٦٩ - الْفَضْلُ فِي قِرَاءَةِ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]
أي هذا باب ذكر الأحاديث الدالة على فضل سورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
٩٩٣ - أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، أَنَّ أَبَا الرِّجَالِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ، عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - بَعَثَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ، فَكَانَ يَقْرَأُ لأَصْحَابِهِ فِي صَلَاتِهِمْ، فَيَخْتِمُ بِـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١]، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَقَالَ: سَلُوهُ لأَيِّ شَيْءٍ فَعَلَ ذَلِكَ؟ فَسَأَلُوهُ، فَقَالَ: لأَنَّهَا صِفَةُ الرَّحْمَنِ ﷿، فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -:»أَخْبِرُوهُ أَنَّ اللَّهَ ﷿ يُحِبُّهُ«.
رجال هذا الإسناد: سبعة
١ - (سليمان بن داود) بن حماد المَهْري، أبو الربيع المصري، ابن أخي رِشْدِين بن سَعْد، ثقة، من [١١]، مات سنة ٢٥٣، أخرج له أبو داود، والنسائي، تقدم في ٦٣/ ٧٩.
٢ - (ابن وهب) عبد الله المصري، ثقة حافظ عابد، من [٩]، تقدم قبل باب.
٣ - (عمرو بن الحارث) المصري، ثقة حافظ، من [٧]، تقدم قبل باب.
٤ - (سعيد بن أبي هلال) الليثي مولاهم، أبو العلاء المصري، قيل: مدني الأصل، وقيل: نشأ بها، صدوق من [٦] مات بعد سنة ١٣٠ وقيل غير ذلك، أخرج له الجماعة، تقدم في ٤١/ ٦٨٦.
٥ - (أبو الرجال محمد بن عبد الرحمن) بن حارثة بن النعمان، ويقال: ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن حارثة الأنصاري النَّجَّاري
المدني، لقبه أبو الرجال، لأنه ولد له عشرة رجال، وكنيته أبو عبد الرحمن، ثقة، من [٥].
كان جده حارثة من أهل بدر. روى عن أمه، وعوف بن الحارث بن الطفيل، وأنس بن مالك، وسالم بن عبد الله بن عمر، وجماعة. وعنه بنوه: حارثة، ومحمد الرحمن، ومالك، بنو أبي الرجال، وسعيد بن أبي هلال، وغيرهم.
قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال أبو داود، والنسائي: ثقة. وذكره ابن حبان في «الثقات». وقال البخاري: هو ثبت، وابنه حارثة منكر الحديث. وقال عباس عن ابن معين: ثقة. وكذا وثقه أحمد ابن حنبل، وأبو حاتم الرازي. أخرج له الجماعة، سوى أبي داود، والترمذي.
٦ - (عمرة) بنت عبد الرحمن بن سعيد بن زُرَارة الأنصارية المدنية، ثقة، من [٣]، ماتت قبل المائة، وقيل: بعدها، أخرج لها الجماعة، تقدمت في ١٣٤/ ٢٠٣.
٧ - (عائشة) ﵂ تقدمت في ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد
منها: أنه من سباعيات المصنف، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، إلا شيخه، فانفرد به هو، وأبو داود، وأبا الرجال، فما
أخرح له أبو داود، والترمذي، وأنهم مصريون إلى سعيد، والباقون مدنيون، وفيه رواية الابن عن أمه، وتابعي، عن تابعية، وفيه عائشة من المكثرين السبعة روت ٢٢١٠ أحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عمرة) زاد في رواية مسلم: «وكانت في حجر عائشة زوج النبي - ﷺ -» (عن عائشة) ﵂ (أن رسول الله - ﷺ - بعث رجلًا) لم يعرف اسمه (على سرية) أي جعله أميرًا على طائفة من الجيش. قال الفيومي ﵀: السَّريَّة: قِطعَةٌ من الجيش، فَعِيلَةٌ بمعنى فاعلة؛ لأنها تَسْرِي في خُفْيَة، والجمع سَرَايا، وسَرِيَّات، مَثل عَطِيَّة وَعطَايَا، وعَطِيَّات. انتهى .
(فكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم) أي حين يصلي بهم إمامًا
(فيختم بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]) أي يختم قراءته بقراءة هذه السورة.
قال ابن دقيق العيد ﵀: هذا يدلّ على أنه كان يقرأ بغيرها، ثم يقرؤها في كل ركعة، وهذا هو الظاهر. ويحتمل أن يكون المراد أنه يختم بها آخر قراءته، فيختص بالركعة الأخيرة، وعلى الأول فيؤخذ منه جواز الجمع بين سورتين في ركعة. انتهى.
(فلما رجعوا) من غزوهم (ذكروا ذلك) أي ما يفعله أميرهم من ختم قراءته بهذه السورة (لرسول الله - ﷺ -، فقال) - ﷺ -: (سلوه لأيّ شيء فعل ذلك؟ فسألوه) عن ذلك (فقال: لأنها صفة الرحمن ﷿) الجار والمجروو متعلق بمحذوف، دل عليه السؤال، أي إنما أفعل ذلك لأنها صفة الرحمن ﷿.
