(المسألة الرابعة): في فوائده:
(منها): بيان ما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، وهو عدد الأعضاء التي يسجد عليها المصلي، وهي سبعة.
(ومنها): النهي عن كف الشعر في حالة السجود، والمراد شعر رأسه.
(ومنها): النهي عن كف الثياب في حالة السجود، والحكمة في النهي عنهما أن كفهما في حالة السجود يشبه فعل المتكبر، فينافي معنى السجود، وهو التواضع لله تعالى بجميع أعضاء المصلي، وما يتصل به. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب».
…
١٣١ - (تَفْسِيرُ ذَلِكَ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على تبيين، وتوضيح ما أُجمِلَ في الحديث المذكور في الباب المتقدم، من قوله: «سبعة أعضاء». والله تعالى أعلم بالصواب.
١٠٩٤ - (أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرٌ، عَنِ ابْنِ الْهَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِذَا سَجَدَ الْعَبْدُ سَجَدَ مِنْهُ سَبْعَةُ آرَابٍ: وَجْهُهُ، وَكَفَّاهُ، وَرُكْبَتَاهُ، وَقَدَمَاهُ»).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (قتيبة) بن سعيد المذكور في الباب الماضي.
٢ - (بكر) بن مُضَر بن محمد بن حكيم المصري، أبو محمَّد، أو أبو عبد الملك، ثقة ثبت [٨] تقدم ١٢٢/ ١٧٣.
٣ - (ابن الهاد) هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي، أبو عبد الله المدني، ثقة مكثر [٥] تقدم ٧٣/ ٩٠.
٤ - (محمَّد بن إبراهيم) بن الحارث التيمي، أبو عبد الله المدني، ثقة له أفراد [٤] تقدم ٦٠/ ٧٥.
٥ - (عامر بن سعد) بن أبي وقّاص الزهري المدني، ثقة [٣] ٣٨/ ٦٧٩.
٦ - (العباس بن عبد المطلب) بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، أبو الفضل المكي، عم رسول الله - ﷺ -.
أمه نُتَيْلَة بنت جناب بن كلب. وُلدَ قبل رسول الله - ﷺ - بسنتين، وضاع وهو صغير، فنذرت أمه إن وجدته أن تكسو البيت، فوجدته، فكست البيت الحرير، فهي أول من كساه ذلك.
قال الزبير بن بكّار: كان أسنّ من رسول الله - ﷺ - بثلاث سنين.
وكان إليه في الجاهلية السِّفَارة، والعِمَارة، وحضر بيعة العَقَبَة مع الأنصار قبل أن يسلم، وشهد بدرًا مع المشركين مُكْرَهًا، فأُسِرَ، فافتدى نفسه، وافتدى ابن أخيه عَقيل بن أبي طالب، ورجع إلى مكة، فيقال: إنه أسلم، وكتم قومه ذلك، وصار يكتب إلى النبي - ﷺ - بالأخبار، ثم هاجر قبل الفتح بقليل، وشهد الفتح، وثبت يوم حنين. وقال النبي - ﷺ -: «من آذى العباس، فقد آذاني، فإنما عمّ الرجل صِنْوُ أبيه». أخرجه الترمذي في قصة.
وقد حدث عن النبي - ﷺ - بأحاديث. روى عنه أولاده: عبد الله، وعبيد الله، وكثير، وأم كلثوم، ومولاه صهيب، وعامر بن سعد، والأحنف بن قيس، وعبد الله بن الحارث، وغيرهم.
وقال ابن المسيب، عن سعد: كنا مع النبي - ﷺ -، فأقبل العباس. فقال: «هذا العباس أجود قريش كَفًّا، وأوصلها». أخرجه النسائي، وعن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، قال: كان العباس أعظم الناس عند رسول الله - ﷺ -، والصحابة يعترفون للعباس بفضله، ويشاورونه، ويأخذون رأيه.
وفي «تت»: وأسلم قبل خيبر، وكان أنصر الناس لرسول الله - ﷺ - بعد أبي طالب، وكان جوادا مطعما، وَصُولًا للرحم، ذا رأي حسن، ودعوة مرجوة، وكان لا يمرّ بعمر، وعثمان، وهما راكبان إلا نزلا حتى يَجُوزا، إجلالا له. انتهى.
ومات بالمدينة في رجب، أو رمضان سنة (٣٢) وله (٨٨) سنة، وقيل: غير ذلك في وفاته، وصلى عليه عثمان، ودفن بالبقيع، وكان طويلا جميلا أبيض.
