رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (علي بن حُجْر) المروزي، ثقة حافظ، من صغار [٩] تقدم ١٣/ ١٣.
٢ - (هُشَيم) بن بَشِير الواسطي، ثقة ثبت كثير التدليس [٧] تقدم ٨٨/ ١٠٩.
٣ - (خالد) بن مهران الحذاء البصري، ثقة يرسل [٥] تقدم ٧/ ٦٣٤.
والباقيان تقدما في الحديث الماضي.
وكذا شرح الحديث، وبيان المسائل المتعلقة به تقدمت هناك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب».
…
١٨٢ - (بَابُ الاعْتِمَادِ عَلَى الأَرضِ عِنْدَ النُّهُوضِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على مشروعية الاعتماد بيديه على الأرض عند القيام إلى الركعة الثانية، وكذا الرابعة.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الغرض من الترجمة بيان استحباب الاعتماد عند القيام من السجود، أو الجلوس، والإشارة إلى ردّ ما روي بخلاف ذلك، فعند سعيد بن منصور بإسناد ضعيف عن أبي هريرة - ﵁ -، «أنه - ﷺ - كان ينهض على صدور قدميه».
وعن ابن مسعود - ﵁ - مثله بإسناد صحيح. وعن إبراهيم أنه كره أن يعتمد على يديه إذا نهض. أفاده في «الفتح» .
وسيأتي تمام البحث فيه في المسألة الآتية آخر الباب، إن شاء الله تعالى.
١١٥٣ - (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، قَالَ: كَانَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ يَأْتِينَا، فَيَقُولُ: أَلَا أُحَدِّثُكُمْ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، فَيُصَلِّي فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، فَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ فِي أَوَّلِ الرَّكْعَةِ اسْتَوَى قَاعِدًا، ثُمَّ قَامَ، فَاعْتَمَدَ عَلَى الأَرْضِ).
رجال هذا الإسناد: خمسة:
١ - (محمَّد بن بشار) بُندَار أبو بكر البصري، ثقة ثبت [١٠] تقدم ٢٤/ ٢٧.
٢ - (عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي البصري، ثقة تغير في الأخير [٨] تقدم ٤٢/ ٤٨.
والباقون تقدموا في الباب الماضي. والله تعالى أعلم.
شرح الحديث
(عن أبي قلابة) عبد الله بن زيد الجرمي -﵀- (قال: كان مالك بن الحُوَيرث) رضي الله تعالى عنه (يأتينا) أي يأتي قومه في مساجدهم، كما تقدمت الإشارة في الراوية التي تقدمت في الباب الماضي (فيقول: ألا) أداة عرض وتحضيض، كما سبق غير مرّة (أحدثكم) بالرفع (عن صلاة رسول الله - ﷺ -) أي عن كيفيتها، وصفتها (فيصلي في غير وقت صلاة) وفي نسخة «وقت الصلاة» بالتعريف.
قال في «الفتح»: أي في غير وقت صلاة من المفروضة، ويتعين حمله على ذلك حتى لا يدخل فيه أوقات المنع من النافلة، لتنزيه الصحابي عن التنفل حينئذ، وليس في اليوم والليلة وقت أُجمْعَ على أنه غير وقت لصلاة من الخمس إلا من طلوع الشمس إلى زوالها. انتهى.
(فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية في أول الركعة) من إضافة الصفة للموصوف، أي في الركعة الأولى (استوى قاعدا) هذا القعود هو المسمى بجلسة الاستراحة (ثم قام) أي شرع في القيام إلى الركعة الثانية (فاعتمد على الأرض) ليست الفاء للترتيب، بل لمجرد العطف، إذ الاعتماد على الأرض في حالة الشروع في القيام، لا بعده.
قيل: يستفاد من الاعتماد أنه يكون باليد، لأنه افتعال من العماد، والمراد به الاتكاء، وهو باليد. وروى عبد الرزاق عن ابن عمر - ﵁ -، أنه كان يقوم إذا رفع رأسه من السجدة معتمدا على يديه قبل أن يرفعهما. أفاده في «الفتح».
وفيه أن السنة في القيام أن يقوم معتمدا بيديه على الأرض، وهو المذهب الراجح. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والماب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: حديث مالك بن الحُوَيرث رضي الله تعالى عنه هذا صحيح، وقد تقدم الكلام عليه في الباب الماضي مستَوْفًى، فلا حاجة إلى إعادته هنا، فإن شئت فارجع إليه تستفد، وإنما أتكلم فيما ترجم له المصنف رحمه الله تعالى، فأقول:
(مسألة): في اختلاف أهل العلم في كيفية النهوض عن الجلوس:
قال الإمام أبو بكر ابن المنذر رحمه الله تعالى:
واختلفوا في اعتماد الرجل على يديه عند القيام، فروينا عن ابن عمر رضي الله تعالى
عنهما، أنه كان يعتمد على يديه إذا أراد القيام، وهكذا فعل مكحول، وعمر بن عبد العزيز، وابن أبي زكريا، والقاسم أبو عبد الرحمن، وأبو مخرمة، وبه قال مالك، والشافعي، وأحمد بن حنبل.
