أبي بكر الصديق - ﵄ - قاله في «الفتح» .
وقوله: «فإذا ركع وضعها» لا تنافي بينه وبين قوله في الرواية السابقة: «فإذا سجد وضعها»؛ لأن هذه الرواية موضحة لتلك، ومعنى ذلك أنه يضعها عند الركوع، ثم يستمرّ على ذلك حتى نهاية سجوده، فإذا فرغ منه رفعها، كما بينه قوله: «فإذا فرغ من سجوده أعادها». والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب».
…
١٤ - (بَابُ الْمَشْي أَمَامَ الْقِبْلَةِ خُطًى يَسِيرَةً)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على جواز المشي في الصلاة إلى جهة القبلة خطوات يسيرة.
و«الخُطَى» بالضم والقصر: جمع خُطْوة بضم، فسكون، وهو: ما بين الرجلين: يقال: خَطَوت أخْطُو خَطْوًا، مشيتُ، الواحدة خَطْوَة، مثل ضرْب وضربة، والخُطْوَة، بضم، فسكون: ما بين الرجلين، وجمع المفتوح خَطَوَات، على لفظه، مثلُ شَهْوَة وشَهَوَات، وجمع المضموم خُطًى، وخُطُوَات، مثل غُرَف وغُرُفات، ويجوز في طاء الجمع الضم، والفتح، والتسكين، أفاده في «المصباح» . والله تعالى أعلم بالصواب.
١٢٠٦ - (أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ وَرْدَانَ، قَالَ: حَدَّثَنَا بُرْدُ بْنُ سِنَانَ -أَبُو الْعَلَاءِ- عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ - قَالَتِ: اسْتَفْتَحْتُ الْبَابَ، وَرَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُصَلِّي تَطَوُّعًا، وَالْبَابُ عَلَى الْقِبْلَةِ، فَمَشَى عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ يَسَارِهِ، فَفَتَحَ الْبَابَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مُصَلاَّهُ).
رجال هذا الإسناد: ستة:
١ - (إسحاق بن إبراهيم) الحنظي المروزي نزيل نيسابور، المعروف بابن راهويه، ثقة ثبت فقيه [١٠] تقدم ٢/ ٢.
٢ - (حاتم بن وردان) بن مروان السعدي، أبو صالح البصري، إمام مسجد أيوب
السختياني، ثقة [٨].
روى عن أيوب، وابن عون، وبُرْد بن سنان، وغيرهم. وعنه عفان، وإسحاق بن راهويه، وابن المديني، وغيرهم. قال ابن خيثمة، عن ابن معين. ثقة. وكذا قال النسائي، وقال أبو حاتم: لا بأس به. وقال العجلي: ثقة. وذكره ابن حبان في «الثقات». قال البخاري عن عمرو بن محمد: مات سنة (١٤٨).
أخرج له الجماعة، إلا أبا داود، وابن ماجه، وله في هذا الكتاب (٣) أحاديث.
٣ - (بُرْد بن سنان أبو العلاء) الدمشقي، نزيل البصرة، مولى قريش، صدوق رمي بالقدر [٥] تقدم ١٤١/ ٢٢٢.
٤ - (الزهري) محمَّد بن مسلم الإمام الحجة الثبت [٤] تقدم ١/ ١.
٥ - (عروة) بن الزبير المدني، ثقة ثبت فقيه [٣] تقدم ٤٠/ ٤٤.
٦ - (عائشة) - رَضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا - تقدمت ٥/ ٥ والله -تَعَالَى- أعلم.
لطائف هذا الإسناد:
منها: أنه من سداسيات المصنف ﵀تَعَالَى-، وأن رواته كلهم ثقات، وفيه رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض، وفيه عروة أحد الفقهاء السبعة، وفيه عائشة - رَضيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا - من المكثرين السبعة، روت (٢٢١٠) أحاديث. والله -تَعَالَى- أعلم.
شرح الحديث
(عن عائشة - ﵂ -) أنها (قالت: استفتحت الباب) أي طلبت فتحه، فالسين والتاء للطلب.
قال في «المنهل»: والظاهر أنها ظنت أنه ليس في صلاة، وإلا لم تطلب منه الفتح، كما هو اللائق بأدبها وعلمها. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: هذا الذي ذكره صاحب «المنهل» ليس لازمًا، إِذْ يحتمل أنه - ﷺ - أعلمها قبل ذلك جواز فتح الباب في الصلاة. والله -تَعَالَى- أعلم.
(ورسوله - ﷺ - يصلي) جملة اسمية في محل نصب على الحال، أي والحال أنه - ﷺ - يصلي في داخل البيت.
ولفظ أبي داود من طريق بشر بن المفضل، عن برد بن سنان: «كان رسول الله - ﷺ - يصلي، والباب عليه مغلق، فجئت، فاستفتحت. . .» ولفظ الترمذي من طريق بشر بن المفضل، عن برد أيضًا: «جئتُ، ورسول الله - ﷺ - يصلي في البيت، والباب عليه مغلق. . .».
