ويحمل على أنه - ﷺ - قاله في أوقات مختلفة، وذلك كما في صيغ التشهد، وصيغ الصلاة الإبراهيمية، ونحوهما.
فما يستحسنه بعض أهل العلم من المتأخرين من الجمع بين صيغها، وصوغها صياغة واحدة، فغير مستحسن؛ لأن ذلك خروج عن تعليمات النبي - ﷺ - إلى صيغ أُخرَى مخالفة لها، فليُتَنَبّه.
وسيأتي تحقيق ذلك في باب الصلاة على النبي - ﷺ -، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب».
…
١٧٧ - (بَابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ تِلْقَاءَ الْوَجْهِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعية رفع اليدين بين السجدتين تلقاء الوجه.
و«التلقاء» بالكسر: المُقَابل. والله تعالى أعلم بالصواب.
١١٤٦ - (أَخْبَرَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى الْبَصْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ كَثِيرٍ أَبُو سَهْلٍ الأَزْدِيُّ، قَالَ: صَلَّى إِلَى جَنْبِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ بِمِنًى فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ، فَكَانَ إِذَا سَجَدَ السَّجْدَةَ الأُولَى، فَرَفَعَ رَأْسَهُ مِنْهَا، رَفَعَ يَدَيْهِ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، فَأَنْكَرْتُ أَنَا ذَلِكَ، فَقُلْتُ لِوُهَيْبِ بْنِ خَالِدٍ: إِنَّ هَذَا يَصْنَعُ شَيْئًا، لَمْ أَرَ أَحَدًا يَصْنَعُهُ، فَقَالَ لَهُ وُهَيْبٌ: تَصْنَعُ شَيْئًا، لَمْ نَرَ أَحَدًا يَصْنَعُهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ: رَأَيْتُ أَبِي يَصْنَعُهُ، وَقَالَ أَبِي: رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَصْنَعُهُ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَصْنَعُهُ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (موسى بن عبد الله بن موسى البصري) الخزاعي الطلحي، أبو طلحة، صدوق [١١].
روى عن أبيه، وعمته رقية بنت موسى، والنضر بن كثير البصري، وأحمد بن إسحاق الحضرمي، وبكر بن سليمان، وعيسى بن عبد الله بن محمَّد بن عمر بن علي. وروى عنه النسائي، وقال: لا بأس به، وجعفر بن أحمد بن سنان القطان، وأحمد بن يحيى بن زُهَير التستري، ويحيى بن الحسن بن جعفر النسابة، ومحمد بن هارون الرويانى. وقال الذهبي: صدوق. تفرد به المصنف وروى عنه في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٢ - (النضر بن كثير أبو سهل الأزدي) السعدي، ويقال: الضبي، البصري ضعيف عابد [٨].
روى عن يحيى بن سعيد الأنصاري، وعبد الله بن عون، وداود بن أبي هند، وعبد الله بن طاوس، وغيرهم. وعنه أحمد بن حنبل، وعمرو بن علي، ومحمد بن أبان البلخي، وموسى بن عبد الله بن موسى البصري، وغيرهم.
قال أبو حاتم: شيخ، فيه نظر، وقال الدارقطني: فيه نظر، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات، لا يجوز الاحتجاج به بحال. وقال عمرو بن علي: ثنا النضر ابن كثير، أبو سهل، وكان يعدّ من الأبدال. وضعفه علي بن الحسين بن الجنيد، والدولابي، والعقيلي، وغيرهم. تفرد به أبو داود، والمصنف، وله عنده في هذا الكتاب هذا الحديث فقط.
٣ - (عبد الله بن طاوس) بن كيسان اليماني، أبو محمَّد، ثقة فاضل عابد [٦] تقدم ٤٩/ ٩٥٨.
٤ - (طاوس) بن كيسان اليماني، أبو عبد الرحمن الحميري مولاهم الفارسي، ثقة فقيه فاض [٣] تقدم ٢٧/ ٣١.
