ومتنا، ولا وجه لإيراده تحت ترجمة: «نوع آخرُ» إذ هو ليس نوعا آخر. وإنما غايته أنه طريق آخر للحديث، فقد أبدل شيخه نصرًا بمحمود بن غيلان، وأبدل شيخ شيخه ابن المبارك بوكيع. فليُتَأَمّل.
١ - (محمود بن غيلان) أبو أحمد المروزي، نزيل بغداد، ثقة [١٠] تقدم ٣٣/ ٣٧.
٢ - (وكيع) بن الجرّاح الرُّؤَاسي، أبو سفيان الكوفي، ثقة حافظ عابد [٩] تقدم ٢٣/ ٢٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
«إن أريد إلا الإصلاح ما إستطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب».
…
١٥٦ - (نَوعٌ آخَرُ)
١١٢٤ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ، قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ - ﵂ -، فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - مِنْ مَضْجَعِهِ، فَجَعَلْتُ أَلْتَمِسُهُ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ أَتَى بَعْضَ جَوَارِيهِ، فَوَقَعَتْ يَدِى عَلَيْهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ، وَهُوَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا أَسْرَرْتُ، وَمَا أَعْلَنْتُ»).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمَّد بن قُدَامة) المصيصي، ثقة [١٠] تقدم ١٩/ ٥٢٨.
٢ - (جرير) بن عبد الحميد الكوفي، نزيل الرَّيِّ، وقاضيها، ثقة ثبت [٨] تقدم ٢/ ٢.
٣ - (منصور) بن المعتمر تقدم قبل باب.
٤ - (هلال بن يسِاَف) الأشجعي مولاهم الكوفي، ثقة [٣] تقدم ٣٩/ ٤٣.
٥ - (عائشة) - ﵂ -، تقدمت ٥/ ٥. والله تعالى أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
(منها): أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى، وأن رجاله كلهم ثقات، ومن رجال الجماعة، سوى شيخه، فانفرد به هو وأبو داود، وفيه رواية تابعي عن تابعي، وفيه عائشة - ﵂ - من المكثرين السبعة، روت -٢٢١٠ - أحاديث. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة - ﵂ -) أنها قالت (فقدت رسول الله - ﷺ -) قال الفَيُّومي: فَقَدْتُه فَقْدًا، من
باب ضرب، وفِقْدَانا: عَدِمتُهُ، فهو مفقود، وفَقِيد، وافتقدته مثلُهُ. انتهى.
(من مضجعه) بفتح الميم، والجيم: موضع الضُّجُوع، وهو وضع الجنب بالأرض. يقال: ضَجَعْتُ ضَجْعًا، من باب نفع، وضُجُوعًا: وضعت جنبي بالأرض، وأضجعت بالألف لغةٌ. أفاده في «المصباح»، و«المختار». والجارّ والمجرور متعلق بـ«فقدت».
(فجعلت ألتمسه) أي شرعت أطلبه، فـ«جعل» من أفعال الشروع، والضمير اسمها، وجملة «ألتمسه» خبرها. و«التمس» الشيءَ بمعنى طَلَبَه.
(وظننت) جملة في محل نصب على الحال من ضمير «ألتمسه»، أي حال كوني ظانة (أنه أتى بعض جواريه) جمع جارية، بمعنى الأمة، وأصل الجارية: السفينة، سميت بذلك لجريها في البحر، فسميت الأمة به على التشبيه، لجريها مُسَخَّرَةً في أشغال مواليها، والأصل فيها الشابّة لخفتها، ثم توسعوا حتى سموا كلَّ أمة جاريةً، وإن كانت عجوزا لا تقدر على السعي، تسميةً بما كانت عليه. قاله الفيومي رحمه الله تعالى.
وكأن عائشة - ﵂ - استبعدت إتيانه زوجا أخرى، لمراعاة القَسْم، سواء قلنا بوجوبه عليه - ﷺ -، أم لا؟.
ويحتمل أنها أرادت باسم الجارية ما يعم الأزواج، وهو الموافق لما سيأتي ١٦٣/ ١١٣١ - حيث قالت: «فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه». والله تعالى أعلم. أفاده السندي رحمه الله تعالى.
(فطلبته، فإذا هو ساجد) «إذا» هنا في الفُجائية، أي ففجاءني سجوده - ﷺ - (وهو يقول) جملة حالية من «هو» على رأي سيبويه في جواز مجيء الحال من المبتدإ، أو من الضمير في «ساجد».
(اللَّهم) أي يا الله، فالميم عوض عن حرف النداء، ولا يجمع بينهما إلا في الضرورة، كما قال ابن مالك -﵀-:
وَبِاضْطِرَارٍ خُصَّ جَمْعُ يَا وَأَلْ … إِلَّا مَعَ اللهِ وَمَحْكِيِّ الْجُمَلْ
وَالأَكْثَرُ اللَّهُمَّ بِالتَّعْوِيضِ … وَشَذَّ يَا اللَّهُمَّ فِي قَرِيضِ
وفي بعض النسخ «رب» بدل «اللَّهم».
(اغفر لي ما أسررت) أي استر لي ذنوبي التي عملتها سرّا، فـ«ما» موصول اسمي، مفعول به لـ«اغفر»، والعائد محذوف لكونه فضلة، كما قال في «الخلاصة»:
وَحَذْفَ فَضْلَةٍ أَجِزْ إِنْ لَمْ يَضِرْ … كحَذفِ مَا سِيقَ جَوَابًا أَوْ حُصِرْ
أي الذي أسررته (وما أعلنت) أي الذنوب التي عملتها عَلَنًا، أي جهرا بين الناس، وإعرابه كسابقه.