و«الصِّفَةُ» من الوَصْف، مثل العِدَة من الوَعْدِ، والجمع صِفَات. يقال: وَصَفْتُه وَصْفًا، من باب وَعَدَ: نَعَتُّهُ بما فيه، ويقال: هو مأخوذ من قولهم: وَصَفَ الثوبُ الجسمَ: إذا أظهر حالَهُ، وبَيَّنَ هَيْئَته، ويقال: الصفة هي بالحال المنتقلة، والنعت بما كان في خَلْقٍ، أو خُلُق أفاده الفيومي .
وقال في «الفتح»: قال ابن التين: إنما قال: إنها صفة الرحمن، لأن فيها أسماءه وصفاته، وأسماؤه مشتقة من صفاته. وقال غيره: يحتمل
أن يكون الصحابي المذكور، قال ذلك مستندًا لشيء سمعه من النبي - ﷺ -، إما بطريق النصوصية، وإما بطريق الاستنباط.
وقد أخرج البيهقي في «كتاب الأسماء والصفات» بسند حسن عن ابن عباس ﵄: أن اليهود أتوا النبي - ﷺ -، فقالوا: صف لنا ربك الذي تعبده، قأنزل الله ﷿ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] إلى آخرها، فقال: «هذه صفة ربي ﷿». وعن أبي بن كعب ﵁، قال: قال المشركون للنبي - ﷺ -: انسب لنا ربك، فنزلت «سورة الإخلاص» … الحديث.
وهو عند ابن خزيمة في «كتاب التوحيد»، وصححه الحاكم. وفيه: أنه ليس شيء يولد إلا يموت، وليس شيء يموت إلا يورث، والله لا يموت، ولا يورث، ولم يكن له شبه ولا عدل، وليس كمثله شيء.
قال البيهقي: معنى قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ليس كهو شيء. قاله أهل اللغة، قال: ونظيره قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: ١٣٧] يريد بالذي آمنتم به، وهي قراءة ابن عباس. قال: والكاف في قوله: «كمثله» للتأكيد، فنفى الله عنه المثلية بآكد ما يكون من النفي، وأنشد لورقة بن نوفل في زيد بن عمرو بن نفيل من أبيات:
وَدِينُكَ دِينٌ لَيْسَ دِينٌ كمِثْلِهِ
ثم أسند عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [الروم: ٢٧] يقول: ليس كمثله شيء، وفي قوله تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] هل تعلم له شبهًا أو مثلًا.
وفي حديث الباب حجة لمن أثبت أن لله صفة، وهو قول الجمهور.
وشذ ابن حزم، فقال: هذه لفظة اصطلح عليها أهل الكلام من المعتزلة ومن تبعهم، ولم تثبت عن النبي - ﷺ -، ولا عن أحد من الصحابة، فإن اعترضوا بحديث الباب، فهو من أفراد سعيد بن أبي هلال، وفيه ضعف، قال: وعلى تقدير صحته، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]، صفة الرحمن كما جاء في هذا الحديث، ولا يزاد عليه بخلاف الصفة التي يطلقونها، فإنها في لغة العرب لا تطلق إلا على جوهر أو عرض. كذا قال.
قال الحافظ: وسعيد متفق على الاحتجاج به، فلا يلتفت إليه في تضعيفه، وكلامه الأخير مردود باتفاق الجميع على إثبات الأسماء الحسنى، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٥].
وقال بعد أن ذكر منها عدة أسماء في «سورة الحشر»: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الحشر: ٢٤]، والأسماء المذكورة فيها بلغة العرب صفات، ففي إثبات أسمائه إثبات صفاته؛ لأنه إذا ثبت أنه حي مثلًا، فقد ثبت وصفه بصفة زائدة على الذات، وهي صفة الحياة، ولولا ذلك لوجب الاقتصار على ما ينبئ عن وجود الذات فقط، وقد قال ﷾:
﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠)﴾ [الصافات: ١٨٠] فنزه نفسه عما يصفونه به من صفة النقص، ومفهومه أن وصفه بصفة الكمال مشروع.
وقد قسم البيهقي وجماعة من أئمة السنة جميعَ الأسماء المذكورة في القرآن، وفي الأحاديث الصحيحة على قسمين:
أحدهما: صفات ذاته، وهي ما استحقه فيما لم يزل، ولا يزال.
والثاني: صفات فعله، وهي ما استحقه فيما لا يزال، دون الأزل، قال: ولا يجوز وصفه إلا بما دلّ عليه الكتاب والسحة الصحيحة الثابتة، أو أجْمِعَ عليه.
ثم منه ما اقترنت به دلالة العقل، كالحياة، والقدرة، والعلم، والإراده، والسمع، والبصر، والكلام، من صفات ذاته، وكالخلق،
والرزق، والإحياء، والإماتة، والعفو، والعقوبة، من صفات فعله.