(تطوعا) مفعول «يصلي»، أي كان يصلي صلاة تطوع.
(والباب على القبلة) مبتدأ وخبر، والجملة حال من فاعل «يصلي»، أي والحال أن الباب في جهة القبلة.
وأرادت عائشة - ﵂ - بذلك قطع توهم من يتوهم أن هذا الفعل يستلزم ترك استقبال القبلة، فذكرت أن الباب كان في جهة القبلة، وأنه - ﷺ - لم يستدبر القبلة في حال مجيئه، إليها، وفتحه الباب لها، ثم رجوعه إلى مكان صلاته (فمشى عن يمينه، أو عن يساره) الظاهر أن «أو» للشك من بعض الرواة، ولا ينافي هذا قولَهَا: «والباب على القبلة»، لأن المراد به أن الباب ليس في دبر القبلة بحيث يؤدي فتحه إلى استدبارها، بل هو في جهتها، إلا أنه يميل إلى اليمين أو اليسار، بحيث لا يستلزم فتحه استدبارَها، بل يميل قليلًا، وهذا لا ينافي الصلاة.
ويؤيد ذلك ما رواه الدارقطني في «سننه» ج ٢ ص ٨٠ بسنده عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة - ﵂-، قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يصلي، فإذا استفتح إنسان الباب فتح له ما كان في قبلته، أو عن يمينه، أو عن يساره، ولا يستدبر القبلة». وفي سنده محمَّد بن حميد الرازي متكلم فيه، وكان ابن معين حسن الرأي فيه. والله -تَعَالَى- أعلم.
(ففتح الباب، ثم رجع إلى مصلاه) أي رجع وراءه على عقبيه إلى مكان صلاته. فيه دليل على إباحة المشي في صلاة التطوع لحاجة قلّ أو أكثر.
قال ابن الملك: مشيه - ﷺ -، وفتحه الباب، ثم رجوعه إلى الصلاة يدلّ على أن الأفعال الكثيرة إذا توالت لا تبطل الصلاة، وإليه ذهب بعضهم. انتهى.
وقال ابن رسلان: هذا المشي محمول على أنه مشي خطوة، أو خطوتين، أو مشي أكثر من ذلك متفرّقًا.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي قاله ابن رسلان تقيد للحديث بالمذهب، ولا يخفى فساده، كما قال الشوكاني ﵀، فإن الحديث يدلّ على إباحة المشي في صلاة التطوع للحاجة، إذا كان في جهة القبلة. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان.
مسائل تتعلق بهذا الحديث:
المسألة الأولى: في درجته:
حديث عائشة - رَضيَ اللَهُ تَعَالَى عَنْهَا - هذا حسن من أجل الكلام في برد بن سنان. والله -تَعَالَى- أعلم.
المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له:
أخرجه هنا -١٤/ ١٢٠٦ - وفي «الكبرى» -٤٩/ ١١٢٩ - عن إسحاق بن إبراهيم، عن حاتم بن وردان، عن برد بن سنان، عن الزهري، عن عروة، عنها والله -تَعَالَى- أعلم.
المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه:
أخرجه (د) ٩٢٢ عن أحمد بن حنبل: ومسدد، كلاهما عن بشر بن المفضل، عن برد به. (ت) ٦٠١ - عن يحيى بن خلف، عن بشر به. والله -تَعَالَى- أعلم.
المسألة الرابعة: في فوائده:
منها: ما ترجم له المصنف ﵀، وهو جواز المشى أمام القبلة خُطى يسيرة.
ومنها: جواز افتتاح المصلي الباب، وهو في الصلاة.
ومنها: أنه يستحب لمن صَلَّى في البيت أن يغلق عليه الباب، لقوله في رواية الترمذي: «والباب مغلق عليه»، وذلك ليكون سترة له عن المارة بين يديه. والله -تَعَالَى- أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
«إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب».
…
١٥ - (بَابُ التَّصْفِيقِ فِي الصَّلَاةِ)
أي هذا باب ذكر الحديث الدّالّ على جواز التصفيق في الصلاة لمن نابه شيء فيها.
قال الجامع عفا الله تعالى عنه: «التصفيق» -بالقاف-: مصدر صَفَّقَ يُصَفّق: وهو التصويت، ويقال فيه: «التصفيح» بالحاء المهملة.
قال الحافظ العراقى ﵀تَعَالَى-: والمشهور أن معناهما واحد، قال عقبة: والتصفيح: التصفيق، وكذا قال أبو علي البغدادي، والخطابي، والجوهري، وقال ابن حزم: لا خلاف في أن التصفيح والتصفيق بمعنى واحد، وهو الضرب بإحدى صفحتي الكف على الأخرى.
قال العراقي: وما ادعاه من نفي الخلاف ليس بجيد، بل فيه قولان آخران أنهما مختلفًا المعنى:
أحدهما: أن التصفيح: الضرب بظهر إحداهما على الأخرى، والتصفيق: الضرب