مفعول لفعل محذوف، أي أعني «المص». هكذا وقع تفسير أطول الطوليين هنا في رواية أبي الأسود. وسيأتي في الرواية التالية من طريق ابن أبي مليكة أن هذا التفسير من عروة بن الزبير. قال في «الفتح» ما حاصله: وفي رواية أبي داود: «قال: قلت: وما طولى الطوليين؟ قال: الأعراف». وبَيَّنَ النسائي في رواية له أن التفسير من قول عروة، ولفظه: «قال: قلت: يا أبا عبد الله» وهي كنية عروة «ما أطول الطوليين؟ قال: الأعراف». وفي رواية البيهقي: «قال: فقلت لعروة». وفي رواية الإسماعيلي: «قال ابن أبي مليكة. وما طولى الطوليين؟»، زاد أبو داود: قال -يعني ابن جريج-: وسألت أنا ابن أبي مليكة؟ فقال لي من قِبَل نفسه: «المائدة»، و«الأعراف». كذا رواه عن الحسن بن علي، عن عبد الرزاق. وللجوزقي من طريق عبد الرحمن بن بشر، عن عبد الرزاق مثله، لكن قال: «الأنعام» بدل «المائدة». وكذا في رواية حجاج بن محمد، والصغاني. وعند أبي مسلم الكجي، عن أبي عاصم بدل «الأنعام» «يونس». أخرجه الطبراني، وأبو نعيم في «المستخرج». فحصل الاتفاق على تفسير «الطولى» بـ«الأعراف»، وفي تفسير الأخرى ثلاثة أقوال: المحفوظ منها «الأنعام». قال ابن بطال: «البقرة» أطول السبع الطوال، فلو أرادها لقال: طولى الطوال، فلما لم يردها دلّ على أنه أراد «الأعراف» لأنها أطول السور بعد «البقرة». وتعقب بأن «النساء» أطول من «الأعراف»، قال الحافظ: وليس هذا التعقيب بمرضيّ، لألْه اعتبر عدد الآيات، وعدد آيات «الأعراف» أكثر من عدد آيات «النساء» وغيرها من السبع بعد «البقرة»، والمتعقب اعتبر عدد الكلمات، لأن كلمات «النساء» تزيد على كلمات «الأعراف» بمائتي كلمة. وقال ابن المنير: تسمية «الأعراف»، و«الأنعام» بالطوليين إنما هو لعرف فيهما، لا أنهما أطول من غيرهما والله أعلم. واستدل بهذا الحديث على امتداد وقت المغرب، وعلى استحباب القراءة فيها بغير قصار المفصل ، وسيأتي تمام البحث في هذا في المسألة الرابعة إن شاء الله تعالى. والله تعالى المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث المسألة الأولى: في درجته: حديث زيد بن ثابت ﵁ هذا أخرجه البخاري. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا ٦٧/ ٩٨٩، وفي «الكبرى» ١٤/ ١٠٦١ بالسند المذكور. وفي ٩٩٠ و«الكبرى» ١٠٦٢ عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد بن الحارث، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عروة، عن مروان بن الحكم، عنه. والله أعلم. تنبيه: قال الحافظ المزي ﵀ بعد أن ذكر نحو ما تقدم ما نصه: ورواه محمد بن عبد الرحمن الطُّفَاوي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي أيوب. ورواه وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي أيوب، أو زيد بن ثابت. انتهى. وكتب الحافظ في «النكت» على قوله: رواه ابن أبي مليكة عن عروة، عن مروان، عن زيد ما نصه. قلت أخرجه الطحاوي من طريق حيوة بن شريح، عن أبي الأسود، عن عروة: أخبرني زيد بن ثابت به. وصححه ابن القطان، وقال: كان عروة لا يعتمد على مروان حتى يستظهر عليه، وقال: وهذا شبيه بحديثه، عنه عن بسرة، ثم لقي بسرة. قوله: ورواه وكيع، عن هشام، عن أبيه، عن زيد، أو أبي أيوب. قلت: وكذا قال ابن أبي شيبة، عن عمدة بن سليمان، عن هشام. أخرجه البغوي عن أبي بكر، من وكيع وعبدة جميعًا. وأخرجه ابن خزيمة أيضًا من رواية أبي أسامة، ثم قال: وكذا قال وكيع، وشعيب بن إسحاق. ورواه محاضر، عن هشام، عن أبيه، من زيد وحده، ولم يشك. ورواه شعيب بن أبي حمزة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة ﵂. انتهى ما في «النكت» ببعض تصرف . وبالله تعالى التوفيق. أخرجه البخاري في «الصلاة» عن أبي عاصم، عن ابن جريج به. وأبو داود فيه عن الحسن بن علي، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج به. وأخرجه (أحمد) جـ ٥ ص ١٨٧ و١٨٨ و١٨٩ و(ابن خزيمة) برقم ٥١٧ و٥١٥ و٥١٦ و٥٤١. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: في بيان اختلاف أهل العلم في القراءة في المغرب: قال الإمام الترمذي ﵀: وروي عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى: «أن اقرأ في المغرب بقصار المفصل». وروي عن أبي بكر أنه قرأ في المغرب بقصار المفصل. قال: وعلى هذا العمل عند أهل العلم، وبه يقول ابن المبارك، وأحمد، وإسحاق . وقال الشافعي: وَذَكَرَ عن مالك أنه يَكرَه أن يقرأ في صلاة المغرب بالسور الطوال، نحو «الطور» و«المرسلات». قال الشافعي: لا أكره ذلك، بل أسْتَحِبُّ أن يقرأ بهذه السور في صلاة المغرب. انتهى . قال في «الفتح» وكذا نقله البغوي في «شرح السنة» عن الشافعي. والمعروف عند الشافعية أنه لا كراهية في ذلك، ولا استحباب. وأما مالك فاعتمد العمل بالمدينة، بل وبغيرها. قال ابن دقيق العيد ﵀: استمر العمل على تطويل القراءة في الصبح، وتقصيرها في المغرب. والحق عندنا أن ما صح عن النبي - ﷺ - في ذلك، وثبتت مواظبته عليه فهو مستحب، وما لم تثبت مواظبته عليه فلا كراهة فيه. انتهى. قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي قاله الإمام ابن دقيق العيد ﵀ عندي حسن جِدًّا. والله تعالى أعلم. قال الحافظ ﵀: قلت: الأحاديث التي ذكرها البخاري ﵀ في القراءة هنا ثلاثة مختلفة المقادير؛ لأن «الأعراف» من السبع الطول، و«الطور» من طوال المفصل، و«المرسلات» من أوساطه. وفي ابن حبان من حديث ابن عمر أنه قرأ بهم في المغرب بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال: ولم أر حديثًا مرفوعًا فيه التنصيص على القراءة فيها بشيء من قصار المفصل، إلا حديثًا في ابن ماجه عن ابن عمر نص فيه على «الكافرون»، و«الإخلاص». ومثله لابن حبان عن جابر بن سمرة. فأما حديث ابن عمر فظاهر إسناده الصحة، إلا أنه معلول، قال الدارقطني: أخطأ فيه بعض رواته. وأما حديث جابر بن سمرة ففيه سعيد ابن سماك، وهو متروك، والمحفوظ أنه قرأ بهما في الركعتين بعد المغرب. واعتمد بعض أصحابنا وغيرهم حديث سليمان بن يسار، عن أبي هريرة ﵁، أنه قال: «ما رأيت أحدًا أشبه صلاة برسول الله - ﷺ - من فلان»، قال سليمان: «فكان يقرأ في الصبح بطوال المفصل، وفي المغرب بقصار المفصل» … الحديث. أخرجه النسائي وصححه ابن خزيمة وغيره. وهذا يشعر بالمواظبة على ذلك. لكن في الاستدلال به نظر. نعم حديث رافع الذي تقدم في «المواقيت» أنهم كانوا ينتضلون بعد صلاة المغرب يدلس على تخفيف القراءة فيها. قال الجامع عفا الله عنه: لا نظر في الاستدلال بحديث أبي هريرة ﵁ المذكور، فإنه دليل واضح على استحباب القراءة في الصبح بطوال المفصل، وفي العشاء بوسط المفصل، وفي المغرب بقصار المفصل، وقد شَبَّهَ أبو هريرة ﵁ صلاة ذلك الإمام بصلاة رسول الله - ﷺ -، فدل على أن ذلك هو المستحب، لكن أحيانًا يقرأ في المغرب بالسورة الطويلة أيضًا كما ثبت عنه - ﷺ -. والله تعالى أعلم. قال الحافظ ﵀: وطريق الجمع بين هذه الأحاديث أنه - ﷺ - كان أحيانًا يطيل القراءة في المغرب، إما لبيان الجواز، وإما لعلمه بعدم المشقة على المأمومين. وليس في حديث جبير بن مطعم دليل على أن ذلك تكرر منه. وأما حديث زيد بن ثابت ففيه إشعار بذلك، لكونه أنكر على مروان المواظبة على القراءة بقصار المفصل، ولو كان مروان يعلم أن النبي - ﷺ - واظب على ذلك لاحتج به