٥ - (ابن عباس) عبد الله الحبر البحر رضي الله تعالى عنهما تقدم ٢٧/ ٣١. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
عن النضر بن كثير أنه (قال: صلى إلي جنبى عباس الله بن طاوس بمنى) الباء بمعنى «في»، أي في مني.
وهو: الموضع المعروف بمكة، والغالب عليه التذكير، فيصرف. وقال ابن السرّاج: منىّ ذَكَرٌ، والشامُ ذَكَرٌ، وهَجَرٌ ذَكَرٌ، والعراق ذَكَرٌ، وإذا أُنِّثَ منع، ويقال. أمنى الرجل بالألف: إذا أتى مني، ويقال: بينه وبين مكة ثلاثة أميال، وسمي مني لما يُمنَى فيه من الدماء، أي يراق. أفاده في «المصباح».
وقد أشار الحريري رحمه الله تعالى إلى صرف بعض أسماء الأماكن سماعا، ومنها «منىّ»، فقال في «مُلحَة الإعراب»:
وَلَيسَ مَصْرُوفًا مِنَ الْبِقَاعِ … إِلَّا بِقَاعٌ جِئْنَ فِي السَّمَاعِ
مِثْلُ حُنَينِ وَمِنًى وَبَدْرِ … وَوَاسِطٍ وَدَابِقٍ وَحِجْرِ
(في مسجد الخيف) الجار والمجرور بدل من الجار والمجرور قبله. و«الخيف» بفتح المعجمة، وسكون الياء: قال الفيومي -﵀-: ما ارتفع من الوادي قليلا عن مسيل الماء، ومنه «مسجد الخيف» بمنى؛ لأنه بُنِيَ في خَيف الجبل، والأصل مسجد خيف مني، فخفف بالحذف، ولا يكون الخيف إلا بين الجبلين. انتهى.
(فكان) أي عبد الله بن طاوس (إذا سجد السجدة الأولى، فرفع رأسه منها، رفع يديه تلقاء وجهه) بكسر، فسكون: أي حذاء وجهه (فأنكرت أنا) الضمير المنفصل لتوكيد المتصل، ولا يلزم الإتيان به إلا عند وجود العطف، كقوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ الآية [الأعراف: ١٩] (ذلك) في محل نصب مفعول «أنكرت»، وهو إشارة إلى رفع يديه في السجود (فقلت لوُهَيب بن خالد) بن عَجْلان الباهلي مولاهم، أبي بكر البصري المتوفى سنة -١٦٥ - وقيل: بعدها، وتقدمت ترجمته في ٢١/ ٤٢٧ (إن هذا) يشير إلى عبد الله بن طاوس (يصنع شيئا لم أر) وفي نسخة «لم نر» بنون الجمع (يصنعه) فيه الإنكار على من فعل شيئا في الصلاة بلا دليل، وفيه أن مثل هذا لا يكون غيبة، بل يكون من باب الشكوى، أو الاستفتاء.
(فقال له) أي لعبد الله بن طاوس (وهيب) بالرفع على الفاعلية (تصنع شيئا لم نر) وفي بعض النسخ «لم أر» بهمزة المتكلم (أحدا يصنعه) وإنما قال له وهيب ذلك إنكارا لما فعله، من رفع يديه في السجود (فقال عبد الله بن طاوس) ردًّا على إنكار وهيب عليه (رأيت أبي) يعني طاوسا (يصنعه، وقال أبي: رأيت ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما (يصنعه، وقال ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما (رأيت رسول الله - ﷺ - يصنعه) يعني أنه إنما فعله اتباعا لما ثبت لديه من السنة، فمن فعل ما ثبت عنده من السنة لا يُنكَر عليه.
والحديث يدلّ على استحباب رفع اليدين بين السجدتين تلقاء الوجه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما هذا صحيح.