روى له الجماعة. راجع «الإصابة» ج ٥ ص ٣٢٨ - ٣٢٩. و«تك» ج ١٤ ص ٢٢٥ - ٢٢٩. و«تت» ج ٥ ص ١٢٢ - ١٢٣. وله في هذا الكتاب هذا الحديث فقط، وأعاده برقم (١٠٩٩). والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من سداسيات المصنف -﵀- (ومنها): أن رجاله كلهم ثقات، ومن
رجال الجماعة (ومنها): أنه مسلسل بالمدنيين، سوى شيخه، فبلخي، وبكر، فمصري (ومنها): أن فيه ثلاثة من التابعين، يروي بعضهم عن بعض، ابن الهاد، ومحمد بن إبراهيم، وعامر بن سعد. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن العباس بن عبد المطلب) رضي الله تعالى عنه (أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب) هذه الجملة خبرية لفظا، إنشائية معنىّ، بدليل حديث ابن عباس الماضي، أي فليسجد معه سبعة أعضاء.
و«الآراب» بهمزة ممدودة: الأعضاء، وهو جمع إرب بكسر، فسكون، كحمْلٍ وأَحْمَال.
(وجهه) بالرفع بدل من «سبعة»، أو خبر لمبتدإ محذوف، أي هي الوجه، ويحتمل النصب، إن صح روايةً، على أنه مفعول لفعل محذوف: أي أعني وجهه.
والمراد بالوجه الجبهة والأنف، كما صرح به في رواية ابن عباس الآتية: «الجبهة والأنف».
(وكفاه) هكذا وقع هنا بلفظ «الكفين»، ووقع في حديث ابن عباس - ﵄ - بلفظ «اليدين»، فقال ابن دقيق العيد -﵀-: المراد بهما الكفان، لئلا يدخل تحت المنهي عنه، من افتراش السبع والكلب. انتهى.
(وركبتاه، وقدماه) ووقع في حديث؛ ابن عباس - ﵄ - بلفظ: «وأطراف القدمين»، فهو مبين للمراد بالقدمين هنا، فإن المراد نصب أطراف القدمين على الأرض. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
(المسألة الأولى): في درجته:
حديث العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه هذا صحيح.
(المسألة الثانية): في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -١٣١/ ١٠٩٤ - وفي «الكبرى» -٣٩/ ٦٩١ - عن قتيبة، عن بكر بن مضر، عن يزيد بن الهاد، عن محمَّد بن إبراهيم، عن عامر بن سعد، عنه. وفي -١٣٦/ ١٠٩٩ - و«الكبرى» -٤٤/ ٦٨٦ - عن محمَّد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب بن الليث، عن أبيه، عن ابن الهاد به. والله تعالى أعلم.
(المسألة الثالثة): فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د ت) كلاهما عن قتيبة به. (ق) عن يعقوب بن حميد بن كاسب، عن عبد العزيز بن أبي حازم، عن يزيد بن الهاد به.
وأخرجه (أحمد) ١/ ٢٠٦ و٢٠٨ (وابن خزيمة) برقم ٦٣١. والله تعالى أعلم.
(تنبيه): أشار الحافظ أبو الحجاج المزي رحمه الله تعالى في «تحفة الأشراف» ج ٤ ص ٢٦٥ - أن حديث العباس - ﵁ - هذا أخرجه مسلم في «صحيحه» فقال الحافظ ولي الدين رحمه الله تعالى في كتابه «الإطراف بأوهام الأطراف» ص ١١٣ -: لم أقف عليه في «الصلاة» في «صحيح مسلم». والله أعلم. وأقر الحافظ رحمه الله تعالى كلام ولي الدين في «النكت الظراف»، ولم يتعقبه بشيء.
والظاهر أن المباركفوري في «تحفته»، ومحمود محمد خطاب السبكي في «منهله»، والشيخ الألباني في «صحيح النسائي»، قلدوا المزي في ذلك فإنهم أشاروا كلهم إلى أن مسلما أخرجه. والله تعالى أعلم.
(المسألة الرابعة): قال الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى في شرح حديث ابن عباس - ﵄ -: ما نصّه: ظاهره يدلّ على وجوب السجود على هذه الأعضاء؛ لأن الأمر للوجوب.