ومنه ما ثبت بنص الكتاب والسنة، كالوجه، واليد، والعين، من صفات ذاته، وكالاستواء، والنزول، والمجيء من صفات فعله، فيجوز إثبات هذه الصفات له لثبوت الخبر بها على وجه ينفي التشبيه، فصفة ذاته لم تزل موجودة بذاته، ولا تزال، وصفة فعله ثابتة عنه، ولا يحتاج في الفعل إلى مباشرة، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].
وقال القرطبي ﵀ في «المفهم»: اشتملت ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] على اسمين يتضمنان جميع أوصاف الكمال، وهما: الأحد، والصمد، فإنهما يدلان على أحدية الذات المقدسة الموصوفة بجميع أوصاف الكمال، فإن الواحد والأحد -وإن رجعا إلى أصل واحد- فقد افترقا استعمالًا وعرفًا؛ فالوحدة راجعة إلى نفي التعدد والكثرة، والواحد أصل العدد من غير تعرض لنفي ما عداه، والأحد يثبت مدلوله، ويتعرض لنفي ما سواه، ولهذا يستعملونه في النفي، ويستعملون الواحد في الإثبات، ويقال: ما رأيت أحدًا، ورأيت واحدًا، فالأحد في أسماء الله تعالى مشعر بوجوده الخاص به الذي لا يشاركه فيه غيره، وأما الصمد فإنه يتضمن جميع أوصاف الكمال؛ لأن معناه الذي انتهى سؤدده بحيث يُصمَد إليه في الحوائج كلها، وهو لا يتم حقيقة إلا لله. انتهى.
وقال ابن دقيق العيد ﵀: قوله: «لأنها صفة الرحمن». يحتمل أن يكون مراده أن فيها ذكر صفة الرحمن، كما لو ذكر وصف، فعبر عن الذكر بأنه الوصف، وإن لم يكن نفس الوصف. ويحتمل غير ذلك، إلا أنه لا يختص ذلك بهذه السورة، لكن لعل تخصيصها بذلك لأنه ليس فيها إلا صفات الله ﷾، فاختصت بذلك دون غيرها. انتهى .
(فأنا أحب أن أقرأ بها) أي أقرأ هذه السورة التي هي صفة الرحمن ﷿ (قال رسول الله - ﷺ -: أخبروه أن الله ﷿ يحبه)، قال ابن دقيق العيد ﵀: يحتمل أن يكون سبب محبة الله له محبته لهذه السورة، ويحتمل أن يكون لما دل عليه كلامه؛ لأن محبته لذكر صفات الرب دالة على صحة اعتقاده.
وقد ذكر في «الفتح» اختلاف العلماء المتأخرين في معنى المحبة، أعرضت عن ذكرها هنا؛ لكونها أقوالًا مخالفة لما كان عليه السلف ﵏، من إثبات صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه، أو وصفه بها رسوله - ﷺ - فيما صح من أحاديثه، على ما جاءت به من غير تشبيه ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل.
فالحق أن صفة المحبة ثابتة لله ﷾ على حقيقتها على الوجه الذي يليق بجلاله ﷾، ولا يلزم من إثباتها له على هذا الوجه تشبيهه بمخلوقاته، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، كما أنه لا يلزمنا ذلك حينما نثبت سائر صفات المولى سبحانه، كالسمع، والبصر، والكلام، والعلم، وسائر صفاته، سواءً بسواء، وكما لا يلزمنا أيضًا حينما نثبت له ذاته المقدسة، فإن إثبات الصفات فرع إثبات الذات. فافهم هذا وتحققه، فإنه مما زلَّت فيه أقدام كثير من المتأخرين ممن يشتغل بعلم الكلام. والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل. نسأل الله تعالى أن يهدينا الصراط المستقيم، بمنه وفضله العظيم.
وفي هذا الحديث بيان فضل سورة الإخلاص؛ حيث كان محبتها موجبًا لمحبة الله ﷾ التي هي أمنية كل قاصد، ورغبة كل
راغب. اللهم ارزقنا حبك، وحب من ينفعنا حبه عندك، والعمل الذي يبلغنا حبك، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.
وفيه أيضًا جواز الجمع بين سور متعددة غير الفاتحة، لأنه - ﷺ - قرر الرجل على فعله، وبشره بما بشره به. والله ﷾ ولي التوفيق، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة ﵂ هذا متفق عليه.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكرالمصنف له.
أخرجه هنا ٦٩/ ٩٩٣ و«الكبرى» ١٦/ ١٠٦٥، وفي «عمل اليوم والليلة» ٧٠٣ - بالسند المذكور. والله تعالى أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه البخاري في «التوحيد» عن أحمد بن صالح، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، من سعيد بن أبي هلال، عن أبي الرجال، عن أمه، عنها. ومسلم في «الصلاة» من أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي بن وهب، عن عمه به. والله تعالى أعلم بالصواب،