على زيد، ولكن لم يُرِدْ زيد منه فيما يظهر المواظبة على القراءة بالطوال، وإنما أراد منه أن يتعاهد ذلك كما رآه من النبي - ﷺ -. وفي حديث أم الفضل إشعار بأنه - ﷺ - كان يقرأ في الصحة بأطول من «المرسلات»، لكونه كان في حال شدة مرضه، وهو مظنة التخفيف، وهو يرد على أبي داود ادِّعَاءَ نسخ التطويل، لأنه رَوَى عقب حديث زيد ابن ثابت من طريق عروة أنه كان يقرأ في المغرب بالقصار. قال: وهذا يدل على نسخ حديث زيد، ولم يبين وجه الدلالة، وكأنه لما رأى عروة راوي الخبر عمل يخلافه حمله على أنه اطلع على ناسخه، ولا يخفى بُعْدُ هذا العمل، وكيف تصح دعوى النسخ، وأم الفضل تقول: إن آخر صلاة صلاها لهم قرأ بـ«المرسلات». قال ابن خزيمة في صحيحه: هذا من الاختلاف المباح، فجائز للمصلي أن يقرأ في المغرب، وفي الصلوات كلها بما أحب، إلا أنه إذا كان إمامًا استحب له أن يخفف في القرآن كما تقدم. اهـ. وهذا أولى من قوله القرطبي: ما ورد في مسلم وغيره من تطويل القراءة فيما استقر عليه التقصير أو عكسه فهو متروك. وادعى الطحاوي أنه لا دلالة في شيء من الأحاديث على تطويل القراءة، لاحتمال أن يكون المراد أنه قرأ بعض السورة، ثم استدل لذلك بما رواه من طريق هشيم، عن الزهري في حديث جبير بن مطعم بلفظ: فسمعته يقول: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور: ٧]، قال: فأخبر أن الذي سمعه من هذه السورة هي هذه الآية خاصة. اهـ. وليس في السياق ما يقتضي قوله: «خاصة»، مع كون رواية هشيم عن الزهري بخصوصها مضعفة. بل جاء في روأيات أخرى ما يدل على أنه قرأ السورة كلها؛ فعند البخاري في التفسير: «سمعته يقرأ في المغرب بـ»الطور«، فلما بلغ هذه الآية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥]، الآيات إلى قوله: ﴿الْمُصَيْطِرُونَ﴾ كاد قلبي يطير». ونحوه لقاسم بن أصبغ. وفي رواية أسا مة، ومحمد بن عمرو: «سمعته يقرأ: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ﴾ [الطور: ١، ٢] ومثله لابن سعد، وزاد في أخرى: فاستمعت قراءته حتى خرجت من المسجد. ثم ادعى الطحاوي أن الاحتمال المذكور يأتي في حديث زيد بن ثابت، وكذا أبداه الخطابي احتمالًا، وفيه نظر؛ لأنه لو كان قرأ بشيء منها يكون قدر سورة من قصار المفصل- لما كان لإنكار زيد معنى. وقد روى حديثَ زيدٍ هشامُ بن عروة عن أبيه عنه أنه قال لمروان:«إنك لتُخِفّ القراءة في الركعتين من المغرب، فوالله لقد رأيت رسول الله - ﷺ - يقرأ فيها بسورة الأعراف في الركعتين جميعًا». أخرجه ابن خزيمة. واختلف على هشام في صحابيه، والمحفوظ عن عروة أنه زيد بن ثابت، وقال أكثر الرواة عن هشام: عن زيد بن ثابت، أو أبي أيوب، وقيل: عن عائشة. أخرجه النسائي مقتصرًا على المتن، دون القصة . واسندل به الخطابي وغيره على امتداد وقت المغرب إلى غروب الشفق، وفيه نظر؛ لأن من قال: إن لها وقتًا واحدًا لم يحده بقراءة معينة، بل قالوا: لا يجوز تأخيرها عن أول غروب الشمس، وله أن يمد القراءة فيها ولو غاب الشفق. واستشكل المحب الطبري إطلاق هذا، وحمله الخطابي قبله على أنه
مصادر المؤلف (٩)

١. قيل له: يتيم عروة لأن أباه أوصى به إلى عروة بن الزبير، وكان أبوه من مهاجرة الحبشة.

٢. لسان العرب جـ ١ ص ٩٦٣.

٣. راجع الفتح جـ ٢ ص ٤٩٣ - ٤٩٤.

٤. وقع في النكت «بحديث عبدة عنه، عن بسرة». والظاهر أنه تصحف من عروة إلى عبدة. فليحرر.

٥. النكت الظراف من هامش تحفة الأشراف جـ ٣ ص ٢٢٣.

٦. قال في تحفة الأحوذي: وبه يقول الحنفية. اهـ.

٧. جامع الترمذي بنسخة تحفة الأحوذي جـ ٢ ص ٢٢١.

٨. تقدم برقم ٦١/ ٩٨٢.

٩. هو الحديث الآتي في الباب ٩٩١.