والواجب عند الشافعي -﵀- منها الجبهة، لم يتردد قوله فيه، واختلف قوله في اليدين والركبتين والقدمين، وهذا الحديث يدلّ للوجوب، وقد رجح بعض أصحابه عدم الوجوب، ولم أرهم عارضوا هذا بدليل قويّ، أقوى من دلالته، فإنه استدلّ لعدم الوجوب بقوله - ﷺ - في حديث رفاعة من حديث المسيء صلاته: «ثم يسجد، فيمكن جبهته»، وهذا غايته أن تكون دلالته دلالة مفهوم، وهو مفهوم لقب، أو غاية، والمنطوق الدال على وجوب السجود على هذه الأعضاء مقدم عليه، وليس هذا من باب تخصيص العموم بالمفهوم، كما مرّ لنا في قوله - ﷺ -: «جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا»، مع قوله: «جعلت لنا الأرض مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا»، فإنه ثمة يُعمَل بذلك العموم من وجه، إذا قدمنا دلالة المفهوم، وها هنا إذا قدمنا دلالة المفهوم أسقطنا الدليل على وجوب السجود على هذه الأعضاء -أعني اليدين، والركبتين، والقدمين- مع تناول اللفظ لها بخصوصها.
وأضعف من هذا ما استدلّ به على عدم الوجوب من قوله - ﷺ -: «سجد وجهي للذي خلقه» قالوا: فأضاف السجود إلى الوجه، فإنه لا يلزم من إضافة السجود إلى الوجه انحصار السجود فيه.
وأضعف من هذا الاستدلال على عدم الوجوب بأن مسمى السجود يحصل بوضع
الجبهة، فإن هذا الحديث يدلّ على إثبات زيادة على المسمى، فلا تترك.
وأضعف من هذا: المعارضة بقياس شبهي، ليس بقوي، مثل أن يقال: أعضاء لا يجب كشفها، فلا يجب وضعها كغيرها من الأعضاء، سوى الجبهة.
وقد رجح المحاملي من أصحاب الشافعي القول بالوجوب، وهو أحسن عندنا من قول من رجح عدم الوجوب.
وذهب أبو حنيفة -﵀-: إلى أنه إن سجد على الأنف وحده كفاه، وهو قول في مذهب مالك وأصحابه.
وذهب بعض العلماء إلى أن الواجب السجود على الجبهة والأنف معا، وهو قول في مذهب مالك أيضًا، ويحتج لهذا المذهب بحديث ابن عباس - ﵄ - هذا، فإن في بعض طرقه «الجبهة والأنف معا»، وفي هذه الطرق التي ذكرها المصنف -يعني صاحب العمدة- «الجبهة»، وأشار بيده إلى أنفه، فقيل: معنى ذلك أنهما جعلا كالعضو الواحد، ويكون الأنف كالتبع للجبهة، واستدلّ على هذا بوجهين:
(أحدهما): أنه لو كان كعضو منفرد عن الجبهة حكما، لكانت الأعضاء المأمور بالسجود عليها ثمانية، لا سبعة، فلا يطابق العدد المذكور في أول الحديث.
(الثاني): أنه قد اختلفت العبارة مع الإشارة إلى الأنف، فإذا جعلا كعضو واحد أمكن أن تكون الإشارة إلى أحدهما إشارة إلى الآخر، فتطابق الإشارة العبارة، وربما استنتج من هذا أنه إذا سجد على الأنف وحده أجزأه، لأنهما إذا جعلا كعضو واحد كان السجود على الأنف كالسجود على بعض الجبهة، فيجزىء.
والحق أن مثل هذا لا يعارض التصريح بذكر الجبهة والأنف. لكونهما داخلين تحت الأمر، وإن أمكن أن يُعتَد أنهما كعضو واحد من حيث العدد المذكور، فذلك في التسمية والعبارة، لا في الحكم الذي دلّ عليه الأمر.
وأيضًا فإن الإشارة قد لا تعين المشار إليه، فإنها إنما تتعلق بالجبهة، فإذا تفاوت ما في الجبهة أمكن أن لا يعين المشار إليه يقينًا، وأما اللفظ فإنه معين لما وضع له، فتقديمه أولى. انتهى كلام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى «إحكام الأحكام» ج ٢ ص ٣٠٦ - ٣١١. بنسخة الحاشية.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: خلاصة ما أشار إليه ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى وجوب العمل بمقتضى منطوق الحديث، وهو تقرير حسن، فلا يجوز الاقتصار على الجبهة دون الأنف، ولا العكس. وسنحقق الخلاف في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة الخامسة): في اختلاف أهل العلم في الساجد على الجبهة دون الأنف، أو على الأنف دون الجبهة.
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى: اختلف أهل العلم في الساجد على الجبهة، دون الأنف:
فممن أمر بالسجود على الأنف ابن عباس، وعكرمة، وعبد الرحمن بن أبي ليلى. وقال سعيد بن جبير: متن لم يضع أنفه على الأرض في سجوده لم تتم صلاته. وقال طاوس: الأنف من الجبين. وقال النخعي: السجود على الجبهة والأنف. وكقول النخعي قال مالك بن أنس، وسفيان الثوري، وأحمد.