ورأت طائفة أن لا يعتمد على يديه إلا أن يكون شيخا كبيرا، وروي ذلك عن علي - ﵁ -، وبه قال النخعي، والثوري. انتهى كلام ابن المنذر باختصار . .
وقال النووي رحمه الله تعالى: مذهبنا أنه يستحب أن يقوم معتمدا على يديه، ثم ذكر القائلين بذلك من كلام ابن المنذر المذكور آنفا.
ثم قال: وقال أبو حنيفة، وداود: يقوم غير معتمد بيديه على الأرض، بل يعتمد على صدور قدميه. وهذا مذهب ابن مسعود - ﵁ -، وحكاه ابن المنذر عن علي - ﵁ -، والنخعي، والثوري.
واحتُجَّ لهم بحديث أبي شيبة، عن قتادة، عن أبي جحيفة، عن علي - ﵁ -، قال: «من السنة إذا نهض الرجل في الصلاة المكتوبة من الركعتين الأوليين أن لا يعتمد بيديه على الأرض إلا أن يكون شيخا كبيرا، لا يستطيع». رواه البيهقي.
وعن خالد بن إلياس، ويقال: ابن إياس، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: كان رسول الله - ﷺ - ينهض في الصلاة على صدور قدميه«. رواه الترمذي، والبيهقي.
وعن ابن عمر - ﵄ -:»أن النبي - ﷺ - في نهى أن يعتمد الرجل على يديه، إذا نهض في الصلاة«. رواه أبو داود.
وعن وائل بن حجر - ﵁ - في صفة صلاة النبي - ﷺ -:»وإذا نهض نهض على ركبتيه، واعتمد على فخذه«. رواه أبو داود.
وعن عبد الرحمن بن يزيد أنه رأى ابن مسعود يقوم على قدميه في الصلاة. رواه البيهقي، وقال: هذا صحيح عن ابن مسعود.
وعن عطية العَوْفي، قال: رأيت ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وأبا سعيد الخدري - ﵃ - يقومون على صدور أقدامهم في الصلاة. رواه البيهقي.
واحْتَجَّ الأولون بحديث مالك بن الحُوَيرث - ﵁ - المذكور في الباب.
قال الشافعي -﵀-: ولأن ذلك أبلغ في الخشوع والتواضع، وأعون للمصلي، وأحرى أن لا ينقلب.
والجواب عن أحاديثهم أنها كلها ليس فيها شيء صحيح، إلا الأثر الموقوف على ابن مسعود - ﵁ -، ولا يجوز ترك السنة الثابتة عن رسول الله - ﷺ - بقول غيره، أو فعله.
فأما حديث علي - ﵁ -، فضعيف، ضعفه البيهقي، وقال: أبو شيبة ضعفه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وغيرهما.
وأما حديث أبي هريرة - ﵁ -، فضعيف، ضعفه الترمذي، والبيهقي، وغيرهما، لأن رواية خالد بن إلياس، وصالح ضعيفتان.
وأما حديث ابن عمر، فضعيف من وجهين: (أحدهما): أنه من رواية محمَّد بن عبد الملك الغَزّال، وهو مجهول.
قال الجامع عفا الله عنه: قوله: «مجهول» فيه نظر، فإنه معروف وثقه النسائي، وغيره، وقال مسلمة بن القاسم: ثقة كثير الخطإ. انظر «تهذيب التهذيب» جـ ٩ ص ٣١٥ - ٣١٦.
فالأولى في تضعيف روايته مخالفته لأحمد وغيره من الثقات، مع كونه كثير الخطإ، كما يأتي في الوجه الثاني، فتبصر.
قال: (الثاني): أنه مخالف لرواية الثقات؛ لأن أحمد بن حنبل رفيق الغرّال في الرواية لهذا الحديث عن عبد الرزاق قال فيه: «نهى أن يجلس الرجل في الصلاة، وهو معتمد على يده». ورواه آخرون عن عبد الرزاق خلاف ما رواه الغزّال. وقد ذكر أبو داود ذلك كله.
قال النووي -﵀-: وقد علم من قاعدة المحدثين وغيرهم أن من خالف الثقات كان حديثه شاذا مردودا.
وأما حديث وائل فضعيف أيضا؛ لأنه من رواية ابنه عبد الجبار، عنه، واتفق الحفاظ على أنه لم يسمع من أبيه شيئًا، ولم يدركه، وقيل: ولد بعد وفاته بستة أشهر.
وأما حكايته عطية، فمردودة، لأن عطية ضعيف. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى بتصرف . .
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: قد تحصل مما ذكر أن الراجح من أقوال أهل العلم في هذه المسألة قول الأولين القائلين: إن السنة أن يعتمد المصلي بيديه على الأرض في القيام؛ لصحة حديث مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه، وعدم صحة أدلة القائلين بخلافه. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.