١٣٩ - (بَابُ مَكَان الْيَدَيْنِ مِنَ السُّجُودِ)
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هكذا عبارة «المجتبى» «من السجود» بلفظ «من»، وعبارة «الكبرى» «في السجود» بلفظ «في».
هي ظاهرة، وللأولى أيضا وجه صحيح، وهو أن «من» بمعنى «في»؛ لأنها تأتي بمعناها على قول بعض النحاة، كما في قوله تعالى: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [فاطر آية: ٤٠] وقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَة﴾ [الجمعة: آية ٩]. انظر «مغني اللبيب عن كتب الأعاريب» جـ ١ ص ٣٢١. والله تعالى أعلم بالصواب.
١١٠٢ - (أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ نَاصِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ إِدْرِيسَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَاصِمَ بْنَ كُلَيْبٍ، يَذْكُرُ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ، قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، فَقُلْتُ: لأَنْظُرَنَّ إِلَى صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَكَبَّرَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْتُ إِبْهَامَيْهِ قَرِيبًا مِنْ أُذُنَيْهِ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ كَبَّرَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»، ثُمَّ كَبَّرَ، وَسَجَدَ، فَكَانَتْ يَدَاهُ مِنْ أُذُنَيْهِ عَلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي اسْتَقْبَلَ بِهِمَا الصَّلَاةَ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (أحمد بن ناصح) بن موسى المِصِّيصِى، أبو عبد الله، صدوق، [١٠].
روى عن إسماعيل بن علية، وابن إدريس، وهشيم، وغيرهم. وعنه النسائي، وقال صالح. وفي موضع آخر: لا بأس به، وحرب الكرماني، ومحمد بن سفيان المصّيصي، وغيرهم. قال الحاكم أبو أحمد: حدث بالثَّغْر عن مشايخه أحاديث مستوية. وذكره ابن حبان في «الثقات»، تفرد به المصنف، وروى عنه في هذا الكتاب (٤) أحاديث فقط.
٢ - (ابن إدريس) هو عبد الله الأودي الكوفي، ثقة فقيه عابد [٨] تقدم ٨٥/ ١٠٢.
٣ - (عاصم بن كُلَيب) الجَرْمي الكوفي، صدوق رمي بالإرجاء [٥] تقدم ١١/ ٨٨٩.
٤ - (كُلَيب) بن شهاب بن المجنون المجنوني الجرمي، الكوفي، صدوق [٢] تقدم ١١/ ٨٨٩.
٥ - (وائل بن حُجْر) الصحابي - ﵁ -، تقدم ٤/ ٨٧٩. والله تعالى أعلم، بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الحديث تقدم للمصنف مطولًا في ١١/ ٨٨٩ - وهو حديث صحيح. وقد مضى شرحه، وبيان المسائل المتعلقة به هناك.، فليُراجعها من أراد الاستفادة منها.
وقد أورده هناك استدلالا على بيان موضع اليمين من الشمال في الصلاة.
واستدل له هنا على بيان مكان اليدين في حال السجود، وهو بحذاء الأذنين.
وقوله: «فكانت يداه من أذنيه» المراد باليدين: الكفان، أي كان كفاه - ﷺ - من أذنيه.
وقوله: «على الموضع الذي استقبل بهما الصلاة» أي ابتدأ بهما الصلاة.
والمعنى أن كفي النبي - ﷺ - كانتا في حال السجود في الموضع الذي كانتا فيه عند التكبير في افتتاح الصلاة، وهو حذاء الأذنين، كما تقدم في الرواية المذكورة: «ورفع يديه حتى حاذتا بأذنيه».
وفيه أن المستحب وضع الكفين حذاء الأذنين.
[فإن قيل]: ثبت في حديث أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه: «كان رسول الله - ﷺ - إذا سجد وضع يديه حَذْوَ منكبيه». رواه أبو داود، وصححه ابن خزيمة. فكيف يجمع بينه وبين حديث الباب؟
[أجيب]: بإمكان العمل بهما في أوقات، فيضع أحيانا حذاء الأذنين، وأحيانا حذاء المنكبين، جمعا بين الحديثين.
ولذا قال أبو بكر ابن خزيمة في «صحيحه» بعد أن ترجم لوضع اليدين حذو المنكبين في السجود، وأورد حديث أبي حميد المذكور: «باب إباحة وضع اليدين في السجود حذاء الأذنين، وهذا من الاختلاف المباح». انتهى .
يعني أن اختلاف الحديثين من جنس الاختلاف في الشيء المباح، لا من جنس اختلاف التضادّ، فيعمل بكلا الحديثين. والله تعالى أعلم، بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب».