HadithLab
RU
سنن النسائي

رقم الحديث ١٢٢٤

أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : «صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ ﷺ إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ - قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَلَكِنِّي نَسِيتُ - قَالَ: فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَانْطَلَقَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ بِيَدِهِ عَلَيْهَا، كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَخَرَجَتِ السَّرَعَانُ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالُوا: قَصُرَتِ الصَّلَاةُ، وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄، فَهَابَاهُ أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ، قَالَ: كَانَ يُسَمَّى ذَا الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتِ الصَّلَاةُ؟ قَالَ: لَمْ أَنْسَ، وَلَمْ تَقْصُرِ الصَّلَاةُ، قَالَ: وَقَالَ: أَكَمَا قَالَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَجَاءَ فَصَلَّى الَّذِي كَانَ تَرَكَهُ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ، ثُمَّ كَبَّرَ، ثُمَّ سَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ كَبَّرَ».
  • عبد الفتاح أبو غدة:صحيح
  • الألباني:صحيحصحيح سنن النسائي ج1 ص395
  • زبير علي زئي:صحيح متفق عليه
ج ٣ ص ٢٠

سلسلة الرواة

ورد أيضًا في ٨ مصادر جامع الترمذي, سنن أبي داود, سنن ابن ماجه, سنن الدارمي وغيرها
ذخيرة العقبى في شرح المجتبى · الإتيوبي · ج١٤ ص٢٩٧
رجال هذا الإسناد: خمسة، كلهم تقدموا في السند السابق، إلا: ١ - (الليث) بن سعد الإمام الحافظ الحجة [٧] تقدم ٣١/ ٣٥. ٢ - (يحيى بن سعيد) الأنصاري المدني القاضي، ثقة ثبت [٥] تقدم ٢٢/ ٢٣. والحديث متفق عليه، وقد تقدم تمام البحث فيه في الذي قبله. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. «إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب». … ٢٢ - (مَا يَفْعَلُ مَنْ سَلَّمَ مِنْ رَكعَتَيْنِ نَاسِيًّا، وَتَكَلَّمَ) قال الجامع عفا الله تعالى عنه: سقط من بعض النسخ لفظ «ما يفعل». أي هذا باب ذكر الأحاديث الدّالّة على الفعل الذي يفعله الشخص الذي سلم على رأس الركعتين من الصلاة الرباعية، أو الثلاثية، وتكلم، ناسيًا. فـ«ما» موصولة، ويحتمل أن تكون استفهامية، أي أي شيء يفعل من سلم من ركعتين، وتكلم ناسيًا؟. و«ناسيًا» حال من فاعل سلّم، وحذف نظيره من «تكلم». والله تعالى أعلم بالصواب. ١٢٢٤ - (أَخْبَرَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ -وَهُوَ ابْنُ زُرَيْعٍ- قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ - ﷺ - إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ، قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَلَكِنِّي نَسِيتُ، قَالَ: فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَانْطَلَقَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ بِيَدِهِ عَلَيْهَا، كَأَنَّهُ غَضْبَانُ، وَخَرَجَتِ السَّرَعَانُ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ، فَقَالُوا: قُصِرَتِ الصَّلَاةُ، وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ - ﵄ -، فَهَابَاهُ أَنْ يُكَلِّمَاهُ، وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ، قَالَ: كَانَ يُسَمَّى ذَا الْيَدَيْنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَسِيتَ، أَمْ قُصِرَتِ الصَّلَاةُ؟، قَالَ: «لَمْ أَنْسَ، وَلَمْ تُقْصَرِ الصَّلَاةُ»، قَالَ: وَقَالَ: «أَكَمَا قَالَ ذُو الْيَدَيْنِ؟»، قَالُوا: نَعَمْ، فَجَاءَ، فَصَلَّى الَّذِي كَانَ تَرَكَهُ، ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ كَبَّرَ، فَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، وَكَبَّرَ، ثُمَّ سَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ، أَوْ أَطْوَلَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ كَبَّرَ). رجال هذا الإسناد: خمسة: ١ - (حُمَيد بن مَسْعَدَة) بن المبارك السّاميّ الباهليّ البصريّ، صدوق [١٠] تقدم ٥/ ٥. ٢ - (يزيد بن زُرَيع) أبو مُعاوية البصري، ثقة ثبت [٨] تقدم ٥/ ٥. ٣ - (ابن عون) هو عبد الله بن عون بن أَرْطَبَان، أبو عون البصري، ثقة ثبت فاضل، من أقران أيوب في العلم والعمل والسنّ [٥] تقدم ٢٩/ ٣٣. ٤ - (محمد بن سيرين) أبو بكر بن أبي عَمْرة الأنصاري مولاهم البصري، ثقة ثبت عابد كبير القدر [٣] تقدم ٤٦/ ٥٧. ٥ - (أبو هريرة) - ﵁ - تقدم ١/ ١. والله تعالى أعلم. لطائف هذا الإسناد: منها: أنه من خماسيات المصنف رحمه الله تعالى. ومنها: أن رجاله كلهم ثقات أثبات، غير شيخه، فصدوق. ومنها: أنهم من رجال الجماعة، سوى شيخه، فما أخرج له البخاري. ومنها: أنه مسلسل بالبصريين، غير الصحابي، فمدني. ومنها: أن فيه رواية تابعي، عن تابعي. ومنها: أن صحابيه أكثر الصحابة حديثًا، روى (٥٣٧٤) حديثًا. والله تعالى أعلم. شرح الحديث (قال أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه (صلى بنا النبي - ﷺ -) وفي نسخة «صلى بنا رسول الله - ﷺ -». قال في «الفتح»: ظاهر في أن أبا هريرة - ﵁ - حضر القصة، وحمله الطحاوي على المجاز، فقال: إن المراد به صلى بالمسلمين، وسبب ذلك قول الزهري: إن صاحب القصة استُشْهد ببدر، فإن مقتضاه أن تكون القضة وقعت قبل بدر، وهي قبل إسلام أبي هريرة بأكثر من خمس سنين لكن اتفق أئمة الحديث -كما نقله ابن عبد البرّ وغيره- على أن الزهري وَهمَ في ذلك، وسببه أنه جعل القصّة لذي الشمالين، وذو الشمالين هو الذي قتل ببدر، وهو خزاعي، واسمه عُمَير بن عبد عمرو بن نَضْلَة، وأما ذو اليدين، فتأخر بعد النبي - ﷺ - بمدّة، لأنه حدّث بهذا الحديث بعد النبي - ﷺ -، كما أخرجه الطبراني وغيره، وهو سُلَميّ، واسمه الخرْبَاق، على ما سيأتي البحث فيه. وقد وقع عند مسلم من طريق أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ -: «فقام رجل من بني سُلَيم»، فلما وقع عند الزهري بلفظ «فقام ذو الشمالين»، وهو يَعرف أنه قتل ببدر، قال لأجل ذلك: إن القصّة وقعت قبل بدر. وقد جوّز بعض الأئمة أن تكون القصّة وقعت لكلّ من ذي الشمالين، وذي اليدين، وأن أبا هريرة روى الحديثين، فأرسل إحداهما، وهي قصّة ذي الشمالين، وشَاهَدَ الأُخرى، وهي قصّة ذي اليدين. وهذا مُحتمل من طريق الجمع. وقيل: يُحمَل على أن ذا الشمالين كان يقال له أيضا: ذو اليدين، وبالعكس، فكان ذلك سببًا للاشتباه. ويدفع المجاز الذي ارتكبه الطحاويّ ما رواه مسلم، وأحمد، وغيرهما من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة في هذا الحديث عن أبي هريرة بلفظ «بينما أنا أصلي مع رسول الله - ﷺ -». وقد اتفق معظم أهل الحديث من المصنفين وغيرهم على أن ذا الشمالين غير ذي اليدين، ونصّ على ذلك الشافعي -﵀- في «اختلاف الحديث» . (إحدى صلاتي العشي) «العشي» -بفتح العين المهملة، وكسر السين، وتشديد الياء، أصله من العشاء، وهي الظلمة، واختلف في تحديد وقت العشي، فالذي اختاره الأزهري أنه من زوال الشمس إلى غروبها، وقيل: من صلاة المغرب إلى العَتَمَة، وقال ابن الأثير: ما بعد الزوال إلى المغرب عشي، وقيل: العشي من زوال الشمس إلى الصباح. واختار الحافظ العلائي هذا القول، قال: وبه يحصل الجمع بين الأقوال كلها . (قال) ابن سيرين (قال أبو هريرة) - ﵁ - (ولكني نسيت) أي تعيين تلك الصلاة، وهذا ظاهر في أن الشكّ من أبي هريرة - ﵁ -، لكن وقع عند البخاري بلفظ: «إحدى صلاتي العشي»، قال ابن سيرين: سماها أبو هريرة، ولكن نسيت أنا، فهذا صريح في أن الناسي هو ابن سيرين. وفي الرواية الآتية ١٢٢٦ - من رواية أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، عن أبي هريرة «صلاة العصر»، من غير شك، وفي رواية أبي سلمة -١٢٢٧ - عنه «صلاة العصر» من غير شك أيضا، وفي رواية للبخاري: «الظهر، أو العصر» بالشك، وفي رواية له قال محمد: «وأكثر ظني أنها العصر». ولمسلم «إحدى صلاتي العشي، إما الظهر، وإما العصر». قال الحافظ رحمه الله تعالى: والظاهر أن الاختلاف فيه من الرواة، وأبعدَ من قال: يُحمل على أن القصة وقعت مرتين، بل الظاهر أن أبا هريرة رواه كثيرًا على الشك، وكان ربما غلب على ظنه أنها الظهر، فجزم بها، وتارة غلب على ظنه أنها العصر، فجزم بها، وطرأ الشك في تعيينها أيضا على ابن سيرين، وكان السبب في ذلك الاهتمام بما في القصّهَ من الأحكام الشرعية، ولم تختلف الرواة فىِ حديث عمران في قصة الخرباق أنها العصر، فإن قلنا: إنهما قصة واحدة، فيترجح رواية مَنْ عَيّنَ العصرَ في حديث أبي هريرة - ﵁ -. انتهى . (قال) أبو هريرة - ﵁ - (فصلى بنا ركعتين، ثم سلم، فانطلق) أي ذهب (إلى خشبة معروضة في المسجد) أي موضوعة بالعَرْض، وفي رواية للبخاري: «ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد»، ولمسلم من طريق ابن عيينة، عن أيوب «ثم أتى جذعًا في قبلة المسجد، فاستند إليها مغضبًا». قال الحافظ رحمه الله تعالى: ولا تنافي بين هذه الروايات، لأنها تحمل على أن الجذع قبل اتخاذ المنبر كان ممتدّا بالعرض، وكأنه الجذع الذي كان - ﷺ - يستند إليه قبل اتخاذ المنبر، وبذلك جزم بعض الشرّاح. انتهى. (فقال بيده عليها) أي اتكأ بيده على تلك الخشبة، وفيه إطلاق القول على الفعل، لأن مادة القول تستعملها العرب لعدة معان، قال ابن الأنباري -﵀-: «قال» تجيء بمعنى «تكلم»، و«ضرب»، و«غلب»، و«مات»، و«مال»، و«استراح»، و«أقبل»، ويعبّر بها عن التهيؤ للأفعال، والاستعداد لها، يقال: قال، فأكل، وقال، فضرب، وقال، فتكلم، ونحوه. ذكره المجد اللغوي -﵀- في «ق». ونظمت ذلك بقولي: تجَيءُ «قَالَ» لِمَعَانٍ تُجتَلَى … تَكَلَّمَ اسْتَرَاحَ مَاتَ أَقْبَلَا وَمَالَ مَعْ ضَرَبَ ثُمَّ غَلَبَا … وَلِلتَّهَيُّؤ لِفِعْلٍ يُجْتَبَى فَجُمْلَةُ الْمَعَانِ قُلْ ثَمَانِيَهْ … فَاحْفَظْ فَإِنَّها مَعَانٍ سَامِيَهْ (كأنه غضبان) أي كأن النبي - ﷺ - في تلك الحالة مشابه لحالة من غضب بسبب شىء رآه، أو سمعه. قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: والظاهر أن النبي - ﷺ - كان في حال الصلاة مشغول البال بأمر أوجب له ذلك الغضب، وهو الذي حمله على أن صلى ركعتين، وسلم، ولم يشعر بذلك. انتهى . (وخرجت السَّرَعَانُ) هم أوائل الناس خروجا من المسجد، وهم أصحاب الحاجات غالبا. وقال ابن الأثير: هم أوائل الناس الذين يتسارعون إلى الشيء، ويُقبلون عليه بسرعة. وقال الحافظ ابن رجب: وسرعان الناس: هم الذين أسرعوا الخروج من المسجد، فظنوا أن الصلاة قصرت، فتحدثوا بذلك، وهذا يدلّ على أنه لم يخف ذلك على عامّة من كان في المسجد أو كلّهم. انتهى . قال القاضي عياض: رويناه بفتح السين والراء عن مُتقني شيوخنا، وهو قول الكسائي، وغيرُهُ يسكن الراء. وقال الخطابي: ويقال لهم: سرعان -بكسر السين، وسكون الراء- وهو جمع سريع، كقولهم: رَعيل ورعلان . وقال عياض: ورويناه في البخاري من طريق الأصيلي بضم السين، وإسكان الراء، وكذا وجدته بخطه في أصله. ووجهه أنه جمع سريع، كقفيز وقُفْزان، وكَثيب وكُثبان. قال الحافظ العلائي: الذي قاله جمهور أهل اللغة هو القول الأول، بفتح السين والراء معًا. لكن فرق أبو العباس المبرّد، فقال: إذا كان السَّرَعان من الناس قيل: بفتح الراء وسكونها، وإن كان من غيرهم فالفتح أفصح، ويجوز الإسكان . (فقالوا: أقصرت الصلاة؟) بهمزة الاستفهام، وفي نسخة «قصرت الصلاة؟» بدون الهمزة، فتكون مقدّرة. وفيه دليل على ورعهم، إذ لم يجزموا بوقوع شيء بغير علم، وهابوا النبي - ﷺ - أن يسألوه، وإنما استفهموا، لأن الزمان زمان النسخ. و«قصرت» -بضم القاف، وكسر المهملة- على البناء للمفعول، أي إن الله قَصَرَها، و-بفتح، ثم ضم- على البناء للفاعل، أي صارت قصيرة. قال النووي -﵀-: هذا أكثر وأرجح. انتهى . وقال الحافظ العلائي: وقوله: «أقصرت الصلاة» فيه روايتان، إحداهما بضم القاف، وكسر الصاد على البناء لما لم يسم فاعله. والثانية: بفتح القاف، وضم الصاد، والفعل لازم ومتعدّ، فاللازم مضموم الصاد التي هي عين الكلمة، لأنه من الأمور الخَلْقيّة، كحَسُنَ وقَبُحَ، والمتعدي بفتح الصاد، ومنه قَصَرَ الصلاةَ وقَصَّرَها، وأقصرها على السواء. حكاه الأزهري. ولا يقال: إن «قَصَرَ» إذا كان مخففًا لا يتعدّى إلا بحرف الجرّ، كقوله تعالى: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١] لأنا نقول تعديه بنفسه ثابت ومنقول، حكاه أيضا الجوهري وغيره. وأما «من» في الآية فزائدة عند الأخفش، وصفة لمحذوف عند سيبويه، تقديره «شيئًا من الصلاة». انتهى بتصرف. (وفي القوم أبو بكر، وعمر - ﵄ -) أي وكان مع القوم الذين صلَّوّا مع النبي - ﷺ - أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب - ﵄ - (فهاباه أن يكلماه) وفي بعض النسخ «فهابا» بإسقاط الضمير المنصوب. و«الهيبة»: إجلالٌ ومخافةٌ ناشئة عن إعظام. والمعنى أنهما غلب عليهما احترامه، وتعظيمه عن الاعتراض عليه، وأما ذو اليدين، فغلب عليه حرصه على تعلم العلم. وقال الحافظ ابن رجب -﵀-: وأما هيبة أبي بكر وعمر أن يكلماه مع قربهما منه، واختصاصهما به فلشدّة معرفتهما بعظمته وحقوقه، وقوةُ المعرفة توجب الهيبة، كما أن أشد الناس معرفة بالله أشدهم له خشيةً وهيبةً وإجلالًا، كما كان النبي - ﷺ - كذلك. انتهى. وقال الحافظ العلائي -﵀-: معنى الحديث: أن أبا بكر وعمر - ﵄ - لما غَلَبَ عليهما من احترام النبي - ﷺ -، وتعظيمه، وإكبار مقامه الشريف امتنعا من تكليمه. هذا مع ما روَى الترمذي في «جامعه» بسند جيّد عن أنس - ﵁ -، قال: كان النبي - ﷺ - يخرج على أصحابه، فلا ينظر إليه أحد سوى أبي بكر وعمر - ﵄ -، فإنهما كانا ينظران إليه، وينظر إليهما، ويبتسمان إليه، ويبتسم إليهما. ففي هذا المقام غلبت عليهما الهيبة له - ﷺ - مع علمهما بأنه سيتبين أمرُ مَا وقع. وأما إقدام ذي اليدين على السؤال والفحص ابتداءً، فهو لشدة حرصه على تعلم العلم، واعتنائه بأمر الصلاة. انتهى . وقوله: «أن يكلماه» في موضع نصب بدل من الهاء في «هاباه»، بدل ظاهر من مضمر، وهو بدل اشتمال، والتقدير «فهاباه تكليمه»، والمعنى «هابا تكليمه»، لأن البدل هو المقصود بالنسبة. أفاده العلائي رحمه الله تعالى. (وفي القول رجل) مبتدأ وخبر (في يديه طول) مبتدأ وخبر أيضًا، والجملة في محلّ رفع صفة «رجل»، أو في محلّ نصب حال منه، وإن كان نكرة، لتقدم الخبر، الجارّ والمجرور عليه. والمعنى: أنه كان مع القوم رجل موصوف بطول اليدين. وهو محمول على الحقيقة، ويحتمل أن يكون كناية عن طولهما بالعمل، أو بالبذل. قاله القرطبي. وجزم ابن قتيبة بأنه كان يعمل بيديه جميعًا. وحكي عن بعض شُرّاح «التنبيه» أنه قال: كان قصير اليدين، فكأنه ظن أنه حميد الطويل، فهو الذي فيه الخلاف. والصواب التفرقة بين ذي اليدين وذي الشمالين، وذهب الأكثر إلى أن اسم ذي اليدين الخرباق -بكسر المعجمة، وسكون الراء، بعدها موحّدة، وآخره قاف- اعتمادًا على ما وقع في حديث عمران بن حصين - ﵄ - عند مسلم، ولفظه «فقام رجل، يقال له: الخرباق، وكان فى يده طول»، وهذا صنيع من يُوَحِّدُ حديثَ أبي هريرة بحديث عمران، قال الحافظ: وهو الراجح في نظري، وإن كان ابن خزيمة، ومن تبعه جَنَحُوا إلى التعدد، والحامل لهم على ذلك الاختلاف الواقع في السياقين، ففي حديث أبي هريرة أن السلام وقع من اثنتين، وأنه - ﷺ - قام إلى خشبة في المسجد، وفي حديث عمران أنه سلم من ثلاث ركعات، وأنه دخل منزله لمّا فرغ من الصلاة. فأما الأول: فقد حكى العلائي أن بعض شيوخه حمله على أن المراد به أنه سلّم في ابتداء الركعة الثالثة، واستبعده. ولكن طريق الجمع يُكتفى فيها بأدنى مناسبة، وليس بأبعد من دعوى تعدد القصّة، فإنه يلزم منه كون ذي اليدين في كلّ مرّة استفهم النبي - ﷺ - عن ذلك، واستفهم النبي - ﷺ - الصحابةَ عن صحّة قوله. وأما الثاني: فلعلّ الراوي لمّا رآه تقدم من مكانه إلى جهة الخشبة ظن أنه دخل منزله، لكون الخشبة كانت في جهة منزله، فإن كان كذلك، وإلا فرواية أبي هريرة أرجح لموافقة ابن عمر له على سياقه، كما أخرجه الشافعي، وأبو داود، وابن ماجه، وأبن خزيمة، ولموافقة ذي اليدين نفسه له على سياقه، كما أخرجه أبو بكر الأثرم، وعبد الله بن أحمد في زيادات «المسند»، وأبو بكر بن أبي خيثمة، وغيرهم. وقد ورد ما يدلّ على أن محمد بن سيرين راوي الحديث عن أبي هريرة كان يرى التوحيد بينهما، وذلك أنه قال في آخر حديث أبي هريرة: «نُبِّئت أن عمران بن حُصَين قال: ثم سلّم». انتهى كلام الحافظ رحمه الله تعالى ببعض تصرف . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي رجحه الحافظ رحمه الله تعالى من دعوى الاتحاد بين حديث أبي هريرة، وحديث عمران بن حُصين - ﵃ - فيه نظر، والذي ذكره في وجه الجمع ظاهر التكلف، فالذي يظهر أن ما رجحه ابن خزيمة، ومن تبعه هو الصواب، إذ لا تكلف فيه. فتأمل. وسيأتي تمام الكلام عند ذكر كلام الحافظ العلائي رحمه الله تعالى في المسائل. إن شاء الله تعالى. (قال) أبو هريرة رضي الله تعالى عنه (كان يسمّى ذا اليدين) فيه دليل على أنه يجوز دعاء الإنسان بغير اسمه، ولا سيما إذا كان ليس من الألقاب المكروهة، وربما كان يُدعى بذلك من باب الفكاهة والمزاح، كما قال النبيﷺ - لرجل: «يا ذا الأذنين» قاله الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى. (فقال: يا رسول الله أنسيت، أم قصرت الصلاة؟) استفهام عن سبب تسليمه على رأس الركعتين. (قال) - ﷺ - (لم أنس، ولم تقصر الصلاة) قال في «الفتح» : كذا في أكثر الطرق، وهو صريح في نفي النسيان، ونفي القصر، وفيه تفسير للمراد بقوله في رواية أبي سفيان، عن أبي هريرة: «كل ذلك لم يكن»، وتأييد لما قاله أصحاب المعاني: إن لفظة «كلّ» إذا تقدمت، وعقبها النفي كان نفيًا لكلّ فرد، لا للمجموع، بخلاف ما إذا تأخرت، كأن يقول: لم يكن كلّ ذلك، ولهذا أجاب ذو اليدين في رواية أبي سفيان بقوله: «قد كان بعض ذلك»، وأجابه في رواية بقوله: «بلى قد نسيتَ»، لأنه لمّا نفى الأمرين، وكان مقرّرًا عند الصحابة أن السهو غير جائز عليه في الأمور البلاغية جزم بوقوع النسيان، لا القصر. وهو حجة لمن قال: إن السهو جائز على الأنبياء فيما طريقه التشريع، وإن كان عياض نقل الإجماع على عدم جواز دخول السهو في الأقوال التبليغية، وخص الخلاف بالأفعال، لكنهم تعقبوه. نعم اتفق من جوز ذلك على أنه لا يُقَرُّ عليه، بل يقع له بيان ذلك، إما متصلًا بالفعل، أو بعده، كما وقع في هذا الحديث من قوله: «لم أنسَ، ولم تُقصَر»، ثم تبيّن أنه نسي. ومعنى قوله: لم أنس، أي في اعتقادي، لا في نفس الأمر. ويستفاد منه أن الاعتقاد عند فقد اليقين يقوم مقام اليقين. وفائدة جواز السهو في مثل هذا بيانُ الحكم الشرعي، إذا وقع مثله لغيره. وأمّا من منع السهو مطلقًا، فأجابوا عن هذا الحديث بأجوبة: فقيل: قوله: «لم أنس» نفي للنسيان، ولا يلزم منه نفي السهو، وهذا قول من فرق بينهما، وهو مردود، ويكفي في ردّه قوله في الحديث: «بلى قد نسيتَ»، وأقرّه على ذلك. وقيل: قوله. «لم أنسَ» على ظاهره، وحقيقته، وكان يتعمّد ما يقع منه من ذلك ليقع التشريع منه بالفعل، لكونه أبلغ من القول، وتُعُقّب بحديث ابن مسعود - ﵁ - الآتي عند النسائي -٢٦/ ١٢٥٦ - ففيه: «إنما أنا بشر أنسى كما تنسون»، فأثبت العلة قبل الحكم، وقيد الحكم بقوله: «إنما أنا بشر»، ولم يكتف بإثبات وصف النسيان حتى دفع قول من عساه يقول: ليس نسيانه كنسياننا، فقال: «كما تنسون». وبهذا الحديث يردّ أيضًا قول من قال: معنى قوله: «لم أنسَ» إنكارٌ للّفظ الذي نفاه عن نفسه، حيث قال: «إني لا أنسى، ولكن أُنَسَّى»، وإنكارٌ للّفظ الذي أنكره على غيره، حيث قال: «بئسما لأحدكم أن يقول: نسيت آية كذا وكذا». وقد تعقبوا هذا أيضا بأن حديث «إني لا أنسى»، لا أصل له، فإنه من بلاغات مالك التي لم توجد موصولة بعد البحث الشديد، وأما الآخر فلا يلزم من ذمّ إضافة نسيان الآية ذمّ إضافة نسيان كلّ شيء، فإن الفرق بينهما واضح جدّا. وقيل: إن قوله: «لم أنسَ» راجع إلى السلام، أي سلّمت قصدًا بانيًا على ما في اعتقادي أني صليت أربعًا، وهذا جيّد، وكأن ذا اليدين فهم العموم، فقال: «بلى قد نسيت»، وكأن هذا القول أوقع شكّا احتاج معه إلى استثبات الحاضرين. وبهذا التقرير يندفع إيراد من استشكل كون ذي اليدين عدلًا، ولم يُقبَل خبره بمفرده، فسبب التوقف فيه كونه أخبر عن أمر يتعلق بفعل المسؤول، مغاير لما في اعتقاده. وبهذا يجاب من قال: إن من أخبر بأمر حسّي بحضرة جمع، لا يَخفَى عليهم، ولا يجوز عليهم التواطؤ، ولا حاملَ لهم على السكوت عنه، ثم لم يُكَذِّبُوه أنه لا يقطع بصدقه، فإن سبب عدم القطع كون خبره معارَضًا باعتقاد المسؤول خلاف ما أخبر به. (قال) أي أبو هريرة - ﵁ - (وقال) أي النبي - ﷺ - (أكما قال ذو اليدين) الهمزة للاستفهام، أي هل الأمر كما قال ذو اليدين من وقوع الخلل في هذه الصلاة؟. (قالوا: نعم) وفي رواية أبي داود: فقال: «أصدق ذو اليدين؟»، فأو مأوا، أي نعم. وفي رواية لمسلم: نظر - ﷺ - يمينا وشمالا، فقال: «ما يقول ذو اليدين؟»، قالوا: صدق، لم تصل إلا ركعتين. قيل: ولا منافاة بين هذه الروايات، لإمكان الجمع بينها بأن بعض الرواة جمع بين الإشارة والكلام، وبعضهم أشار، وبعضهم تكلم. (فجاء) - ﷺ - من عند الخشبة المعترضة إلى مصلاه (فصلى الذي كان تركه) وفي رواية أبي داود: «فرجع رسول الله - ﷺ - إلى مقامه، فصلى الركعتين الباقيتين». (ثم سلم) قال الحافظ العلائي -﵀-: جميع رواياته وطرقه لم يختلف فيه شيء منها أن السجود بعد السلام. كذا في شرح ابن رسلان لسنن أبي داود، وهذا يهدم قاعدة المالكية، ومن وافقهم أنه إذا كان السهو بالنقصان يسجد قبل السلام. (ثم كبر) أي بعد السلام للسجود. قال في «الفتح»: اختلف في سجود السهو بعد السلام، هل يشترط له تكبيرة الإحرام، أو يُكتفَى بتكبيرة السجود؟ فالجمهور على الاكتفاء، وهو ظاهر غالب الأحاديث. وحكى القرطبي أن قول مالك لم يختلف في وجوب السلام بعد سجدتي السهو، قال: وما يتحلل منه بسلام، لابدّ له من تكبيرة إحرام، ويؤيده ما رواه أبو داود من طريق حماد بن زيد، عن هشام بن حسّان، عن ابن سيرين في هذا الحديث، قال: «فكبر، ثم كبر، وسجد للسهو». قال أبو داود: لم يقل أحد: «فكبر، ثم كبر» إلا حماد ابن زيد، فأشار إلى شذوذ هذه الزيادة. وقال القرطبي أيضًا: قوله -يعني في رواية مالك-: «فصلى ركعتين، ثم سلم، ثم كبر، ثم سجد» يدلّ على التكبيرة للإحرام، لأنه أتى بـ«ثمّ» التي تقتضي التراخي، فلو كان التكبير للسجود لكان معه. وتعقّب بأن ذلك من تصرّف الرواة، فقد رواه ابن عون، عن ابن سيرين بلفظ: «فصلى ما ترك، ثم سلم، ثم كبر، وسجد»، فأتى بواو المصاحبة التي تقتضي المعية. والله أعلم. انتهى . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الراجح عندي قول الجمهور، وهو أنه لا يحتاج لتكبيرة الإحرام، بل التكبير للسجود فقط، لظاهر هذه الأحاديث الصحيحة. والله تعالى أعلم. (فسجد) أي للسهو (مثل سجوده) الذي يسجله للصلاة (أو أطول) منه (ثم رفع رأسه، وكبر) أي للرفع من السجود (ثم كبر) أي للسجود الثاني (ثم سجد) ثانيًا (مثل سجوده) الأول، أو مثل سجوده للصلاة، والأول أقرب لفظا، والثاني معنى (أو أطول) منه (ثم رفع رأسه) أي من السجدة الثانية (ثم كبر) «ثم» بمعنى الواو، وفي «الكبرى» «فكبر» بالفاء، وفي رواية البخاري: «وكبر» بالواو. وفي رواية الشيخين: فربما سألوه -أي ابن سيرين- «ثم سلّم»؟ قال: نُبِّئت عن عمران بن حصين أنه قال: «وسلّم». وأخرج البخاري عن سلمة بن علقمة، قال: قلت لمحمد -يعني ابن سيرين-: في سجدتي السهو تشهد؟ قال: ليس في حديث أبي هريرة. قال في «الفتح»: وقد يفهم من قوله: ليس في حديث أبي هريرة أنه ورد في حديث غيره، وهو كذلك، فقد رواه أبو داود، والترمذي، وابن حبان، والحاكم من طريق أشعث بن عبد الملك، عن محمد بن سيرين، عن خالد الحذّاء، عن أبي قلابة، عن أبي المهلّب، عن عمران بن حُصين، «أن النبي - ﷺ - صلى بهم، فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم». قال الترمذي: حسن غريب، وصححه الحاكم على شرط الشيخين، وضعفه البيهقي، وابن عبد البرّ، وغيرهما، وسيأتي تمام الكلام عليه في كلام الحافظ العلائي، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب، وهو المستعان، وعليه التكلان. مسائل تتعلق بهذا الحديث: المسألة الأولى: في درجته: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه هذا متفق عليه. المسألة الثانية: في بيان مواضع ذكر المصنف له: أخرجه هنا -٢٢/ ١٢٢٤ - وفي «الكبرى» -١١٤٧ - عن حُمَيد بن مسعدة، عن يزيد بن زيع، عن عبد الله بن عون، عن محمد بن سيرين، عنه. وفي -١٢٢٥ - و«الكبرى» -١١٤٨ - عن محمد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن مالك، عن أيوب، عن ابن سيرين به، عنه. وفي -١٢٢٦ - «الكبرى» -١١٤٩ - عن قتيبة، عن مالك، عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان مولى بن أبي أحمد، عنه. وفي -١٢٢٧ - و«الكبرى» -٥٦٠ و١١٥٠ - عن سليمان بن عبيد الله، عن بهز بن أسد، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عنه. زاد في «الكبرى»: «قال أبو عبد الرحمن: لا أعلم أحدًا ذكر عن أبي سلمة في هذا. الحديث»ثم سجد سجدتين«غير سعد. وفي -١٢٢٨ - و«الكبرى»-٥٦١ و١١٥١ - عن عيسى بن حماد، عن الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة، عنه. وفي -١٢٢٩ - و«الكبرى»-٥٦٤ و١١٥٢ - عن هارون بن موسى الفَرَوي، عن أبي ضمرة أنس بن عياض، عن يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عنه. وفي -١٢٣٠ - و«الكبرى»-٥٦٥ و١١٥٣ - عن محمد بن رافع، عن عبد الرزّاق، عن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، وأبي بكر بن سليمان، بن أبي حثمة، كلاهما عنه. وفي -١٢٣١ - و«الكبرى»-٥٦٦ و١١٥٤ - عن أبي داود الحرّاني، عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح بن كيسان، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حَثْمة، أنه بلغه، فذكره مرسلًا. وفي ٢٣/ ١٢٣٢ - و«الكبرى»-٥٦٨ و١١٥٥ - عن محمد بن عبد الله ابن عبد الحكم، عن شعيب بن الليث، عن الليث بن سعد، عن عُقيل، عن ابن شهاب، عن سعيد، وأبي سلمة، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وأبي بكر بن أبي حثمة، كلهم عنه. وفي -١٢٣٣ - و«الكبرى»-٥٧١ و١١٥٦ - عن عمرو بن سَوَّاد، عن عبد الله بن وهب، عن الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن جعفر بن ربيعة، عن عراك بن مالك، عنه. وفي -١٢٣٤ - و«الكبرى»-٥٧٢ و١١٥٧ - عن عمرو بن سوّاد، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن قتادة، عن محمد بن سيرين، عنه. وفي -١٢٣٥ - و«الكبرى»-١١٥٨ - عن عمرو بن عثمان بن سعيد، عن بقية بن الوليد، عن شعبة، عن ابن عون، وخالد الحذّاء، كلاهما عن ابن سيرين عنه. وفي«الكبرى»١١٤/ ٥٦٢ - عن إبراهيم بن يعقوب، عن الحسن بن موسى، عن شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عنه. وفي -٥٦٣ - من«الكبرى»عن أحمد بن سعيد، عن حَبَّان بن هلال، عن أبان بن يزيد العطار، عن يحيى بن أبي كثير به. وفي -٧٦/ ١٣٣٠ - و«الكبرى» -٥٦٩ - عن سُويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن عكرمة بن عَمّار، عن ضَمْضَم بن جَوْس، عنه. والله تعالى أعلم. المسألة الثالثة: فيمن أخرجه معه: أخرجه (خ) ١/ ١٨٣ عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك به. و١/ ١٢٩ - عن إسحاق، عن النضر بن شُميل، عن ابن عون به. و٢/ ٨٦ - عن إسماعيل، عن مالك به. و٨/ ٢٠ - عن حفص بن عمر، عن يزيد بن إبراهيم، عن ابن سيرين به. و٢/ ٨٦ - عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن سلمة بن علقمة، قال: قلت لمحمد: في سجدتي السهو تشهد؟ قال: ليس في حديث أبي هريرة. و١/ ١٨٣ - عن أبي الوليد، عن شعبة، عن سعد بن إبراهيم، به. و٢/ ٨٥ - عن آدم، عن شعبة به. (م) ٢/ ٨٦ - عن عمرو الناقد، وزهير بن حرب، جميعا عن ابن عيينة- (ح) وعن أبي الرَّبيع الزَّهْراني، عن حماد بن زيد - كلاهما عن أيوب به. و-٢/ ٨٧ - عن قتيبة، عن مالك يه. وعن حجاج بن الشاعر، عن هارون بن إسماعيل الخزّاز، عن علي بن المبارك- (ح) وعن إسحاق بن منصور، عن عُبيد الله بن موسى، عن شيبان - كلاهما عن يحيى بن أبي كثير به. (د) رقم ١٠٠٨ - عن محمد بن عُبيد، عن حماد بن زيد -١٠٠٩ - عن عبد الله بن مسلمة، عن مالك - كلاهما عن أيوب به. و١٠١٠ - عن مسدد، عن بشر بن المفضل، عن سلمة بن علقمة به. و-١٠١١ - عن علي بن نصر، عن سليمان بن حرب، عن حماد ابن زيد، عن أيوب، وهشام، ويحيى بن عتيق، وابن عون، كلهم عن ابن سيرين به. و-١٠١٢ - عن محمد بن يحيى بن فارس، عن محمد ابن كثير، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن ابن المسيب، وأبي سلمة، وعبيد الله بن عبد الله، كلهم عنه. و-١٠١٣ - عن حجاج بن أبي يعقوب، عن يعقوب بن إبراهيم به. و-١٠١٤ - عن ابن معاذ، عن أبيه، عن شعبة به. و-١٠١٥ - عن إسماعيل بن أسد، عن شبابة، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري به. و-١٠١٦ - عن هارون بن عبد الله، عن هاشم بن القاسم، عن عكرمة بن عمّار به. (ت) رقم -٣٩٩ - عن إسحاق بن موسى الأنصاري، عن معن بن عيسى، عن مالك به. (ق) رقم -١٢١٤ - عن علي بن محمد، عن أبي أسامة، عن ابن عون به. وأخرجه مالك في «الموطإ» ص ٧٩ و٨٠ (والحميدي) رقم ٩٨٣ و٩٨٤ (وأحمد) ٢/ ٢٤٧ و٢/ ٢٨٤ و٢/ ٢٣٤ و٢/ ٤٤٧ و٢/ ٤٥٩ و٢/ ٥٣٢ و٢/ ٣٨٦ و٢/ ٤٢٣ و٢/ ٢٧١ و٢/ ٤٦٨ و٢/ ٤٢٣ (والدارمي) رقم ١٥٠٤ و١٥٠٥ (وابن خزيمة) رقم ٨٦٠ و١٠٣٥ و١٠٣٦ و١٠٣٨ و١٠٤٢ و١٠٤٣ و١٠٥١ و١٠٤٦ و١٠٤٠ و١٠٤٤ و١٠٤٥ و١٠٤٧ و١٠٤٨ و١٠٤٩ و١٠٤١. والله تعالى أعلم. المسألة الرابعة: في ذكر فوائد الحديث، وإن كان تقدم ذكر بعضها، إلا أن ذكرها مجموعة في موضع واحد أنفع: منها: ما ترجم له المصنف، وهو بيان الفعل الذي يفعله من سلّم من الركعتين، وتكلم ناسيًا، وذلك أن يكمل ما بقي من صلاته، ثم يسجد سجدتين لسهوه. ومنها: أن الثقة إذا انفرد بزيادة خبر، وكان المجلس متحدًا، ومنعت العادة غفلتهم عن ذلك أن لا يقبل خبره، لأن النبي - ﷺ - لم يقبل خبر ذي اليدين، بل سأل الصحابة، «أصدق ذو اليدين؟»، فلما وافقوه رجع إلى قولهم. ومنها: العمل بالاستصحاب، لأن ذا اليدين استصحب حكم الإتمام، فسأل، مع كون أفعال النبي - ﷺ - للتشريع، والأصل عدم السهو، والوقتُ قابل للنسخ، وبقية الصحابة ترددوا بين الاستصحاب، وتجويز النسخ، فسكتوا، والسرعان هم الذين بنوا على النسخ، فجزموا بأن الصلاة قصرت، فيؤخذ منه جواز الاجتهاد في الأحكام. ومنها: جواز البناء على الصلاة لمن أتى بالمنافي سهوًا، قال سحنون: إنما يبني من سلّمَ من ركعتين، كما في قصة ذي اليدين، لأن ذلك وقع على غير القياس، فيُقتصر به على مورد النصّ، وأُلزمَ بقصر ذلك على إحدى صلاتي العشيّ، فيمنعه مثلًا في الصبح. والذين قالوا: يجوز البناء مطلقًا قيدوه بما إذا لم يطل الفصل، واختلفوا في قدر الطول، فحدّه الشافعي -﵀- في «الأمّ» بالعرف، وفي «البويطي» بقدر ركعة، وعن أبي هريرة - ﵁ - قدر الصلاة التي يقع السهو فيها. ومنها: أن الباني لا يحتاج إلى تكبيرة الإحرام، وأن السلام، ونيةَ الخروج من الصلاة سهوًا لا يقطع الصلاة. ومنها: أن سجود السهو يكون بعد السلام، وسيأتي تمام البحث فيه، إن شاء الله تعالى. ومنها: أن سجود السهو سجدتان كسجدتي الصلاة، وبينهما جلسة فاصلة، وهذا أمر مجمع عليه. ومنها: أن سجود السهو لا يكون إلا في آخر الصلاة، لأنه - ﷺ - لم يسجد إلا في آخرها. وقد قيل: الحكمة في ذلك أنه شُرع جابرًا لما يقع في الصلاة من الخلل، إما بزيادة أو نقص، فاقتضت الحكمة كونَه آخرًا ليجبر جميع ما تقدمه من الخلل، إذ لو فُعل في الوسط ربما تجدد بعده سهو آخر، فيستدعي تكرار سجود السهو، ولم يُشرع إلا سجدتان، ولو تعدد السهو. والله تعالى أعلم. ومنها: مشروعية التكبير لسجود السهو في الهُويّ والرفع منه، كما في سجود الصلاة. ومنها: مشروعية الجهر بتكبير سجود السهو، ليعلم المأمومون بانتقالات الإمام، فيأتموا به. ومنها: أن الكلام سهوًا لا يبطل الصلاة، خلافًا للحنفية. قال الحافظ رحمه الله تعالى : وأما قول بعضهم: إن قصة ذي اليدين كانت قبل نسخ الكلام في الصلاة، فضعيف؛ لأنه اعتمد على قول الزهري: إنها كانت قبل بدر، وقد قدمنا أنه إما من وهم الزهري في ذلك، أو تعددت القصة لذي الشمالين المقتول ببدر، ولذي اليدين الذي تأخرت وفاته بعد النبي - ﷺ -، فقد ثبت شهود أبي هريرة - ﵁ - للقصة، كما تقدم، وشهدها عمران بن حُصين، وإسلامه متأخر أيضًا، وروى معاوية بن حُدَيج -بمهملة وجيم مصغرًا- قصة أخرى في السهو، ووقع فيها الكلام، ثم البناء، أخرجها أبو داود، وابن خزيمة، وغيرهما، وكان إسلامه قبل موت النبي - ﷺ - بشهرين. وقال ابن بطال رحمه الله تعالى: يحتمل أن يكون قول زيد بن أرقم - ﵁ -: «ونهينا عن الكلام» أي إلا إذا وقع سهوًا، أو عمدًا لمصلحة الصلاة، فلا يعارض قصة ذي اليدين. انتهى. ومنها: أنه يستدلّ به على أن المقدّر في حديث «رُفعَ عن أمتي الخطأ والنسيان»، أي إثمهما وحكمهما، خلافا لمن قصره على الإثم. ومنها: أنه استَدَلّ به من قال: إن الكلام لمصلحة الصلاة لا يبطلها، وتعقب بأنه - ﷺ - لم يتكلم إلا ناسيًا، وأما قول ذي اليدين له: «بلى قد نسيت»، وقول الصحابة له: «صدق ذو اليدين»، فإنهم تكلموا معتقدين النسخ في وقت يمكن وقوعه فيه، فتكلموا ظنًّا أنهم ليسوا في صلاة، كذا قيل، وهو فاسد، لأنهم كلموه بعد قوله - ﷺ -: «لم تُقصر». وأجيب بأنهم لم ينطقوا، وإنما أومأوا، كما عند أبي داود في رواية، ساق مسلم إسنادها، وهذا اعتمده الخطابي، وقال: حملُ القول على الإشارة مجازًا سائغٌ، بخلاف عكسه، فينبغي رد الروايات التي فيها التصريح بالقول إلى هذه. قال الحافظ: وهو قويّ، وهو أقوى من قول غيره: يُحمَلُ على أن بعضهم قال بالنطق، وبعضهم بالإشارة، لكن يبقى قول ذي اليدين: «بلى قد نسيت»، ويجاب عنه، وعن البقية على تقدير ترجيح أنهم نطقوا بأن كلامهم كان جوابًا للنبي - ﷺ -، وجوابه لا يقطع الصلاة، كما تقدم في حديث أبي سعيد بن المعَلَّى - ﵁ - ٢٦/ ٩١٣. وتعقب بأنه لا يلزم من وجوب الإجابة عدمُ قطع الصلاة. وأجيب بأنه ثبت مخاطبته - ﷺ - في التشهد، وهو حيّ بقولهم: «السلام عليك أيها النبي»، ولم تفسد الصلاة. والظاهر أن ذلك من خصائصه. ويَحتَمل أن يقال: ما دام النبي - ﷺ - يراجع المصلي، فجائز له جوابه حتى تنقضي المراجعة، فلا يختص الجواز بالجواب، لقول ذي اليدين: «بلى قد نسيتَ»، ولم تبطل صلاته. والله تعالى أعلم. ومنها: أن سجود السهو لا يتكرر بتكرر السهو، ولو اختلف الجنس، خلافًا للأوزاعي، ورَوَى ابن أبي شيبة عن النخعي أن لكلّ سهو سجدتين، وَوَرَدَ على وفقه حديثُ ثوبان - ﵁ - عند أحمد، وإسناده منقطع، وحمل على أن معناه أن من سها بأي سهو كان شُرع له السجود، أي لا يختصّ بما سجد فيه الشارع. وروى البيهقي من حديث عائشة - ﵂ -: «سجدتا السهو تُجزئان من كلّ زيادة ونقصان». وفيه أنه انفرد به حكيم بن نافع الرّقّي، وثقه ابن معين، وقال أبو زرعة: ليس بشيء. قال العلائي: هو شاذّ بمرة لتفرد حكيم به من بين أصحاب هشام بن عروة، ولا يُحتمل منه مثل هذا التفرّد. انتهى . ومنها: أنه لا فرق بين الفرض والنفل في سجود السهو، لأن الذي يحتاج إليه الفرض من الجبر يحتاج إليه النفل، وهذا مذهب الجمهور، وذهب ابن سيرين، وقتادة إلى أن التطوع لا يُسجَد للسهو فيه. واختلف القول عن عطاء بن أبي رباح، وقد نقل هذا جماعة من الشافعية قولًا قديمًا للشافعي. ومنها: أن المأموم يلزمه السجود مع الإمام بسهو الإمام، وإن لم يسهُ هو، لأن النبي - ﷺ - سها وسجد، وسجد القوم معه. وهذا مذهب كافة العلماء، إلا ابن سيرين، فقد حُكي عنه أنه قال: لا يسجد معه. وقيل: المنقول عنه أنه إذا أدرك المأموم بعضَ صلاة الإمام، ثم سها الإمام، فسجد للسهو لم يلزم المأموم متابعته، لأنه ليس موضع سجود المأموم . ومنها: أن اليقين لا يُترك إلا باليقين، لأن ذا اليدين كان على يقين أن فرضهم الأربع، فلما اقتصر فيها على اثنتين سأل عن ذلك، ولم ينكر عليه سؤاله. ومنها: أن الظن قد يصير يقينًا بخبر أهل الصدق، وهذا مبني على أنه - ﷺ - رجع لخبر الجماعة. وبه قال مالك، وأحمد، وغيرهما، ومنهم من قيده بما إذا كان الإمام مجوّزًا لوقوع السهو منه، بخلاف ما إذا كان متحققًا لخلاف ذلك، أخذًا من ترك رجوعه - ﷺ - لذي اليدين، ورجوعه للصحابة، ومن حجتهم قوله في حديث ابن مسعود - ﵁ -: «فإذا نسيت فذكّروني». وقال الشافعي -﵀-: معنى قوله: «فذكروني»، أي لأتذكّر، ولا يلزم منه أن يرجع لمجرّد إخبارهم، واحتمال كونه تذكّر عند إخبارهم لا يُدفَعُ. وفرق بعض المالكية والشافعية بين ما إذا كان المخبرون ممن يحصل العلم بخبرهم، فيقبل، ويقدم على ظن الإمام أنه قد كمّل الصلاة، بخلاف غيرهم. قال الجامع عفا الله عنه تعالى: الذي يظهر لي أن الراجح ما ذهب إليه مالك، وأحمد رحمهما الله من رجوع الإمام إلى قول المأمومين مطلقًا، ولو لم يتذكر، لظاهر حديث الباب، وعدم ورود ما يدلّ على اشتراط التذكر، وهو مذهب الإمام البخاري -﵀- في «صحيحه». والله تعالى أعلم. ومنها: أنه استنبط منه بعض العلماء القائلين بالرجوع إلى قول المأمومين اشتراط العدد في مثل هذا، وألحقوه بالشهادة، وفزعوا عليه أن الحاكم إذا نسي حكمه، وشهد به شاهدان أنه يعتمد عليهما. ومنها: أنه استدلّ به الحنفية على أن الهلال لا يُقبَل بشهادة الآحاد، إذا كانت السماء مصحيةً، بل لابدّ فيه من عدد الاستفاضة. وتعقب بأن سبب الاستثبات كونه أخبر عن فعل النبي - ﷺ - بخلاف رؤية الهلال، فإن الأبصار ليست متساوية في رؤيته، بل متفاوتة قطعًا. ومنها: أن من سلّم معتقدًا أنه أتم، ثم طرأ عليه شكّ، هل أتمّ، أو نقص أنه يكتفي باعتقاده الأول، ولا يجب عليه الأخذ باليقين، ووجهه أن ذا اليدين لمّا أخبر أثار خبره شكًا، ومع ذلك لم يرجع النبي - ﷺ - حتى استثبت. ومنها: أن البخاري -﵀- استدل به على جواز تشبيك الأصابع في المسجد، وعلى أن الإمام يرجع لقول المأمومين إذا شك، وعلى جواز التعريف باللقب، وعلى الترجيح بكثرة الرواة. وتعقبه ابن دقيق العيد بأن المقصود كان تقوية الأمر المسؤول عنه، لا ترجيح خبر على خبر. ومنها: قوله: «أكما يقول ذو اليدين» فيه جواز التلقيب بما لا يراد به الشين والعيب. قال الحافظ العلائي رحمه الله تعالى: قال الإمام البخاري -﵀- في «صحيحه»: «باب ما يجوز من ذكر الناس، نحو قولهم: الطويل والقصير، وقال النبي - ﷺ -:»ما يقول ذو اليدين؟ «، وما لا يُراد به شَيْنُ الرجل، ثم ساق حديث ذي اليدين بسنده، مشيرًا به إلى أن مثل هذه الألقاب والصفات التي لا يُراد بها وصف الرجل بما فيه نقص عليه، ولا يتأذّى منه يجوز، وأن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: ١١] عامّ مخصوص بما لا يتأذّى به الملقَّبُ كما في هذا الحديث، وكقوله - ﷺ - لعليّ - ﵁ -:»قم أبا تراب«، ونحو ذلك، أو هو عامّ أريد به الخصوص بدليل قوله تعالى عَقب ذلك: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ الآية [الحجرات: ١١]. ففي الآية إشارة إلى أن المنهيّ عنه التلقيب بالفسق ونحو ذلك، وهكذا قال قتادة وعكرمة في تفسير الآية: هو الرجل يقول للرجل: يا فاسق، يا منافق، يا كافر. وقال الحسن: كان اليهودي والنصراني يسلم، فيُقال له بعد إسلامه: يا يهوديّ، يا نصراني، فنُهُوا عن ذلك. وعن ابن عباس - ﵄ -: التنابز بالألقاب أن يكون الرجل عملَ بالسيّآت، ثم تاب منها، وراجَعَ الحقَّ، فنهى الله تعالى أن يُعير بما سلف من عمله . وكلّ هذه التفاسير راجعة إلى ما دلّت عليه تمام الآية. وروى الإمام الترمذي -﵀- في «جامعه» عن أبي جُبَيرة بن الضحاك الأنصاري - ﵁ -، قال: كان الرجل منا يكون له الاسمان والثلاثة، فيُدعا ببعضها، فعسى أن يكره، فنزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ . والحاصل: أن الألقاب على ثلاثة أقسام: قسم منها لا يُشعر بذمّ ولا نقص، ولا يَكره صاحبه تسميته به، فلا رَيبَ في جوازه، كما في قول النبي - ﷺ -: «أصدق ذو اليدين؟»، فقد تقدم أن هذا الصحابي - ﵁ - كانت يداه طويلتين، وأنه يَحتمل أن يكون ذلك كنايةً عن طولهما بالبذل والعمل، وأيًّا ما كان، فليس ذلك مما يقتضي ذمًا ولا نقصًا. وثانيهما: يُشعر بتنقيص المسمّى به وذمّه، وليس ذلك بوصف خَلْقيّ، فلا ريب في تحريم ذلك، لدلالة الآية الكريمة، ولا يزول التحريم برضى المُسمى به بذلك، كما لا يرتفع تحريم القذف والكذب برضى المقول فيه بذلك، واستدعائه من قائله. وثالثها: ما يشعر بوصف خَلْقي، كالأعمش، والأعرج، والأصم، والأشلّ، والأثرم، وأشباه ذلك، فما غلب منه على صاحبه حتى صار كالعلم له بحيث أنه يَنفكّ عنه قصد التنقص عند الإطلاق غالبًا، فليس بمحرّم، ولعلّ إجماع أهل الحديث قديمًا وحديثًا على استعمال مثل ذلك، ولا يضرّ كون المقول فيه يكرهه، لأن القائل لذلك لم يقصد تنقّصه، وإنما قصد تعريفه، فجاز هذا للحاجة، كما جاز جرح الرواة، وذكر مثالبهم للحاجة إليه، وما كان غير غالب على صاحبه، ولا يُقصد به العلميةُ والتعريفُ له، فلا يسمّى لقبًا، ولكنه إذا علم رضى المقول فيه بذلك، ولم يُقصَد تنقّصه بهذا الوصف لم يحرم، ومتى وُجد أحد هذين كان حرامًا والله تعالى أعلم. انتهى كلام العلائي رحمه الله تعالى . والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة: في بيان ما يتعلق بذي اليدين: لقد أجاد البحثَ في هذا الموصوع الحافظُ أبو سعيد صلاح الدين خليل بن كيكلدي العلائي -٦٦٤ - ٧٦٣ هـ- في مؤلف لا نظير له في بابه، سماه «نظم الفرائد لما تضمنه حديث ذي اليدين من الفوائد»، فأتى فيه بالعجب العُجاب، فلذا أحببت إيراد هذا البحث مما كتبه -﵀-، تتميمًا للفائدة، ونشرا للعائدة. قال رحمه الله تعالى: للناس فيه خلاف في موضعين: أحدهما: في أنه ذو الشمالين، أو غيره. والثاني: في أن ذا اليدين هل هو الخرباق المذكور في حديث عمران بن حصين، أم هما اثنان؟. أما الأول فجمهور العلماء على أن ذا اليدين المذكور في حديث السهو هذا من رواية أبي هريرة - ﵁ - غير ذي الشمالين، وهذا هو الصحيح الراجح إن شاء الله. والحجة لذلك: ما ثبت من طرق كثيرة أن أبا هريرة - ﵁ - كان حاضرًا هذه القصة يومئذ خلف رسول الله - ﷺ -. كذلك رواه حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ - إحدى صلاتي العشيّ. أخرجه مسلم. وكذلك رواه سفيان بن عيينة، عن أيوب. أخرجه ابن الجارود في «المنتقى». وكذلك رواه ابن عون عن محمد بن سيرين بهذا اللفظ. أخرجه النسائي، وابن خزيمة في «صحيحه». وكذلك أيضًا رواه هشام بن حسّان، عن ابن سيرين. رواه الأثرم في «سننه» عن عبد الله بن بكر السهمي عنه. ورواه ابن خزيمة، وأبو داود أيضًا كذلك من حديث سلمة بن علقمة، عن ابن سيرين به. ورواه مالك في «الموطإ» عن داود بن الحُصَين، عن أبى سفيان مولى ابن أبي أحمد، قال: سمعت أبا هريرة، يقول: صلى بنا رسول الله - ﷺ - صلاة العصر، فسلّم في ركعتين، فقام ذو اليدين، فقال: يا رسول الله أقصرت الصلاة، أم نسيت؟. . . وذكر الحديث. وأخرجه من هذا الوجه مسلم، والنسائي بهذا اللفظ. وأخرجه مسلم أيضًا من حديث شيبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: بينا أنا أُصلي مع رسول - ﷺ - صلاة الظهر سلَّم رسول الله - ﷺ - من الركعتين، فقام رجل من بني سُلَيم. . . واقتص الحديث. وأخرجه البخاري في «صحيحه» من حديث شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة«عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ - الظهر، أو العصر، فسلم، فقال ذو اليدين:. . . وذكر الحديث. وروى عكرمة بن عمّار، ويحيى بن أبي كثير، عن ضَمْضَم بن جَوْس، أنه سمع أبا هريرة - ﵁ - يقول: صلّى بنا رسول الله - ﷺ - إحدى صلاتي العشيّ، وذكر الحديث. رواه ابن عبد البرّ في«التمهيد». ثم قال: وكذا رواه العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة - ﵁ -، وابنُ أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة - ﵁ - هذا الحديث: صلى بنا رسول - ﷺ -. قال الحافظ العلائي -﵀-: فهذه طرق صحيحة ثابتة، يفيد مجموعها العلم النظريّ، أن أبا هريرة - ﵁ - كان حاضرًا القصّةَ يومئذ. ولا خلاف أن إسلامه كان سنة سبع، أيام خيبر، ثم لا خلاف بين أهل السير أن ذا الشمالين استُشهدَ يوم بدر سنة اثنتين - ﵁ -. كذلك قاله سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وموسى بن عُقبة، وابن إسحاق، وغيرهم. قال ابن إسحاق: ذو الشمالين هو عُمير بن عبد عمرو بن نَضْلَة بن عمرو بن غَبشان ابن سليم بن مالك بن أفصى بن خزاعة، حليف بني زُهرة. قال أبو بكر الأثرم: سمعت مسدد بن مسرهد يقول: الذي قُتل ببدر هو ذو الشمالين ابن عبد عمرو، حليف لبني زهرة، وذو اليدين رجل من العرب كان يكون بالبادية، فيجيء، فيصلي مع النبي - ﷺ -. قال أبو عمر بن عبد البرّ: قول مسدد هذا هو قول أئمة الحديث والسير، وأهل الحذق والفهم من أهل الحديث والفقه. قال العلائي -﵀-: وثبت أيضا عن أبي هريرة من طرق في الحديث: فقام رجل من بني سُليم، يقال له: ذو اليدين. وذو الشمالين خُزَاعيّ، كما قال ابن إسحاق. وأيضًا فقد جاء ما يدلّ على تأخر وفاة ذي اليدين، وروايته هذه القصةَ نفسها. قال أبو بكر الأثرم: وأخبرني زُهير ، والحسن بن عليّ بن بحر جميعًا، حدثنا علي بن بحر بن برّيّ، وهو والد الحسن، قال: حدثنا مَعْديّ بن سُليمان السَّعْديّ البصري، حدثني شُعَيث بن مُطير -ومطيرٌ حاضر يصدّقه بمقالته- قال: يا أبتاه أخبرتني أن ذا اليدين لقيك بذي خُشُب فقال: إن رسول الله - ﷺ - صلى بهم إحدى صلاتي العشيّ، وهي العصر، فصلى ركعتين، ثم سلّم، فقام رسول الله - ﷺ -، وتبعه أبو بكر وعمر، وخرج سرعان الناس، فلحقه ذو اليدين، فقال: يا رسول الله أقصرت الصلاة، أم نسيت؟، قال: «ما قصرت الصلاة، ولا نسيتُ»، ثم أقبل رسول الله - ﷺ - على أبي بكر وعمر، فقال: «ما يقول ذو اليدين؟»، قالا: صدق يا رسول الله، فرجع رسول الله - ﷺ -، وثاب الناس، فصلى ركعتين، ثم سلّم، ثم سجد سجدتي السهو. تابعه محمد بن بشار بُندار، والعباس بن يزيد البصري، عن معدي بن سليمان. ومعدي هذا هو صاحب الطعام، بصري، يكنى أبا سليمان، روى عنه أيضا نصر بن علي الجهضمي، وأبو موسى محمد بن المثنى، وقال فيه سليمان الشاذكوني: كان من أفضل الناس، وكان يُعدّ من الأبدال. وقد ضعفه أبو زرعة، وأبو حاتم، الرازيّان، وأبو حاتم ابن حبّان. ومُطير بن سُلَيم من أهل وادي القرى، قال ابن عبد البرّ: روى عن ذي اليدين، وذي الزوائد، وأبي الشموس البلوي، وغيرهم، وروى عنه ابناه: شُعيث، وسُليم، وهو معروف عند أهل العلم، لم يذكره أحد بجرحة. قال العلائي: وذكره ابن حبّان في كتاب «الثقات». فهذا السند حسن لا بأس به، وهو يقتضي تأخر ذي اليدين صاحب القصّة، وأنه ليس ذا الشمالين المقتول يوم بدر وفي كلام البيهقي ما يقتضي أن الحاكم أبا عبد الله الحافظ صحح هذا الحديث من رواية ذي اليدين، واحتج به. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: في تحسين هذا الإسناد، أو تصحيح هذا الحديث نظر لا يخفى، فإن مُطيرا هذا قال عنه في «ت»: مجهول الحال، وقال الذهبي -﵀- في «الكاشف» جـ ٣ ص ١٥١: لم يصح حديثه. وقال ابن التركماني -﵀-: وشعيث لم أقف على حاله. انتهى. والله تعالى أعلم. قال العلائي: وقد قال الترمذي في «جامعه» بعد سياقه حديث أبي هريرة المتقدّم: وفي الباب عن ابن عمر، ومعاوية بن حُديج، وذي اليدين. قال ابن عبد البرّ -﵀-: وقد قيل: إن ذا اليدين عمّر إلى خلافة معاوية، وأنه توفي بذي خُشب. والله أعلم. فأما رواية الزهري الحديث، وتسميته فيه ذا الشمالين بن عبد عمرو، فللعلماء في ذلك طريقان: أحدهما: تغليط الزهري في ذلك، لأنه اضطرب في هذا الحديث كثيرًا، فقال معمر عن الزهري، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: صلى رسول الله - ﷺ - الظهر، أو العصر، فسها في ركعتين، وانصرف، فقال له ذو الشمالين بن عبد عمرو، وكان حليفا لبني زهرة: أخُفّفَت الصلاة، أم نسيت؟، فقال رسول الله - ﷺ -: «ما يقول ذو اليدين؟»، قالوا: صدق يا نبي الله، فأتمّ بهم الركعتين اللتين نقص. قال الزهري: وكان ذلك قبل بدر، ثم استحكمت الأمور. رواه عبد الرزاق في «جامعه» عن معمر. وأخرجه الإمام أحمد في «مسنده» عن عبد الرزاق دون قول الزهري الذي في آخره. وروى الأوزاعي عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: سلم رسول الله - ﷺ - من ركعتين، فقال له ذو الشمالين من خُزاعة، حليف لبني زُهْرة: أقصرت الصلاةُ. . .؟ فذكره بنحوه. وفي آخره: ولم يسجد سجدتي السهو حين يَقَّنَه الناس. أخرجه ابن خزيمة هكذا من حديث محمد بن يوسف الفريابي، عن الأوزاعي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، وعبيد الله بن عبد الله بالقصة مرسلة، وليس في آخرها نفي سجود السهو. وكذلك رواه عبد الحميد بن حبيب، عن الأوزاعي أيضًا مرسلًا. ذكره ابن عبد البرّ في «التمهيد». ورواه مالك في «الموطإ» عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، قال: بلغني أن رسول الله - ﷺ - ركع ركعتين من إحدى صلاتي النهار، الظهر، أو العصر، فسلّم من اثنتين، فقال له ذو الشمالين رجل من بني زُهرة بن كلاب: أقصرت الصلاة؟. . . فذكر الحديث. ثم رواه مالك أيضا عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، مثل ذلك مرسلًا. وأخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» من حديث شُعيب بن أبي حمزة، وصالح بن كيسان، عن ابن شهاب، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن النبي - ﷺ - مرسلًا كرواية مالك. وكذلك رواه أبو داود، والنسائي من حديث صالح بن كيسان، وزادا في آخره: قال ابن شهاب. أخبرني هذا الخبر سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة - ﵁ -. قال: وأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبيد الله بن عبد الله لم يزيدا على ذلك، فكأنه مرسل. قال أبو داود: ورواه الزُّبَيديّ، عن الزهري، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، عن النبي - ﷺ -. قال العلائي: ورواه يونس بن يزيد، عن الزهري، عن سعيد، وأبي سلمة، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وعُبيد الله بن عبد الله، أن أبا هريرة - ﵁ -، قال: صلى رسول الله - ﷺ -. . . فذكره، وفيه: فقال له ذو الشمالين بن عبد عمرو بن نَضْلَة الخُزَاعي، حليف بني زهرة: أقصرت الصلاة، أم نسيت؟ «. . . الحديث. وفي آخره: قال الزهري: ولم يحدثني أحد منهم أن رسول الله - ﷺ - سجد سجدتين، وهو جالس في تلك الصلاة، وذلك فيما نرى -والله أعلم- من أجل أن الناس يَقَّنُوا رسول الله - ﷺ - حتى استيقن. رواه ابن خزيمة أيضا. ورواه ابن إسحاق، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة، قال: كلٌّ حدثني بذلك، قالوا: صلى رسول الله - ﷺ -. . . فذكر الحديث نحو رواية يونس بما في آخره. ذكره ابن عبد البرّ. وفي «جامع عبد الرزاق» عن ابن جريج: حدثني ابن شهاب، عن أبي بكر بن سليمان ابن أبي حثمة، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عمن يَقْتَنعان بحديثه: أن النبي - ﷺ -. . . فذكره. فهذه الروايات كلها تدلّ على اضطراب عظيم من الزهري في هذا الحديث، وعلى أنه لم يتقن حفظه. قال ابن عبد البرّ: لا أعلم أحدًا من أهل العلم بالحديث المصنفين فيه عوّل على حديث ابن شهاب في قصة ذي اليدين، وكلهم تركه، لاضطرابه فيه، وأنه لم يقم إسنادا ولا متنا، والغلط لا يسلم منه أحد، والكمال ليس لمخلوق، وكلّ أحد يؤخذ من قوله، ويترك، إلا قول النبي صلى الله عليه، فليس قول ابن شهاب أنه المقتول يوم بدر بحجة، لأنه قد تبين غلطه في ذلك. قال العلائي: وأخرج ابن خزيمة في «صحيحه» عن محمد بن يحيى الذهلي، حدثنا أبو سعيد الجُعْفي، حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، حدثني سعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عبد الله، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة، قال: صلى بنا رسول الله عليه وسلم الظهر، أو العصر، فذكر الحديث. وكذلك رواه البيهقي عن الحاكم أبي عبد الله، عن الحسن بن سفيان، عن حرملة، عن ابن وهب. فكيف يمكن الجمع بين قول الزهري: إن هذه القصة كانت قبل بدر، وإن ذا الشمالين الذي أذكر النبي - ﷺ - بالسهو قُتل يوم بدر، وبين حضور أبي هريرة - ﵁ - لها، كما ذكره هو في هذه الرواية، وإنما كان إسلام أبي هريرة بعد بدر بخمس سنين، أو نحوها؟!!. فإن قيل: لم ينفرد الزهري بتسميته ذا الشمالين، بل قد رواه غيره. أخرج عبد الرزاق في «جامعه» عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة - ﵁ -، قال: صلى رسول الله - ﷺ - الظهر، أو العصر، فسلّم في ركعتين، ثم انصرف، وخرج سرعان الناس، فقالوا: خُففت الصلاة، فقال ذو الشمالين: يا رسول الله أخففت الصلاة، أم نسيت؟ وذكر بقيته. ورواه أحمد بن حنبل في «المسند» عن عبد الرزاق هكذا. وأخرج النسائي في «سننه» من حديث الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - صلى يومًا، فسلم في ركعتين، فأدركه ذو الشمالين، فقال: يا رسول الله أنقصت الصلاة، أم نسيت؟. . . الحديث . قلت : هذه الروايات وَهَم -والله أعلم- لكثرة الرواة الحفاظ الذين رووا هذا الحديث من طرق متعددة، وكلهم يقول فيه: ذو اليدين، وكأن معمرًا اشتبه عليه رواية أيوب برواية الزهري، لأنه روى الحديث عنهما جميعًا، وفي حديث الزهري: ذو الشمالين كما تقدم، فحمل معمر عليها رواية أيوب، وخصوصًا رواية سفيان بن حسين، فإنه كثير الغلط والوهم، لا يعتدّ بخلافه. ومما يدلّ على ذلك أن في كل واحدة من هاتين الروايتين أعني حديث معمر عن أيوب، وحديث عمران بن أبي أنس، عن أبي سلمة: فقال النبي - ﷺ -: «أصدق ذو اليدين؟»، فعاد إلى الصواب في تسميته في الحديث نفسه. والله ﷾ أعلم. الطريق الثاني: الجمع بين هذه الروايات كلها بجعلها واقعتين: إحداهما: قبل بدر، والمتكلم فيها ذو الشمالين، ولم يشهدها أبو هريرة - ﵁ -، بل أرسل روايتها. والثانية: كان حاضرًا فيها، والمتكلم يومئذ ذو اليدين، وهذه الطريق حكاها القاضي عياض -﵀- في «الإكمال»، واختارها لما فيها من الجمع بين الروايات كلها، ونفي الغلط والوهم عن مثل الزهري، وفيهما نظر من جهة ما تقدم في رواية يونس عن ابن شهاب: صلى بنا رسول الله - ﷺ -، وقال فيها: فقال ذو الشمالين، فإنه لا يمكن الجمع بين هاتين اللفظتين، كما تقدم من قتل ذي الشمالين ببدر، وإسلام أبي هريرة بعد ذلك بسنين كثيرة، اللَّهم إلا أن يكون الوهم في هذه الرواية جاء في قوله: صلى بنا من بعض الرواة. وعلى كلّ تقدير فذو اليدين الذي كان حاضرًا مع أبي هريرة قصة السهو غير ذي الشمالين هذا بلا ريب فيه، بقي النظر في أنه هل هو الخرباق المتكلم في حديث عمران ابن حُصين أو غيره؟. الذي اختاره القاضي عياض، وابن الأثير في «شرح مسند الشافعي»، والشيخ محيي الدين في غير ما موضع أنهما واحد. وأما أبو حاتم ابن حبان، فإنه جعلهما اثنين، فقال في «معجم الصحابة» من كتابه «الثقات»: الخرباق صلى مع النبي - ﷺ - حيث سها، وهو غير ذي اليدين، وقال بعد ذلك: ذو اليدين صلى مع النبي - ﷺ - حيث سها، لم يزد. وأما ابن عبد البرّ، فقال في كتابيه: يحتمل أن يكون الخرباق ذا اليدين، ويحتمل أن يكون غيره، فيكونان اثنين. وكذلك قال أبو العباس القرطبي وغيره. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة السادسة: في بيان طرق هذا الحديث، وما اشتمل عليه من الألفاظ، وبيان من تابع أبا هريرة، وعمران بن حصين - ﵄ - على هذه القصة، وبيان تعددها، وأنها ليست واقعة واحدة على الراجح. لقد أجاد البحث في هذا الحافظ العلائي المذكور رحمه الله تعالى في مؤلفه المذكور، فقال: حديث ذي اليدين مشهور جدًّا، وخصوصا رواية أبي هريرة - ﵁ -. قال الإمام أبو عمر بن عبد البرّ: ليس في أخبار الآحاد أكثر طرقًا من حديث ذي اليدين هذا إلا قليلًا . وهو كما قال. ثم ذكر طرقه ملخصة، فقال: رواه مالك في «الموطإ» عن أيوب السختياني، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة - ﵁ -. وأخرجه من جهته البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. ورواه عن أيوب السختياني أيضا سفيان بن عيينة، وحماد بن زيد. أخرجه مسلم من طريقهما. ورواه أبو داود أيضا من حديث حماد بن زيد، وهو في «جامع عبد الرزاق» عن معمر، عن أيوب. ورواه البزار دي «مسنده» من حديث عبد الوهّاب الثقفي، عن أيوب، ومن حديث حماد بن سلمة، عنه أيضًا. كما سيأتي. وتابع أيوب على روايته عن ابن سيرين جماعة كثيرة، منهم يزيد بن إبراهيم التستري. أخرجه البخاري من جهته. وابن عون، وهشام بن حسّان، ويحيى بن عتيق. رواه أبو داود من حديث حماد بن زيد عنهم. وأخرجه البخاري من حديث النضر بن شُمَيل، وابن ماجه من حديث أبي أسامة، كلاهما عن ابن عون. ثم ذكر أبو داود أن هشام بن حسان زاد فيه: أن النبي - ﷺ - كبّر، ثم كبّر، وسجد -يعني للسهو-، ثم قال أبو داود: «وروى هذا الحديث أيضًا عن محمد بن سيرين حبيب ابن الشهيد، وحُميد -يعني الطويل- ويونس -يعني ابن عُبيد- وعاصم الأحول، ولم يذكر أحد منهم ما ذكر حمّاد بن زيد، عن هشام: أنه كبر، ثم كبر». قال: وروى حماد ابن سلمة، وأبو بكر بن عياش هذا الحديث، عن هشام -يعني ابن حسان- لم يذكرا عنه هذا الذي ذكره حماد بن زيد أنه كبر، ثم كبر«. قال العلائي: ورواه أيضا عن ابن سيرين سلمة بن علقمة، وقتادة بن دعامة، أخرجه من جهتهما ابن خزيمة في«صحيحه». ورواه البزار من حديث حماد بن سلمة، عن يونس، وهشام، وأيوب، ومن حديث عاصم الأحول، عن ابن سيرين بنحوه. فهؤلاء عشرة من الحفْاظ الأثبات تابعوا أيوب السختياني على روايته عن ابن سيرين. ورواه البزار أيضا من حديث سعيد بن أبي عروبة، عن محمد بن سيرين به، ومن حديث سفيان بن حسين، عن ابن سيرين أيضا، ومن حديث أشعث بن سَوّار، وقرّة بن خالد، عن ابن سيرين أيضًا. وتابع محمد بن سيرين على روايته عن أبي هريرة جماعة آخرون، منهم: أبو سفيان مولى ابن أبي أحمد. رواه مالك في«الموطإ» عن داود بن الحُصين، عنه. ورواه من طريق مالك مسلم، وأبو داود، والنسائي. وأبو سلمة بن عبد الرحمن، أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي من طرق عنه. وسعيد بن المسيب، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبو بكر بن سليمان بن أبي حَثْمة، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعروة بن الزبير، من رواية الزهري عنهم. وسعيد المقبري، وضمضم بن جَوْس، رواه أبو داود من طريقهما. وعبد الرحمن بن يعقوب مولى الْحُرَقَة. ذكره ابن عبد البرّ. فهؤلاء عشرة آخرون من الكبار الثقات، رووه عن أبي هريرة - ﵁ - غير محمد بن سيرين، على ما بينهم من الاختلاف في ألفاظه. أما طرق الزهري فقد خالف فيها سائر الرواة في موضعين: أحدهما: في تسميته ذا الشمالين. والثاني: في أن النبي - ﷺ - لم يسجد يومئذ سجدتي السهو، وقد غلّطه الأئمة كلهم في ذلك أيضًا، وسيأتي ما يتعلق بهذا الشأن، إن شاء الله تعالى. وفي حديث أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد عند مالك، ومسلم: صلى لنا رسول الله - ﷺ -، فسلم في ركعتين، فقام ذو اليدين، فقال: أقصرت الصلاة يا رسول الله، أم نسيت؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «كلّ ذلك لم يكن»، فقال: قد كان بعض ذلك يا رسول الله، فأقبل رسول الله - ﷺ - على الناس، فقال: «أصدق ذو اليدين؟»، فقالوا: نعم يا رسول الله، فأتمّ رسول الله - ﷺ - ما بقي من الصلاة، ثم سجد سجدتين، وهو جالس بعد التسليم. هذا لفظ مسلم. وفي حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ - عند مسلم: أن رسول - ﷺ - صلّى ركعتين من صلاة الظهر، ثم سلّم، فقام رجل من بني سُلَيم، واقتص الحديث. كذلك رواه من حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة. وأخرجه البخاري من حديث سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، ولفظه: قال: صلّى بنا رسول الله - ﷺ - الظهر، أو العصر، فسلّم، فقال له ذو اليدين: الصلاةُ يا رسول الله أنقصت؟ فقال النبي - ﷺ - لأصحابه: «أحقّ ما يقول؟» قالوا: نعم، فصلى ركعتين أُخريين، ثم سجد سجدتين. وعند مسلم من طريق سفيان بن عيينة، عن أيوب: فقام ذو اليدين، فقال: يا رسول الله أقصرت الصلاة، أم نسيت؟، فنظر النبي - ﷺ - يمينًا وشمالًا، فقال: «ما يقول ذو اليدين؟» قالوا: صدق، لم تُصلّ إلا ركعتين، فصلى ركعتين، وذكر بقيته. وعند أبي داود في حديث حماد بن زيد، عن أيوب: فقام رجلٌ كان رسول الله - ﷺ - يُسمّيه «ذا اليدين»، فقال: يا رسول الله! أنسيت، أم قصرت الصلاة؟ فقال: «لم أنسَ، ولم تقصر الصلاة»، قال: بلى قد نسيت يا رسول الله! فأقبل رسول الله - ﷺ - على القوم، فقال: «أصدق ذو اليدين؟»، فأومؤوا، أي نعم، فرجع رسول الله - ﷺ - إلى مقامه، فصلى الركعتين الباقيتين، ثم سلّم، وذكر سجدتي السهو. وقد رواه مسلم من حديث حماد بن زيد، لكن لم يذكر سياقه، بل أحال على حديث سفيان بن عيينة، وقال: «بمعناه». وقال أبو داود: لم يذكر فيه «فأومؤوا» ألا حماد بن زيد. وفي حديث ضَمْضَم بن جَوْس، عن أبي هريرة: فلمّا قضى الصلاة سجد سجدتين، ثم سلم. كذلك أخرجه البزّار من حديث عليّ بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عنه، ثم استغربه. وفي حديث حماد بن سلمة عنده، قال: «لم تقصر، ولم أنس»، قال: إنك سلّمت في الركعتين. وهكذا هو عنده أيضا من روايته عن حبيب بن الشهيد، وحميد، ويونس، وهشام، وأيوب، كلهم عن ابن سيرين. وكذا هو عند ابن ماجه من حديث أبي أُسامة، عن ابن عون، عن ابن سيرين. والله أعلم. وقد تابع أبا هريرة - ﵁ - على هذه القصّة عمران بن حُصَين، وعبد الله بن عمر، ومعاوية بن حُدَيج، وابن مسعدة صاحب الجيوش، وأبو العريان، قيل: إنه أبو هريرة، وذو اليدين، وابن عباس - ﵃ -. أما حديث عمران بن حصين، فقد أخرجه مسلم، وأحمد في «مسنده»، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، كلهم من طريق أبي قلابة الجرمي، عن عمه أبي المهلب ، عن عمران - ﵁ -. وجاء في بعض طرقه في «السنن» زيادة التشهّد بعد سجدتي السهو. وسيأتي الكلام في ذلك، إن شاء الله تعالى. وأما حديث ابن عمر - ﵄ -، فرواه الإمام الشافعي في «مسنده»، وابن أبي شيبة في «مصنّفه»، قالا: حدثنا أبو أسامة. وقال ابن خزيمة في «صحيحه»: حدثنا أبو كريب الهمداني، وبشر بن خالد العسكري -وهذا حديث أبي كريب- قالا: حدثنا أبو أسامة، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر - ﵄ -: أن النبي - ﷺ - صلّى، فسها، فسلّم في ركعتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة، أم نسيت؟ قال: «ما قصرت الصلاة، وما نسيت»، فقال: «أكما يقول ذو اليدين؟» فقام، فصلى، ثم سجد سجدتين. وهذا لفظ ابن خزيمة. ورواه أبو داود في «سننه» عن أحمد بن محمد بن ثابت، وابن ماجه عن علي بن محمد، وأبي كريب، وأحمد بن سنان، كلهم عن أبي أسامة به. ولفظ ابن ماجه: أن رسول الله - ﷺ - سها، فسلّم في الركعتين، فقال له رجل، يقال له: ذو اليدين: يا رسول الله! قصرت الصلاة، أم نسيت؟! قال: «ما قصرت، وما نسيت»، قال: إنك صليت ركعتين، قال: «أكما يقول ذو اليدين؟» قالوا: نعم، فتقدم، فصلى ركعتين، ثم سلّم، ثم سجد سجدتي السهو. قال البيهقي: تفرّد به أبو أسامة حماد بن أسامة. قال العلائي: قلت: وهو من رجال «الصحيحين»، ومن الحفاظ الذين يُحتجّ بما انفردوا به، ويُصحح، وبقية إسناده على شرط «الصحيحين» أيضا. وأما حديث معاوية بن حُديج ، فرواه أبو داود، والبيهقي في «سننهما»، وابن أبي شيبة في «مصنفه»، وغيرهم من حديث الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، أن سويد بن قيس، أخبره عن معاوية بن حُديج - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - صلى يومًا، فانصرف، وقد بقي من الصلاة ركعةً، فأدركه رجل، فقال: نسيت من الصلاة ركعةٌ، فرجع، فدخل المسجد، فأَمَرَ بلالًا، فأقام الصلاة، فصلى بالناس ركعة، فأخبرت بذلك الناس، فقالوا: وتعرف الرجل؟ قلت: لا، إلا أن أراه، فمرّ بي، فقلت: هو هذا، فقالوا: هذا طلحة بن عبيد الله - ﵁ -. ورواه الشافعي فى كتابه القديم عن بعض أصحابه، عن الليث بن سعد. وأخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» من هذا الوجه. ثم رواه من حديث جرير بن حازم، عن يحيى بن أيوب المصري، عن يزيد بن أبي حبيب به، ولفظه: صليت مع رسول الله - ﷺ - المغرب، فسها، فسلم في ركعتين، ثم انصرف. . .فذكره، وقال فيه: وسألت الناس عن الرجل الذي قال: يا رسول الله! إنك سهوت، فقيل لي: تعرفه؟ قلت: لا، إلا أن أراه، فمرّ بي رجل، فقلت: هو هذا، قالوا: هذا طلحة بن عبيد الله. ورواه الحاكم في «المستدرك» مصححًا له أيضا من هذا الوجه. وأما حديث ابن مسعدة، فذكره ابن عبد البرّ في «التمهيد»، قال: رواه عبد الرزاق، قال: حدثنا ابن جريج، عن عثمان بن أبي سليمان، عن ابن مسعدة -صاحب الجيوش- أن النبي - ﷺ - صلى الظهر، أو العصر، فسلم في ركعتين، فقال له ذو اليدين: أخُفّفت الصلاة يا رسول الله، أم نسيت؟، فقال النبي - ﷺ -: «ما يقول ذو اليدين؟»، قالوا: صدق يا رسول الله، فأتمّ لهم الركعتين، ثم سجد سجدتي السهو، وهو جالس بعد ما سلّم . ثم قال ابن عبد البرّ: وابن مسعدة هذا اسمه عبد الله، معروف في الصحابة، قد روى عن النبي - ﷺ - أنه سمعه يقول: «قد بدّنتُ، فمن فاته ركوعي أدركه في بطء قيامي». وروى حديث ذي اليدين، وهو معدود في المكيين. قال العلائي: نسبه ابن حبان، فقال في «معجم الصحابة»: عبد الله بن مسعدة بن مسعود بن قيس الفزاري صاحب الجيوش. وعثمان بن أبي سليمان الراوي عنه وثقه ابن حبان، وروى عنه أيضا الأوزاعي، وعبد الملك بن عمير. وأما حديث أبي العُرْيَان، فقال ابن عبد البرّ: ذكره أبو جعفر العقيلي، قال: حدثنا محمد بن عُبيد بن أسباط، حدثنا أبو نعيم، حدثنا أبو خَلْدَة، قال: سألت محمد بن سيرين، فقلت: أصلي، وما أدري أركعتين صليت، أم أربعًا؟ فقال: حدثني أبو العريان أن رسول الله - ﷺ - صلى يومًا، ودخل البيت، وكان في القوم رجل طويل اليدين، وكان رسول الله - ﷺ - يسميه ذو اليدين، فقال ذو اليدين: أقصرت الصلاة، أم نسيت يا رسول الله؟ وذكر الحديث. ثم قال ابن عبد البرّ: وقد قيل: إن أبا العريان المذكور في هذا الحديث هو أبو هريرة. قال العلائي: أبو خلدة هذا اسمه خالد بن دينار، احتج به البخاري في «الصحيح»، وأبو نعيم هو الحافظ المشهور شيخ البخاري، وأحمد، والجماعة. وأما حديث ذي اليدين فسيأتي سياقه، والكلام عليه في المسألة التالية، إن شاء الله تعالى. وأما حديث أبن عباس، فرواه الأثرم في «سننه»: حدثنا عبد الله بن بكر السهمي، حدثنا هشام بن حسان، عن عسل، عن عطاء، قال: صلى بنا ابن الزبير صلاة المغرب، فسلم من ركعتين، ثم قام إلى الحَجَر ليستلمه، فسبحنا به، فالتفت إلينا، فقال: ما أتممتم الصلاة؟، فقلنا برؤوسنا: سبحان الله، أي لا، فرجع، فصلى الركعة الباقية، ثمّ سلم، ثم سجد سجدتين، وهو جالس. قال عطاء: فلم أدر ما ذاك، فخرجت من فَوْري حتى دخلت على ابن عباس، فأخبرته بصنيعه، فقال: ما أماط عن سنة نبيه - ﷺ. ورواه البيهقي في «سننه» من حديث أبي الربيع، عن حماد بن زيد، عن عسل بن سفيان، عن عطاء به. وعسل بن سفيان هذا متكلم فيه، ضعفه النسائي وغيره، وقال البخاري: عنده مناكير. ورواه البيهقي أيضا من حديث مسلم بن إبراهيم، حدثنا الحارث بن عبيد أبو قدامة الإياديّ، حدَّثَنا عامر، عن عطاء، قال: صلى ابن الزبير، فذكره بمثله سواءً، وقول ابن عباس: ما أماط عن سنة نبيه - ﷺ -. وعامر هذا إن كان الشعبي فالحديث صحيح ، وإن كان غيره فلا أعرفه. وذكره عبد الرزاق في «مصنفه»، قال: أخبرنا ابن جريج، قال: قال لي عطاء: صلى ابن الزبير ذات ليلة المغرب، قلت: وحضرت ذلك؟ قال: نعم، فسلّم في ركعتين، فقال الناس: سبحان الله، فقام فصلى الثالثة، فلما سلم سجد سجدتي السهو، وسجدهما الناس معه، قال: فدخل أصحاب لنا على ابن عباس، فذكر ذلك له بعضهم، كأنه يريد أن يعيب بذلك ابن الزبير، فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أصاب، وأصابوا. وهذا أصحّ إسناد لهذه الرواية، وليس فيه رفع ابن عباس ذلك إلى النبي - ﷺ -. [تَتمَّةٌ]: قال الإمام أبو بكر بن خزيمة -﵀- في «صحيحه» بعد سياقه حديث معاوية بن حُدَيج المتقدم: هذه القصة غير قصة ذي اليدين، لأن المعلم للنبي - ﷺ - أنه سها في هذه القصة طلحة ابن عبيد الله، ومُخبر النبي - ﷺ - في تلك القصة ذو اليدين، والسهو من النبي - ﷺ - في قصّة ذي اليدين إنما كان في الظهر، أو العصر، وفي هذه القصّة إنما كان السهو في المغرب، لا في الظهر، ولا في العصر. وقصة عمران بن حصين قصة، والخرباق قصة ثالثة، لأن التسليم في خبر عمران من الركعة الثالثة، وفي قصة ذي اليدين من الركعتين، وفي خبر عمران: دخل النبي صلى الله وسلم حجرته، ثم خرج من الحجرة، وفي خبر أبي هريرة: قام النبي - ﷺ - إلى خشبة معروضة في المسجد، فكلّ هذه أدلة على أن هذه القصص ثلاث قصص، سها النبي - ﷺ - مرّة، فسلم من الركعتين، وسها مرة أخرى، فسلم في ثلاث ركعات، وسها مرة ثالثة، فسلم في الركعتين من المغرب، وتكلم في المرّات الثلاث، ثم أتمّ صلاته. انتهى كلامه. وكذلك قال الشيخ محيي الدين -يعني النووي﵀- في حديث أبي هريرة وعمران: إنهما واقعتان، لكنه زاد شيئا آخر، فجعل حديث أبي هريرة أيضا واقعتين، كان السهو في إحداهما في صلاة الظهر، وفي الأخرى في صلاة العصر، وجمع بذلك بين الروايات المختلفة فيه في تعيين الصلاة المسهوّ فيها، ونقل هذا عن المحققين. قال العلائي: وفي ذلك نظر، بل الظاهر الذي يقتضيه كلام ابن عبد البرّ، والقاضي عياض، وغيرهما أن حديث أبي هريرة قضية واحدة، ولكن اختلف رواتها، فمنهم من تردد في تعيين الصلاة، هل هي الظهر، أو العصر، ومنهم من جزم بإحداهما، والعلم عند الله ﷾. ورأيت فيما علقه بعض شيوخنا من أهل الحديث يذكر أن حديثي أبي هريرة وعمران قصة واحدة، وتأول قوله في حديث عمران: «سلّم في ثلاث» أي في ابتداء ثلاث ركعات، وتأول قوله: «فقضى تلك الركعة» على أنه أراد أكثر منها، كما يقال: «كلمة» للخطبة، والقصيدة. وفي ذلك كله نظر لا يخفى، بل الظاهر أنهما قضيتان، كما قال الجمهور، وما ذكره من الجمع بينهما فبعيد، لا اتجاه له. انتهى كلام العلائي -﵀-، وهو بحث نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة السابعة: تقدم في ألفاظ طرق حديث أبي هريرة - ﵁ - تباينٌ في مواضع عديدة، لا يمكن الجمع بينها، والكلّ في الصحيح، وترتب عليها فوائد فقهية مما اختلف فيه العلماء. ففي بعض الطرق أن النبي - ﷺ - قال لذي اليدين: «لم أَنْسَ، ولم تُقصَر»، فقال ذو اليدين بعد ذلك: بلى قد نسيتَ، ولم تُذكَر هذه الزيادة في كثير من الروايات. وفي رواية أخرى، فقال النبي - ﷺ -: «كل ذلك لم يكن»، فقال ذو اليدين: قد كان بعض ذلك يا رسول الله. وفي رواية: أن النبي - ﷺ - قال للناس: «ما يقول ذو اليدين؟» قالوا: صدق يا رسول الله، لم تُصلِّ إلا ركعتين. وفي رواية أخرى: فأقبل رسول الله - ﷺ - على الناس، فقال: «أصدق ذو اليدين؟»، فقالوا: نعم يا رسول الله. وفي رواية أخرى: فأومؤوا: أي نعم. وقد جمع بعض الأئمة بين هاتين الروايتين بأن بعض الناس أجاب النبي - ﷺ - بقول «نعم» باللفظ، وبعضهم أجابه بالإيماء. وهذا الجمع إنما يقوى إذا كان الاختلاف واقعًا من رواية صحابيين،، فنقول سمع أحدهما الإجابة باللفظ، والآخر رأى الذين أومأوا ولم يسمع المجيب باللفظ، وهذا الحديث بهذه الألفاظ مداره على أبي هريرة - ﵁ -. والظاهر أن القصة واحدة، ولكن الرواة تصرّفوا فيها، فرواه بعضهم بالمعنى على نحو مما سمع، فحصلت هذه الاختلافات. فيتعين حينئذ إما الجمع بينها بوجه مّا، وإما الترجيح، وهذا يتعلق بقاعدة شريفة عظيمة الجَدْوَى في علم الحديث، وهي: الاختلاف الواقع في المتون بحسب الطرق، وردّ بعضها إلى بعض، إما بتقييد الإطلاق، أو تفسير المجمل، أو الترجيح حيث لا يمكن الجمع، أو اعتقاد كونها وقائع متعددة. قال العلائي رحمه الله تعالى: ولم أجد إلى الآن أحدًا من الأئمة الماضين شفَى النفس في هذا الموضع بكلام جامع يُرجَع إليه، بل إنما يوجد عنهم كلمات متفرّقة، وللبحث فيها مجال طويل. فنقول -وبالله التوفيق-: إذا اختلفت مخارج الحديث، وتباعدت ألفاظه، فالذي ينبغي أن يجعلا حديثين مستقلين، وذلك كحديث أبي هريرة، وعمران بن حصين، ومعاوية بن حُدَيج في هذا الباب، كما سبق بيانه، وهذا لا إشكال فيه. وأما إذا اتحد مخرج الحديث، وتقاربت ألفاظه، فالغالب حينئذ على الظنّ أنه حديث واحد، وقع الاختلاف فيه على بعض الرواة، لا سيما إذا كان ذلك في سياقة واقعة يبعد أن يتعدد مثلها في الوقوع، كحديث أبي هريرة وحده في قصة السهو. فالذي يسلكه كثير من الفقهاء أن يحمل اختلاف الألفاظ على تعدد الوقائع، ويُجعل كلُّ لفظ بمنزلة حديث مستقلّ، وهذه الطريقة يسلكها الشيخ محيي الدين -﵀- في كتبه كثيرًا، كما تقدم عنه من جعله حديث أبي هريرة الذي نتكلم عليه وقع مرتين للنبي - ﷺ -، أحدهما في صلاة الظهر، والآخر في العصر من أجل صحة كلّ من اللفظين، حتى إنه قال في حديث ابن عمر: أن عمر - ﵁ - كان نذر اعتكاف ليلة في الجاهلية، فسأل النبي - ﷺ - عنه، فأمره أن يفي بنذره، وجاء في رواية: اعتكاف يوم، وكلاهما في الصحيح. فقال الشيخ محيي الدين -﵀-: هما واقعتان، وكان على عمر - ﵁ - نذران، فسأل النبي - ﷺ - عن هذا مرّة، وعن الآخر مرّة أخرى، واستدلّ بذلك على صحة الاعتكاف بغير الصوم، لأن عمر - ﵁ - اعتكف ليلة وحدها. قال العلائي: وفي هذا القول نظر لا يخفى، لأنه من البعيد جدًا أن يستفتي عمر - ﵁ - النبي - ﷺ - في شيء واحد مرتين في أيام يسيرة لا ينسى في مثلها، لأن في كل من القصتين أن ذلك كان عقب غزوة حُنين، أيام تفرقة السبي، ثم إعتاقهم. وإلحاق اليوم بالليلة فى حكم الاعتكاف المنذور من الأمر الجلي الذي يقطع بنفي الفارق، كما في الأمة والعبد في العتق، ولا يظن بعمر - ﵁ - أنه يخفى عليه ذلك. والذي يقتضيه التحقيق ردّ إحدى الروايتين إلى الأخرى، بأن كل من قال لفظًا عبّر به عن المجموع، وهو أمر يُستَعمَل كثيرًا في كلام العرب أن تُطلق اليوم، وتريد به بلليلته، وبالعكس. فكان على عمر - ﵁ - اعتكاف يوم وليلة، سأل النبي - ﷺ - عنه، فأمره بالوفاء به، عبّر عنه بعض الرواة بيوم، وأراد بليلته، والآخر بليلة وأراد بيومها. وأغرب من ذلك ما ذكره الشيخ محيي الدين -﵀- أيضا في حديث: «بني الإسلام على خمس»، لأنه جاء في «الصحيح» أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت»، فقال رجل: «وحج البيت، وصوم رمضان»؟، فقال ابن عمر - ﵄ -: لا، «وصوم رمضان، وحج البيت»، هكذا سمعته من رسول الله - ﷺ -. ثم جاء الحديث في «الصحيح» أيضا من رواية ابن عمر، ولفظه: «وحج البيت، وصوم رمضان». فقال الشيخ محيي الدين: هذا محمول على أن ابن عمر - ﵄ - سمع الحديث من النبي - ﷺ - على الوجهين. وهذا بعيد جدًّا، لأنه لو سمع على الوجهين لم ينكر على من قاله بأحدهما، إلا أن يكون حينئذ ناسيًا لكون النبي - ﷺ - قاله على ذلك الوجه الذي أنكره. والظاهر القويّ أن أحد رواة هذه الطرق رواه على المعنى، فقدّم وأخّر، ولم يبلغه نهي ابن عمر عن هذا التصرف، وغفل هذا الراوي عن المناسب المقتضي لتقدم صوم رمضان على الحج، وكونه وجب قبله، وكونه يتكرّر كلّ سنة بخلاف الحجّ، وكونه يعم جميع المكلفين، والحج يتخلف عن كثير منهم لعدم الاستطاعة، وهذا الاحتمال أولى من تطرّق النسيان إلى ابن عمر - ﵄ -، أو الإنكار والرّدّ لشيء سمعه من النبي - ﷺ -. وإذا عرف ضعف هذه الطريقة، فنقول: إذا اتحد مخرج الحديث، واختلفت ألفاظه، فإما أن يمكن ردّ إحدى الروايتين إلى الأخرى، أو يتعذر ذلك، فإن أمكن ذلك تعين المصير إليه. ولهذا القسم أمثلة: أحدها: ما تقدم في حديث اعتكاف عمر - ﵁ -، وردّ إحدى الروايتين إلى الأخرى على عادة العرب. الثاني: رد إحداهما إلى الأخرى بتقييد الإطلاق، كما في حديث يحيى بن أبي كثير، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه في النهي عن مس الذكر باليمين، فإن الروايات ترجع إلى يحيى بن أبي كثير فيه. فقال فيه بعضهم: «ولا يمسنّ ذكره بيمينه» مطلقًا، وغيره قيد النهي بحالة الاستنجاء، فهذا يمكن أن يكونا جميعًا ملفوظًا بهما، فيحمل رواية من تركه على رواية من ذكره، ويجعلا دليلًا على تقييد النهي بحالة البول والاستنجاء منه. ولو جعلنا ذلك كالحديثين المستقلّين لم نحكم بتقيُّد النهي بحالة الاستنجاء والبول، لأن الحديث الذي تضمّن النهي مطلقًا لا يعارض الذي فيه النهي مقيّدًا بالاستنجاء أو البول، فهو من باب ذكر بعض أفراد العام، وإنما يُردّ أحد اللفظين إلى الآخر في العموم إلى الخصوص، والإطلاق إلى التقييد عند التعارض، والتنافي في بعض المدلولات. اللَّهمّ إلّا أن يكون مفهوم التقييد يقتضي مخالفةَ المطلق، وكذلك مفهوم الخاصّ يُخالف حكم العامّ، فَيُقَيَّدُ، ويُخَصَّص بالمفهوم عند من يرى ذلك. الثالث: ردّ إحداهما إلى الأخرى بتخصيص العامّ، ويمثّل هذا بزيادة مالك ومن تابعه عن نافع، عن ابن عمر في حديث: «صدقةُ الفطر على كلّ حرّ، أو عبد، ذكر أو أنثى، من المسلمين»، فإن مخرج الحديث واحدٌ، فيتخصص إيجاب إخراج زكاة الفطر بكونه عن كلّ مسلم، عملًا بهذه القاعدة. وهذا كلّه إذا لم تكن الرواية المتضمنة للتقييد، أو التخصيص شاذّة مخالفة لبقية الروايات، بل يكون الذي جاء بها حافظًا متقنًا، يُقبل تفرّده وزيادته. فأما إذا كان سيء الحفظ قليل الضبط، وكانت الروايات الأخرى من طرق أهل الضبط والإتقان، وهم أكثر منه عددا، فالحكم لروايتهم، ولا نظر إلى رواية ذاك الذي هو دونهم. المثال الرابع: ردّ إحدى الروايتين إلى الأخرى بتفسير المبهم، وتبيين المجمل، وذلك مثل حديث كفارة الوقاع في رمضان، فإن مدار الحديث على الزهري، عن حميد ابن عبد الرحمن، عن أبي هريرة - ﵁ -، واختلفوا على الزهري فيه: فقال عنه الإمام مالك، وابن جريج، ويحيى بن سعيد الأنصاريّ، وجماعة آخرون: أن رجلًا أفطر في رمضان، فأمره النبي - ﷺ - أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينًا، فقال: لا أجد. . .وذكروا الحديث. وقالت فيه طائفة آخرون أكثر منهم عددا، منهم: سفيان بن عيينة، ويونس بن يزيد، معمر، وشعيب بن أبي حمزة، وعُقَيل، وإبراهيم بن سعد، والليث، والأوزاعي، وغيرهم: أن رجلًا قال للنبي - ﷺ -: وقعت على امرأتي في شهر رمضان، فقال له النبي - ﷺ -: «تجد ما تُعتقُ رقبةً؟» قال: لا. قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟» قال: لا. قال: «فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينًا؟» قال: لا. . . الحديث. فهذا يَقْوَى فيه القولُ بأن تجعل رواية هؤلاء مفسّرة لما أبهُمَ في رواية أولئك من جهة المفطِّر، ومقيّدًا للكفّارة بالترتيب، لا بالتخيير، كما هو ظاهر هذه الرواية الثانية، لأن الحديث واحد، اتحد مخرجه. وأما إذا لم يتَأَتَّ الجمع بين الروايات، وتعذّر ردّ إحداهما إلى الأخرى، فهذا محلّ النظر، ومجال الترجيح. ومثال ذلك حديث الواهبة نفسها، فإنه قصّة واحدةٌ، ومداره على أبي حازم، عن سهل بن سعد - ﵁ -، واختلف الرواة فيه على أبي حازم: فقال فيه مالك بن أنس، وحمّاد بن زيد، وفُضَيل بن سُليمان، وعبد العزيز الدّراورْديّ، وزائدة: «فقد زوّجتكها على ما معك من القرآن». وقال فيه سفيان بن عيينة عنه: «فقد أنكحتكها». وقال فيه يعقوب بن عبد الرحمن، وعبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه: «فقد ملكتكها». وقال فيه معمر، وسفيان الثوري: «أملكتكها». وقال أبو غَسّان: «أمكناكها بما معك من القرآن». وأكثر هذه الروايات في «الصحيحين»، أو أحدهما، فهذا لا يتأتّى أن تكون هذه الألفاظ كلها قالها النبي - ﷺ - في تلك الواقعة، وتلك الساعة إلا على سبيل التجويز العقلي المخالف للظنّ القويّ جدًّا، فلم يبقَ إلا أنه - ﷺ - قال لفظًا منها، وعبّر عنه بقية الرواة بالمعنى. فمن قال بأن النكاح ينعقد بلفظ التمليك، وأنه من صرائحه يَحتَجّ بمجيئه في هذا الحديث الصحيح. فإذا عُورض ببقية الألفاظ التي في بقية الروايات لم ينتهض احتجاجه. فإن قال: إنّ النكاح في القصة انعقد بلفظ التمليك، ومن قال غيرَه عبّر بالمعنى، يقلبه خصمه عليه، ويقول مثل ذلك في التزويج، والإنكاح، فلم يبقَ حينئذ إلا الترجيح بأمر خارجيّ، وليس هذا موضع ذكره . ولا سبيل إلى القول بتعدد القصة، لأنه وإن كان العقل يُجوّزه فهو مخالف للظنّ القويّ القريب من القاطع. ولهذا الضرب أمثلة كثيرة، منها: حديث ترك الجهر بالبسملة، وحديث نزول آية التيمم، وقصة الرجلين الذين ذهبا نحو عقد عائشة - ﵂ -، وحديث فَضَالة في القلادة من الذهب، وغيره المبيعة يوم خيبر. لكن أكثر الأحاديث المختلفة لا يتضمن اختلافُها اختلافَ حكم شرعيّ، وبعضها يتضمّن. ومنه حديث أبي هريرة - ﵁ - في قصة ذي اليدين هذا، فإن من قال من العلماء بأن الكلام في الصلاة فيما يتعلق بمصلحتها لا يُبطله يحتجّ بما جاء في بعض الروايات الصحيحة من قول ذي اليدين: بلى قد نسيت يا رسول الله بعد قوله - ﷺ -: «لم أنس، ولم تُقصَر». قالوا: فقد تحقق ذو اليدين أن حكم الصلاة باق بعدُ لتحققه عدم القصر، وتكلّمَ بعد ذلك، وأقرّه النبي - ﷺ -، ولم يبطل صلاته، وكذلك قول الصحابة للنبي - ﷺ - بعد قوله: «لم أنسَ، ولم تقصر»: صدق يا رسول الله، لم تصلّ إلا ركعتين. وأما من قال بأن الكلام لمصلحة الصلاة فيها لا يجوز، ويبطلها، فيحتجّون بالرواية الأخرى من طريق حمّاد بن زيد: فأومأوا، أي نعم، ويقولون: لم يقع كلام من الصحابة بعد تحققهم عدم القصر، ويجيبون عن قول ذي اليدين ثانيًا: بلى قد نسيت يا رسول الله. انتهى كلام العلائي، وهو بحث نفيس جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثامنة: قال الحافظ العلائي -﵀-: دلت هذه الأحاديث على مشروعية سجود السهو في مثل هذه الصورة، ودلالتها على مشروعيته من حيث الجملة بطريق الأولى. وقد اتفقت المذاهب على مشروعية سجود السهو لمن وقع له في الصلاة ما جرى من النبي - ﷺ -، أو نحوه على وجه السهو، عملًا بهذه الأحاديث في الصورة الخاصّة، وقياسًا عليها في غيرها، لتحقق المقتضي الذي شرع سجود السهو له فيها، وقد تقدم أن روايات الزهري لحديث ذي اليدين نفى فيها كون النبي - ﷺ - سجد يومئذ للسهو، إما جزمًا، كما قال في رواية الأوزاعي عنه في آخر الحديث: ولم يسجد سجدتي السهو حين يقّنه الناس، وإما نفيًا للعلم، كما في رواية يونس بن يزيد عنه، عن سعيد المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله، كلهم عن أبي هريرة - ﵁ - بحديث ذي اليدين، وسمّاه ذا الشمالين، وفي آخره: قال الزهري: ولم يحدثني أحد منهم أن رسول الله - ﷺ - سجد سجدتين، وهو جالس في تلك الصلاة، وذلك فيما نرى -والله أعلم- من أجل أن الناس يقّنوا رسول الله - ﷺ - حتى استيقن. وهاتان الروايتان في «صحيح ابن خزيمة» كما تقدم. وكان ابن شهاب يقول: إذا عَرَفَ الرجلُ ما نسي من صلاته، فأتمّها، فليس عليه سجود سهو. قال الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاج -﵀- في كتابه «التمييز» له: قول ابن شهاب: إن رسول الله - ﷺ - ما سجد يوم ذي اليدين سجدتي السهو خطأ وغَلَطٌ، وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه سجد سجدتي السهو ذلك اليوم من أحاديث الثقات، كابن سيرين وغيره. وقال ابن عبد البرّ -﵀-: لا أعلم أحدًا من أهل العلم بالحديث المصنفين فيه عوّل على حديث ابن شهاب في قصة ذي اليدين، وكلهم تركه، لاضطرابه فيه، وأنه لم يقمه إسنادًا ولا متنًا، وإن كان إمامًا عظيمًا في هذا الشأن، فالغلط لا يسلم منه أحد، والكمال ليس لمخلوق. قال العلائي -﵀-: وعلى تقدير قبول هذا الحديث من الزهري، والحكم بتصحيحه، فإما أن نعتبر روايته التي نفى فيها عدمَ العلم بوقوع سجود السهو من النبي - ﷺ - يوم ذي اليدين، أو نعتبر الرواية التي جزم فيها بعدمه. فعلى التقدير الأول لا تعارض بينه وبين بقية الروايات، لأنه لم ينف ما أثبتوه، بل ذكر أن أحدًا من شيوخه لم يروه له، فلا يرد مثل هذا على من حفظ ذلك، ورواه إجماعًا. وأما على التقدير الثاني، فهو يَتَخرّج على تعارض المثبت والنافي، وجمهور العلماء على ترجيح المثبت على النافي، لما عنده من زيادة العلم، ونُسب الخلافُ في ذلك إلى القاضي عبد الجبار من المعتزلة وغيره، فقالوا: هما متعارضان، وهو ضعيف، لما ذكرنا من أن المثبت معه زيادة علم، وقد حفظها، وقصر النافي عنها. وقد ذكر بعض المتأخرين من الأئمة أن هذا التقديم إنما يكون في نفي مطلق، وإثبات مطلق، فأما متى كانا محصورين في قضية واحدة، فإنهما يكونان متعارضين. ومثَّل ذلك باختلاف بلال وأسامة - ﵄ - حيث دخل النبي - ﷺ - الكعبة، فنفى أسامة أن يكون صلى فيها، وأثبت ذلك بلال، وحديثُ ذي اليدين قريب من هذا. والجواب عن هذا أن غاية الأمر بعد تسليم أن الزهري اتصلت له الرواية جازمة بعدم سجود السهو يومئذ، وأنه ما غلط في ذلك أن يكونا متعارضين، وحينئذ يُرجع إلى الترجيح. والترجيح هنا للروايات المثبتة لسجود السهو، لكثرتها، وتعدد الثقات الحفّاظ الناقلين لها، كما تقدم سياق ذلك، فالأخذ بها هو المتعيّن. ثم نلزم الحنفية القائلين بتصحيح حديث الزهري، والاحتجاج على أن القصة قبل بدر، وأن المتكلم ذو الشمالين أن يقبلوا نفيه لسجود السهو يومئذ، ولا يقولون بمشروعيته في هذه الصورة. انتهى كلام العلائي، وهو بحث مفيد جدًّا. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة التاسعة: في بيان مذاهب أهل العلم في محل سجود السهو: (اعلم): أنه اختلف في محل سجود السهو، هل هو قبل السلام، أم بعده على أقوال، أوصلها الحافظ العراقي في شرح الترمذي -على ما نقله الشوكاني في «نيله» جـ ٣ ص ١٣٢ - ١٣٥ - ثمانية: الأول: أن سجود السهو كله محله بعد السلام. الثاني: أنه قبل السلام. الثالث: التفرقة بين الزيادة والنقص، فيسجد للزيادة بعد السلام، وللنقص قبله. الرابع: أنه يستعمل كلّ حديث كما ورد، وما لم يرد فيه شيء سجد قبل السلام. الخامس: أنه يستعمل كل حديث كما ورد، وما لم يرد فيه شيء، فما كان نقصًّا سجد له قبل السلام، وما كان زيادة فبعد السلام. السادس: أن الباني على الأقلّ في صلاته عند شكه يسجد قبل السلام على حديث أبي سعيد الآتي، والمتحري في الصلاة عند شكه يسجد بعد السلام على حديث ابن مسعود الآتي أيضًا. السابع: أنه يتخيّر الساهي بين السجود قبل السلام وبعده، سواء كان لزيادة أو نقص. الثامن: أن محله كله بعد السلام، إلا في موضعين، فإن الساهي فيهما مخير، أحدهما من قام من ركعتين، ولم يجلس، ولم يتشهد. والثاني: أن لا يدري أصلى ركعة، أم ثلاثًا، أم أربعًا، فيبني على الأقل، ويتخير في السجود، وهو مذهب الظاهرية، وبه قال ابن حزم، كما في «نيل الأوطار». وزاد الشوكاني تاسعا: وهو أنه يستعمل كلّ ما ورد كما ورد، وما لم يرد فيه شيء، فيتخير. وسيأتي أن هذا القول هو الراجح، إن شاء الله تعالى. وقد ذكر في «النيل» القائلين بهذه الأقوال وأدلتهم، تركت نقله هنا استغناءً بما يأتي في كلام الحافظ العلائي مفصلًا مبسوطًا، إن شاء الله تعالى. فلقد حقق -﵀- أدلة معظم هذه الأقول، وناقشها، وبيّن ما لها وما عليها، وتوسع في ذلك، فأجاد وأفاد، فقال: احتج الحنفية بهذه الأحاديث على أن محل سجود السهو بعد السلام على الإطلاق. والمالكية على أن السهو إذا كان زيادة، فالسجود بعد السلام، لأن النبي - ﷺ - تكلم، وسلم، ومشى في صلاته هذه سهوًا، ثم سجد لذلك بعد السلام. والعلماء مختلفون في هذه المسألة قديمًا وحديثًا، فالمشهور من مذهب الشافعي أن سجود السهو قبل السلام على الإطلاق، سواءٌ كان عن نقص، أو زيادة. قال ابن عبد البرّ -﵀-: روي هذا القولُ عن أبي هريرة، والسائب بن أبي السائب، وعبد الله بن الزبير، ومعاوية، وعبد الله بن عباس - ﵃ -، وبه قال مكحول، وابن شهاب الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة، والأوزاعي، والليث بن سعد. قال العلائي: ونقله ابن الصبّاغ في «الشامل» أيضًا عن أبي سعيد الخدري من الصحابة، وسعيد بن المسيب من التابعين. وقد روى ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب، وأبي عبيدة أنهما كانا إذا وهما في صلاتهما، فلم يدريا ثلاثًا صليا، أم أربعًا سجَدَا سجدتين قبل أن يسلما. وقال أبو حنيفة وأصحابه جميعًا: سجود السهو كله بعد السلام، سواءٌ كان عن نقص أو زيادة، وهو مروي عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وسعد بن أبي وقّاص، وعمّار بن ياسر، وعمران بن حصين، والضحاك بن قيس، والمغيرة بن شعبة، نقله ابن عبد البرّ عنهم، ثم قال: واختلُف فيه عن معاوية بن أبي سفيان، وابن عباس، وابن الزبير - ﵃ -. قال العلائي -﵀-: ورواه ابن أبي شيبة عن أنس بن مالك، وأبي هريرة، والسائب القاري. والذي روى الترمذي في «جامعه» عن أبي هريرة والسائب القاريّ بإسناد متصل أيضًا أن السجود قبل السلام، والإسناد واحد، فأحدهما وهم. وهو في «جامع عبد الرزاق» عن ابن عمر، وابن عباس - ﵄ - جميعًا، لكن بإسناد مرسل. وبه قال الحسن البصري، وقتادة، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعطاء بن أبي رباح، وعروة بن الزبير، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعمر بن عبد العزيز، وإبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، والحسن بن صالح بن حيّ، وأبن أبي ليلى. وقال مالك، وجماعة من أصحابه: إن كان السهو بزيادة، فالسجود له بعد السلام، وإن كان بنقصان، فالسجود قبل السلام، وهو قول أبي ثور، والمزني من أصحاب الشافعي، ونقله الشيخ أبو إسحاق، وجماعة عن القديم من مذهب الشافعي. وقال القاضي الماوردي في «الحاوي»: أشار إليه الشافعي في كتاب «اختلافه مع مالك»، والمشهور من مذهبه في القديم والجديد أنه قبل السلام في الزيادات والنقصان. وكذلك قال صاحب «الشامل». وعن مالك قول آخر أن الكلّ سواءٌ. ما قبل السلام وما بعده في الزيادة والنقص، لورود الأحاديث بذلك، حكاه في «المجموعة» فيما نقله القرطبي. وهذا كله حيث تحقق الزيادة والنقصان، فأما في صورة الشكّ، فقال الاودي: اختلف قول مالك في الذي لا يدري صلى ثلاثًا أم أربعًا؟ فقال: يسجد قبل السلام، وقال: يسجد بعد السلام. فتحصل بذلك ثلاثة أقوال في مذهب مالك -﵀-. وأما أحمد بن حنبل -﵀- فإنه قال باستعمال الأحاديث كلها، فحكى الأثرم أنه سمعه يقول: كل سهو سجد له النبي - ﷺ - قبل السلام أو بعده، فمحله حيث سجد النبي - ﷺ -، وما سوى المواضع التي ورد السهو فيها عنه - ﷺ -، فالسجود لها قبل السلام، لأنه يُتم ما نقص من صلاته، قال: ولولا ما روي عن النبي - ﷺ - لرأيت السجود كله قبل السلام، لأنه من شأن الصلاة أن يقضيها قبل السلام، ولكن أقول: كل ما روي عن النبي - ﷺ - أنه سجد فيه بعد السلام، فإنه يسجد فيه بعد السلام، وسائر السهو يسجد فيه قبل السلام. وقال داود الظاهري نحوًا من هذا القول، لكنه اقتصر في مشروعية سجود السهو على المواضع التي ثبت أن النبي - ﷺ - سجد فيها، ولم يقل به فيما عداها جريًا على طريقته المعروفة من الجمود، وعدم الإلحاق مع فهم المعنى. وعن أحمد أيضًا روايتان أخريان: إحداهما كمشهور مذهب الشافعي، والأخرى كقول مالك. وقول إسحاق بن راهويه كقول أحمد المتقدم في تبعية الأحاديث، وفيما عداها يُفرّق بين الزيادة والنقصان كمذهب مالك. ثم هذا الخلاف، هل هو في الأولوية مع جواز الأمرين، أم في الاستحقاق؟ صرّح ابن عبد البرّ بأن الخلاف إنما هو في الأولوية، وأن كل من قال بأنه بعد السلام، فسجد قبل السلام، أو بالعكس، فلا شيء عليه. وكذلك قال الماوردي في كتابه «الحاوي»: ولا خلاف بين الفقهاء أن سجود السهو جائز قبل السلام وبعده، وإنما اختلفوا في المسنون. وحكى إمام الحرمين أبو المعالي -﵀- في مذهب الشافعي طريقين: أحدهما: نقل ثلاثة أقوال: أحدها: وهو الصحيح من المذهب أن السجود قبل السلام، ولو أوقع بعده لم يُعتدّ به. والثاني: الفصل بين الزيادة والنقصان كما تقدّم، وعزاه إلى القديم. والثالث: أن الساهي بالخيار، إن شاء قدّم، وإن شاء أخّر، فهما سواء -يعني في حالتي الزيادة والنقص. قال العلا الحافظ العلائي: وهذا القول غريب في المذهب، وقد عزاه الحازمي إلى القديم، وهو موافق للمقول المحكي عن مالك فيما تقدّم عن «المجموعة»، وهو قول محمد بن جرير الطبريّ، حكاه عنه القاضي عياض رحمه الله تعالى. ثم قال الإمام: وقال بعض أئمتنا: لا خلاف أنه يُجزىء التقديم والتأخير، وإنما التردد في بيان الأولى والأفضل، ففي قول يقول: الأفضل التقديم، وفي قول: لا نفضل، ولا نفرّق، ونجوز الأمرين جميعًا، وفي قول: نفرّق بين الزيادة والنقصان في الأفضل لا في الإجزاء، فإن الأمرين جميعًا جائزان مجزيان، ووجّه هذه الطريقة بصحة الإخبار في التقديم والتأخير جميعًا. ثم قال: والطريقة المشهورة ردّ التردد إلى الإجزاء والجواز كما تقدّم، ويظهر توجيهها من جهة المعنى، فإن السجود إذا وقع قبل السلام كان زيادة في الصلاة، وإذا وقع وراء التحلل كان منفصلًا عن حكم الصلاة، وهما أمران متباعدان، والتخيير بينهما بعيد. وكذلك قال الرّافعي بعد حكاية الأقوال الثلاثة التي ذكرناها آنفًا: ثم هذا الاختلاف في الإجزاء على المشهور بين الأصحاب، وحكى القاضي ابن كج، وإمام الحرمين طريقة أخرى أنه في الأفضل. وقد تقدم نقل ابن عبد البرّ عن الفقهاء أن الاختلاف في الأولوية، وكذلك صرّح به عن مذهبه. فقال: جملة مذهب مالك: أن من وضع السجود الذي قلنا: إنه قبلُ بعدُ، أو وضع السجود الذي قلنا بعدُ قبلُ، فلا شيء عليه، إلا أنهم أشدّ استثقالًا لمن وضع السجود الذي بعد السلام قبل السلام. وقال القرطبي في «شرح مسلم»: وهل هذا الترتيب هو الواجب، أو هو الأولى؟ قولان للأصحاب. وصرّح صاحب «الهداية» عن مذهب الحنفية أن الكلام في الأولوية، لا في التعيُّن. وظاهر مذهب أحمد أن الخلاف في الإجزاء والتعيّن، لأن سجود السهو عندهم واجب، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ونصّ الشيخ موفق الدين في «المقنع» على أن من ترك سجود السهو الذي محله قبل السلام عمدًا بطلت صلاته، وإن تركه سهوًا قضاه بعد السلام ما لم يتطاول الفصل، قال: وإن ترك المشروع بعد السلام لم تبطل صلاته. قال العلائي: فدلّ هذا على أن الخلاف يرجع عندهم إلى التعيين، وهو أقوى في ذلك من الراجح عند إمام الحرمين والرافعي، لأن أحدًا من أصحابنا لم يقل ببطلان الصلاة إذا تعمّد ترك سجود السهو الذي قبل السلام. ولكن فائدة القول بالتعيين أنه إذا سلّم قبل السجود، فقد فات محلّه، فلا يتدارك، بخلاف الطريقة الأخرى. فهذا نقل المذهب في المسألة. وأما بيان ما احتجّ به كلّ فريق، فذلك يستدعي تقديم الأحاديث الواردة عن النبي - ﷺ - في مواضع سجود السهو قولًا وفعلًا، ثم بيان تمسكهم بها. قال الإمام أبو عبد الله المازري -﵀-: أحاديث السهو كثيرة، والثابت منها خمسة أحاديث، وهي حديث أبي هريرة، وحديث أبي سعيد الخدري، وهما جميعًا فيمن شكّ كم صلى، وذكر في حديث أبي هريرة أنه سجد سجدتين، ولم يذكر موضعهما، وفي حديث أبي سعيد الخدري أنه سجد قبل السلام، وحديث ابن مسعود، وفيه القيام إلى خامسة، وأنه سجد بعد السلام، وحديث ذي اليدين، وفيه السلام من اثنتين، والسجود بعد السلام، وحديث ابن بُحَينة، وفيه القيام من اثنتين، والسجود قبل السلام، ثم ذكر كيفية أخذ الأئمة بهذه الأحاديث، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. وقال الشيخ محيي الدين -﵀- في «شرح المهذب»: الأحاديث الصحيحة التي عليها مدار باب سجود السهو، وعنها تشعّبت مذاهب العلماء ستة أحاديث، فذكر هذه الخمسة، وحديث عبد الرحمن بن عوف الذي أخرجه الترمذي، وفيه الأمر بالسجود قبل التسليم. قال الحافظ العلائي رحمه الله تعالى: حديث ذي اليدين تقدم بجميع طرقه، وأما حديث أبي هريرة، فهو في «الصحيحين» من حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا نودي بالأذان أدبر الشيطان. له ضُراط حتى لا يسمع الأذان، فإذا قُضي الأذان أقبل، فإذا ثوب بها أدبر. فإذا قُضي التثويب أقبل، حتى يَخْطر بين المرء ونفسه، فيقول اذكر كذا، اذكر كذا لما لم يكن يذكر، حتى يظلّ الرجل إن يدر كم صلى، فإذا لم يدر أحدكم كم صلى، فليسجد سجدتين، وهو جالس». وأخرجاه أيضًا من حديث مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به مختصرًا، لم يذكر قصة الأذان، بل لفظه: أن رسول الله - ﷺ - قال: «إن أحدكم إذا قام يصلي جاءه الشيطان، فلبس عليه حتى لا يدري كم صلى، فإذا وجد ذلك أحدكم، فليسجد سجدتين، وهو جالس». ثم رواه مسلم من حديث سفيان بن عُيينة، والليث بن سعد، عن الزهري، كذلك. وكذلك رواه أبو داود، والنسائي من حديث مالك. وكذلك رواه أيضًا معمر عن الزهري. ثم رواه أبو داود من حديث ابن أخي الزهري، عن عمه، قال بهذا الحديث بإسناده، وزاد: «وهو جالس قبل التسليم». وإلى هذه الرواية أشار الشيخ محيي الدين -﵀-. ومحمد بن عبد الله ابن أخي الزهري احتجّ به الشيخان، وقد تكلم في حفظه، وضعفّه ابن معين، وقال مرّةً: ليس بالقويّ، وذكر الذهلي أنه روى عن عمه ثلاثة أحاديث ليس لها أصل. وقد تابعه على ذكر هذه الزيادة ابن إسحاق، أخرجه أبو داود، وابن ماجه، والبيهقي، من حديثه، قال: حدثنا الزهري، فذكره. ورواه ابن ماجه، والبيهقي أيضًا من حديث ابن إسحاق، حدّثنا سلمة بن صفوان بن سلمة الأنصاريّ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. . .الحديث، وفيه: «إذا وجد أحدكم ذلك، فليسجد سجدتين، وهو جالس قبل أن يسلم، ثم يسلم». ثم رواه البيهقيّ هكذا أيضًا من مسند الحسن بن سفيان، حدّثنا عبد الله بن الرومي، حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة، حدثني أبو هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا سها أحدكم، فلم يدر أزاد، أم نقص، فليسجد سجدتين، وهو جالس، ثم يسلم». قال البيهقي: وكذلك رواه محمد بن مرزوق، عن عمر بن يونس. قال العلائي -﵀-: فقويت هذه الزيادة حينئذ بمجموع هذه الروايات. والله تعالى أعلم. وأما حديث أبي سعيد - ﵁ -، فأخرجه مسلم في «الصحيح» عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا شكّ أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى، ثلاثًا، أو أربعًا، فليطرح الشكّ، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن صلى إتماما لأربع كانت ترغيمًا للشيطان». هكذا رواه من حديث سليمان بن بلال، وداود بن قيس، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد به. ورواه أبو داود، والنسائي من حديث ابن عجلان، عن زيد بن أسلم. وأخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» من حديث ابن عجلان، وعبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون، وهشام بن سعد، عن زيد بن أسلم مسندًا، كما رواه مسلم. وكذلك رواه أيضًا محمد بن مطرّف أبو غسان، وفليح بن سليمان، عن زيد بن أسلم. ورواه مالك في «الموطأ» عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، أن النبي - ﷺ - قال:. . . فذكره مرسلًا. وكذلك رواه سفيان بن عُيينة، وحفص بن ميسرة، ومحمد جعفر بن أبي كثير، عن زيد بن أسلم مرسلًا. واتفق الحُفّاظ على تصحيح المسند، وقبوله ممن حفظه، ولذلك أخرجه مسلم في «صحيحه»، قال ابن عبد البرّ: الحديث متصل مسند صحيح، ولا يضره تقصير من قصّر به، لأن الذين وصلوه حُفّاظ مقبولة زيادتهم. وقال المازري -﵀-: إرسال مالك للحديث غير قادح، لأنه قد عُلم من عادته ذلك، ثقةً منه مما علم من عادته، وأن ذلك لا يوقع في النفوس منه استرابة. وكذلك قال البزّار: الحديث صحيح، وإن كان مالك أرسله. قال العلائي -﵀-: وقد رواه الوليد بن مسلم، عن مالك مسندًا كما رواه سليمان بن بلال ومن تابعه، فكأن مالكًا -﵀- أسنده في وقت فحفظه عنه الوليد بن مسلم. والله أعلم. وأما حديث ابن مسعود - ﵁ -، فروى الحكم، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - صلى الظهر خمسًا، فقيل: أزيد في الصلاة؟ فقال: «وما ذاك؟» قالوا: صليت خمسًا، فسجد سجدتين بعد ما سلم. أخرجه البخاري ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي بهذا اللفظ، إلا أن مسلما لم يقل فيه: بعد ما سلم. وأخرج مسلم أيضًا من حديث الأعمش، ومنصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله - ﵁ -، قال: صلى رسول الله - ﷺقال إبراهيم: زاد أو نقص، الشك مني- فلما سلم، قيل له: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟ قال: «وما ذاك؟»، قالوا: صليت كذا وكذا، قال: فثنى رجليه، واستقبل القبلة، فسجد سجدتين، ثم سلم، ثم أقبل علينا بوجهه، فقال: «إنه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به، ولكن إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكّروني، وإذا شكّ أحدكم في صلاته، فليتحرّ الصواب، فليتم عليه، ثم ليسجد سجدتين». هذه رواية منصور. وفي رواية الأعمش ذكر هذا الكلام أولًا، ثم ذكر أن سجود السهو جرى بعده. وكذلك أخرجه مسلم أيضًا مختصرًا من جهة الأعمش بهذا السند عن عبد الله، أن رسول الله - ﷺ - سجد سجدتي السهو بعد السلام والكلام. ورواه مسلم من حديث الأسود، عن ابن مسعود - ﵁ -، قال: صلى بنا رسول الله - ﷺ - خمسًا، فقلنا: يا رسول الله أزيد في الصلاة؟ قال: «وما ذاك؟» قالوا: صليت خمسًا، قال: «إنما أنا بشر مثلكم، أذكر كما تذكرون، وأنسى كما تنسون»، ثم سجد سجدتي السهو. فجميع روايات مسلم لم يُقيّد فيها الأمرَ بسجود السهو بعد التسليم. وكذلك رواه البزار في «مسنده» من طريق حُصَين بن عبد الرحمن، عن إبراهيم، عن علقمة بالحديث. ورواه البخاري من حديث جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود، ولفظه: «وإذا شك أحدكم في صلاته، فليتحرّ الصواب، فليتمّ عليه، ثم يسلم، ثم يسجد سجدتين». وأخرجه أبو داود بهذا اللفظ أيضًا من حديث جرير بهذا السند، وكذلك ابن خزيمة في «صحيحه». وكذلك رواه ابن خزيمة أيضًا، والنسائي في «سننه» من حديث فُضَيل بن عياض، عن منصور، وهو عند النسائي أيضًا من رواية ابن المبارك، وعند ابن خزيمة أيضًا من حديث زائدة، كلاهما عن منصور، وكلهم قال فيه: «ثم ليسلّم، ثم ليسجد سجدتين». وهو عند مسلم من حديث جرير بن عبد الحميد بدون هذه الزيادة كما تقدّم، ومن طرق أُخَرَ كثيرة أيضًا بدونها. قال البيهقي -﵀-: حفظ هذه اللفظة -يعني ثم ليسلم- سفيان الثوريّ، وشعبة، وووهيب بن خالد أيضًا، عن منصور. ورواه عبد العزيز بن عبد الصمد، ومسعر، وكذا روى غيرهما عن منصور، فلم يذكروا هذه اللفظة. ورواه جماعة عن إبراهيم، منهم الحكم بن عُتَيبة، والأعمش، فلم يذكروها، وكذلك رواه إبراهيم بن سُويد النخعي، عن علقمة، فلم يذكرها، وهو غير إبراهيم بن يزيد النخعي. وكذلك لم يذكرها الأسود بن يزيد، عن ابن مسعود. والله أعلم. قال أبو داود في «السنن»: حدثنا النفيلي، حدثنا محمد بن سلمة، عن خصيف، عن أبي عبيدة بن عبد الله، عن أبيه - ﵁ -، عن رسول الله - ﷺ -، قال: «إذا كنت في صلاة فشككت في ثلاث، أو أربع، وأكبر ظنك على أربع، تشهّدت، ثم سجدت سجدتين، وأنت جالس، قبل أن تسلم، ثم تشهّد أيضًا، ثم تسلّم». ثم قال أبو داود: ورواه عبد الواحد، عن خُصيف، ولم يرفعه، ووافق عبد الواحد أيضًا سفيان، وشريك، وإسرائيل، واختلفوا في الكلام في متن الحديث، ولم يسندوه. قال العلائي -﵀-: فالراجح حينئذ أنه موقوف، وأبو عبيدة ابن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه باتفاق. وخُصيف الجَزَري ضعفه أحمد بن حنبل، وقَبِلَه غيره، وقال أبو حاتم: تُكُلِّمَ في سوء حفظه. وأما حديث ابن بُحَينة - ﵁ -، فهو عند مالك، والجماعة كلهم بإسناد متصل عن عبد الله بن مالك الأسدي،، ابن بُحينة، حليف بني المطلب، قال: صلى لنا رسول الله - ﷺ - ركعتين، ثم قام، ولم يجلس، وقام الناس معه، فلما قضى صلاته، ونظرنا تسليمه، كبّر، وسجد سجدتين، وهو جالس قبل التسليم، ثم سلم. هذا لفظ «الموطأ» و«الصحيحين». وعند مسلم أيضًا في رواية أخرى: أن رسول الله - ﷺ - قام في صلاة الظهر، وعليه جلوس، فلما أتمّ صلاته سجد سجدتين، فكبّر في كل سجدة، وهو جالس قبل أن يسلم، وسجدهما الناس معه مكان ما نسي من الجلوس. وروى النسائي من حديث الليث، عن ابن عجلان، عن محمد بن يوسف مولى عثمان، عن أبيه يوسف: أن معاوية - ﵁ - صلى إمامهم، فقام في الصلاة، وعليه جلوس، فسبّح الناس، فتمّ على قيامه، ثم سجد بنا سجدتين، وهو جالس بعد أن أتمّ الصلاة، ثم قعد على المنبر، فقال: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من نسي من صلاته، فليسجد مثل هاتين السجدتين . ورجال هذا الحديث ثقات. ورواه الطبراني في«معجمه» من حديث يحيى بن أيوب، عن ابن عجلان، ولفظه: فلما كان آخر صلاته سجد سجدتين قبل التسليم، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - يصنع. وقد أخرجه البيهقي من حديث عمرو بن الحارث، عن بكير بن الأشجّ، عن العجلان مولى فاطمة حدثه أن محمد بن يوسف حدثه عن أبيه، فذكر القصة، وقال فيه: فلما كان في آخر صلاته سجد سجدتين قبل السلام، قال: هكذا رأيت رسول الله - ﷺ - صنع. وإسناد هذه الرواية صحيح أيضًا ، وقال بيّن فيه ما أبهم في رواية النسائي، لأن قوله: بعد أن أتمّ الصلاة يَحتَملُ أن يكون أتمها بالكلية، فيكون ذلك بعد التسليم، وأن يكون أتم أفعالها، فيكون السجود قبل السلام. ففي رواية البيهقي تَبَيّن أن المراد المعنى الثاني، كما صرّح به في حديث ابن بُحينة، وعلى ذلك أيضًا ينبغي حمل حديث سعد بن أبي وقّاص الذي أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه»، والحاكم في «مستدركه»، كلاهما من حديث أبي مُعاوية الضرير، عن إسماعيل ابن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن سعد - ﵁ - أنه نهض في الركعتين، فسبحوا به، فاستتمّ قائمًا، ثم سجد سجدتي السهو حين انصرف، ثم قال: أكنتم تروني أجلس؟ إنما أصنع كما رأيت رسول الله - ﷺ - يصنع. وقال فيه الحاكم: على شرط الشيخين، قال العلائي. وهو كما ذكر. وحمل أبو داود هذا الحديث على أن السجود كان بعد السلام، لقوله: حين انصرف، وهذا هو الظاهر. وقد صرّح به المغيرة بن شعبة - ﵁ - في حديثه، أخرجه أبو داود من حديث المسعودي، عن زياد بن علاقة، قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة، فنهض في الركعتين، قلنا: سبحان الله، قال: سبحان الله، ومضى، فلما أتم صلاته، وسلّم سجد سجدتي السهو، فلما انصرف، قال: رأيت رسول الله ﷺ يصنع كما صنعت. قال أبو داود: وكذلك رواه ابن أبي ليلى، عن الشعبي، عن المغيرة بن شعبة، ورفعه. ورواه أبو عُمَيس -أخو المسعودي- عن ثابت بن عبيد، قال: صلى بنا المغيرة بن شعبة، مثل حديث زياد بن علاقة. قال العلائي: أما السند الأول، فالمسعودي هو عبد الرحمن بن عبد الله الكوفي، وثقه أحمد، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، ومحمد بن سعد، وغيرهم، وكلهم اتفقوا على أنه اختلط في آخر عمره، وغلط في كثير من حديثه. فعلى هذا لا يعلم، هل هذا الحديث مما رواه قبل الاختلاط أو بعده، ولم يخرج له الشيخان شيئًا لذلك المعنى. وأما الطريق الثاني، فهي عند عبد الرزاق، عن الثوري، عن ابن أبي ليلى، عن الشعبي، عن المغيرة بن شعبة، أنه قام في الركعتين الأوليين، فسبحوا به، فلم يجلس، فلما قضى صلاته سجد سجدتين بعد التسليم، ثم قال: هكذا فعل رسول الله - ﷺ -. وابن أبي ليلى ضعيف متكلم فيه من قبل حفظه. وقد رواه ابن عبد البرّ في «التمهيد» من حديث أبي قلابة الرّقاشي، عن بكر بن بكار، عن علي بن مالك، عن عامر الشعبي، عن المغيرة بن شعبة به، هكذا. وعلي بن مالك هذا إن كان العبدي، فقد قال فيه يحيى بن معين: ليس بشيء. وقال البيهقي بعد ذكر حديث معاوية المتقدم: وكذلك فعل عقبة ابن عامر الجُهَني. وحديث عقبة هذا رواه ابن عبد البرّ من حديث الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب أن عبد الرحمن بن شماسة حدثه أن عقبة بن عامر قام في صلاته، وعليه جلوس، فقال الناس: سبحان الله، فعرف الذي يريدون، فلما أتم صلاته سجد سجدتين، وهو جالس، ثم قال إني سمعت قولكم، وهذه السنة. قال العلائي: وإسناد هذه الرواية صحيح، وحملها البيهقي على الرواية التي رواها عن معاوية مفسرةً أن سجود السهو كان قبل التسليم. والحاصل: أن هذه الروايات بعضها محتمل لا يُحمل على ذلك، والذي صرّح فيها بأن السجود كان بعد التسليم، كحديث المغيرة بن شعبة لا يقاوم حديث ابن بُحينة المتفق على صحته وثبوته. والله سبحانه أعلم. وأما حديث عبد الرحمن بن عوف - ﵁ - الذي أشار إليه الشيخ محيى الدين -﵀-، فأخرجه الترمذي من حديث إبراهيم بن سعد، وابن ماجه من حديث أبي سلمة، كلاهما عن محمد بن إسحاق، عن مكحول، عن كريب، عن ابن عباس، عن عبد الرحمن ابن عوف - ﵃ -، قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: إذا سها أحدكم في صلاته، فلم يدر واحدة صلى، أو اثنتين، فليبن على واحدة، وإن لم يدر اثنتين صلى، أو ثلاثًا، فليبن على اثنتين، وإن لم يدر ثلاثًا صلى، أو أربعًا، فليبن على ثلاث، وليسجد سجدتين قبل أن يسلّم». ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وقد روي هذا الحديث عن عبد الرحمن بن عوف من غير هذا الوجه، رواه الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة، عن ابن عباس، عن عبد الرحمن بن عوف. انتهى كلامه. ورواه ابن عبد البرّ في«التمهيد»من حديث أحمد بن خالد الوهبي، عن ابن إسحاق، عن مكحول به، وفيه زيادة قصة أن عمر بن الخطاب سأل ابن عباس عن هذا الحكم، وذكر أنه لم يسمع فيه شيئًا، فدخل عليهما عبد الرحمن بن عوف - ﵃ -، فقال: لكني عندي منه علم، سمعت ذلك من النبي - ﷺ -، فقال له عمر - ﵁ -: فأنت العدل الرضى، فماذا سمعت؟ فذكر الحديث كما تقدّم، وفي آخره:«حتى يكون الوهم في الزيادة، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، ثم يسلم». وأخرجه الحاكم في«المستدرك» بهذه القصة من حديث ابن إسحاق هكذا، وقال فيه: على شرط مسلم. قال الحافظ العلائي -﵀-: وفيما قال نظر من وجهين: أحدهما: أن مسلمًا -﵀- لم يحتج بابن إسحاق في الأصول، بل في المتابعات في مواضع يسيرة، فليس على شرطه في الأصول. الثاني: أنه لو احتجّ به في الأصول لم يكن هذا على شرطه، بل ولا صحيحًا، كما قال الترمذي، لأن ابن إسحاق مدلس عن الضعفاء، وقد قال هنا: عن مكحول، فلا يُحتَجّ به على القاعدة المعروفة في مثله من المدلسين. وهذا الحديث مما دلّسه، فقد رواه البزّار في «مسنده» من حديث عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن ابن إسحاق، حدثنا حُسين بن عبد الله، عن مكحول، عن كريب، عن ابن عباس به. وبين ذلك إسماعيل ابن عُليّة، فقال: حدثنا محمد بن إسحاق، عن مكحول، عن ابن عبّاس، قال: كنّا عند عمر، فذكر الحديث. قال محمد بن إسحاق: فلقيت حُسين بن عبد الله، فذاكرته هذا الحديث، فقال لي: هل أسنده لك؟ فقلت لا، فقال: لكن حدثني مكحول عن كريب، عن ابن عباس، عن عبد الرحمن بن عوف، فذكر الحديث. أخرجه البيهقي هكذا من حديث إسماعيل ابن علية، وكذلك رواه البزّار أيضًا من طريقه. وكذلك رواه ابن أبي شيبة، عن عبد الله بن نمير، عن ابن إسحاق، عن مكحول: أن رسول الله - ﷺ -، فذكره مرسلًا، ثم أسنده عن حسين بن عبد الله، كما قال ابن عُلية، والمحاربي. فتبين أن ابن إسحاق لم يسمع الحديث متصلًا، إلا من حسين بن عبد الله، عن مكحول، لا من مكحول نفسه. وحسين هذا ضعيف باتفاقهم، قال علي بن المديني: تركت حديثه. وقال النسائي: متروك. وقال أحمد بن حنبل: له أشياء منكرة. قال العلائي: والعجب من تصحيح الترمذي الحديث مع هذه العلة!!. وأما الرواية التي أشار إليها الترمذي من طريق الزهري، فهي من رواية إسماعيل بن مسلم المكي، عنه، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن عبد الرحمن بن عوف. قال البيهقي: ورواها أيضًا بقية، عن بحر بن كنيز السقاء، وكذلك روي عن سفيان ابن حسين، عن الزهري. قال العلائي: إسماعيل بن مسلم المكي متروك، قاله النسائي، وقال الجُوزجاني: واه جدًّا، واتفقوا على ضعفه. وبحر بن كنيز السقاء متروك باتفاقهم، لم يُخرّجوا له. وطريق سفيان بن حسين لا أراها تصحّ إليه. وللحديث طريق أخرى، رواها البيهقي من حديث عبد الله بن واقد الحَرّاني، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، كرواية ابن إسحاق. وعبد الله بن واقد هذا وثقه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين في رواية، وقال في رواية أخرى: ليس بشيء. وقال أبو زرعة: ضعيف، لا يُحدَّث عنه. وقال أبو حاتم: منكر الحديث، ذهب حديثه. وقال البخاري: تركوه. وقال النسائي: ليس بثقة. فهذه طرق حديث عبد الرحمن بن عوف، وليس شيء منها مما يُحتجّ به، فلا يُغتَرّ بتصحيح الترمذي، والحاكم له، كما قلدهما الشيخ محيي الدين -يعني النووي في «مجموعه» جـ ٤ ص ١٠٩ - في ذلك. وبالله التوفيق. فإذا عرفت هذه الأحاديث، فالكلام الآن في مآخذ الأئمة في العمل بها. أما داود فلم يَتَعَدَّها، ولم يقل بمشروعية سجود السهو في غير ما ورد في الأحاديث كما تقدم، جريًا على عادته في الظاهرية، وفصّل السجودَ فيها قبل السلام وبعده حسبما ورد في الأحاديث المتقدمة. وأما باقي الأئمة، فإنهم عَدَّوُا الحكمَ إلى غيرها، لعدم الفارق، وقوة المقتضي للإلحاق، بل لو قيل بأن ذلك من باب الأمة والعبد في العتقال في قُطع فيه بنفي الفارق لم يكن بعيدًا لأنه من المعلوم أنه لا فرق بين زيادة فعل وفعل في الصلاة، ولا بين السلام من اثنتين، والسلام من ثلاث في الرباعية، ولا بين السهو في الصبح والظهر، فالاقتصار على ما ورد في الحديث ظاهر البطلان. ثم اختلف الأئمّة في كيفية العمل بهذه الأحاديث: فأبو حنيفة، والشافعي رحمهما الله سلكا مسلك الترجيح بينها، وردّ بعضها إلى بعض. ومالك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه سلكوا مسلك الجمع بين جميع الأحاديث، والعمل بكلها. فأما أبو حنيفة -﵀-، فإنه اعتمد حديث ابن مسعود - ﵁ - الذي قال فيه النبي - ﷺ -: «وإذا شك أحدكم في صلاته، فليتحرّ الصواب، فليتمّ عليه، ثم ليسلم، ثم ليسجد سجدتين». وقد تقدم الحديث، وأنه صحيح بهذه الزيادة، وانضمّ إلى ذلك فعله - ﷺ - في أحاديث ذي اليدين، وما تابعها من رواية أبي هريرة، وعمران بن حصين، وغيرهما: أن النبي - ﷺ - سجد بعد التسليم، واحْتُجّ له أيضًا بأحاديث أُخر قولية صرّح فيها بالسجود بعد التسليم. منها: حديث عبد الله بن جعفر بن أبي طالب - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من شكّ في صلاه، فليسجد سجدتين بعد ما يسلم». أخرجه أبو داود، والنسائي من حديث ابن جريج، عن عبد الله بن مسافع، عن مُصعب بن شيبة، عن عُتبة بن محمد بن الحارث، عن عبد الله بن جعفر. وعُتبة هذا ذكره ابن حبان في «الثقات»، ولم يضعّفه أحد. قال العلائي: وكذلك لم أر أحدًا ضعف عبدَ الله بن مسافع، ولا من وثّقه، ولكنه معروف روى عنه جماعة، وهو مقلّ. وأما مصعب بن شيبة، فقد احتجّ به مسلم، ووثقه يحيى بن معين، وقال فيه أحمد ابن حنبل: روى مناكير، وقال أبو حاتم الراوي: ليس بقوي، وقال النسائي: منكر الحديث. ومنها: حديثُ ثوبان - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: «لكل سهو سجدتان بعد ما تُسلّمُ». أخرجه أبو داود، وابن ماجه. وهذا أقوى ما يحتجّون به لتعميم محالّ السهو بصيغة «كل»، ولأن أبا داود أخرجه، وسكت عنه، والقاعدة التي يسلكها الشيخ محيي الدين -﵀- كثيرًا بأن كلّ ما سكت عنه أبو داود فهو حجة لا زمة له هنا، لكنه قال في «شرح المهذب»: هذا حديث ضعيف ظاهر الضعف، ولم يُبيّن ضعفه من أي وجه. والحديث مداره على إسماعيل بن عياش، قال: حدثنا عبيد الله بن عبيد الكلاعي، عن زهير بن سالم العنسي، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن ثوبان - ﵁ -. وعبيد الله بن عُبيد، وزُهير بن سالم، وثقهما ابن حبان، ولم يُتَكَلَّم فيهما ما علمتُ. وعبد الرحمن بن جُبير، وأبوه احتجّ بهما مسلم. فالذي يُتَعَلَّق عليه في هذا الحديث هو إسماعيل بن عياش، فقد ضعفه النسائي وجماعة، وقال ابن حبان: لا يُحتجّ به. وفي هذا التعلق نظر، فقد وثقه ابن معين، ويعقوب بن سُفيان، وجماعة. وقال يزيد ابن هارون: ما رأيت أحفظ من إسماعيل بن عياش، وقال أحمد بن حنبل والبخاري: إذا حدّث عن أهل بلده -يعني الشاميين- فصحيح، وإذا حدّث عن غيرهم ففيه نظر، وكذلك قال يحيى بن معين في رواية: ليس به بأس في أهل الشام، وقال دُحَيم: هو في الشاميين غاية. وهكذا ابن عديّ بعد ذكر ما قيل فيه: وفي الجملة هو ممن يُحتجّ به في الشاميين خاصّةً. فهذا القول هو الصحيح الذي استقرّ عليه العمل، وهذا الحديث من روايته عن أهل الشام، فتضعيفه فيه نظر. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لكن الذي يظهر -كما قال بعض المحققين- أن إعلال هذا الحديث ليس من جهة إسماعيل، بل من جهة زهير بن سالم، فإنه -وإن وثقه ابن حبان- قال فيه الدارقطني: حمصي منكر الحديث، روى عن ثوبان، ولم يسمع منه. انظر «تهذيب التهذيب» جـ ٣ ص ٣٤٤. فتين بهذا أن الحديث فيه زهير بن سالم منكر الحديث، وسيأتي عن العلائي أن فيه علةً أخرى، وهو الانقطاع، فلا يصحّ. فتنبه. والله تعالى أعلم. قال العلائي رحمه الله تعالى: والذي اعتمده البيهقي في ردّ هذا الحديث بعد ما ضعّفه: الروايات المستفيضة الثابتة عن النبي - ﷺ - أنه سلم، وتكلّم، ومشى، واقتصر على سجدتين، مع تعدد السهو، كما تقدم ذلك في أحاديث ذي اليدين، وسيأتي ما يتعلق بهذه المسألة إن شاء الله تعالى، وأن هذا الحديث لا يلزم منه الدلالة على تعدد السجود بتعدد السهو. وإذا ردّ هذا الفصل لمعارضته ما هو أرجح منه وأثبت، وأكثر طرقًا، وأصحّ، لا يلزم منه ردّ الأمر الآخر، أعني تعيّن السجود بعد السلام، لأنه معتضد بحديث ابن مسعود، وعبد الله بن جعفر، وبفعل النبي - ﷺ - غير مرّة. فهذا معتمد القائلين بأن سجود السهو بعد السلام على الإطلاق، ويَردّ عليهم حديثُ أبي سعيد الخدري - ﵁ - الذي عَيَّن فيه النبيُّ - ﷺ - الأمر بسجود السهو قبل السلام، وهو صحيح أخرجه مسلم كما تقدم. وكذلك الروايات التي تقدمت في حديث أبي هريرة - ﵁ - بتعيين سجود السهو قبل السلام، وهي مما يحتجّ بها، وحديث عبد الله ابن بُحَينة المتفق على صحته، ولم يُختلف فيه أن النبي - ﷺ - سجد قبل السلام. فأجابوا عن حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - بأن مالكًا وجماعةً أرسلوه، وهو جواب ضعيف، لأن وصله، وإسناده ثابت محكوم بصحته كما تقدم، ثم هو أرجح من جهة السند من حديث عبد الله بن جعفر، ومن حديث ثوبان، لخلوّ إسناد أبي سعيد عن متكلم فيه، واشتمال حديث ابن جعفر على مصعب بن شيبة، وهو متكلم فيه، وهذا، وإن كان مندفعًا باحتجاج مسلم به، ولكن يظهر فائدته في الترجيح عند التعارض، كما صرّح به الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح في كتابه «علوم الحديث». وحديث ثوبان فيه إسماعيل بن عيّاش، وقد تُكُلِّم فيه كثيرًا، وقال فيه أبو إسحاق الفزاري: لا تأخذوا عن إسماعيل بن عيّاش شيئًا، لا ما روى عن المعروفين، ولا غيرهم، ثم لو قبلناه على قول أحمد والبخاري، فحديث أبي سعيد الخدري أصحّ منه. ثم لحديث ثوبان علة أخرى غيرُ إسماعيل بن عيّاش، وهي أنه اختلف فيه عليه، فرواه هكذا عنه عمرو بن عثمان الحمصي وحده متصلًا، وخالفه عثمان بن أبي شيبة، وشُجاع بن مخلد، وأبو توبة الربيع بن نافع، فرووه عن إسماعيل بن عياش، عن عبيد الله بن عُبيد، عن زهير بن سالم، عن عبد الرحمن بن جُبير بن نفير، عن ثوبان، ولم يقولوا فيه: «عن أبيه»، وعبد الرحمن بن جُبير لم يدرك ثوبان، فالراجح أنه منقطع، لقول الجماعة. ولا يبقى النظر إلا في الترجيح بين حديث ابن مسعود، وحديث أبي سعيد الخدري - ﵄ -، وما تابعه في بعض طرق حديث أبي هريرة - ﵁ -. وقد تقدم أن حديث ابن مسعود لم تتفق الروايات فيه على قوله: «ثم ليسلم، ثم ليسجد سجدتين»، ولكنها زيادة صحيحة. وحديث أبي سعيد اتفقت الروايات فيه على تعيين السجود قبل التسليم، ففي تقديم أحدهما على الآخر نظر من حيث الإسناد، بل إن اتفق أمر خارجيٌّ رُجح به، وإلا فلا. وأما حديث ابن بُحينة فقد أجاب عنه الطحاوي وغيره بأن حديث المغيرة بن شعبة قد عارضه، وفيه السجود بعد السلام في صورة النقص التي انتفت في حديث ابن بُحينة بعينها. وتأول بعضهم حديث ابن بُحينة بأن المراد بالسجود هنا سجود الصلاة الذي من صُلب الركعة، أو بأن المراد بقوله: «قبل السلام» السلام الثاني. وقال بعضهم: يَحتَملُ أن يكون النبي - ﷺ - سجد في قصة ابن بحينة قبل السلام سهوًا. قال العلائي -﵀-: وهذه كلها خلاف الظاهر، أو باطلة، وكيف يُحمل السجود هنا على ركن الصلاة، وقد قال عبدُ الله ابن بحينة: فلمّا قضى الصلاة، وانتظرنا تسليمه سجد سجدتين، ثم سلّم؟!! وكذلك حملُ السلام على التسليمة الثانية، فإن سجود السهو لا يكون إلا بعد التسليمتين اتفاقًا، وأما السهو فالأصل عدمه، وتطريقه إلى الأفعال الشرعية من غير دليل يدل على ذلك الفعل لا يجوز، ثم إنه مقابل بعكسه، فقد قال جماعة من أصحابنا: إن سجود النبي - ﷺ - في قصة ذي اليدين بعد السلام محمول على أنه أخّره سهوًا. وفي كلام الشافعي إشارة إليه، بل هذا الاحتمال أولى، لأن نقل ما ليس من نفس الصلاة إليها بعيد، بخلاف سجود السهو من قبل السلام إلى ما بعده. والحقّ أنه لا يُحمل شيء من هذين الفعلين على السهو، لمخالفته للأصل من غير دليل، وتطرق ذلك إلى ما لا يسوغ في الاستدلال بفعله - ﷺ -. وأما معارضة حديث المغيرة بن شعبة لحديث ابن بُحينة - ﵄ -، فقد تقدم أن إسناد حديث المغيرة ليس بالقويّ، وأن حديث ابن بحينة أصح منه، وقد اعتضد بحديث معاوية - ﵁ -. وحكى أنه شاهد هذا من النبي - ﷺ -، ومعاوية متأخر الإسلام من مسلمة الفتح. فالترجيح ظاهر لحديث ابن بحينة، ومن تابعه هذا فلا ريب فيه . وحديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ - يُمكن ردّه إلى حديث ابن بحينة كما تقدم. قال ابن عبد البرّ -﵀-: ويكفي حجةً في ذلك أن الإمام أحمد من أكبر أئمة الحديث المعتبر قولهم المطلعين على جميع طرقه، قد قال بأنه في النهوض من الركعتين، والسهو عن التشهد الأول يسجد قبل السلام لا غير، فدلّ ذلك على ترجيحه حديث ابن بُحينة، وأنه لم يَعتبر حديث المغيرة بن شعبة. واحتج الطحاوي بما رُوي عن عمر - ﵁ - أنه صلى صلاة المغرب، فلم يقرأ في الركعة الأولى شيئًا، فلمّا كان في الثانية قرأ فيها بفاتحة الكتاب، وسورة مرتين، فلما سلم سجد سجدتي السهو، وهو عنده من رواية شعبة، عن عكرمة بن عمّار، عن ضَمْضَم بن جَوْس، عن عبد الرحمن بن حنظلة بن الراهب، أن عمر - ﵁ -، فذكره. وأشار بذلك إلى أن عمر - ﵁ - لم يسجد بعد السلام في النقص إلا وقد علم من النبي - ﷺ - أن فاعله في حديث ابن بُحينة قد نُسخ. قال الحافظ العلائي -﵀-: وجواب هذا أنه لا يلزم منه النسخ، ولا يعارض فعل النبي - ﷺ - بفعل غيره، وما الذي يدلّ على أن عمر - ﵁ - اطلع على سجود النبي - ﷺ - يوم ابن بُحينة قبل السلام، ثم خالفه حتى تعذر اطلاعه على ناسخ؟ ثم روى عن جماعة من الصحابة أنهم قالوا: سجود السهو بعد التسليم، ولم يفرّقوا، منهم ابن مسعود، وابن عباس، وابن الزبير، وأنس بن مالك، وآخرون. وجوابه ما تقدم أن فعل النبي - ﷺ -، وما ثبت عنه أمرًا وفعلًا لا يُعارضه غيره من عمل الصحابة، ولو قدر اطلاعهم على سجود النبي - ﷺ - قبل السلام، فما المانع من اعتقادهم تسويغ كل واحد من الأمرين. وهذا هو الأولى كما سيأتي، إن شاء الله تعالى. ويدلّ على ذلك اختلاف الرواية عنهم، فقد اختلف عن ابن عباس، وابن الزبير - ﵃ - كما تقدّم. ثم قال الطحاوي: وأما من جهة النظر، فإنا رأينا سجود السهو يُؤخر عن موضع السهو بخلاف سجود التلاوة، ومن نسي سجدة من صلاته إلى آخر الصلاة، فإنه اختلف في تقديمه على السجود، أو تقديم السجود عليه، فكان النظر أن يكون حكمه في تقديمه على السجود حكم ما قبله من الصلاة المتفق على تقديمه عليه. وجواب هذا أنه ليس بقياس صحيح، ولو كان قياسًا معتبرًا فهو في مقابلة النصوص الصحيحة، فلا يُقبل. ثم هو معارض بقياس أقوى منه، وهو أن سجود السهو شُرع جبرًا لما وقع في الصلاة من الخلل، إما بزيادة، أو نقص، والأصل أن الجابر يقع في المجبور لينجبر باتصاله به، لأن الإصلاح والجبر بعد الانفصال عن الصلاة بعيد، فالقياس يقتضي أن يكون قبل السلام مطلقًا، وإذا كان لا بدّ من اعتبار القياس، فهذا أولى، والله أعلم. وأما الشافعية على المشهور عندهم من أقوال الشافعي -﵀-، فإنهم رأوا أن تقديم حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - أولى من حديث ابن مسعود - ﵁ - من جهة اتفاق الرواة في الأول على التصريح بكون السجود قبل السلام، واختلافهم في ذلك في حديث ابن مسعود، كما تقدم، ومن جهة أن أبا سعيد الخدري - ﵁ - من أحداث الصحابة، فتشعر روايته بالتأخر بخلاف ابن مسعود، ومن جهة اعتضاد حديث أبي سعيد بما في حديث أبي هريرة - ﵁ - من التصريح بكونه قبل السلام، وهو متأخر الإسلام كما تقدّم. قالوا: وحديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - شمل القسمين الزيادة والنقص على كلا التقديرين، لقوله - ﷺ -: «فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى تمامًا لأربع كانت السجدتان ترغيمًا للشيطان»، وقال في كلّ منهما: «ثم يسجد قبل أن يسلم»، والزيادة المقدّرة كالمحققة، فكانت دلالة الحديث تقتضي أن السجود قبل السلام مطلقًا في حالتي السهو بالزيادة والنقص. قالوا: وهذا أولى بالأخذ من أحاديث ذي اليدين، لأن دلالة حديث أبي سعيد قولية لا تحتمل تأويلًا، ودلالة حديث ذي اليدين فعلية تحتمل أنه كان عن سهو منه - ﷺأعني تأخير السجود إلى بعد السلام- وقد تقدم الاعتراض على تقدير السهو في تأخير السجود إلى بعد السلام في حديث ذي اليدين، إذ لا دليل عليه، بل كيف يقال ذلك، وقد تكرر هذا منه - ﷺ - غير مرة كما تقدم في أحاديث أبي هريرة، وعمران بن حصين، ومعاوية بن حُديج - ﵃ -، وأنها وقائع متعددة، فاحتمال السهو فيها بعيد، أو باطل لا وجه له. وقد اعترض بعض المالكية على حديث أبي سعيد بالإرسال فيه، وتقدّم أن هذا اعتراض ضعيف، فالحديث صحيح لا ريب فيه. ومنع بعضهم إلحاق الزيادة المتوَهَّمَة بالمتحققة، فقال: إنما نقول بسجود السهو بعد السلام حيث تتحقق الزيادة، كما في قصة ذي اليدين، وإذا كانت الزيادة متوهمة، فالسجود لها قبل السلام، وهذا إنما يتمشّى على القول الذي حكاه الداودي عن مالك: أن السجود في صورة الشك يكون قبل السلام كما دل عليه حديث أبي سعيد، وليس هذا الراجح عند المالكية، بل الصحيح عندهم أن توهم الزيادة كتحققها في كونها تقتضي السجود بعد السلام. ثم قال أصحاب الشافعي: أحاديث ذي اليدين على أن المراد بالسلام الذي وقع السجود بعده هو السلام على النبي - ﷺ - الذي في التشهد، وهذا تأويل بعيد، لأن السابق إلى الفهم عند إطلاق السلام في سياق ذكر الصلاة هو الذي به التحلل. وأشار الشافعي في القديم إلى شيء آخر، فقال: أخبرنا مطرّف بن مازن، عن معمر، عن الزهري، قال: سجد رسول الله - ﷺ - سجدتي السهو قبل السلام وبعده، وآخر الأمرين قبل السلام. فاعتمد كثير من الشافعية هذا، وقالوا: السجود بعد السلام منسوخ، وهذا فيه نظر من وجوه: أحدها: من جهة مطرّف بن مازن، فقد ضعفه الجماعة كلهم، وقال فيه ابن معين: كذاب. الثاني: أن هذا قول من الزهري غير مسند، بل مرسل، أو منقطع، فكيف يثبت بمثله النسخ؟!! الثالث: أنه لو كان مسندًا صحيحًا لم يلزم منه النسخ لو جهين: أحدهما: ما ذكره إمام الحرمين: أن فعل النبي - ﷺ - لا يتضمّن الإيجاب عند المحققين، ولكنه يتضمن الجواز والإجزاء، فلئن صحّ ما ذكره الزهري أنه سجد آخرًا فهذا لا يعين ذلك، ولا ينفي جواز ما تقدم. الثاني: ما ذكره تقي الدين ابن دقيق العيد: أن شرط النسخ التعارض باتحاد المحلّ، ولم يقع ذلك مصرحًا به في رواية الزهريّ، فيحتمل أن يكون الأخير هو السجود قبل السلام، لكن في محلّ النقص، وإنما يقع التعارض المحوج إلى النسخ لو تبين أن المحلّ واحد، ولم يتبّين ذلك. قال الحافظ العلائي: وهذا بخلاف قول جابر - ﵁ -: كان آخر الأمرين من رسول الله - ﷺ - ترك الوضوء مما مست النار، إذ هما متعارضان من كلّ وجه، لتحريم الصلاة بدون الوضوء إذا كان أكله ناقضًا للوضوء، فدلّ تركه، والصلاة بدونه على النسخ. وسلك بعض أصحاب الشافعي في هذه الأحاديث مسلكًا آخر، وهو الترجيح، فجعله من جانب مَنْ قال بأنه على الإطلاق قبل السلام لكثرة الرواة، وهذا أيضًا فيه نظر من وجهين: أحدهما: منع كثرة الرواة من هذا الجانب، بل الظاهر أن الأكثر رواةً هو ما يدلّ عن تأخره بعد السلام، بدليل أحاديث ذي اليدين المتقدمة، وتعدد طرقها وصحتها. الثاني: أن الترجيح إنما يُصار إليه عند تعذر إمكان الجمع والتعارض في محلّ واحد، وذلك كله ممنوع هنا. فهذا ما يتعلق بهذه الطريق. والعلم عند الله ﷾. وقد روى عبد الرزاق في «مصنفه»: أخبرنا معمر وابن عيينة، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عمران بن حصين - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: «التسليم بعد سجدتي السهو». وهذا حديث غريب بهذا اللفظ، ويمكن حمله على السلام الذي بعد سجود السهو، لا على سلام التحلل من الصلاة. والله أعلم. وأما الطريق الثاني: وهو الجمع بين الروايات، والعمل بها فقد تقدم أنها تشتمل على ثلاث مذاهب: أحدها: قول مالك -﵀- المشهور عند أصحابه أن ما كان السهو فيه بزيادة، فمحلّ السجود له بعد السلام، وما كان بنقص، فمحله قبل السلام، وهو القول القديم للشافعي، واختيار المزني كما تقدم. قال المالكية: وبهذا يحصل الجمع بين حديث ذي اليدين، وحديث ابن بُحينة، وأيدوا ذلك من حيث المعنى بأن السجود في النقصان لصلاح الصلاة وجبرها، والإصلاح والجر لا يكونان بعد الخروج من الصلاة، وأما السجود في الزيادة، فإنما هو ترغيم للشيطان، وذلك ينبغي أن يكون بعد الفراغ، هكذا قاله ابن عبد البرّ. ولقائل أن يمنع أن السجود في سهو الزيادة ترغيم للشيطان، بل هو أيضًا جبر لما حصل في الصلاة من النقص والخلل بالزيادة فيها، فإنه نقص في المعنى، وخلل يحتاج إلى جبر، وإنما السجود الذي سماه النبي - ﷺ - ترغيمًا للشيطان هو السجود للشكّ إذا أخذ المصلي بالاحتياط، وبنى الأمر على اليقين، وهو الأقلّ، ثم كان الأمر كذلك في نفس الأمر، فإن صلاته، والحالة هذه تامّة، لا نقص فيها ولا زيادة، فأشار النبي - ﷺ - إلى أن السجود في هذه الصورة ترغيم للشيطان، لئلا يوسوس له أن في صلاته خللًا، فإنه حينئذ يخيّبه بأن الخلل قد انجبر بسجود السهو، وهذا ظاهر من لفظ الحديث في قوله - ﷺ -: «فإن كان صلى خمسًا شفعن له صلاته، وإن كان صلى تمامًا لأربع كانت السجدتان ترغيمًا للشيطان. فيحتاج من يقول: إن سجود السهو في حال الزيادة ترغيم للشيطان إلى دليل على ذلك، ثم إن المشهور من قول مالك -﵀- في صورة الشك أنه يسجد بعد السلام سواءٌ توهم الزيادة أو النقص كذلك قال القرطبي وغيره: إنه الصحيح من مذهبه. فعلى هذا لم يحصل الجمع بين الأحاديث، لأنه ألغى حديث أبي سعيد بالكلية الذي صرّح فيه بالسجود قبل السلام، وهو ثابت مجمع على صحته كما تقدم، فلم يجمع مالك -﵀- إلا بين أحاديث ذي اليدين، وحديث ابن بُحينة فقط. وطريق أحمد بن حنبل -﵀- في الجمع بين الأحاديث أقوى من جهة أنه جمع حديثي ابن مسعود وأبي سعيد الخدري، فقال: إذا شك في عدد الركعات فله حالتان: إحداهما: أن يبني على اليقين، وهو الأقلّ، ويأتي بما بقي، فحينئذ يسجد قبل السلام، عملًا بحديث أبي سعيد الخدري. والثانية: أن يتحرى، ويعمل بما غلب على ظنه أنه أقرب إلى الصواب، فحينئذ يسجد بعد السلام، عملًا بحديث ابن مسعود، وظاهر مذهبه أن المنفرد يبني على اليقين، والإمام يبني على غالب ظنه، كذلك قاله في «المقنع»، فكأنه حمل حديث أبي سعيد على المنفرد، وحديث ابن مسعود على الإمام، ورأى أن ذلك أولى من تعطيل أحدهما، وتقديم الآخر عليه. وقال فيمن نسي التشهد الأول، ونهض من الركعتين: إنه يسجد قبل السلام، عملًا بحديث ابن بحينة، وتقديمًا له على غيره كما تقدم لصحته. وفيين سلّم من ركعتين، أو من ثلاث، وتكلم، أو مشى: يسجد بعد السلام، عملًا بأحاديث ذي اليدين، ثم قال فيما سوى ذلك من أنواع السهو: إنه يسجد له قبل السلام، لأن جبر الخلل الواقع في الصلاة إنما يكون في صلبها، لا خارجًا عنها، وقد تقدّم قوله: لولا ما روي عن النبي - ﷺ - لرأيت السجود كله قبل السلام. وقد اعترض بعض الأئمة على هذا القول، وجعل اختصاص السجود بما بعد السلام بالمواضع التي وردت في حديث ذي اليدين، وما تابعه نوعَ ظاهرية. وقال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد -﵀-: يترجح قول مالك بأن تُذكر المناسبة في كون سجود السهو قبل السلام عند النقص، وبعده عند الزيادة، وإذا ظهرت المناسبة، وكان الحكم على وفقها كانت علة، وإذا كانت علةً عم الحكم جميع محالها، فلا يتخصص ذلك بمورد النصّ. قال العلائي: ولقائل أن يقول: إن كانت المناسبة المشار إليها هي ما تقدم عن ابن عبد البرّ، ففي كونها مناسبة نظر، وقد مضى الكلام عليها، وإن كانت غيرَها فلتُبَيَّن، بل الذي تقتضيه المناسبة أن يكون سجود السهو قبل السلام مطلقًا كما تقدم. وأما إسحاق بن راهويه فكأنه اعتبر هذه المناسبة، فقال بالأحاديث كلها على نحو مما قاله الإمام أحمد، ثم فرق فيما عداها بين الزيادة والنقص، فقال كقول الإمام مالك، ويرُدُّ عليهما جميعًا أن اختصاص الإمام بالتحرّي والاجتهاد في حالة الشكّ، واختصاص المنفرد بالبناء على اليقين يحتاج إلى دليل،، فإن كان ذلك للجمع بين الحديثين، فلم لا قيل العكس؟ فإن أبدوا مناسبة ذلك بأن المنفرد ليس له من يذكّره، فيحتاج إلى البناء على اليقين بخلاف الإمام، فإنه يتحرى لأنه يرجع إلى قول المأمومين، قلنا: لا نسلّم أن الإمام يلزمه الرجوع إلى قول المأمومين ما لم يتذكر، بل لا فرق بين الإمام والمنفرد، وقد قال الخطابي: إن حقيقة التحرّي هو طلب أحرى الأمرين، وأولاهما بالصواب، وأحراهما ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - من البناء على اليقين، لما فيه من كمال الصلاة، وللاحتياط لها، قال: ويدلّ على أن التحرّي قد يكون بمعنى اليقين قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن: ١٤]. قال الحافظ العلائي رحمه الله تعالى: فهذا ما يتعلق بهذه الأقوال الخمسة في موضع سجود السهو. والقول السادس لعله أقربها إلى الصواب، وهو ردّ الأمر إلى التخيير، واستواء الأمرين، لثبوت الأحاديث فيها من كل جهة، وبُعْد الجمع بينها على وجه يعم جميعها، وبُعْد المناسبة الفارقة بين الزيادة والنقصان، ولا ينافي القولُ بهذا القول بالأولوية في بعض الصور، إما قبل السلام أو بعده حسب ما ثبت في الأحاديث، وقد اختار هذا القول الشيخ أبو حامد الإسفرايني من أصحاب الشافعي. والله سبحانه أعلم. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: هذا الذي اختاره الحافظ العلائي -﵀-، وهو ردّ الأمر إلى التخيير فيما لا نص فيه هو الأرجح عندي. وحاصله أن ما نُصّ فيه بأن النبي - ﷺ - سجد فيه قبل السلام فهو قبل السلام، وما كان فيه أنه سجد فيه بعد السلام فهو بعد السلام، وما ليس فيه نص فهو بالتخيير. وقد اختار هذا القول العلامة الشوكاني -﵀- في «نيل الأوطار» جـ ٣ - ﷺ -، ١٣٤ وعبارته هناك: وأحسن ما يقال في المقام: إنه يعمل على ما تقتضيه أقواله وأفعاله - ﷺ - من السجود قبل السلام وبعده، فما كان من أسباب السجود مقيدًا بقبل السلام سجد له قبله، وما كان مقيّدًا ببعد السلام سجد له بعده، وما لم يرد تقييده بأحدهما كان مخيّرًا بين السجود قبل السلام وبعده من غير فرق بين الزيادة والنقص، لما أخرجه مسلم في «صحيحه» عن ابن مسعود - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «إذا زاد الرجل أو نقص، فليسجد سجدتين». وجميع أسباب السجود لا تكون إلا زيادة أو نقصًا، أو مجموعهما. انتهى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة العاشرة: في اختلاف أهل العلم في حكم التشهد والسلام بعد سجدتي السهو: (اعلم): أنهم اختلفلوا أيضا في سجود السهو، هل يعقبه تشهد وسلام، أم لا؟، أم أحدهما؟ وهل يحتاج إذا وقع بعد السلام إلى تكبيرة الإحرام، أم لا؟ فروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود - ﵁ - أنه يتشهد فيها، ويسلم. وعن حماد بن أبي سليمان، والحكم كذلك، وعن إبراهيم النخعي أيضًا، ورواه عبد الرزاق عن قتادة. وقال آخرون: لا تشهد بعدها، ولا تسليم، روى ابن أبي شيبة ذلك عن أنس بن مالك، والحسن البصري، والشعبي، وعطاء بن أبي رباح على خلاف عنه. وقال آخرون: يُسلّم بعدها، ولا يتشهد، روي هذا عن سعد بن أبي وقّاص، وعمّار بن ياسر، وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وعن إبراهيم النخعي، والحسن البصري أيضًا، وحكاه ابن عبد البرّ عن ابن سيرين. وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن سيرين أنه قال: أحبّ إلي أن يتشهد فيهما. وحكى ابن عبد البرّ أيضًا عن يزيد بن قُسيط أنه يتشهّد بعدهما، ولا يسلم، قال: وهو رواية أيضًا عن الحكم بن عُتيبة، وحماد، والنخعي. فهذه أقوال المتقدمين. وأما الأئمة الأربعة، فقال القاضي عياض -﵀-: مذهب مالك -﵀- أنه إذا كانتا -يعني السجدتين- بعد السلام، فيتشهد لهما، ثم يسلم، ثم اختُلفَ عنه، هل يجهر بسلامهما الإمام كسائر الصلوات، أم يسرّ، ولا يجهر؟، واختُلف عنه، هل لهما تكبيرة إحرام أم لا؟، واختلف عنه، هل يتشهد لهما إذا كانتا قبل السلام أم لا؟. وأشار القرطبي إلى ترجيح القول باشتراط تكبيرة الإحرام إذا كانتا بعد السلام، لكن قول مالك لم يختلف في وجوب السلام، وما يُتحلل منه بسلام لابدّ من تكبير يُتَحرّم به كسائر الصلوات. ومذهب أبي حنيفة أنه يتشهد بعد سجدتي السهو، ثم يسلم، ولا يحتاج عندهم إلى تكبيرة إحرام، لأنه لم يخرج بالسلام الذي قبل سجود السهو من الصلاة أصلًا. هذا قول محمد بن الحسن، حتى قال: يجوز للمقتدي أن يأتمّ به ابتداء بعد ما سلّم، ويكون كالمسبوق. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن سجد للسهو بعد ما سلم لم يكن خارجًا من الصلاة بسلامه ذلك، وجاز أن يُؤتمّ به، وإن أعرض عن السجود، وكان بذلك السلام خارجًا من الصلاة، فلم يجز ربط القدوة به. ويظهر فائدة الخلاف بينهم في انتقاض الطهارة بالقهقهة على أصلهم، واتفقوا على أنه لو سلّم يريد به قطع الصلاة لَغَت هذه الإرادة، وأتى بسجود السهو الذي عليه، لأن نيته تغيير للمشروع. وقال أحمد -﵀-: متى سجد قبل السلام لم يَحتج إلى تشهد، وكان سلامه بعد السجود هو الذي يتحلل به من الصلاة، ليس معلقًا بسجود السهو، وأما إذا سجد بعد السلام، فإنه يتشهد بعده، ثم يسلّم، ولم يذكر تكبيرة إحرام. وأما مذهب الشافعي، -﵀-، فإن سجد قبل السلام، فلا تشهد، ولا تسليم قطعًا، وإن سجد بعده ففيه تفاصيل لأصحابه قد ذكرها العلائي -﵀-، وتركتها اختصارًا، فراجعه ص ٣٤٧ - ٣٥٠. وقد ذكر العلائي -﵀- أدلتهم بعد ذكر أقوالهم، فقال: أما تكبيرة التحريم فلم يأت ذكرها في حديث صريحًا، إلا ما تقدم أن حمّاد بن زيد روى عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة - ﵁ - في حديث ذي اليدين أن النبي - ﷺ - لمّا أتم الصلاة، وسلم منها كبّر، ثم كبّر، وسجد للسهو. أخرجه أبو داود، وقال: إنها تفرّد بها هشام بن حسان من رواية حماد بن زيد عنه، وقد رواه حماد ابن سلمة، وأبو بكر بن عياش، عن هشام بن حسان لم يذكروا هذه اللفظة- أعني قوله: «كبّر، ثم كبّر». وكذلك رواه عن ابن سيرين جماعة كثيرون فوق العشرة بدونها. فالحاصل: أن هذه الزيادة شاذّة، وإن كان راويها ثقةً، ولكنه خالف فيها جماعة حُفّاظًا أكثر عددا منه، فكانت مردودة. والذي اعتمده القرطبي في اشتراط تكبيرة التحريم ما تكرر في روايات حديث ذي اليدين في «الصحيح» من قول أبي هريرة - ﵁ -: فصلى ركعتين، ثم كبر، ثم سجد، ثم كبر ورفع، ثم كبّر وسجد، ثم كبر فرفع. قال: فعَطَفَ السجود على التكبير الأول بـ «ثم» التي تقتضي التراخي، ولو كان التكبير للسجود لكان معه مصاحبًا له، ولأتى الراوي به بالواو المتقتضية للجمع، كما فعل في بقية انتقالات السجود. قال العلائي: وهذا الاستدلال ليس بالظاهري القويّ، بل هو مُحتمل، أو قريب من الظهور. وأقوى ما يُستدَلُّ به لذلك ما ثبت عن النبي - ﷺ - من التسليم بعد سجود السهو الذي فعله بعد السلام، كما ثبت هذا من حديث عمران بن حُصين - ﵄ - عند مسلم. والقاعدة تقتضي أن السلام لا يُتحلّل به إلا من عَقْد انعقد قبله بتحرّم، فهذا إذا انضمّ إلى ما قاله القرطبي أفاد قوّةً في تكبيرة الإحرام. ولكن هذا إذا قلنا بأنه ليس في الصلاة الأولى، أما إذا جعلناه عائدًا إليها كأحد الوجهين لأصحاب الشافعي فيما إذا سلم ناسيًا سجود السهو، وكمذهب أبي حنيفة في أن السلام الأول لم يُخرج به من الصلاة، إذ كان عليه سجودُ سهو، فلا معنى هنا لتكببرة الإحرام، لكن القول بأنه لم يخرج من الصلاة بالتسليم الذي أَتَى به قصدًا بعيدٌ لا وجه له، وقد قال النبي - ﷺ -: «وتحليلها بالتسليم»، فيحتاج من يقول بأنه لا يخرج من الصلاة إذا تعمد التسليم إلى دليل. وأما التشهد، فقد روى أبو داود، والترمذي، وابن ماجه جميعًا عن محمد بن يحيى الذهلي: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، أخبرني أشعث، عن ابن سيرين، عن خالد الحذّاء، عن أبى قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين - ﵄ -، أن النبي - ﷺ - صلى بهم، فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلّم. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. قال العلائي: أشعث هذا هو ابن عبد الملك الحُمراني، وثقه يحيى بن سعيد القطان، والنسائي وغيرهما. وقال أبو حاتم الرازي: لا بأس به، وقال يحيى بن معين: خرج حفص بن غياث إلى عَبّادان، فاجتمع إليه البصريون، فقالوا: لا تحدّثنا عن أشعث بن عبد الملك. ولم يخرّج الشيخان له شيئا في كتابيهما، لكن البخاري ذكره تعليقًا، وقد ذكره ابن عديّ في كتابه «الكامل في الضعفاء»، لكنه لم يذكر شيئًا يدلّ على تليينه أكثر من قول أهل البصرة هذا، وفي كونه تضعيفًا نظر، لو انفرد، فكيف به مع توثيق يحيى بن سعيد القطان وغيره؟. والذي اعتمده البيهقي في ردّ هذا الحديث أنه تفرّد به أشعث هذا، وقد رواه شعبة بن الحجاج، ووهيب بن خالد، وإسماعيل ابن عُلية، وحماد بن زيد، وهُشيم بن بَشير، ويزيد بن زريع، وعبد الوهاب الثقفي، كلهم عن خالد الحذّاء، من حديث عمران بن حُصين مطوّلًا ومختصرًا، ولم يذكر أحد منهم التشهّد بعد سجدتي السهو، فهذه الزيادة شاذّة مخالفة للثقات الحُفّاظ المتقنين، فكانت مردودة، هذا لو كان أشعث مقاومًا لمن ذكر، فكيف، وهو دونهم في الإتقان والحفظ بكثير؟، وقد مُسّ أيضًا، وهذا وحده كاف في ردّ زيادة التشهد. ويدلّ عليه أيضًا ما ثبت من طُرُق عديدة عن ابن سيرين في حديث ذي اليدين بعد سياقه حديث أبي هرير - ﵁ -، قال: ونُبِّئتُ عن عمران بن حصين أنه قال: ثم سلم. فلم يذكر مع السلام تشهدًا، وهو هنا راوي هذا الحديث، فلو كان محفوظًا عنده لذكره ولو مرّةً واحدة. وفي «صحيح البخاري» عن حماد بن زيد قال سلمة بن علقمة: قلت لمحمد -يعني ابن سيرين-: في سجدتي السهو تشهد؟ قال: ليس في حديث أبي هريرة. ولفظ الإسماعيلي: لم أحفظ فيه عن أبي هريرة شيئًا، وأحبّ إليّ أن يتشهد. وفي سنن البيهقي من حديث محمد بن عمران بن أبي ليلى، حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي ليلى، حدثني الشعبي، عن المغيرة بن شعبة: أن النبي - ﷺ - تشهّد بعد أن رفع رأسه من سجدتي السهو. قال البيهقي: وهذا تفرّد به محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الشعبي، ولا يُفرح بما تفرد به. ثمّ روى من حديث محمد بن سلمة، عن خُصَيف، عن أبي عُبيدة، عن عبد الله بن مسعود - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا كنت في صلاة، فشككت في ثلاث، أو أربع، وأكثر ظنك على أربع تشهدت، ثم سجدت سجدتين، وأنت جالس قبل أن تسلّم، ثم تشهّدت أيضًا، ثم سلّمت». ثم قال البيهقي: وهذا غير قويّ، ومختلف في رفعه ووقفه. قال العلائي: خُصيف الجزري تقدم أن أحمد بن حنبل ضعّفه، وقال مرّةً: ليس بقويّ، وقال أبو حاتم: تُكُلّم في سوء حفظه. وتقدّم أيضًا أن أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه شيئًا، لأنه كان صغيرًا جدًا في حياته، قال عمرو بن مرّة: سألت أبا عُبيدة هل تذكر من عبد الله شيئًا؟، قال: لا. وأما حديث المغيرة، ففيه ابن أبي ليلى، كما قال البيهقي، وهو القاضي الفقيه محمد بن عبد الرحمن كان يحيى بن سعيد يضعّفه، وقال فيه أحمد بن حنبل: سيء الحفظ مضطرب الحديث، وفقهه أحبّ إلينا من حديثه، وقال ابن معين: ليس بذاك، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: كان سيء الحفظ شُغل بالقضاء، فساء حفظه، ومع ذلك فقال فيه: محله الصدق، وكذلك قال فيه العجلي: كان صدوقًا جائز الحديث، وقد أثنى عليه جماعة. قال العلائي: فقد يقال: إن هذه الأحاديث الثلاثة باجتماعها ترتقي إلى درجة الحسن، ويُحتجّ بها، وهذا ليس ببعيد، ولكن قال ابن عبد البرّ: أما التشهّد في سجدتي السهو فلا أحفظه من وجه صحيح عن النبي - ﷺ -، وكذلك قال النووي: إنه لا يثبت في التشهد حديث. فالله أعلم. انتهى كلام العلائي رحمه الله تعالى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: لي في تضعيف هذه الأحاديث نظر، ولا سيما رواية أشعث الحمراني، فقد قال ابن التركماني -﵀- تعال بعد ذكر من وثقه من أهل العلم: ما حاصله: وإذا كان كذلك، فلا يضرّه تفرّده بذلك، ولا يصير سكوت من سكت عن ذكره حجةً على من ذكره وحفظه، لأنه زيادة ثقة، كيف، وقد جاء له الشاهدان اللذان ذكرهما البيهقي. انتهى «الجوهر النقي» جـ ٢ ص ٣٥٥. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الحادية عشرة: في اختلاف أهل العلم في حكم سجود السهو: (اعلم): أنهم اختلفوا في سجود السهو، هل هو واجب لابدّ منه، أو سنة؟: فمذهب الشافعي -﵀-، وكافة أصحابه أنه سنة، وحكاه الشيخ أبو حامد عن جمهور العلماء. وقال القاضي عبد الوهّاب المالكي: الذي يقتضيه مذهبنا أنه واجب في سهو النقصان. وقال القرطبي: من أصحابنا من قال: سجود السهو مندوب، وقال بعض أصحابنا: السجود للنقص واجب، وللزيادة فضيلة، ئم اختلفوا هل ذلك في كلّ نقص، أو يختص الوجوب بما كان المسقط فعلًا، ولم يكن قولًا روايتان. والصحيح من مذهب الحنفية: أن سجود السهو واجب كذلك، قاله في «الهداية»، وكذلك حكاه الشيخ أبو حامد الاسفرايني وغيره عنهم أنه واجب يأثم بتركه، وليس بشرط لصحّة الصلاة، وهو اختيار الكرخي منهم، وبعض أصحابهم قال: إنه سنة كمذهب الشافعي. وأما مذهب أحمد -﵀-، فأفعال الصلاة منقسمة عندهم على ثلائة أنواع: أحدها: أركان يُبطل الصلاةَ الإخلال بها عمدًا، ويجب تداركها إذا تركت سهوًا، كتكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والركوع والسجود ونحوها. وثانيها: واجبات، من ترك منها شيئًا عمدًا بطلت صلاته، ومن تركه سهوا لم تبطل، ولم يتداركه، بل يسجد للسهو، كتكبيرات الانتقالات، والتشهد الأول، والجلوس له، والتسبيح في الركوع، وفي السجود وأشباهها. وثالثها: سننٌ قوليةٌ، كالاستفتاح، والتعوذ، والتأمين، وقراءة السورة، والجهر، والإسرار، ونحو ذلك، فهل يُشرَع سجود السهو لتداركها؟ فيه روايتان، وليس سجود السهو واجبًا في هذا القسم الأخير قطعًا. وأما في الثاني: فسجود السهو له واجب قطعًا، وكذلك هو أيضًا واجب إذا سها بزيادة فعل في الصلاة، يُبطلها عمدُهُ، كالكلام والسلام، ونحو ذلك، فإن تعمّد ترك سجود عن واجب محله قبل السلام بطلت صلاته عندهم، وإن ترك المشروع بعد السلام لم تبطل، وإذا شكّ في ترك واجب، فهل يلزمه السجود؟ فعلى وجهين، وإن شكّ في زيادة لم يسجد. واحتجّ أصحاب الشافعي -﵀- على أن سجود السهو سنة، وليس بواجب بما روى أبو داود في «سننه» من حديث ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخُدري - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا شكّ أحدكم في صلاته فليُلق الشكّ، وليبن على اليقين، فإن استيقن التمام سجد سجدتين، فإن كانت صلاته تامّةً كانت الركعة نافلة، والسجدتان، وإن كانت ناقصة كانت الركعة تمامًا لصلاته، وكانت السجدتان مُرغمتي الشيطان». قالوا: فهذا الحديث يدلّ على أن السجدتين نافلة، والحديث حسن، لأن ابن عجلان روى عنه مالك، وشعبة، ووثقه الجمهور، وأخرج له مسلم في مواضع من كتابه، لكن يَردُ على هذا أن الحديث رواه جماعة عن زيد بن أسلم، لم يذكروا هذه الزيادة، وقد تقدم ذلك، وابن عجلان متكلّم في حفظه، وقد أدخله البخاريّ في «كتاب الضعفاء»، فعلى تقدير قبوله إذا خالف من هو أوثق منه، وأحفظ، وأكثر عددًا في قبوله نظر. وأما القائلون بوجوب سجود السهو، فلهم ثلاث مسالك: الأول: الأمر بذلك في قوله - ﷺ -: «ثم ليسجد سجدتين»، وهو صحيح ثابت في حديث ابن مسعود، وأبي سعيد الخدري، وغيرهما - ﵃ -. والثاني: التمسك بفعله - ﷺ -، وسجوده له كما ثبت في أحاديث ذي اليدين، وحديث ابن بُحينة. قال العلائي -﵀-: وهذا إما على القول بأن فعله - ﷺ - يدلّ على الوجوب فيما ظهر فيه قصد القربة، وإما على القول بأن فعله - ﷺ - وقع هنا بيانًا لأفعال الصلاة الواجبة، لأنها مُجملة فيما يتعلق بالسهو فيها أيضًا، لم يتبين ذلك إلا بفعله - ﷺ -، وبيان الواجب واجب، وهذا فيما إذا كان قبل السلام واضح. وأما فيما إذا كان بعد السلام فهو على قول من يقول: إن هذا السلام يحصل به التحلل من الصلاة، كالحنفية، وبعض المالكية. وأما على طريق الجمع بأن يُضمّ إلى سجوده - ﷺ - قوله: «صلّوا كما رأيتموني أصلي»، وهو كالذي قبله فيما كان منه قبل السلام أو بعده. والمسلك الثالث: اعتبار سجود السهو بالمقتضي له الذي يُجبر به. وقد ناقش هذه المسالك الحافظ العلائي، فانظر كلامه في «نظم الفرائد» ص ٣٦٤ - ٣٦٥. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: عندي أن قول من قال بالوجوب هو الراجح؛ لوروده بصيغة الأمر، كما مر بيانه والأمر للوجوب إلا إذا وُجد ما يصرفه، ولم يذكروا هنا ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثانية عشرة: في اختلاف أهل العلم في تدارك سجود السهو: روى ابن أبي شيبة عن سلمة بن نُبيط، قال: قلت للضحّاك بن مُزاحم: إني سهوت، ولم أسجد، قال: ها هنا فاسجد، وعن وضّاح، قال: سألت قتادة؟ فقال: يُعيد سجدتي السهو. وعن الحسن، وابن سيرين قالا: إذا صرف وجهه عن القبلة لم يسجد سجدتي السهو. وعن إبراهيم النخعي، قال: هما عليه حتى يخرج، أو يتكلّم. وعن حماد بن أبي سليمان في رجل نسي سجدتي السهو حتى يخرج من المسجد قال: لا يعيد. وقال ابن شُبرُمة: يعيد الصلاة. وعن الحكم أنه لقي ذلك، فأعاد الصلاة. وروى عبد الرزاق عن الحسن في رجل نسي سجدتي السهو، قال: إذا لم يذكرهما حتى ينصرف لم يسجدهما، وقد مضت صلاته على الصحّة، وإن ذكرهما وهو قاعد لم يقم سَجَدَهما. وعن ابن جريج قال: قلت لعطاء: نسيت سجدتي السهو، فتحدثتُ أو تكلمت، ولم أقم؟ قال: فاسجدهما، قلت: فإن قمتُ حين فرغت، ولم أتكلم، ثم ذكرت؟ قال: فاجلس فاسجدهما. وعن علقمة أنه صلى، فسها، ثم انفتل عن القبلة، فقال له رجل: إنك لم تسجد سجدتي السهو، فقال: كذلك؟ قال: نعم، فانحرف إلى القبلة، فسجدهما. وأما الأئمة الأربعة ففي مذاهبهم تفاصيل قد استوعبها العلائي -﵀- في كتابه المذكور ص ٣٦٧ - ٣٧٠. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: الذي يترجح عندي أن المصلي يَتدارَك سجود السهو، وإن انحرف عن القبلة، أو تكلم، أو خرج من المسجد، ناسيًا؛ لأنه ثبت عن النبي - ﷺ - أنه سجد للسهو بعد ما انحرف عن القبلة، وتكلم، ودخل حجرته. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الثالثة عشرة: تضمنت هذه الأحاديث أن الأفعال المنافية للعبادات التي تقتضي بُطلانها إذا وقعت سهوًا ونسيانًا لا تبطلها، فيؤخذ من ذلك مسألة أصولية، وهي أن المقتضي، وهو اللفظ الذي لابد فيه من أحد تقديرات ليستقيم الكلام، هل له عموم في جميعها أم لا؟، ويُمثّل ذلك بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] فإن التحريم لا يضاف إلى الأعيان، فلا بُد من محذوف مقدر، يتم به الكلام. فيَحتَمل أن يكون المقدّر: حرم عليكم أكل الميتة، وأن يكون بيع الميتة إلى غير ذلك، فهل يضمر جميع هذه المقدرات أم لا؟ الذي اختاره الإمام فخر الدين أنه لا يقدّر الكلِّ، للاستغناء عنه، وكثرة مخالفته للأصل، إذ الضرورة تندفع بواحد، ثم أورد على ذلك أنه ليس إضمار أحد الحكمين أولى من الآخر، فإما أن لا يضمر شيء أصلا، وهو باطل، أو يضمر الكلّ، وهو المطلوب. وتوقف الآمدي في المسألة لتعارض المحذورين، أحدهما تكثير الإضمار إذا قيل بالتعميم، والآخر الإجمال إذا قيل بإضمار حكم مّا. واختار ابن الحاجب عدم التعميم، ورأى أن التزام الإجمال أقرب من مخالفة الأصل بتكثير الإضمار، وهذا بعينه اختيار الكرخي في مثل قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ أي تكون مجملة. قال العلائي -﵀-: والراجح من جهة الدليل القولُ بالتعميم، وأن التزام تكثير الإضمار أولى من التزام الإجمال، لأن المحذور فيه أقوى من الإضمار، لكثرة وجود الإضمار في اللغة، وقلّة المجمل، وللإجماع على التزام الإضمار في مواضع، والاختلاف في وجود المجمل، ولقوله - ﷺ -: «لعن الله اليهود، حرّمت عليهم الشحوم، فباعوها، وأكلوا أثمانها». متفق عليه. وهو يدلّ على إضمار جميع التصرفات المتعلقة بالشحوم في التحريم، وإلا لما لزمهم الذمّ ببيعها. وفي كلام الشافعي - ﵁ - ما يقتضي اختلاف قول في أن المقتضي له عموم أو لا؟، فقد حكى صاحب «الحاوي» عنه أنه قال في «الأم» في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] أن يقدر الآية: فمن كان منكم مريضًا، فتطيب، أو لبس، أو أخذ ظفره لأجل مرضه، أو به أذى من رأسه، فحلقه، ففدية من صيام. فقدّر جميع ما يضمر في الآية مما يصح الكلام بإضمار واحد منها. وقال في «الإملاء»: ليس هذا كله مضمرًا في الآية، وإنما الذي تضمنته حلق الرأس، والبقية مقيس عليه. والذي يتعلق بهذه المسألة في هذا الحديث الكلامُ في قوله - ﷺ -: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ، والنسيان، وما استكرهوا عليه». أخرجه ابن ماجه، والبيهقي في «سننهما» من حديث بشر بن بكر التنيسي، عن الأوزاعي، عن عطاء بن أبي رَباح، عن عبيد بن عُمير، عن ابن عباس - ﵄ -، عنه - ﷺ -. وقال فيه البيهقي: إسناده مستقيم، ورواته ثقات. قال العلائي رحمه الله تعالى: وهذا الإسناد على شرط «الصحيحين» سوى بشر بن بكر، فإنه من أفراد البخاري، والحديث أخرجه الحاكم في «المستدرك» مصححًا له. وذكر ابن أبي حاتم في «كتاب العلل» عن أبيه أن محمد بن المصفّى رواه عن الوليد ابن مسلم، عن الأوزاعي، عن عطاء، عن ابن عباس من غير ذكر عُبيد بن عُمير، ثم ذكر له طرقًا أُخَرَ وضعفها. ولفظه عند ابن أبي حاتم: «إن الله وضع عن أمتي الخطأ، والنسيان». فاختلف العلماء في هذا الحديث، هل المقدر فيه حكم الخطإ، أو إثمه، أو كلّ منهما جميعًا. فأبو حنيفة -﵀- قدّر المضمر الإثم فقط لمّا ذهب إلى أن الكلام ناسيًا في الصلاة يُبطلها. والشافعي -﵀- قدر المجموع من الإثم والحكم، ورأى أن الكلام ناسيًا لا يبطل الصلاة، وكذلك سلام التحلّل، ونية الخروج منها، وكذلك الأكل في الصوم ناسيًا. فيؤخذ من أحاديث ذي اليدين هذه صحة ما ذهب إليه الشافعي -﵀- من تقدير الجميع، لأن النبي - ﷺ - بني على صلاته غير مرّة بعد ما. سلّم منها، وتكلم، وفعل أفعالًا ناسيًا في ذلك كله، فدلّ على أن المقدّر حكم الخطإ والنسيان وإثمهما أيضًا، إذ لا خلاف في رفع الإثم، لأن فائدة التكليف، وغايته تَمَيُّزُ المطيع عن العاصي ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حيّ عن بينة. والطاعة والمعصية تستدعيان قصدًا وإرادةً لإيقاعهما، وعليه يترتب الثواب والعقاب، والمخطىء والناسي لا قصدَ لهما، وكذلك المكره أيضًا، لأنه كالآلة لمن أكرهه. ثم هنا تفصيل حسن لأقسام المنسي ينبغي ذكره لما فيه من الفائدة، وهو أن الشيء المنسي على أقسام: الأول: نسيان العبادات المأمور بها رأسًا، وذلك على ضربين: أحدهما: أن تفوت المصلحة التي شُرعت لها العبادةُ، ولا تَقبَلُ التدارك، كالجهاد، والجمعات، وصلاة الكسوف، وصلاة الجنازة في بعض الصور، فهذه وأمثالها تسقط بالفوات، ولا يشرع تداركها. وثانيهما: ما يَقبل التدارك لأن غرض الشرع تحصيل مصلحته، كمن نسي صلاة أو صومًا أو حجًا أو عمرة أو نذرًا أو كفارة، فيجب عليه تداركها، قال رسول الله - ﷺ -: «من نام عن صلاة، أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها». وهذا لا خلاف فيه بين الأمة. القسم الثاني: نسيان المنهيات عنها لذواتها إذا فعلت على وجه النسيان، وهو على ضربين أيضًا: أحدها: ما لا يتضمن إتلاف حقّ للغير، كمن نسي نجاسة الطعام فأكله، أو كون هذا الشراب خمرًا فشربه، ونحو ذلك، فلا شكّ أنه لا يتعلق هنا إثم ولا حدّ، ولا تعزير لنسيانه، ولا تدارك هنا، لأن المنهي إذا وقع، وتحققت مفسدته لم يمكن رفعها، وما شرع في معاملته من الحدّ أو التعزير إنما شُرع زاجرًا عن المعاودة، وذلك إنما يكون في حالة الذكر دون النسيان. والضرب الثاني: ما يتضمن إتلافًا لملك الغير، كمن باع طعامًا، ثم نسي أنه باعه، فأكله، فلا إثم عليه في ذلك، ولكنه يلزمه ضمانه، إما بالمثل، أو بالقيمة لمالكه، لأن الضمان من الجوابر، والجوابر لا تسقط بالنسيان. وينشأ من هذين الضربين ما كان من المنهيات له جهتان، ويتعلق به حقٌّ لله، وحقٌّ للعباد، كالقتل والزنا، فإذا قتل خطأ فهو كالنسيان، فلا إثم، والقصاص الذي هو زاجر سقط لنسيانه، والضمان بالدية لا يسقط، فإنها كبدل المتلف الذي فوّته، وهو حقّ للآدمي، وكذلك الكفّارة لا تسقط لأنها شرعت جابرة لعدم التحفظ، لا مكفّرة للإثم، إذ لا إثم هنا. ومثل هذا الزنا، فإذا أبان زوجته، ثم نسي طلاقها، فوطئها، أو باع جاريته، أو أعتقها، ثم نسي ذلك فوطئها، فلا إثم لنسيانه، ولا حدّ أيضًا لما تقدّم أن الزجر إنما يصلح للذكر، ولكن يلزمه ضمان ما أتلف من البضع بمهر المثل، لأنه حق للآدمي جابر لما أتلفه، ولا يسقط بالنسيان. القسم الثالث: نسيان الشروط المصححة للعبادة بالترك، أو المفسدة لها بالفعل، وهذا أيضًا على ضربين: أحدهما: نسيان المأمورات التي وجودها شرط في صحة العبادة، كالوضوء مثلًا، فالذي يُسقطه النسيان هنا الإثم، والعقوبة في الإقدام على العبادة من غير شرطها، ويجب عليه إعادة الصلاة تداركًا للمأمور، لأن الغرض من تحصيل مصلحته لم يوجد. وثانيهما: نسيان المنهيات المنافية، كالكلام في الصلاة، والأكل والأفعال فيها، والأكل في الصوم، وغير ذلك من منافيات العبادات، فلا يبطلها الإتيان بهذه الأشياء على وجه النسيان، لأنه لم يقصد إفسادها، وبالأدلة الدّالّة على مفردات ذلك، لقوله - ﷺ -: «من نسي، وهو صائم، فأكل أو شرب، فليتمّ صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه»، وقوله - ﷺ -: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان»، على ما تقدّم من تعميم الإضمار المقدّر، وبنائه - ﷺ - في أحاديث ذي اليدين هذه على صلاته، مع كلامه وأفعاله المنافية على وجه النسيان، هذا إذا لم يكثر ذلك، فإن كثر ففيه خلاف يأتي ذكره فيما بعد، إن شاء الله تعالى. أما إذا كان ذلك من قببل الإتلاف، كقتل الصيد في الإحرام، وحلق الشعر، وتقليم الأظفار، فلا تسقط كفّارته، لما تقدمت الإشارة إليه أنها جابرة، والجوابر لا تسقط مع النسيان. ولو صلّى ناسيا لنجاسة لا يعفى عن مثلها في حال الاختيار، ففي بطلان صلاته قولان للعلماء، مأخذهما أن الطهارة عن النجس، هل هي من قبيل المأمورات كالطهارة عن الحدث، أو أن استصحاب النجاسة في الصلاة من قبيل المنهيات؟ والجديد من قولي الشافعي هو القول الأول، والقديم هو الثاني، وهو مذهب مالك -﵀-. فإن قيل: هذا التفصيل يُنافي القول المتقدّم في تعميم الإضمارات المقدّرة في قوله - ﷺ -: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان» لإيجاب التدارك في صور كثيرة من نسيان المأمورات، وكذلك إيجاب ضمان المتلفات من الأبضاع والأموال، وكذلك إيجاب الكفّارات، فكلّ هذا ينافي القول بإضمار حكم الخطأ والنسيان، فيتعين إضمار الإثم في الحديث ليعمّ جميع الصور، ولا تختلف. قلنا: ليس كذلك، فإن الحكم المتعلق بالمأمورات إذا تركت عمدًا هو المؤخذة والعقاب المترتّب عليها، إما حدًا، كقتل تارك الصلاة، أو تعزيرًا كتأديب تارك الصوم ونحوه، وكلّ ذلك ساقط مع النسيان، ولا يترتّب إلا في حال تعمّد الترك، وأما التدارك وإيجاب القضاء، فغير مأخوذ من النسيان، بل من أمر آخر، وهو تدارك المصلحة التي شُرع لها ذلك الفعل، وكذلك ضمان الإتلافات، إما بالغرامات، أو بالمهر، أو بالدية، ونحو ذلك لأمر خارجيّ، لا تعلق له بالنسيان، بل هو من خطاب الوضع، وربط الحكم بالأسباب، بدليل وجوب ذلك في مال الصبي والمجنون الذين هما غير مكلفين. فثبت أن الأحكام المتعلقة بترك الفعل في حال العمدية مرفوعة حالة النسيان. والله سبحانه أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الرابعة عشرة: في الكلام على عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهو يتضمن بحثين: أحدهما: جواز السهو عليهم في الأفعال الدينية. والثاني: ما يتعلق بالأقوال، والعصمة فيها. والمذكور في هذه المسألة هو البحث الأول: قال الإمام أبو محمد ابن حزم رحمه الله تعالى في كتابه «الفصل» جـ ٤ ص ٢ - ٣: ذهب جميع أهل الإسلام من أهل السنة، والمعتزلة، والنجارية، والخوارج، والشيعة إلى أنه لا يجوز البتة أن يقع من نبي أصلًا معصيةٌ بعمد، لا صغيرة، ولا كبيرة، وهو قول ابن مجاهد الأشعري شيخ ابن فورك والباقلاّني. وهذا القول الذي ندين الله تعالى به، ولا يحلّ لأحد أن يدين الله بسواه، ونقول: إنه يقع من الأنبياء السهو عن غير قصد، ويقع منهم أيضًا قصد الشيء يريدون وجه الله تعالى، والتقرّب منه، فيوافق خلاف مراد الله تعالى، إلا أنه تعالى لا يُقرّهم على شيء من هذين الوجهين أصلًا، بل ينبههم على ذلك، ولا يكثر وقوعه منهم، وُيظهر ﷿ ذلك لعباده، ويبين لهم، كما فعل نبيه - ﷺ - في سلامه من اثنتين، وقيامه من اثنتين، وربما عاتبهم على ذلك بالكلام، كما فعل بنبيه - ﵇ - في أمر زينب أم المؤمنين، وطلاق زيد لها - ﵄ -، وفي قصة ابن أم مكتوم - ﵁ -. انتهى كلام أبي محمد رحمه الله تعالى. وقال الحافظ العلائي رحمه الله تعالى: اتفق جميع أهل الملل والشرائع على وجوب عصمة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن تعمد الكذب فيما دلت المعجزة القاطعة على صدقهم فيه، وذلك مما طريقه التبليغ عن الله ﷾ من دعوى الرسالة، وما يُنَزَّل عليهم من الكتب الإلهية، إذ لو جاز خلاف ذلك لأدَّى إلى إبطال دلالة المعجزة، وهو محال. وأما السهو والنسيان، فقال سيف الدين الآمديّ: اختلف الناس فيه، فذهب الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني وكثير من الأئمة إلى امتناعه. وذهب القاضي أبو بكر الباقلّاني إلى جوازه، وادعى الإمام فخر الدين الرازي في بعض كتبه الإجماع على امتناعه، ونقل الخلاف فيه في بعضها. وحاصل الخلاف: يرجع إلى أن ذلك، هل هو داخل تحت دلالة المعجزة على التصديق؟ فمن جعله غير داخل فيها جوّزه لعدم انتقاض الدلالة. وفي كلام إمام الحرمين -﵀- أن ذلك فيما يتعلق ببيان الشرائع، سواءٌ كان قولًا أو فعلًا نازلًا منزلة قول في اقتضاء البيان. وميل كلامه إلى جواز السهو في ذلك، واحتجّ عليه بقصة ذي اليدين. قال العلائي: وقال شيخنا إمام الأئمة أبو المعالي ابن الزملكاني -﵀-: الذي يظهر أن ما طريقه التبليغ فيه ما يُقطع بدخوله تحت دلالة المعجزة على الصدق، فهذا لا نزاع في أنه لا يجوز فيه التحريف، ولا الخيانة، ولا الكذب، ولا السهو، وما لا يكون كذلك، وهو مما طريقه التبليغ والبيان للشرائع، فهل يجوز فيه النسيان؟ هذا محلّ الخلاف. ويُحمل إطلاق فخر الديق الإجماع في بعض كتبه على القسم الأول، وذكره الخلاف في بعض كتبه على القسم الثاني، فإنه والآمديّ نَقَلا الخلاف مطلقًا، وهو محمول على التفصيل الذي أشار إليه إمام الحرمين. وقد قال القاضي أبو بكر الباقلّاني في كتابه «الانتصار»: المعجزة تدلّ على صدق النبي فيما هو متفكر فيه عامد له، وذهول النفس، وطريان النسيان، وبوادر اللسان لا تدخل تحت الصدق المقصود الذي هو مدلول المعجزة. قال: وأما من زعم أن في تجويز ذلك القدحَ في الثقة بتبليغ الأنبياء، فهو قول عري عن التحصيل، وإنما يلزم هذا إذا جوّز تقريرهم عليه معنى، وذلك ممتنع. ثم قال: وأما الحديث المشهور في تحللَّه عن اثنتين، فالنسيان فيه ظاهر، وهو حكمة من الله تعالى لظهور السنة فيه. وأما القاضي عياض -﵀-، فإنه نقل الإجماع على عدم جواز السهو والنسيان في الأقوال البلاغية، كما سيأتي ذكره، وخصّ الخلاف بالأفعال. وحاصل الخلاف يرجع إلى اندراجها تحت دلالة المعجزة، كما ذكرناه. قال القاضي عياض: ذهب الأكثرون من الفقهاء والمتكلمين إلى أن المخالفة في الأفعال البلاغية والأحكام الشرعية سهوًا، وعن غير قصد منه جائز عليه - ﷺ - كما تقرر من أحاديث السهو في الصلاة، وفرقوا بين ذلك، وبين الأقوال البلاغية بقيام دلالة المعجزة على الصدق في القول، ومخالفةُ ذلك يُناقضها. وأما السهو في الأفعال فغير مناقض لها، ولا قادح في النبوّة، بل غلطات الفعل، وغفلات القلب من سمات البشر، كما قال - ﷺ -: «إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت، فذكروني»، نعم، بل حالة النسيان والسهو هنا في حقه - ﷺ - لإفادة علم، وتقرير شرع، وهي زيادة له في التبليغ، وتمام عليه في النعمة، بعيدة عن سمات النقص، وأغراض الطعن، إذ البلاغ بالفعل أجلى منه بالقول، وأرفع للاحتمال. ثم حكى عن طائفة أنهم قالوا: كان النبي - ﷺ - يسهو في الصلاة، ولا ينسى، لأن النسيان ذهول وغفلة وآفة، والنبي - ﷺ - منزّه عنها، والسهو شغلٌ، فكان يسهو في الصلاة، ويَشغله عن حركتها ما في الصلاة شغلًا بها، لا غفلة عنها. ثم نقل القاضي عياض عن الإمام أبي المظفّر الإسفرايني وغيره أنهم قالوا: لا يجوز عليه - ﷺ - السهو أصلًا، وحملوا جميع أحاديث السهو على أنه - ﷺ - تعمّد ذلك ليقع البيان فيه بالفعل. وهذا قول ضعيف، بل باطل لوجوه: أحدها: أنه - ﷺ - صرّح عن نفسه بالنسيان، فقال في حديث ابن مسعود - ﵁ - المتفق عليه: «إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيتُ فذكّروني». وثانيها: أن الأفعال العمدية تبطل الصلاة. وثالثها: أن صورة الفعل العمدي والنسياني سواء، وإنما يتميز للغير بالإخبار بذلك. ورابعها: أن البيان كاف بالقول، فلا ضرورة إلى تعمّد الفعل. فالحاصل أن الراجح الذي ذهب إليه جمهور العلماء جواز السهو والنسيان على الأنبياء صلوات الله عليهم في الأفعال، كما دلت عليه هذه الأحاديث، ولكن شرط ذلك بالاتفاق أن لا يقرّ عليه فيما طريقه البلاغ، لما يؤدي ذلك إليه من فوات المقصود بالتشريع. نعم اختلفوا في أنه هل يُشترط التنبيه على ذلك متصلًا بالفعل، أو لا يشترط ذلك، بل يجوز التراخي إلى أن تنقطع مدة التبليغ، وهو العمر؟ على قولين، ليس هذا موضع بسطهما. والجمهور شرطوا أن يتصل التنبيه بالواقعة، وميل إمام الحرمين إلى جواز التأخير، ولا شكّ أن أحاديث السهو كلها قد وقع فيها البيان على الاتصال. قال القاضي عياض -﵀-: وأما ما ليس طريقه البلاغ، ولا بيان الأحكام من أفعاله - ﷺ -، وما يختصّ به من أمور دينه، وأذكار قلبه، مما لم يفعله ليُتَّبَعَ فيه، فالأكثر من طبقات علماء الأمة على جواز السهو والغلط عليه في ذلك، لما كُلَّفَه من مقاسات الخلق، وسياسات الأمة، ولكن يكون ذلك على سبيل الندور، لا على سبيل التكرار. ثم حكى عن طائفة أنهم ذهبوا إلى منع السهو والنسيان، والغفلات في هذا أيضًا جملة. وذكر الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد -﵀- أن بعض العلماء خالف القاضي عياضًا في تقسيمه الفعل إلى ما طريقه البلاغ، وما ليس طريقه البلاغ، وقال: إن أقوال الرسول - ﷺ - وأفعاله، وتقريراته كلها بلاغ، واستنتج بذلك العصمة في الكلِّ، بناءً على أن المعجزة تدلّ على العصمة فيما طريقه البلاغ، وهذه كلها بلاغ، فهذه كلها تتعلق بها العصمة، أعني القول والفعل والتقرير. قال الشيخ تقي الدين: ولم يُصرّح في ذلك بالفرق بين عمد وسهو، فإن كان يقول: إن العمد والسهو سواءٌ في الأفعال، فهذا الحديث يردّ عليه. والله تعالى أعلم. انتهى كلام العلائي رحمه الله تعالى. قال الجامع عفا الله تعالى عنه: تلخص مما ذكر أن الراجح هو ما عليه جمهور أهل العلم من جواز السهو والنسيان على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الأفعال، لوضوح الأدلة وصراحتها في ذلك. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. المسألة الخامسة عشرة: في الكلام على البحث الثاني، وهو ما يتعلق بأقواله - ﷺ -. قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: وأما أقواله - ﷺ -، فقامت الدلائل الواضحة بصحة المعجزة على صدقه، وأجمعت الأمة فيما كان طريقه البلاغ أنه معصوم فيه من الإخبار عن شيء منها بخلاف ما هو به، لا قصدًا، وعمدًا، ولا سهوًا وغلطًا. أما تعمّد الخُلْف في ذلك فمنتف، بدليل المعجزة القائمة مقام قول الله تعالى: صدقت، اتفاقًا بإطباق أهل الملّة إجماعًا. وأما وقوعه على جهة الغلط فى ذلك فبهذه السبيل عند الأستاذ أبي إسحاق الإسفرايني، ومن قال بقوله، ومن جهة الإجماع فقط، وورود الشرع بانتفاء ذلك، عصمة النبي - ﷺ -، لا من مقتضى المعجزة نفسها عند القاضي أبي بكر الباقلّاني، ومن وافقه لاختلاف بينهم في مقتضى دليل المعجزة. فلنعتمد على ما وقع عليه إجماع المسلمين أنه لا يجوز عليه خلف في القول في إبلاغ الشريعة، والإعلام بما أخبر عن ربه، وما أوحاه إليه من وحيه، لا على وجه العمد، ولا غير وجه العمد، ولا في حال الرضا والسخط، والصحة والمرض. ثم احتجّ على ذلك بقول عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ -: يا رسول الله أكتب كل ما أسمع منك؟ قال: «نعم»، قال: في الرضا والغضب؟ قال: «نعم»، فإني لا أقول إلا حقّا . ثم قرّر أن المعجزة دالّة على صدقه - ﷺ - فيما يدّعيه، ويبلّغه عن الله تعالى، وأنه لا يقول إلا حقّا، وأن المعجزة قائمة مقام قول الله تعالى له: «صدقت»، فلو جوّزنا عليه الغلط والسهو فيما يبلغه عن الله لاختلط الحق بالباطل، وحصل ضد المقصود من البعثة الذي دلّت عليه المعجزة، فتنزيه النبي - ﷺ - عن ذلك كله واجب شرعًا، وإجماعًا، كما قال الأستاذ. قال العلائي -﵀-: وفي كلام إمام الحرمين ما يشعر بخلاف في ذلك، وهو مؤول على إرادة القسم الثاني الذي ليس طريقه البلاغ، كما سيأتي. وكذلك قال فخر الدين في «تفسيره»: أما ما يتعلق بالتبليغ فقد أجمعت الأمة على عصمتهم فيه عن الكذب والتحريف، لا عمدًا ولا سهوًا، ومن الناس من جوّز ذلك سهوًا. قال العلائي: وهذا كلام متناقض كما تراه، لأن هذا القائل إن كان ممن يعتدّ بخلافه، فكيف يكون إجماعًا؟، وإن لم يُعتدّ بخلافه، فلا أثر لقوله، وهو محجوج بالإجماع، فالصواب ما قاله القاضي عياض -﵀-. ثم قال القاضي عياض بعد ذلك: أما ما ليس سبيله سبيل البلاغ من الأخبار التي لا مستند لها إلى الأحكام، ولا أخبار المعاد، ولا تضاف إلى وحي، بل في أمور الدنيا، وأحوال نفسه، فالذي يجب اعتقاده تنزيه النبي - ﷺ - عن أن يقع خبره في شيء من ذلك بخلاف مُخْبَره، لا عمدًا ولا سهوًا، ولا غلطًا، وإنه - ﷺ - معصوم من ذلك في حال رضاه وغضبه، وجدّه ومزاحه. ودليل ذلك اتفاق المسلمين، وإجماعهم عليه، وذلك أنا نعلم من دين الصحابة وعادتهم مبادرتهم إلى تصديق جميع أحواله، والثقة بجميع أخباره في أي باب كانت، وعن أي شيء وقعت، وأنه لم يكن لهم توقف، ولا تردد في شيء منها، ولا استثبات عن حالة ما، هل وقع فيها سهو، أم لا؟. وأيضًا فإن أخباره - ﷺ -، وآثاره، وسيره، وشمائله معتنى بها، مستقصّى تفاصيلها، ولم يرد أصلًا في شيء منها استدراكه ﵊ لغلط في قول قاله، ولا اعترافه بوهم في شيء أخبر به، ولو كان ذلك لنُقل كما نقل من قصته ﵇ في رجوعه عما كان أشار به في تلقيح النخل، وكان ذلك رأيًا دنيويًا، لا خبرًا، ولا تشريعًا، وكذلك قوله - ﷺ -: «لا أحلف على يمين، فأرى غيرها خيرًا منها إلا كفّرت عن يميني، وفعلت الذي هو خير». وأيضًا فإن الكذب متى عُرف من أحد في شيء من الأخبار حصلت الريبة به، واتهم في حديثه، ولم يقع قوله في النفوس موقعًا، ولهذا ما ترك المحدثون الحديث عمن عرف بالوهم والغفلة، وسوء الحفظ، وكثرة الغلط مع ثقته في التعمد. وأيضًا فإن تعمّد الكذب في أمور الدنيا معصية، والإكثار منه كبيرة بإجماع، مسقط للمروءة، وكلّ هذا مما يُنزّه عنه منصب النبوّة، وأما المرّة الواحدة منه فما كانت شنيعةً يُستبشع صاحبها، وتُخلّ به، فهي كذلك أيضًا، وما لا تقع هذا الموقع، فإن عددناها من الصغائر فهل تجري على حكمها من الخلاف؟ هذا مختلف فيه. ثم قال رحمه الله تعالى: والصواب تنزيه النبوّة عن قليله وكثيره، سهوه وعمده، إذ عمدة النبوّة الإبلاغ، والإعلام، والتبيين، وتصديق ما جاء به، وتجويز شيء من هذا قادح في ذلك، ومشكك فيه، ومناقض للمعجزة، فلنقطع عن يقين بأنه لا يجوز على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام خلف في القول في وجه من الوجوه، لا بقصد، ولا بغير قصد، ولا نتسامح مع من تسامح في تجويز ذلك عليهم في حال السهو فيما ليس طريقه البلاغ. هذا كله كلام القاضي عياض. قال العلائي: وهو الصواب الحقّ، إن شاء الله تعالى. وحينئذ فيشكل على ذلك حديث ذي اليدين هذا، وقوله - ﷺ - له: «كل ذلك لم يكن» نافيًا لما كان قد وقع، وقد ذكر الأئمة عن هذا أجوبةً كثيرةً. أحدها: التزام تجويز السهو والنسيان فيما ليس طريقه الإبلاع من الأقوال، وهو القول الذي أشار إليه القاضي عياض وضعفه، فلا تفريع عليه. ثانيها: أن المراد أن القصر والنسيان لم يكونا معًا، بل كان أحدهما، فيكون النفي للمجموع، لا للأفراد، أو لا يلزم من نفي الكلية نفي كلّ جزء من أجزائها. وهذا حكاه النووي -﵀- عن جماعة من الشافعية، وهو ضعيف لوجهين: أحدهما: القاعدة المستقرّة عند أرباب المعاني والبيان أن «كلًّا» إذا تقدمت، وخرجت من حيّز النفي، ثم كان بعدها، فإنها تقتضي نفي كلّ فرد فرد، لا نفي المجموع، ويدل عليه جواب ذي اليدين - ﵁ - بقوله: قد كان بعض ذلك. فدلّ على أن النبي - ﷺ - نفى كل فرد، لا الكلية. وثانيهما: أن قوله - ﷺ - في الرواية: «لم أنس، ولم تقصر» يبطل هذا الوجه، فإنه صريح في نفي كلّ منهما، وهو صحيح ثابت كما تقدّم. ثالثها: أن قوله - ﷺ -: «لم أنس» راجع إلى السلام، أي سلّمت قصدًا، وسهوت عن العدد، فكأنه نفى السهو فى نفس السلام، لا في غيره. ولا شكّ أن هذا كلام صحيح، وهذا وجه محتمل، ولكنه بعيد من جهة أن مقتضاه أن النبي - ﷺ - حين قال: هذا مُريدًا لهذا المعنى كان عالمًا بسهوه في العدد، ولو كان كذلك لم يسأل القوم الحاضرين مُستثبتًا منهم، هل سها، أم لا؟. رابعها: الفرق بين السهو والنسيان، وأن النبي - ﷺ - كان يسهو، ولا ينسى، ولذلك نفى عن نفسه النسيان، وقد سبقت الإشارة إلى هذا القول، وأن الفرق بين السهو والنسيان من حيث اللغة بعيد. وحاصل ما يقول هذا القائل أن النسيان عدم الذكر لأمر لا يتعلق بالصلاة، والسهو عدم الذكر لأمر يتعلق بها، أو نقول: النسيان الإعراض عن تفقد أمور الصلاة حتى يحصل عدم الذكر، والسهو عدم الذكر لا لأجل الإعراض. وكل من هذين تخصيص للّفظ بلا دليل، ثم إنه يبطل من أصله بما ثبت عنه - ﷺ -، أنه قال: «إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت، فذكّروني». خامسها: ذكره القاضي عياض، وقال: ويظهر لي أنه أقرب من هذه الوجوه أن قوله - ﷺ -: «لم أنس» إنكار منه للّفظ الذي نفاه عن نفسه، وأنكره على غيره بقوله: «بئسما لأحدهم أن يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل هو أُنسي»، فلمّا قال له السائل: أقصرت الصلاةُ أم نسيتَ؟ «أنكر قصرها كما كان، ونسيانه هو من قبل نفسه، وإنه وإن كان جرى شيء من ذلك، فقد نُسّي، حتى سأل غيره، فتحقق أنه نُسّي، فكأنه قال: لم أنس حقيقةً، ولكن الله نَسّانِي لأَسُنَّ. وأيد هذا القول بما رُوي أنه - ﷺ - قال:«لستُ أنسى، ولكن أُنَسّى لأسنّ». فقوله - ﷺ - هنا:«كلُّ ذلك لم يكن»، أو«لم أنس، ولم تقصر»حقٌّ وصدقٌ، لا خلف فيه أصلًا، فإن الصلاة لم تقصر حقيقة، ولم ينس هو - ﷺ- حقيقة، ولكنه نسي. وهذا الوجه أيضًا فيه نظر من وجوه: أحدها: ما ثبت من قوله - ﷺ -:«إنما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيتُ، فذكّروني»، فقد أضاف هنا النسيان إلى نفسه. وثانيهما: أن هذا القول لم يصدر من النبي - ﷺ - على جهة الزجر والإنكار، بل على جهة النفي لما قال ذو اليدين، ولذلك سأل الصحابة - ﵃ -، واستثبت منهم، ولو كان هذا الكلام منه على جهة الزجر عن إضافة النسيان إليه، أو الإنكار لذلك لم يكن ذلك جوابًا لذي اليدين. وثالثها: أن الذي ذمّه النبي - ﷺ - في قوله:«بئسما لأحدهم» ونهى عنه هو إضافة نسيان الآية من القرآن إلى نفسه، وليس يلزم من النهي عن إضافة النسيان للآية إلى نفسه النهي عن إضافته إلى كلّ شيء، فإن الآية من كلام الله المعظم، ويقبُحُ بالمرء أن يضيف نسيان كلام الله تعالى إلى نفسه، ولا يلزم من ذلك تعديه إلى غير كلام الله، لأنه لا يلزم من النهي عن الخاصّ النهي عن العامّ مع قيام الفرق بينهما، لأن إضافة نسيان الآية إلى نفسه يُشعر بتهاونه في استذكاره وبحفظه، ولذلك أتبع النبي - ﷺ - قوله: «بئسما لأحدهم أن يقول: نسيتُ آية كيتَ وكَيتَ، بل هو نُسي» بقوله: «استذكروا القرآن، فو الذي نفسي بيده، لهو أشدُّ تفلُّتًا من صدور الرجال من النَّعَم من عُقُلها». فلا يلتحق غير القرآن به في كراهة إضافة النسيان إليه. وسادسها: وهو الأصح الذي اختاره المحققون: أن نفيه - ﷺ - إنما كان بناءً على ما في اعتقاده وظنه، وهو أنه لم يفعل شيئًا من ذلك، فأخبر بحقّ، إذ خبره موافق لما في نفسه - ﷺ -، وكأنّ النطق مقدّر بذلك، وإن كان محذوفًا، لأنه لو صرّح به، وقال: لم تقصر الصلاة، وليس في ظني أني نسيتُ، ثمّ تبين أنه كان في خلافه في نفس الأمر كان إخباره صدقًا، ولم يقتض ذلك أن يكون خلافه في ظنه، فكذلك إذا كان مقدّرًا مُرادًا ليس فيه خُلف ولا كذبٌ. وهذا أولى الأوجه بالصواب، وأحسنها، وهو خارج على مذهب من يقول: إن مدلول اللفظ الخَبَريّ هو الأمور الذهنية، فإنه وإن لم يُذكر في اللفظ، فهو الثابت في نفس الأمر. ولهذا ذهب أكثر العلماء إلى عدم تحنيث الجاهل، ومن جملة صوره أن يحلف على شيء يعتقده، فيظهر أنه بخلاف ما حلف عليه، فتلك اليمين لا غية لا حنث فيها، لأنه لم يقصد انتهاك الاسم المعظم بالمخالفة مع القسم به، وهي التي لم يُضفها الله إلى كسب القلب، حيث قال: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٥] . قال الجامع عفا الله تعالى عنه: إنما أطلت الكلام في هذا الحديث، لكثرة فوائده، وغزارة عوائده، ولقد أحسن من قال، وأجاد فى المقال: [من البسيط] لَقَدْ أَطَالَ ثَنَائِي طُولُ لَابِسِهِ … إِنَّ الثنَاءَ عَلَى التِّنْبَالِ تِنْبَالُ والتنبال بالكسر: القصير. والله ﷾ أعلم بالصواب، وإليه المرجع
مصادر المؤلف (٣٦)

١. قال بعضهم: صوابه بأكثر من أربع سنين؛ لأن غزوة بدر وقعت في رمضان من السنة الثانية من الهجرة، وإسلام أبي هريرة وقع عام خيبر في أول سنة سبع. فتأمل. والله تعالى أعلم.

٢. «فتح» جـ ٣ ص ٣٢٧.

٣. «نظم الفرائد» ص ١٢٣ - ١٢٤.

٤. «فتح» جـ ٣ ص ٤٢٧ - ٤٢٨.

٥. هذه الأبيات تقدمت في هذا الشرح، وإنما أعيدت تذكيرًا لطول العهد بها. فتنبه.

٦. انظر «فتح الباري في شرح البخاري» للحافظ ابن رجب جـ ٩ ص ٤٤٢.

٧. «شرح البخاري» جـ ٩ ص ٤٤٢ - ٤٤٣.

٨. هكذا قال الخطابي في «معالم السنن» جـ ١ ص ٣٣٤ لكن قال في «غريب الحديث» جـ ٣ ص ٢٢٦ - ٢٢٧ يرويه العامة سرعان الناس -مكسورة السين، ساكنة الراء- وهو غلط، والصواب سرعان الناس -بنصب السين، وفتح الراء- هكذا يقول الكسائي، وقال غيره: سرعان -ساكنة الراء- والأول أجود. انتهى.

٩. راجع «نظم الفرائد» ص ١٢٧ - ١٢٨.

١٠. «فتح» جـ ٣ ص ٤٣١.

١١. «نظم الفرائد» ص ١٢٦ - ١٢٧.

١٢. «فتح» جـ ٣ ص ٤٣٢.

١٣. راجع «الفتح» جـ ٣ ص ٤٣٢ - ٤٣٣.

١٤. «فتح» جـ ٣ ص ٤٣٠ - ٤٣١.

١٥. راجع «الفتح» جـ ٣ ص ٤٣٤.

١٦. «نظم الفرائد» ص ٣٧٥.

١٧. «نظم الفرائد» ص ٣٨٠ - ٣٨١.

١٨. أخرجه ابن جرير، وإسناده ضعيف جدًّا.

١٩. قال الترمذيّ رقم ٣٢٦٨: هذا حديث حسن صحيح.

٢٠. «نظم الفرائد» ص ٤١٨ - ٤٢١.

٢١. لعله أحمد بن زهير. انظر ما كتبه محقق «نظم الفرائد» ص ٦٧.

٢٢. اسم وادٍ على مسير ليلة من المدينة. قاله في «معجم البلدان» جـ ٢ ص ٣٧٢.

٢٣. يأتي للنسائي رقم ١٢٢٨.

٢٤. القائل هو العلائي رحمه الله تعالى.

٢٥. «الاستذكار»جـ ٢ ص ٢٣١.

٢٦. أبو قلابة اسمه عبد الله بن زيد، وأبو المهلّب اسمه معاوية بن عمرو، وقيل: غير ذلك.

٢٧. معاوية بن حُدَيج -بضم الحاء المهملة، وفتح الدال، وإسكان الياء آخر الحروف، وبعدها جيم- ابن حَفْنَة بن قَتِير -بفتح القاف، وكسر التاء المثناة من فوق، وبعدها ياء ساكنة، ثم راء مفتوحة- ابن حارثة الكنديّ التُّجِيبِيُّ، كنيته أبو عبد الرحمن، وأبو نعيم أيضًا، صحبته ثابتة. قاله البخاري وغيره، وعَدَّه بعضهم في التابعين، وليس بشيء، عداده في المصريين. قال أبو بكر الحميديّ: كان إسلامه قبل وفاة النبي - ﷺ - بشهرين، وقال ابن يونس: وفد على النبي - ﷺ -، وشهد فتح مصر، وقدم على عمر - ﵁ - مبشرًا بفتح الإسكندرية، وولي غزو المغرب غير مرّة، وكانت وفاته سنة (٥٢ هـ) وحديثه في سنن أبي داود والنسائي، وابن ماجه، وفي «كتاب الأدب» للبخاري أيضًا.

٢٨. قال في «الإصابة»: فيه انقطاع بين عثمان وابن مسعدة. انتهى جـ ٦ ص ٢١١.

٢٩. لكن في سنده أبو قدامة الإياديّ تكلم فيه العلماء، إلا أن تكون الصحة بمجموع الطرق، فقد تابعه أشعث بن سَوَّار، ومطر الورّاق في روايته عن عطاء، انظر ما قاله محقق «نظم الفرائد» ص ٩٤.

٣٠. ذكر الحافظ ابن حجر -﵀- الكلام في ترجيح بعض هذه الألفاظ على بعض، ورجح لفظ «التزويج»، ونقله عن الدَّارقطني، وتوسع في ذلك، فراجع «الفتح» جـ ٩ ص ٢١٤ - ٢١٥.

٣١. سيأتي للمصنف برقم (١٢٣٨).

٣٢. سيأتي للمصنف برقم (١٢٦٠).

٣٣. فيه يوسف والد محمد لم يوثقه غير ابن حبان، وقال النسائي: ليس بالمشهور، وقال في «ت»: مقبول. فتنبّه.

٣٤. هكذا نسخة «نظم الفرائد» ص ٣٣٤ «ومن تابعه هذا فلا ريب فيه» وفيها ركاكة فليحرر.

٣٥. أخرجه أحمد، وأبو داود، والحاكم، وغيرهم بإسناد صحيح.

٣٦. راجع «نظم الفرائد» ص ١٧١ - ١٨٥.