وقال أحمد: لا يجزيه السجود على أحدهما دون الآخر.
وقال إسحاق: إذا سجد على الجبهة دون الأنف عمدا فصلاته فاسدة. وقال أبو خيثمة، وابن أبي شيبة: لا يجزيه السجود على أحدهما دون الآخر. وقال الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز: يسجد على سبع، وأشارا بأيديهما الجبهة إلى ما دون الأنف، وقالا: هذا من الجبهة.
وقالت طائفة: يجزئ على جبهته دون أنفه، هذا قول عطاء، وطاوس، وعكرمة، ومحمد بن سيرين، والحسن البصري، وبه يقول الشافعي، وأبو ثور، ويعقوب، ومحمد.
وقال قتادة: رخص في ذلك. وقال سفيان الثوري: يجزيه، ولا أرى له. وقال أحمد: إذا لم يسجد على أنفه ما أجتري أن أحكم.
قال ابن المنذر -﵀-: وهذا مع ما ذكرناه عنه اختلاف من قوله.
وقالت طائفة: إن وضع جبهته، ولم يضع أنفه، أووضع أنفه، ولم يضع جبهته، فقد أساء، وصلاته تامّة. هذا قول النعمان، وهو قول، لا أحسب أحدا سبقه إليه، ولا تبعه عليه. وقال يعقوب، ومحمد: إن سجد على أنفه دون جبهته، وهو يقدر على السجود على جبهته لم يجزه ذلك. انتهى كلام ابن المنذر رحمه الله تعالى. «الأوسط» ج ٣ ص ١٧٤ - ١٧٧.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الراجح عندي من هذه الأقوال قول من قال بوجوب السجود على الجبهة والأنف، لظاهر حديث الباب، فإنه سَوَّى بين هذه الأعضاء في الأمر بالسجود عليها، فلا يجوز الاكتفاء ببعضها بلا حجة تجيز ذلك، ولا ضرورة تلجىء إليه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(المسألة السادسة): قال ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى أيضا: قد يستدلّ بهذا
الحديث على أنه لا يجب كشف شيء من هذه الأعضاء، فإن مسمى السجود يحصل بالوضع، فمن وضعها، فقد أتى بما أمر به، فوجب أن يخرج عن العهدة، وهذا يلتفت إلى بحث أصولي، وهو أن الإجزاء في مثل هذا، هل هو راجع إلى اللفظ، أم إلى أن الأصل عدم وجوب الزائد على الملفوظ به، مضموما إلى فعل المأمور؟
وحاصله: أن فعل المأمور به، هل هو علة الإجزاء، أو جزء علة الإجزاء؟
ولم يختلف في أن كشف الركبتين غير واجب، وكذلك القدمان.
أما الأول فلما يُحذَر فيه من كشف العورة. وأما الثاني -وهو عدم كشف القدمين- فعليه دليل لطيف جدًّا؛ لأن الشارع وقت المسح على الخف بمدة تقع فيها الصلاة مع الخف، فلو وجب كشف القدمين لوجب نزع الخفين، وانتقضت الطهارة، وبطلت الصلاة، وهذا باطل، ومن نازع في انتقاض الطهارة بنزع الخفّ، فيردّ عليه بحديث صفوان الذي فيه «أمرنا أن لا ننزع خفافنا» إلى آخره .
فنقول: لو وجب كشف القدمين لناقضه إباحة عدم النزع في هذه المدة التي دلّ عليها لفظة: «أمرنا» المحمولة على الإباحة، وأما اليدان فللشافعي تردد في وجوب كشفهما. انتهى كلام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى.
واعترض الحافظ على قوله الأخير، فقال: وفيه نظر، فللمخالف أن يقول: يخص لابس الخف، لأجل الرخصة.
قال: وأما كشف اليدين ففيه أثر الحسن، أخرجه عبد الرزاق، عن هشام بن حسّان، عنه: «أن أصحاب رسول الله - ﷺ -، كانوا يسجدون، وأيديهم في ثيابهم، ويسجد الرجل منهم على قلنسوته، وعمامته». وهكذا رواه ابن أبي شيبة من طريق هشام. وعلق البخاري في «صحيحه» نحوه. انتهى كلام الحافظ بتصرف .
قال الجامع عفا الله عنه: الحاصل أن الراجح عدم وجوب كشف هذه الأعضاء، لما ذكره ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى، ولما ثبت من أنه - ﷺ - سجد على كور عمامته، كما قاله الصنعاني رحمه الله تعالى، ولما ذُكِرَ من فعل الصحابة رضي الله تعالى عنهم. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب».